الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩
التَّفْتَازَانِيُّ: الْكُل يُوجِبُ الْحُكْمَ، أَيْ يُثْبِتُهُ قَطْعًا وَيَقِينًا، إِلاَّ أَنَّهُ يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ عِنْدَ التَّعَارُضِ، فَيُقَدَّمُ النَّصُّ عَلَى الظَّاهِرِ، وَالْمُفَسَّرُ عَلَيْهِمَا، وَالْمُحْكَمُ عَلَى الْكُل؛ لأَِنَّ الْعَمَل بِالأَْوْضَحِ وَالأَْقْوَى أَوْلَى وَأَحْرَى (١) .
وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
ظَبْيٌ
انْظُرْ: أَطْعِمَة.
ظُفُرٌ
انْظُرْ: أَظْفَار.
_________
(١) التوضيح مع التلويح ١ / ٤١١ - ٤١٢.
ظَفَرٌ بِالْحَقِّ
التَّعْرِيفُ:
١ - الظَّفَرُ بِفَتْحِ الظَّاءِ فِي اللُّغَةِ الْفَوْزُ بِالْمَطْلُوبِ، وَقَال اللَّيْثُ: الظَّفَرُ الْفَوْزُ بِمَا طَلَبْتَ وَالْفَلْحُ عَلَى مَنْ خَاصَمْتَ، فَيَكُونُ مَعْنَى الظَّفَرِ بِالْحَقِّ فِي اللُّغَةِ فَوْزُ الإِْنْسَانِ بِحَقٍّ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ، قَال فِي الْمِصْبَاحِ: وَيُقَال لِمَنْ أَخَذَ حَقَّهُ مِنْ غَرِيمِهِ فَازَ بِمَا أَخَذَ، أَيْ سُلِّمَ لَهُ وَاخْتَصَّ بِهِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِسْتِيفَاءُ:
٢ - الاِسْتِيفَاءُ مَصْدَرُ اسْتَوْفَى، وَهُوَ أَخْذُ الْمُسْتَحِقِّ حَقَّهُ كَامِلًا (٢) .
وَقَدْ يَكُونُ بِرِضَى مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ رِضَاهُ، كَمَا قَدْ يَكُونُ بِنَاءً عَلَى حُكْمٍ قَضَائِيٍّ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الظَّفَرِ بِالْحَقِّ.
_________
(١) لسان العرب، تاج العروس، المصباح المنير، مختار الصحاح.
(٢) الموسوعة الفقهية ٤ / ١٤٦.
ب - الاِسْتِيلاَءُ:
٣ - الاِسْتِيلاَءُ لُغَةً وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ وَالْغَلَبَةُ عَلَيْهِ وَالتَّمَكُّنُ مِنْهُ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى (٢) .
وَيَخْتَلِفُ عَنِ الظَّفَرِ بِالْحَقِّ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالأَْعْيَانِ الْمَادِّيَّةِ، وَالظَّفَرُ يَقَعُ عَلَى الْحُقُوقِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَحَلُّهَا عَيْنًا أَمْ لاَ، كَمَا يَخْتَلِفُ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِحَقٍّ، وَقَدْ لاَ يَكُونُ بِحَقٍّ، بَيْنَمَا الظَّفَرُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِحَقٍّ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
يَخْتَلِفُ حُكْمُ الظَّفَرِ بِالْحَقِّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِاخْتِلاَفِ الْحُقُوقِ، فَيَحْرُمُ فِي بَعْضِهَا، وَيَجُوزُ فِي بَعْضِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِهَا.
أَوَّلًا: مَا يَحْرُمُ فِيهِ الظَّفَرُ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى تَحْرِيمِ الظَّفَرِ بِالْحَقِّ - مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ - فِي الْمَوَاضِعِ التَّالِيَةِ:
أ - تَحْصِيل الْعُقُوبَاتِ:
٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الأَْصْل فِي اسْتِيفَاءِ الْعُقُوبَاتِ مِنْ قِصَاصٍ وَحُدُودٍ وَتَعْزِيرٍ أَنْ يَكُونَ عَنْ طَرِيقِ الْقَضَاءِ (٣) لأَِنَّ هَذِهِ الأُْمُورَ
_________
(١) المصباح المنير.
(٢) الموسوعة الفقهية ٤ / ١٥٧.
(٣) البحر الرائق ٧ / ١٩٢، منح الجليل ٤ / ٣٢١، المنهاج وشرح المحلي وحاشية القليوبي وحاشية عميرة ٤ / ٣٣٤، قواعد الأحكام ٢ / ١٩٧، ١٩٨، تحفة المحتاج وحاشية الشرواني وحاشية العبادي ١٠ / ٢٨٦، حاشية الباجوري ٢ / ٤٠٠، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٧٩.
عَظِيمَةُ الْخَطَرِ، حَيْثُ إِنَّهَا تُوقَعُ عَلَى النَّفْسِ، وَالْفَائِتُ فِيهَا لاَ يُسْتَدْرَكُ، فَوَجَبَ الاِحْتِيَاطُ فِي إِثْبَاتِهَا وَاسْتِيفَائِهَا (١)، وَذَلِكَ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِالرَّفْعِ إِلَى الْحَاكِمِ، لِيَنْظُرَ فِيهَا وَفِي أَسْبَابِهَا وَشُرُوطِهَا، وَالاِحْتِيَاطُ فِيهَا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْحَقِّ، الَّذِي يَنْقَادُ فِي الْغَالِبِ لِعَاطِفَتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ لَدَيْهِ مِنَ الْوَسَائِل اللاَّزِمَةِ لِلتَّحَرِّي مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِمَا وُضِعَ تَحْتَ يَدَيْهِ مِمَّا يُمْكِنُهُ مِنْ تَقَصِّي الْوَاقِعِ وَكَشْفِ الْحَقَائِقِ، وَلأَِنَّهُ لَوْ جُعِل لِلنَّاسِ اسْتِيفَاءُ مَا لَهُمْ مِنْ عُقُوبَاتٍ لَكَانَ فِي ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إِلَى تَعَدِّي بَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ ادِّعَاؤُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَسْتَوْفُونَ حُقُوقَهُمْ، فَيَكُونُ هَذَا سَبَبًا فِي تَحْرِيكِ الْفِتْنَةِ (٢)، وَلأَِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعُقُوبَاتِ لاَ يَنْضَبِطُ إِلاَّ بِحَضْرَةِ الإِْمَامِ، سَوَاءٌ فِي شِدَّةِ إِيلاَمِهَا كَالْجَلْدِ، أَوْ فِي قَدْرِهَا كَالتَّعْزِيرِ (٣) .
وَاسْتَثْنَى فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ مِمَّا تَقَدَّمَ حَالَةَ عَجْزِ صَاحِبِ الْحَقِّ فِي الْعُقُوبَةِ عَنْ تَحْصِيلِهَا بِوَاسِطَةِ الْحَاكِمِ، بِسَبَبِ الْبُعْدِ عَنْهُ، فَأَجَازُوا
_________
(١) تحفة المحتاج ١٠ / ٢٨٦، مغني المحتاج ٤ / ٤٦١.
(٢) منح الجليل ٤ / ٣٢١، قواعد الأحكام ٢ / ١٩٨.
(٣) قواعد الأحكام ٢ / ١٩٨.
لِمَنْ وَجَبَ لَهُ تَعْزِيرٌ أَوْ حَدُّ قَذْفٍ أَوْ قِصَاصٌ وَكَانَ فِي بَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ السُّلْطَانِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، لِلضَّرُورَةِ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ يُحْتَمَل ضَيَاعُهُ إِذَا لَمْ يَسْتَوْفِهِ صَاحِبُهُ فِي مِثْل هَذِهِ الْحَالَةِ، وَنَقَل الشِّرْوَانِيُّ عَنِ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ أَنَّهُ لَوِ انْفَرَدَ - أَيْ بِالْقَوَدِ - بِحَيْثُ لاَ يَرَى، فَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يُمْنَعَ مِنْهُ، وَلاَ سِيَّمَا إِذَا عَجَزَ عَنْ إِثْبَاتِهِ (١) .
وَكَذَلِكَ قَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: يَجُوزُ لِلْمَشْتُومِ أَنْ يَرُدَّ عَلَى الشَّاتِمِ بِمِثْل قَوْلِهِ، وَالأَْفْضَل لَهُ أَنْ لاَ يَفْعَل (٢)، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ، لأَِنَّ الْمَعْصِيَةَ لاَ تُقَابَل بِمِثْلِهَا، وَإِلَى مِثْل هَذَا ذَهَبَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْل مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٣) .
حَيْثُ قَال: الاِعْتِدَاءُ هُوَ التَّجَاوُزُ، قَال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٤) أَيْ: يَتَجَاوَزُ، وَمَنْ ظَلَمَكَ فَخُذْ حَقَّكَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِكَ، وَمَنْ شَتَمَكَ فَرُدَّ عَلَيْهِ مِثْل قَوْلِهِ، وَلاَ تَتَعَدَّ إِلَى أَبَوَيْهِ، وَلاَ إِلَى ابْنِهِ أَوْ قَرِيبِهِ، وَلَيْسَ لَك أَنْ تَكْذِبَ عَلَيْهِ وَإِنْ
_________
(١) حاشية الشرواني وحاشية العبادي على تحفة المحتاج ١٠ / ٢٨٦.
(٢) البحر الرائق ٧ / ١٩٢.
(٣) سورة البقرة / ١٩٤.
(٤) سورة الطلاق / ١.
كَذَبَ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ لاَ تُقَابَل بِالْمَعْصِيَةِ (١) .
وَلَكِنْ قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: لاَ يَجُوزُ لِمَنْ ضُرِبَ بِغَيْرِ حَقٍّ أَنْ يَضْرِبَ مَنْ ضَرَبَهُ، وَلَوْ فَعَل يُعَزَّرُ الاِثْنَانِ، وَيَبْدَأُ بِإِقَامَةِ التَّعْزِيرِ عَلَى الْبَادِئِ، لأَِنَّهُ أَظْلَمُ، وَالْوُجُوبُ عَلَيْهِ أَسْبَقُ (٢) .
ب - تَحْصِيل الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّكَاحِ:
٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ اسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّكَاحِ وَاللِّعَانِ وَالإِْيلاَءِ وَالطَّلاَقِ بِالإِْعْسَارِ وَالإِْضْرَارِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْقَضَاءِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ أُمُورٌ خَطِيرَةٌ، فَيَجِبُ الاِحْتِيَاطُ فِي إِثْبَاتِهَا وَتَحْصِيلِهَا، وَلأَِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى الاِجْتِهَادِ وَالتَّحَرِّي فِي تَحْقِيقِ أَسْبَابِهَا، وَكُل ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِهِ الْحَاكِمُ (٣) .
ج - مَا يُؤَدِّي تَحْصِيلُهُ مِنَ الْحُقُوقِ إِلَى فِتْنَةٍ:
٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ فِتْنَةٌ أَوْ مَفْسَدَةٌ تَزِيدُ عَلَى مَفْسَدَةِ ضَيَاعِ الْحَقِّ، كَفَسَادِ عُضْوٍ أَوْ عِرْضٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ ظَفِرَ بِالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ أَوِ
_________
(١) تفسير القرطبي ٢ / ٣٣٨.
(٢) البحر الرائق ٧ / ١٩٢.
(٣) تهذيب الفروق ٤ / ١٢٣، ١٢٤، شرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي وحاشية عميرة ٤ / ٣٣٤.
الْمُشْتَرَاةِ أَوِ الْمَوْرُوثَةِ وَخَافَ مِنْ أَخْذِهَا بِنَفْسِهِ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى السَّرِقَةِ فَلاَ يَأْخُذُهَا إِلاَّ بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ (١) .
وَقَال بَعْضُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ إِلَى الْحَاكِمِ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إِرْعَابُ الْمُسْلِمِ وَتَرْوِيعُهُ، فَلاَ يَجُوزُ لِمُسْتَحِقِّ الْعَيْنِ أَخْذُهَا إِذَا كَانَتْ مُودَعَةً عِنْدَ آخَرَ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَرْوِيعِ الْمُودَعِ عِنْدَهُ بِظَنِّ ضَيَاعِ الْوَدِيعَةِ (٢) .
د - تَحْصِيل الدَّيْنِ الْمَبْذُول:
٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَحْصِيل الدُّيُونِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ إِذَا كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ بَاذِلًا لَهُ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ عَنْ أَدَائِهِ (٣)،، وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ.
ثَانِيًا - مَا يُشْرَعُ فِيهِ الظَّفَرُ بِالْحَقِّ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ الظَّفَرُ بِالْحَقِّ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الرَّفْعُ إِلَى الْقَضَاءِ فِي الْمَوَاضِعِ التَّالِيَةِ:
_________
(١) تهذيب الفروق ٤ / ١٢٣، منح الجليل ٤ / ٣٢١، الوجيز في فقه مذهب الإمام الشافعي ٢ / ٢٦٠، تحفة المحتاج ١٠ / ٢٨٨، حاشية الباجوري ٢ / ٤٠٠، كشاف القناع ٦ / ٣٥٧.
(٢) تحفة المحتاج ١٠ / ٢٨٨، مغني المحتاج ٤ / ٤٦٢ ط. الحلبي.
(٣) مغني المحتاج ٤ / ٤٦٢.
أ - تَحْصِيل الأَْعْيَانِ الْمُسْتَحَقَّةِ:
٨ - يَجُوزُ تَحْصِيل الأَْعْيَانِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، كَالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ، حَيْثُ أَجَازَ الْفُقَهَاءُ اسْتِرْدَادَهَا مِنَ الْغَاصِبِ قَهْرًا (١)، وَمِثْل ذَلِكَ كُل عَيْنٍ مُسْتَحَقَّةٍ بِأَيِّ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الاِسْتِحْقَاقِ، فَلِلْمُسْتَحِقِّ أَخْذُهَا دُونَ قَضَاءٍ، فَمَنْ وَجَدَ عَيْنَ سِلْعَتِهِ الَّتِي اشْتَرَاهَا أَوْ وَرِثَهَا أَوْ أَوْصَى بِهَا لَهُ فَلَهُ أَخْذُهَا وَلاَ يُشْتَرَطُ الرَّفْعُ إِلَى الْحَاكِمِ (٢) .
وَذَكَرَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَوْ غَابَ بَعْدَ السَّنَةِ وَلَمْ يُسَلِّمِ الْمِفْتَاحَ إِلَى الْمُؤَجِّرِ، فَلَهُ أَنْ يَتَّخِذَ مِفْتَاحًا آخَرَ وَيَفْتَحَ الْعَيْنَ الْمُؤَجَّرَةَ وَيَسْكُنَ فِيهَا أَوْ يُؤَجِّرَهَا لِمَنْ يَشَاءُ، وَأَمَّا الْمَتَاعُ فَيُرَحِّلُهُ فِي نَاحِيَةٍ إِلَى حِينِ حُضُورِ صَاحِبِهِ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ الْفَتْحُ عَلَى إِذْنِ الْقَاضِي (٣) .
كَمَا ذَكَرَ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ لِلشَّخْصِ
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٢٩٠، وتهذيب الفروق ٤ / ١٢٣، منح الجليل ٤ / ٣٢١، الوجيز للغزالي ٢ / ٢٦٠، المنهاج وشرح المحلي وحاشية القليوبي وحاشية عميرة ٤ / ٣٣٥، تحفة المحتاج ١٠ / ٢٨٧، ٢٨٨، مغني المحتاج ٤ / ٤٦٢، حاشية الباجوري ٢ / ٤٠٠، كشاف القناع ٤ / ٢١١، غاية المنتهى ٣ / ٤٦٣.
(٢) البحر الرائق ٧ / ١٩٢، قرة عيون الأخيار ١ / ٣٨٠، تهذيب الفروق ٤ / ١٢٣، منح الجليل ٤ / ٣٢١، المنهاج وشرح المحلي وحاشية القليوبي وحاشية عميرة ٤ / ٣٣٥، تحفة المحتاج ١٠ / ٢٨٧، ٢٨٨.
(٣) البحر الرائق ٧ / ١٩٢.
تَحْصِيل مَنَافِعِهِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْحَاكِمِ، فَجَعَلُوا لِلْمُسْتَأْجِرِ وَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَالْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ أَخْذُ الأَْعْيَانِ الَّتِي تَعَلَّقَتْ مَنَافِعُهُمْ بِهَا مِنْ أَجْل تَحْصِيل هَذِهِ الْمَنَافِعِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ دَعْوَى وَلاَ قَضَاءٌ (١) .
وَيُشْتَرَطُ فِي تَحْصِيل الأَْعْيَانِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ أَنْ لاَ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى تَحْرِيكِ فِتْنَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ مِنْ مَفْسَدَةِ ضَيَاعِ الْحَقِّ، وَأَضَافَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ شَرْطًا آخَرَ لِذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ لاَ يَكُونَ قَدْ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ الْمُسْتَحَقَّةِ حَقٌّ لِشَخْصٍ آخَرَ، وَذَلِكَ كَأَنْ يَشْتَرِيَ شَخْصٌ عَيْنًا مِنْ آخَرَ كَانَ قَدْ أَجَّرَهَا أَوْ رَهَنَهَا فَلَيْسَ لَهُ بِنَاءً عَلَى هَذَا الشَّرْطِ أَنْ يَأْخُذَهَا قَهْرًا، لِتَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِ الْبَائِعِ بِهَا (٢) .
وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذَا الشَّرْطَ، فَأَجَازَ أَخْذَهَا، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا حَقٌّ لِشَخْصٍ آخَرَ (٣) .
ب - تَحْصِيل نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالأَْوْلاَدِ:
٩ - يَجُوزُ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَال زَوْجِهَا مَا يَكْفِيهَا وَيَكْفِي أَوْلاَدَهَا مِنْهُ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ وَلاَ
_________
(١) تحفة المحتاج ١٠ / ٢٨٧، مغني المحتاج ٤ / ٤٦٢، حاشية الباجوري ٢ / ٤٠٠.
(٢) شرح المحلي وحاشية القليوبي وحاشية عميرة ٤ / ٣٣٥، مغني المحتاج ٤ / ٤٦٠.
(٣) تحفة المحتاج ١٠ / ٢٨٧، ٢٨٨.
إِذْنِ الْحَاكِمِ (١)، وَذَلِكَ لِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لاَ يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ إِلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَل عَلَيَّ فِي ذَلِكَ جُنَاحٌ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ (٢) فَجَعَل لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ الْحَقَّ فِي أَخْذِ نَفَقَتِهَا وَنَفَقَةِ وَلَدِهَا مِنْ مَال زَوْجِهَا (٣) .
ثَالِثًا - مَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الظَّفَرِ بِهِ مِنَ الْحُقُوقِ:
١٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الظَّفَرِ بِالْحُقُوقِ الْمُتَرَتِّبَةِ فِي الذِّمَّةِ: فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ.
_________
(١) تهذيب الفروق ٤ / ١٢٥، شرح النووي على صحيح مسلم ٢ / ٧، ٨، المهذب ٢ / ٣١٩، المغني ٩ / ٢٣٧، القواعد لابن رجب ص ١٧، ٣١، ٣٢، كشاف القناع ٤ / ٢١١، غاية المنتهى ٣ / ٤٦٣.
(٢) حديث: " خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٠٥) ومسلم (٣ / ١٣٣٨) من حديث عائشة واللفظ لمسلم.
(٣) صحيح البخاري مع فتح الباري ١٣ / ١٤٦، صحيح مسلم بشرح النووي ١٢ / ٧، سنن أبي دود مع معالم السنن ٣ / ١٦٦، سنن النسائي ٨ / ٢٤٦، ٢٤٧، السنن الكبرى ١٠ / ١٤١، إحكام الأحكام لابن دقيق العيد ٤ / ١٦٤.