الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ، أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ مِنْ حَيْثُ الْمَاصَدَقُ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْمَفْهُومِ (١) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعَادَةِ:
٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْعَادَةَ مُسْتَنَدٌ لِكَثِيرٍ مِنَ الأَْحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ وَاللَّفْظِيَّةِ، وَأَنَّهَا تُحَكَّمُ فِيمَا لاَ ضَابِطَ لَهُ شَرْعًا، كَأَقَل مُدَّةِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَفِي أَقَل سِنِّ الْحَيْضِ وَالْبُلُوغِ، وَفِي حِرْزِ الْمَال الْمَسْرُوقِ، وَفِي ضَابِطِ الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ فِي الضَّبَّةِ مِنَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، وَفِي قَصْرِ الزَّمَانِ وَطُولِهِ عِنْدَ مُوَالاَةِ الْوُضُوءِ، وَفِي الْبِنَاءِ عَلَى الصَّلاَةِ، وَكَثْرَةِ الأَْفْعَال الْمُنَافِيَةِ لِلصَّلاَةِ، وَفِي التَّأْخِيرِ الْمَانِعِ مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَفِي الشُّرْبِ وَسَقْيِ الدَّوَابِّ مِنَ الْجَدَاوِل وَالأَْنْهَارِ الْمَمْلُوكَةِ الْمَجْرَى إِذَا كَانَ لاَ يَضِيرُ مَالِكَهَا، فَتُحَكَّمُ الْعَادَةُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِل إِقَامَةً لَهَا مَقَامَ الإِْذْنِ اللَّفْظِيِّ، وَكَذَا الثِّمَارُ السَّاقِطَةُ مِنَ الأَْشْجَارِ الْمَمْلُوكَةِ، وَفِي عَدَمِ رَدِّ ظَرْفِ الْهَدِيَّةِ إِذَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِرَدِّهِ.
وَمَا جُهِل حَالُهُ فِي الْوَزْنِ وَالْكَيْل فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ رُجِعَ فِيهِ إِلَى عَادَةِ بَلَدِ الْبَيْعِ (٢) .
_________
(١) مجموعة رسائل ابن عابدين ٢ / ١١٢.
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٩٠، المنثور للزركشي ٢ / ٣٥٦، والأشباه والنظائر لابن نجيم ١ / ١٢٨، ونهاية المحتاج ٣ / ٤٣٣، والمغني ٤ / ٢٢.
وَقَال الشَّاطِبِيُّ: الْعَوَائِدُ الْجَارِيَةُ ضَرُورِيَّةُ الاِعْتِبَارِ شَرْعًا، سَوَاءٌ كَانَتْ شَرْعِيَّةً فِي أَصْلِهَا، أَوْ غَيْرَ شَرْعِيَّةٍ (١) .
دَلِيل اعْتِبَارِ الْعَادَةِ فِي الأَْحْكَامِ:
٤ - الأَْصْل فِي اعْتِبَارِ الْعَادَةِ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَوْقُوفًا: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ (٢) .
وَفِي كُتُبِ أُصُول الْفِقْهِ، وَكُتُبِ الْقَوَاعِدِ مَا يَدُل عَلَى أَنَّ الْعَادَةَ مِنَ الْمُعْتَبَرِ فِي الْفِقْهِ، وَمِنْ ذَلِكَ:
أ - قَوْلُهُمْ: الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ.
ب - الْمُمْتَنِعُ عَادَةً كَالْمُمْتَنِعِ حَقِيقَةً.
ج - الْحَقِيقَةُ تُتْرَكُ بِدَلاَلَةِ الْعَادَةِ.
د - إِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْعَادَةُ إِذَا اطَّرَدَتْ أَوْ غَلَبَتْ (٣) .
وَقَلَّمَا يُوجَدُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ لَيْسَ لِلْعَادَةِ مَدْخَلٌ فِي أَحْكَامِهِ.
_________
(١) الموافقات ٢ / ٢٨٦.
(٢) أثر عبد الله بن مسعود: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن. أخرجه أحمد (١ / ٣٧٩)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١ / ١٧٧ - ١٧٨) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني ورجاله موثقون.
(٣) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٩٨، والأشباه لابن نجيم ١ / ١٢٦ - ١٢٧ - ١٣١ ورسالة نشر العرف ص: ١١٢ - ١١٣ - ١٣٩ - ١٤١، ومجلة الأحكام العدلية المواد ٣٦، ٣٨، ٤٠، ٤١.
أَقْسَامُ الْعَادَةِ:
تَنْقَسِمُ الْعَادَةُ إِلَى أَقْسَامٍ بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ
٥ - فَبِاعْتِبَارِ مَصْدَرِهَا تَنْقَسِمُ إِلَى: عَادَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَعَادَةٍ جَارِيَةٍ بَيْنَ الْخَلاَئِقِ.
فَالْعَادَةُ الشَّرْعِيَّةُ: هِيَ الَّتِي أَقَرَّهَا الشَّارِعُ أَوْ نَفَاهَا، أَيْ: أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ أَمَرَ بِهَا إِيجَابًا أَوْ نَدْبًا، أَوْ نَهَى عَنْهَا تَحْرِيمًا أَوْ كَرَاهِيَةً، أَوْ أَذِنَ فِيهَا فِعْلًا أَوْ تَرْكًا.
وَالثَّانِيَةُ: هِيَ الْعَادَةُ الْجَارِيَةُ بَيْنَ الْخَلاَئِقِ بِمَا لَيْسَ فِي نَفْيِهِ وَلاَ إِثْبَاتِهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ.
فَالْعَادَةُ الشَّرْعِيَّةُ: ثَابِتَةٌ أَبَدًا، كَسَائِرِ الأُْمُورِ الشَّرْعِيَّةِ كَالأَْمْرِ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَاتِ، وَالطَّهَارَةِ لِلصَّلاَةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعَوَائِدِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ النَّاسِ: أَمَرَ الشَّارِعُ بِهَا أَوْ نَهَى عَنْهَا، فَهِيَ مِنَ الأُْمُورِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَلاَ تَبْدِيل لَهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ آرَاءُ الْمُكَلَّفِينَ فِيهَا، فَلاَ يَنْقَلِبُ الْحَسَنُ مِنْهَا قَبِيحًا لِلأَْمْرِ بِهِ، وَلاَ الْقَبِيحُ حَسَنًا لِلنَّهْيِ عَنْهُ حَتَّى يُقَال مَثَلًا: إِنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ لَيْسَ بِعَيْبٍ الآْنَ وَلاَ قَبِيحٍ، إِذْ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَكَانَ نَسْخًا لِلأَْحْكَامِ الْمُسْتَقِرَّةِ الْمُسْتَمِرَّةِ، وَالنَّسْخُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بَاطِلٌ.
أَمَّا الثَّانِيَةُ فَقَدْ تَكُونُ ثَابِتَةً، وَقَدْ تَتَبَدَّل،
وَمَعَ ذَلِكَ فَهِيَ أَسْبَابٌ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَحْكَامٌ (١) .
فَالثَّابِتَةُ هِيَ الْغَرَائِزُ الْجِبِلِّيَّةُ كَشَهْوَةِ الطَّعَامِ، وَالْوِقَاعِ، وَالْكَلاَمِ، وَالْبَطْشِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
وَالْمُتَبَدِّلَةُ مِنْهَا مَا يَكُونُ مُتَبَدِّلًا مِنْ حَسَنٍ إِلَى قَبِيحٍ وَبِالْعَكْسِ، مِثْل: كَشْفِ الرَّأْسِ، فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْبِقَاعِ، فَهُوَ لِذَوِي الْمُرُوآتِ قَبِيحٌ فِي بَعْضِ الْبِلاَدِ، وَغَيْرُ قَبِيحٍ فِي بَعْضِهَا، فَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ بِاخْتِلاَفِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ قَادِحًا فِي الْعَدَالَةِ، مُسْقِطًا لِلْمُرُوءَةِ، وَفِي بَعْضِهَا غَيْرُ قَادِحٍ لَهَا، وَلاَ مُسْقِطٌ لِلْمُرُوءَةِ (٢) .
وَمِنْهَا مَا يَخْتَلِفُ فِي التَّعْبِيرِ عَنِ الْمَقَاصِدِ، فَتَنْصَرِفُ الْعِبَارَةُ عَنْ مَعْنًى إِلَى مَعْنَى عِبَارَةٍ أُخْرَى، وَمِنْهَا مَا يَخْتَلِفُ فِي الأَْفْعَال فِي الْمُعَامَلاَتِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (عُرْف) .
٦ - وَتَنْقَسِمُ الْعَادَةُ بِاعْتِبَارِ وُقُوعِهَا إِلَى: عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ.
فَالْعَادَةُ الْعَامَّةُ: هِيَ الَّتِي تَكُونُ فَاشِيَةً فِي جَمِيعِ الْبِقَاعِ بَيْنَ جَمِيعِ النَّاسِ، وَلاَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْمَاكِنِ، كَالاِسْتِصْنَاعِ فِي كَثِيرٍ مِنَ
_________
(١) الموافقات ٢ / ٢٨٣ - ٢٨٤.
(٢) الموافقات ٢ / ٢٨٣ - ٢٨٤.
الأَْشْيَاءِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا النَّاسُ فِي كُل الأَْمَاكِنِ - وَفِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ - كَالأَْحْذِيَةِ وَالأَْلْبِسَةِ وَالأَْدَوَاتِ الَّتِي لاَ يُمْكِنُ الاِسْتِغْنَاءُ عَنْهَا فِي بَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ وَلاَ فِي زَمَنٍ مِنَ الأَْزْمَانِ.
أَمَّا الْخَاصَّةُ: فَهِيَ الَّتِي تَكُونُ خَاصَّةً فِي بَلَدٍ، أَوْ بَيْنَ فِئَةٍ خَاصَّةٍ مِنَ النَّاسِ، كَاصْطِلاَحِ أَهْل الْحِرَفِ الْمُخْتَلِفَةِ بِتَسْمِيَةِ شَيْءٍ بِاسْمٍ مُعَيَّنٍ فِي مُحِيطِهِمُ الْمِهَنِيِّ، أَوْ تَعَامُلِهِمْ فِي بَعْضِ الْمُعَامَلاَتِ بِطَرِيقَةٍ مُعَيَّنَةٍ حَتَّى تَصِيرَ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الْمُتَعَارَفُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَهَذِهِ تَخْتَلِفُ الأَْحْكَامُ فِيهَا بِاخْتِلاَفِ الأَْمَاكِنِ وَالْبِقَاعِ (١) .
مَا تَسْتَقِرُّ بِهِ الْعَادَةُ:
٧ - يَرَى الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْعَادَةَ يَخْتَلِفُ اسْتِقْرَارُهَا بِحَسَبِ الشَّيْءِ، فَالْعَادَةُ فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ تَسْتَقِرُّ بِمَرَّةٍ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَبِثَلاَثِ مَرَّاتٍ عِنْدَ آخَرِينَ (٢) .
انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (حَيْض فِقْرَةُ ١٦)
وَاخْتِبَارُ الْجَارِحَةِ فِي الصَّيْدِ لاَ بُدَّ مِنْ تَكْرَارِ عَدَمِ الأَْكْل مِنَ الصَّيْدِ تَكْرَارًا يَغْلِبُ عَلَى
_________
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٢٧، ورسالة نشر العرف ١١٥، والموافقات ٢ / ٢٨٤ - ٢٨٥، والمنثور ٣ / ١٧٨.
(٢) نهاية المحتاج ١ / ٣٢٦، وابن عابدين ٢ / ٨٨، وكشاف القناع ١ / ٢٠٤.
الظَّنِّ حُصُول التَّعَلُّمِ، وَقِيل: يُشْتَرَطُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَالأَْصَحُّ أَنَّ مَرْجِعَ ذَلِكَ أَهْل الْخِبْرَةِ (١) .
انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (صَيْد) وَمُصْطَلَحَ: (كَلْب)
وَلِلْعَادَةِ جُمْلَةُ أَحْكَامٍ مُرْتَبِطَةٍ بِالْعُرْفِ يُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ: (عُرْف) .
عَارِض
انْظُرْ: أَهْلِيَّة.
عَارِيَّة
انْظُرْ: إِعَارَة.
عَاشِر
انْظُرْ: عُشْر.
_________
(١) المنثور ٣ / ٣٦٠.
عَاشُورَاءُ
التَّعْرِيفُ:
١ - عَاشُورَاءُ: هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنَ الْمُحَرَّمِ (١)، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِصَوْمِ عَاشُورَاءَ: يَوْمِ الْعَاشِرِ (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
تَاسُوعَاءُ:
٢ - تَاسُوعَاءُ: هُوَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنْ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ (٣) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ تَاسُوعَاءَ وَعَاشُورَاءَ أَنَّ صَوْمَ كُلٍّ مِنْهُمَا مُسْتَحَبٌّ، اسْتِدْلاَلًا بِالْحَدِيثِ
_________
(١) المصباح المنير ولسان العرب مادة (عشر)، والدر المختار ٢ / ٨٣، وكشاف القناع ٢ / ٣٣٨، والمجموع شرح المهذب ٦ / ٣٨٢، وحاشية القليوبي ٢ / ٧٣، وجواهر الإكليل ١ / ١٤٦، والمغني لابن قدامة ٣ / ١٧٤ ط. الرياض الحديثة.
(٢) حديث: " أمر رسول الله ﷺ بصوم عاشوراء يوم العاشر ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٢٤٤) ومسلم (٢ / ٧٩٥) والترمذي (٣ / ١١٩) واللفظ له.
(٣) المصباح المنير، ولسان العرب مادة (تسع) وروضة الطالبين ٢ / ٣٨٧، وكشاف القناع ٢ / ٣٣٨، والشرح الكبير ١ / ٥١٦، وجواهر الإكليل ١ / ١٤٦، المدخل لابن الحاج ١ / ٢٨٦.
الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﷺ صَامَ عَاشُورَاءَ، فَقِيل لَهُ: إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى تُعَظِّمُهُ، فَقَال: فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِل إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ مَسْنُونٌ، أَوْ مُسْتَحَبٌّ، كَصَوْمِ يَوْمِ تَاسُوعَاءَ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُ عَاشُورَاءَ (٢)، وَقَال ﵊: صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ (٣)، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِل إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِل حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٤) .
وَفِي فَضْل يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَحِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ
_________
(١) حديث: (أنه ﷺ صام عاشوراء فقيل له. . .) . أخرجه مسلم (٤ / ٧٩٨) من حديث ابن عباس.
(٢) حديث: (أن النبي ﷺ كان يصوم عاشوراء. . .) . أخرجه مسلم (٤ / ٧٩٢) من حديث عائشة.
(٣) حديث: (صيام يوم عرفة احتسب على الله أن يكفر السنة. . .) . أخرجه مسلم (٤ / ٨١٨ - ٨١٩) من حديث أبي قتادة.
(٤) حديث: " فإذا كان العام المقبل - إن شاء الله -. . . ". تقدم تخريجه فـ / ٢.
الصِّيَامِ فِيهِ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَال: مَا هَذَا قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى، قَال: فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ (١) .
وَمَعْنَى تَكْفِيرِ سَنَةٍ: أَيْ ذُنُوبِ سَنَةٍ مِنَ الصَّغَائِرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَغَائِرُ خُفِّفَ مِنْ كَبَائِرِ السَّنَةِ وَذَلِكَ التَّخْفِيفُ مَوْكُولٌ لِفَضْل اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَبَائِرُ رُفِعَ لَهُ دَرَجَاتٌ.
وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُول فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ: خَالِفُوا الْيَهُودَ وَصُومُوا التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ (٢) .
وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي حِكْمَةِ اسْتِحْبَابِ صِيَامِ تَاسُوعَاءَ مَعَ صِيَامِ عَاشُورَاءَ أَوْجُهًا.
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ فِي اقْتِصَارِهِمْ عَلَى الْعَاشِرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ وَصْل يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِصَوْمٍ.
وَالثَّالِثُ: الاِحْتِيَاطُ فِي صَوْمِ الْعَاشِرِ
_________
(١) حديث: (قدم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء) . أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٢٤٤) ومسلم (٤ / ٧٩٥) من حديث ابن عباس واللفظ للبخاري.
(٢) أثر ابن عباس " خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر ". أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤ / ٢٨٧) .
خَشْيَةَ نَقْصِ الْهِلاَل وَوُقُوعِ غَلَطٍ، فَيَكُونُ التَّاسِعُ فِي الْعَدَدِ هُوَ الْعَاشِرُ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ (١) .
وَلِلْمَزِيدِ مِنَ التَّفْصِيل فِي ذَلِكَ: (ر - صَوْمُ التَّطَوُّعِ) .
التَّوْسِعَةُ فِي عَاشُورَاءَ:
٤ - قَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ تُسْتَحَبُّ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْعِيَال وَالأَْهْل فِي عَاشُورَاءَ (٢)، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ (٣) .
قَال ابْنُ عُيَيْنَةَ: قَدْ جَرَّبْنَاهُ مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ سِتِّينَ فَمَا رَأَيْنَا إِلاَّ خَيْرًا (٤) .
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٨٣، المجموع شرح المهذب ٦ / ٣٨٢، ٣٨٣، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ١٩٥، روضة الطالبين ٢ / ٣٨٧، حاشية القليوبي ٢ / ٧٣، حاشية الدسوقي ١ / ٥١٦، مواهب الجليل ٢ / ٤٠٦، جواهر الإكليل ١ / ١٤٦، شرح الزرقاني ٢ / ١٩٧، المغني لابن قدامة ٣ / ١٧٤ ط. الرياض الحديثة، كشاف القناع ٢ / ٣٣٨ - ٣٣٩، نزنهة المتقين ٢ / ٨٨٥ - ٨٨٦.
(٢) الترغيب والترهيب ٢ / ٧٧، المدخل لابن الحاج ١ / ٢٨٣.
(٣) حديث: " من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه. . . ". أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٣ / ٣٦٦، من حديث أبي هريرة. وأورده ابن حبان في كتاب المجروحين (٣ / ٩٧) وقال في أحد رواته: لا يجوز الاحتجاج به.
(٤) كشاف القناع ٢ / ٣٣٩.