الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩ الصفحة 51

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (جِهَاد ف ٢١) .

الْفِرَارُ مِمَّنِ ابْتُلِيَ بِعَاهَةٍ:

٤٠ - اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حُكْمِ اجْتِنَابِ مَنِ ابْتُلِيَ بِعَاهَةِ الْجُذَامِ وَنَحْوِهِ مِنَ الأَْمْرَاضِ الَّتِي تَنْتَقِل مِنَ الْمَرِيضِ إِلَى السَّلِيمِ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (جُذَام ف ٥ وَمَا بَعْدَهَا) .

عِبَادَة

التَّعْرِيفُ:

١ - الْعِبَادَةُ فِي اللُّغَةِ: الْخُضُوعُ، وَالتَّذَلُّل لِلْغَيْرِ لِقَصْدِ تَعْظِيمِهِ وَلاَ يَجُوزُ فِعْل ذَلِكَ إِلاَّ لِلَّهِ، وَتُسْتَعْمَل بِمَعْنَى الطَّاعَةِ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: ذَكَرُوا لَهَا عِدَّةَ تَعْرِيفَاتٍ مُتَقَارِبَةٍ: مِنْهَا:

(١) - هِيَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْخُضُوعِ لِلَّهِ، وَالتَّذَلُّل لَهُ.

(٢) - هِيَ الْمُكَلَّفُ عَلَى خِلاَفِ هَوَى نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لِرَبِّهِ.

(٣) - هِيَ فِعْلٌ لاَ يُرَادُ بِهِ إِلاَّ تَعْظِيمَ اللَّهِ بِأَمْرِهِ.

(٤) - هِيَ اسْمٌ لِمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الأَْقْوَال، وَالأَْفْعَال، وَالأَْعْمَال الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ (٢) .

_________

(١) لسان العرب، تفسير الخازن في تفسير سورة الفاتحة، وتفسير البيضاوي في سورة الفاتحة، التعريفات للجرجاني.

(٢) المصادر السابقة.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْقُرْبَةُ:

٢ - الْقُرْبَةُ هِيَ: مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ فَقَطْ، أَوْ مَعَ الإِْحْسَانِ لِلنَّاسِ كَبِنَاءِ الرِّبَاطِ وَالْمَسَاجِدِ، وَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.

ب - الطَّاعَةُ:

٣ - الطَّاعَةُ هِيَ: مُوَافَقَةُ الأَْمْرِ بِامْتِثَالِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ اللَّهِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ (١)، قَال تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢)

٤ - قَال ابْنُ عَابِدِينَ: بَيْنَ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ (الْعِبَادَةُ - الْقُرْبَةُ - الطَّاعَةُ) عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ.

فَالْعِبَادَةُ: مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَتَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى نِيَّةٍ، وَالْقُرْبَةُ: مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَنْ يَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِهِ، وَلَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى نِيَّةٍ، وَالطَّاعَةُ: مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ تَوَقَّفَ عَلَى نِيَّةٍ أَمْ لاَ، عَرَفَ مَنْ يَفْعَلُهُ لأَِجْلِهِ، أَمْ لاَ (٣) .

فَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالصَّوْمُ، وَالزَّكَاةُ، وَكُل مَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى نِيَّةٍ: عِبَادَةٌ، وَطَاعَةٌ، وَقُرْبَةٌ.

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٣٧.

(٢) سورة النساء / ٥٩.

(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٧٢.

وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَالْوَقْفُ، وَالْعِتْقُ، وَالصَّدَقَةُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لاَ تَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ: قُرْبَةٌ، وَطَاعَةٌ، لاَ عِبَادَةٌ.

وَالنَّظَرُ الْمُؤَدِّي إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى: طَاعَةٌ، لاَ قُرْبَةٌ؛ لأَِنَّ الْمَعْرِفَةَ تَحْصُل بَعْدَهَا، وَلاَ عِبَادَةَ لِعَدَمِ تَوَقُّفِهِ عَلَى نِيَّةٍ (١)، وَقَال الزَّرْكَشِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ الْعِبَادَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّعَبُّدِ، وَعَدَمُ النِّيَّةِ لاَ يَمْنَعُ كَوْنَ الْعَمَل عِبَادَةً، وَقَال: وَعِنْدِي أَنَّ الْعِبَادَةَ، وَالْقُرْبَةَ، وَالطَّاعَةَ تَكُونُ فِعْلًا وَتَرْكًا، وَالْعَمَل الْمَطْلُوبُ شَرْعًا يُسَمَّى عِبَادَةً إِذَا فَعَلَهُ الْمُكَلَّفُ تَعَبُّدًا، أَوْ تَرَكَهُ تَعَبُّدًا أَمَّا إِذَا فَعَلَهُ لاَ بِقَصْدِ التَّعَبُّدِ، بَل لِغَرَضٍ آخَرَ، أَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ لِغَرَضٍ آخَرَ غَيْرِ التَّعَبُّدِ فَلاَ يَكُونُ عِبَادَةً (٢) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ (٣)

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعِبَادَةِ:

الْعِبَادَةُ لاَ تَصْدُرُ إِلاَّ عَنْ وَحْيٍ:

٥ - الْمَقْصُودُ مِنَ الْعِبَادَةِ: تَهْذِيبُ النَّفْسِ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى اللَّهِ، وَالْخُضُوعِ لَهُ، وَالاِنْقِيَادِ لأَِحْكَامِهِ بِالاِمْتِثَال لأَِمْرِهِ، فَلاَ تَصْدُرُ إِلاَّ عَنْ

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٧٢ و٢ / ٢٣٧، وعزاه إلى شيخ الإسلام زكريا الأنصاري.

(٢) البحر المحيط ١ / ٢٩٣ - ٢٩٤.

(٣) سورة الروم / ٣٨.

طَرِيقِ الْوَحْيِ بِنَوْعَيْهِ: الْكِتَابِ الْكَرِيمِ، وَسُنَّةِ النَّبِيِّ الْمَعْصُومِ الَّذِي لاَ يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، قَال تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١) .

أَوْ بِمَا يُقِرُّهُ اللَّهُ مِنِ اجْتِهَادِهِ ﷺ فَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ (٢) أَمَّا الأُْمُورُ الْعَادِيَّةُ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ لِتَنْظِيمِ مَصَالِحِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَالْمَقْصُودُ مِنْهَا: التَّوْجِيهُ إِلَى إِقَامَةِ الْعَدْل بَيْنَهُمْ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ، فَيَجُوزُ فِيهَا الاِجْتِهَادُ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ، لِتَحْقِيقِ الْعَدْل، وَدَفْعِ الضَّرَرِ.

وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ:

٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ لِخَبَرِ إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (٣) وَالْحِكْمَةُ فِي إِيجَابِ النِّيَّةِ فِيهَا: تَمَيُّزُ الْعِبَادَةِ عَنِ الْعَادَةِ، وَتَمْيِيزُ رُتَبِ بَعْضِ الْعِبَادَاتِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ، وَلِهَذَا قَالُوا: تَجِبُ النِّيَّةُ

_________

(١) سورة النجم / ٣ - ٤.

(٢) حديث: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣٠١) ومسلم (٣ / ١٣٤٣) من حديث عائشة

(٣) حديث: " إنما الأعمال بالنيات ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٩) ومسلم (٣ / ١٥١٥) من حديث عمر بن الخطاب.

فِي الْعِبَادَةِ الَّتِي تَلْتَبِسُ بِعَادَةٍ، فَالْوُضُوءُ وَالْغُسْل يَتَرَدَّدَانِ بَيْنَ التَّنْظِيفِ وَالتَّبَرُّدِ وَالْعِبَادَةِ، وَالإِْمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ قَدْ يَكُونُ لِلَّحْمِيَّةِ وَالتَّدَاوِي، وَقَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ، وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ يَكُونُ لِلاِسْتِرَاحَةِ وَيَكُونُ لِلاِعْتِكَافِ، وَدَفْعُ الْمَال لِلْغَيْرِ قَدْ يَكُونُ صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ وَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ الزَّكَاةِ، فَشُرِعَتِ النِّيَّةُ لِتَمْيِيزِ الْعِبَادَةِ عَنْ غَيْرِهَا، وَالصَّلاَةُ قَدْ تَكُونُ فَرْضًا، أَوْ نَفْلًا، فَشُرِعَتِ النِّيَّةُ لِتَمْيِيزِ الْفَرْضِ عَنِ النَّفْل.

أَمَّا الَّتِي لاَ تَلْتَبِسُ بِعَادَةٍ، كَالإِْيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، وَالأَْذَانِ، وَالإِْقَامَةِ، وَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالأَْذْكَارِ فَلاَ تَجِبُ فِيهَا النِّيَّةُ لأَِنَّهَا مُتَمَيِّزَةٌ بِصُورَتِهَا (١) .

النِّيَابَةُ فِي الْعِبَادَاتِ:

٧ - قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الْعِبَادَةَ فِي هَذَا الصَّدَدِ إِلَى أَقْسَامِ ثَلاَثَةٍ:

١ - عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ.

٢ - عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ مَحْضَةٌ.

٣ - عِبَادَةٌ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَهُمَا.

فَالْعِبَادَةُ الْبَدَنِيَّةُ الْمَحْضَةُ: كَالصَّلاَةِ

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ٤٧، نهاية المحتاج ١ / ١٥٨، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٢، حاشية ابن عابدين ١ / ٢٨٠ - ٣٠٤، كشاف القناع ٢ / ٢٦٠.

وَالصَّوْمِ، وَالْوُضُوءِ، وَالْغُسْل. . فَالأَْصْل فِيهَا امْتِنَاعُ النِّيَابَةِ، إِلاَّ مَا أُخْرِجَ بِدَلِيلٍ، كَالصَّوْمِ عَنِ الْمَيِّتِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ التَّكَالِيفِ الْبَدَنِيَّةِ الاِبْتِلاَءُ، وَالْمَشَقَّةُ، وَهِيَ تَحْصُل بِإِتْعَابِ النَّفْسِ وَالْجَوَارِحِ بِالأَْفْعَال الْمَخْصُوصَةِ، وَهُوَ أَمْرٌ لاَ يَتَحَقَّقُ بِفِعْل نَائِبِهِ، فَلَمْ تُجْزِئِ النِّيَابَةُ، إِلاَّ فِي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ تَبَعًا لِلنُّسُكِ، وَلَوِ اسْتَنَابَ فِيهِمَا وَحْدَهُمَا لَمْ يَصِحَّ.

أَمَّا الصَّوْمُ عَنِ الْمَيِّتِ فَقَدْ أُخْرِجَ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لِدَلِيلٍ وَرَدَ فِيهِ: فَقَدْ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ فَقَال: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَكَانَ ذَلِكَ يُؤَدَّى عَنْهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَال: فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ (١): (ر: صَوْم) .

الْعِبَادَةُ الْمَالِيَّةُ: أَمَّا الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ الْمَحْضَةُ كَالصَّدَقَةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَالنَّذْرِ، وَالأُْضْحِيَّةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَتَصِحُّ فِيهَا النِّيَابَةُ، لأَِنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ إِلَى الإِْمَامِ إِمَّا وَاجِبٌ، أَوْ مَنْدُوبٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لاَ يُفَرِّقُهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ إِلاَّ عَنْ طَرِيقِ النِّيَابَةِ.

_________

(١) حديث ابن عباس: (جاءت امرأة إلى النبي ﷺ. . .) . أخرجه مسلم (٢ / ٨٨٠) .

وَأَمَّا الْعِبَادَةُ الْمُتَرَدِّدَةُ بَيْنَ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ فَتَصِحُّ فِيهَا النِّيَابَةُ عِنْدَ الْعَجْزِ الدَّائِمِ إِلَى الْمَوْتِ، أَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَذَلِكَ كَالْحَجِّ (١) .

وَصْفُ الْعِبَادَةِ بِالأَْدَاءِ، أَوِ الْقَضَاءِ، أَوِ الإِْعَادَةِ:

٨ - الْعِبَادَةُ: إِنْ كَانَ لَهَا وَقْتٌ مَحْدُودُ الطَّرَفَيْنِ، وَوَقَعَتْ فِي الْوَقْتِ، وَلَمْ يَسْبِقْ فِعْلُهَا مَرَّةً أُخْرَى فِي الْوَقْتِ فَأَدَاءٌ، وَإِنْ سَبَقَ فِعْلُهَا فِيهِ فَإِعَادَةٌ، وَإِنْ وَقَعَتْ بَعْدَ الْوَقْتِ فَقَضَاءٌ، أَوْ قَبْلَهُ فَتَعْجِيلٌ، فَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَالْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ، وَالنَّوَافِل الْمُؤَقَّتَةُ كُلُّهَا تُوصَفُ بِالأَْدَاءِ، وَبِالْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَقْتٌ مَحْدُودُ الطَّرَفَيْنِ، كَالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالتَّوْبَةِ عَنِ الذُّنُوبِ، وَرَدِّ الْمَظَالِمِ، فَلاَ تُوصَفُ بِأَدَاءٍ، وَلاَ قَضَاءٍ وَكَذَا الْوُضُوءُ، وَالْغُسْل لاَ يُوصَفَانِ بِأَدَاءٍ وَلاَ قَضَاءٍ، وَالزَّكَاةُ إِنْ أَخْرَجَهَا قَبْل الْحَوْل يُسَمَّى تَعْجِيلًا.

وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

جَعْل ثَوَابِ مَا فَعَلَهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ لِغَيْرِهِ:

٩ - ذَهَبَ عُلَمَاءُ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: إِلَى أَنَّ

_________

(١) البجيرمي على الخطيب ٣ / ١١٣ شرح المحلي مع القليوبي ٣ / ١٧٣، ٢ / ٣٣٨، المغني ٥ / ٩١، حاشية ابن عابدين ١ / ٢٣٧ - ٤٩٣، جواهر الإكليل ١ / ١٦٣.

لِلإِْنْسَانِ أَنْ يَجْعَل ثَوَابَ مَا فَعَلَهُ مِنْ عِبَادَةٍ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ فِي الْعِبَادَاتِ غَيْرِ الْبَدَنِيَّةِ الْمَحْضَةِ كَالصَّدَقَةِ، وَالدُّعَاءِ، وَالاِسْتِغْفَارِ، وَالْوَقْفِ عَنِ الْمَيِّتِ، وَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَنْهُ، وَالْحَجِّ عَنْهُ، إِذَا فَعَلَهَا وَجَعَل ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِْيمَانِ﴾ (٢) وَقَوْلُهُ جَل شَأْنُهُ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣) وَدُعَاءُ النَّبِيِّ ﷺ: لِكُل مَيِّتٍ صَلَّى عَلَيْهِ، وَسَأَل رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ: فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ أَفَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَال: نَعَمْ (٤) .

وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ الْمَحْضَةِ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ: لَهُ أَنْ يَجْعَل ثَوَابَ عِبَادَتِهِ لِغَيْرِهِ، سَوَاءٌ صَحَّتْ فِيهَا النِّيَابَةُ، أَمْ لَمْ تَصِحَّ فِيهَا، كَالصَّلاَةِ، وَالتِّلاَوَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لاَ تَجُوزُ فِيهَا النِّيَابَةُ،

_________

(١) المغني ٢ / ٥٦٧ - ٥٦٨، ابن عابدين ١ / ٦٠٥، ٢ / ٢٣٦، نهاية المحتاج ٦ / ٩٢، مغني المحتاج ٣ / ٩٦، القليوبي ٣ / ١٧٥.

(٢) سورة الحشر / ١٠.

(٣) سورة محمد / ١٩.

(٤) حديث: " سأل رجل النبي ﷺ: يا رسول الله، إن أمي ماتت. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ٣٠١) من حديث ابن عباس، والترمذي (٣ / ٤٨) . قال الترمذي: " هذا حديث حسن ".

وَقَالُوا: وَرَدَتْ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ، فِي الصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالدُّعَاءِ، وَالاِسْتِغْفَارِ وَهِيَ: عِبَادَاتٌ بَدَنِيَّةٌ، وَقَدْ أَوْصَل اللَّهُ نَفْعَهَا إِلَى الْمَيِّتِ، وَكَذَلِكَ مَا سِوَاهَا، مَعَ مَا رُوِيَ فِي التِّلاَوَةِ (١) .

وَقَال الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ: مَا عَدَا الصَّدَقَةَ، وَنَحْوَهَا مِمَّا يَقْبَل النِّيَابَةَ كَالدُّعَاءِ، وَالاِسْتِغْفَارِ، لاَ يُفْعَل عَنِ الْمَيِّتِ كَالصَّلاَةِ عَنْهُ قَضَاءً، أَوْ غَيْرِهَا، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (٢) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الإِْمَامِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ.

وَلَكِنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ ثَوَابَ الْقِرَاءَةِ يَصِل إِلَى الْمَيِّتِ وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَالأَْذْكَارِ وَجْهًا أَنَّ ثَوَابَ الْقِرَاءَةِ يَصِل إِلَى الْمَيِّتِ.

وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مِنْهُمُ ابْنُ الصَّلاَحِ وَالْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وَصَاحِبُ الذَّخَائِرِ، وَعَلَيْهِ عَمَل النَّاسِ (٣)، وَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ (٤) .

_________

(١) المصادر السابقة.

(٢) سورة النجم / ٣٩.

(٣) المصادر السابقة، مغني المحتاج ٣ / ٦٩، القليوبي ٣ / ١٧٥ / ١٧٦، جواهرالإكليل ١ / ١٦٣.

(٤) حديث: " ما رأى المسلمون حسنا. . . ". أخرجه أحمد (١ / ٣٨٩) من قول ابن مسعود موقوفا عليه، وحسنه السخاوي في المقاصد الحسنة (ص٣٦٧) .