الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩ الصفحة 30

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩

فِي سَرِيرِهِ وَرَبْطُهُ وَدُهْنُهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (١) .

وَسُمِّيَتِ التَّرْبِيَةُ حَضَانَةً تَجَوُّزًا مِنْ حَضَانَةِ الطَّيْرِ لِبَيْضِهِ وَفِرَاخِهِ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالظِّئْرِ:

٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ: (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) عَلَى جَوَازِ إِجَارَةِ الظِّئْرِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا أَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) فَقَدْ نَفَى ﷾ الْجُنَاحَ فِي الاِسْتِرْضَاعِ مُطْلَقًا، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَرْضَعَ لِوَلَدِهِ إِبْرَاهِيمَ (٣) وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ فَإِنَّ الطِّفْل فِي الْعَادَةِ إِنَّمَا يَعِيشُ بِالرَّضَاعِ وَقَدْ يَتَعَذَّرُ رَضَاعُهُ مِنْ أُمِّهِ فَجَازَ ذَلِكَ كَالإِْجَارَةِ فِي سَائِرِ الْمَنَافِعِ (٤) .

٤ - وَلِعَقْدِ الظِّئْرِ شُرُوطٌ ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ، وَهِيَ:

أَوَّلًا: الْعِلْمُ بِمُدَّةِ الرَّضَاعَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ

_________

(١) المغني ٥ / ٤٩٦، وكشاف القناع ٥ / ٤٩٥، والقليوبي وعميرة ٣ / ٧٧، وابن عابدين ٢ / ٦٣٢.

(٢) سورة البقرة / ٢٣٣.

(٣) حديث: " أن النبي ﷺ استرضع لولده إبراهيم. . . ". أخرجه مسلم (٤ / ١٨٠٨) من حديث أنس بن مالك.

(٤) تكملة فتح القدير ٧ / ١٨٥، والبدائع ٤ / ٢٠٩، والمبسوط ١٥ / ١١٩، والبحر الرائق ٨ / ٢٥، وتبيين الحقائق ٥ / ١٢٧، والشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ١٣، والفروق للقرافي ٤ / ٥٤، ومغني المحتاج ٢ / ٣٤٥ والمغني ٥ / ٤٥٠، والشرح الكبير مع المغني ٦ / ١٠ - ١٥.

يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الأُْجْرَةِ إِلاَّ بِهِ.

ثَانِيًا: مَعْرِفَةُ الصَّبِيِّ بِالْمُشَاهَدَةِ؛ لأَِنَّ الرَّضَاعَ يَخْتَلِفُ بِكِبَرِ الصَّبِيِّ وَصِغَرِهِ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يُعْرَفُ كَذَلِكَ بِالْوَصْفِ.

ثَالِثًا: مَوْضِعُ الرَّضَاعِ، لأَِنَّهُ يَخْتَلِفُ، فَيَشُقُّ عَلَيْهَا فِي بَيْتِهِ، وَالإِْرْضَاعُ فِيهِ أَشَدُّ وُثُوقًا بِتَمَامِهِ، وَيَسْهُل عَلَيْهَا فِي بَيْتِهَا.

رَابِعًا: مَعْرِفَةُ الْعِوَضِ (١) .

الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي إِجَارَةِ الظِّئْرِ:

٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَقَال الْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ الْمَنَافِعُ وَهِيَ خِدْمَةُ الصَّبِيِّ وَالْقِيَامُ بِهِ وَاللَّبَنُ تَابِعٌ كَالصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ، وَلأَِنَّ اللَّبَنَ عَيْنٌ فَلاَ يُعْقَدُ عَلَيْهِ فِي الإِْجَارَةِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هُوَ اللَّبَنُ وَالْخِدْمَةُ تَابِعَةٌ، فَلَوْ أَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ شَاةٍ لاَ تَسْتَحِقُّ الأَْجْرَ وَكَمَا لَوْ خَدَمَتْهُ بِدُونِ الرَّضَاعِ لَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَأَمَّا كَوْنُهُ عَيْنًا فَإِنَّ الْعَقْدَ مُرَخَّصٌ فِيهِ فِي الإِْجَارَةِ لِلضَّرُورَةِ لِحِفْظِ الآْدَمِيِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الأَْئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَال: " وَالأَْصَحُّ أَنَّ الْعَقْدَ يَرِدُ عَلَى اللَّبَنِ لأَِنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَمَا

_________

(١) البحر الرائق ٨ / ٢٥، والقليوبي وعميرة ٣ / ٧٧، والشرح الكبير مع المغني ٦ / ١٤، والدسوقي ٤ / ١٣.

سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ تَبَعٌ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هُوَ مَنْفَعَةُ الثَّدْيِ فَمَنْفَعَةُ كُل عُضْوٍ عَلَى حَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تَصِحُّ الإِْجَارَةُ لِحَضَانَةِ الْوَلَدِ وَإِرْضَاعِهِ مَعًا، وَتَصِحُّ لأَِحَدِهِمَا، وَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لاَ يَسْتَتْبِعُ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ فِي الإِْجَارَةِ، لأَِنَّهُمَا مَنْفَعَتَانِ يَجُوزُ إِفْرَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْعَقْدِ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْمَنَافِعِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ أَنَّهُ يَسْتَتْبِعُ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ لِلْعَادَةِ بِتَلاَزُمِهِمَا (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (إِجَارَة ف ١١٦ - ١١٧) .

أُجْرَةُ الظِّئْرِ:

٦ - يُشْتَرَطُ فِي الْعِوَضِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْرِطَ الأَْجِيرُ أَوِ الظِّئْرُ نَفَقَةً مَعْلُومَةً مَوْصُوفَةً كَمَا يُوصَف فِي السَّلَمِ بِالاِتِّفَاقِ (٢) .

أَمَّا إِذَا اسْتَأْجَرَ الظِّئْرَ أَوِ الأَْجِيرَ بِطَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ، أَوْ جَعَل لَهُ أَجْرًا وَشَرَطَ لَهُ طَعَامَهُ وَكِسْوَتَهُ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ:

_________

(١) شرح العناية على الهداية ٧ / ١٨٣، والمبسوط ١٥ / ١١٨، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق ٨ / ٢٤، ٢٦، والقليوبي وعميرة ٣ / ٧٧، ونهاية المحتاج ٥ / ٢٩٢، ومغني المحتاج ٢ / ٣٤٥، والشرح الكبير مع المغني ٦ / ١٤ - ١٥ والدسوقي ٤ / ١٠.

(٢) تكملة فتح القدير ٧ / ١٨٥، والدسوقي ٤ / ١٣، والمغني ٥ / ٤٥٠، ومغني المحتاج ٢ / ٣٤٥.

فَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بِجَوَازِهِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْجَهَالَةَ لاَ تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ وَلأَِنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالتَّوْسِعَةِ عَلَى الآْظَارِ وَعَدَمِ الْمُمَاكَسَةِ مَعَهُنَّ وَإِعْطَائِهِنَّ مَا يَشْتَهِينَ شَفَقَةً عَلَى الأَْوْلاَدِ.

وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ اخْتِلاَفًا مُتَبَايِنًا فَيَكُونُ مَجْهُولًا، وَالأَْجْرُ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا (١) .

وَعَلَى الْمُرْضِعَةِ أَنْ تَأْكُل وَتَشْرَبَ مَا يَدِرُّ لَبَنَهَا وَيَصْلُحُ بِهِ، وَلِلْمُكْتَرِي مُطَالَبَتُهَا بِذَلِكَ لأَِنَّهُ مِنْ تَمَامِ التَّمْكِينِ مِنَ الرَّضَاعِ وَفِي تَرْكِهِ إِضْرَارٌ بِالصَّبِيِّ (٢) .

فَسْخُ إِجَارَةِ الظِّئْرِ:

٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى فَسْخِ إِجَارَةِ الظِّئْرِ إِذَا كَانَ الصَّبِيُّ لاَ يَرْضِعُ لَبَنَهَا أَوْ يَقْذِفُهُ، أَوْ يَتَقَيَّؤُهُ أَوْ تَكُونُ الظِّئْرُ سَارِقَةً أَوْ فَاجِرَةً أَوْ أَرَادَ أَهْل الرَّضِيعِ السَّفَرَ؛ لأَِنَّ كُل ذَلِكَ أَعْذَارٌ، وَلأَِنَّ الصَّبِيَّ يَتَضَرَّرُ بِلَبَنِهَا، وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ لاَ يَحْصُل مَتَى كَانَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ،

_________

(١) المراجع السابقة.

(٢) الفتاوى الهندية ٤ / ٤٣٢، والبدائع ٤ / ٢٠٩، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٣ - ١٤ والمدونة ٤ / ٤٤٢، والاختيار ٢ / ٥٩، وتكملة فتح القدير ٧ / ١٨٧، والبحر الرائق ٨ / ٢٥، والقليوبي وعميرة ٣ / ٧٧، والشرح الكبير مع المغني ٦ / ١٤.

وَكَذَلِكَ تُفْسَخُ الإِْجَارَةُ إِذَا مَرِضَتْ أَوْ مَاتَ الصَّبِيُّ أَوِ الظِّئْرُ أَوِ انْقَطَعَ اللَّبَنُ.

وَإِنْ صَامَتِ الظِّئْرُ فَتَغَيَّرَ لَبَنُهَا بِالصَّوْمِ أَوْ نَقَصَ خُيِّرَ الْمُسْتَأْجِرُ بَيْنَ فَسْخِ الإِْجَارَةِ وَإِمْضَائِهَا، وَإِنْ قَصَدَتِ الظِّئْرُ الإِْضْرَارَ بِالرَّضِيعِ بِصَوْمِهَا أَثِمَتْ وَكَانَ لِلْحَاكِمِ إِلْزَامُهَا بِالْفِطْرِ بِطَلَبِ الْمُسْتَأْجِرِ (١) .

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (إِجَارَة ف ١١٦ - ١١٩) .

_________

(١) الاختيار لتعليل المختار ٢ / ٥٩، والفتاوى الهندية ٤ / ٤٣٢، ومواهب الجليل ٥ / ٤١١، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٣، والقليوبي وعميرة ٣ / ٧٧، وكشاف القناع ٢ / ٣١٣، ومطالب أولي النهى ٢ / ١٨٣.

ظَاهِرٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الظَّاهِرُ فَاعِلٌ مِنَ الظُّهُورِ، وَمِنْ مَعَانِيهِ: الْوُضُوحُ وَالاِنْكِشَافُ (١) . يُقَال: ظَهَرَ الشَّيْءُ ظُهُورًا: بَرَزَ بَعْدَ الْخَفَاءِ، وَمِنْهُ قِيل: ظَهَرَ لِي رَأْيٌ: إِذَا عَلِمْتَ مَا لَمْ تَكُنْ عَلِمْتَهُ (٢) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الظَّاهِرُ اسْمٌ لِكَلاَمٍ ظَهَرَ الْمُرَادُ بِهِ لِلسَّامِعِ بِصِيغَتِهِ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى الطَّلَبِ وَالتَّأَمُّل، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ السَّامِعُ مِنْ أَهْل اللِّسَانِ، مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٣) فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الإِْطْلاَقِ.

وَقَوْلُهُ ﷾: ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٤) وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي إِحْلاَل الْبَيْعِ (٥) .

وَقِيل: الظَّاهِرُ مَا دَل عَلَى مَعْنًى بِالْوَضْعِ

_________

(١) المصباح المنير، ولسان العرب، وشرح المنار للنسفى ١ / ١٤١.

(٢) المصباح المنير مادة (ظهر) .

(٣) سورة النساء / ٣.

(٤) سورة البقرة / ٢٧٥.

(٥) أصول البزدوي بهامش كشف الأسرار ١ / ٤٦.

الأَْصْلِيِّ أَوِ الْعُرْفِيِّ، وَيُحْتَمَل غَيْرُهُ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا، كَالأَْسَدِ فِي نَحْوِ قَوْلِكَ: رَأَيْتُ الْيَوْمَ الأَْسَدَ، فَإِنَّهُ رَاجِحٌ فِي الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ، مُحْتَمَلٌ وَمَرْجُوحٌ فِي الرَّجُل الشُّجَاعِ؛ لأَِنَّهُ مَعْنًى مَجَازِيٌّ، وَالأَْوَّل الْحَقِيقِيُّ الْمُتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ (١) .

وَاشْتَرَطَ بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ فِي الظَّاهِرِ أَنْ لاَ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَقْصُودًا بِالسَّوْقِ أَصْلًا فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّصِّ (٢)، وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ عَدَمَ هَذَا الاِشْتِرَاطِ (٣) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْخَفِيُّ:

٢ - الْخَفِيُّ مُقَابِل الظَّاهِرِ، وَهُوَ: مَا خَفِيَ الْمُرَادُ مِنْهُ بِعَارِضٍ فِي غَيْرِ الصِّيغَةِ، لاَ يُنَال إِلاَّ بِالطَّلَبِ وَالتَّأَمُّل، كَآيَةِ السَّرِقَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلطَّرَّارِ وَالنَّبَّاشِ (٤) .

ب - النَّصُّ:

٣ - النَّصُّ هُوَ: اللَّفْظُ الدَّال فِي مَحَل النُّطْقِ

_________

(١) كشف الأسرار عن أصول البزدوي ١ / ٤٦، ٤٧، وجمع الجوامع مع حاشية البناني ١ / ٢٣٦، ٢ / ٥٢.

(٢) مسلم الثبوت مع المستصفى ٢ / ١٩، كشف الأسرار عن أصول البزدوي ١ / ٤٦، ٤٧ والتلويح مع التوضيح ١ / ٤٠٨.

(٣) كشف الأسرار عن أصول البزدوي ١ / ٤٦، ٤٧.

(٤) التعريفات ٨ للجرجاني.

يُفِيدُ مَعْنًى لاَ يُحْتَمَل غَيْرُهُ، كَزَيْدٍ فَإِنَّهُ مُفِيدٌ لِلذَّاتِ الْمُشَخِّصَةِ، مِنْ غَيْرِ احْتِمَالٍ لِغَيْرِهَا. وَالنَّصُّ هُوَ: مَا زَادَ وُضُوحًا عَلَى الظَّاهِرِ بِمَعْنًى مِنَ الْمُتَكَلِّمِ، لاَ فِي نَفْسِ الصِّيغَةِ، وَمِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ (١) فَإِنَّ هَذَا ظَاهِرٌ فِي الإِْطْلاَقِ، نَصٌّ فِي بَيَانِ الْعَدَدِ، لأَِنَّهُ سِيقَ الْكَلاَمُ لِلْعَدَدِ وَقُصِدَ بِهِ، فَازْدَادَ ظُهُورًا عَلَى الأَْوَّل (٢) .

ج - الْمُفَسَّرُ:

٤ - الْمُفَسَّرُ هُوَ: الْمَكْشُوفُ مَعْنَاهُ الَّذِي وُضِعَ الْكَلاَمُ لَهُ، وَازْدَادَ وُضُوحًا عَلَى النَّصِّ، عَلَى وَجْهٍ لاَ يَبْقَى مَعَهُ احْتِمَال التَّأْوِيل وَالتَّخْصِيصِ، مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (٣) فَالْمَلاَئِكَةُ اسْمٌ ظَاهِرٌ عَامٌّ، وَلَكِنْ يَحْتَمِل الْخُصُوصَ، فَلَمَّا فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (كُلُّهُمْ) انْقَطَعَ هَذَا الاِحْتِمَال، لَكِنَّهُ بَقِيَ احْتِمَال الْجَمْعِ وَالتَّفَرُّقِ، فَانْقَطَعَ احْتِمَال تَأْوِيل التَّفْرِقَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ (٤) .

_________

(١) سورة النساء / ٣.

(٢) أصول البزدوي على هامش كشف الأسرار ١ / ٤٧، وشرح المنار ١ / ١٤٢، وجمع الجوامع مع حاشية البناني ١ / ٢٣٩.

(٣) سورة الحجر / ٣٠.

(٤) شرح المنار للنسفي ١ / ١٤٣، والتوضيح مع التلويح ١ / ٤٠٩، ٤١٠، وكشف الأسرار عن أصول البزدوي ١ / ٤٩، ٥٠.

د - الْمُحْكَمُ:

٥ - الْمُحْكَمُ هُوَ: مَا أُحْكِمَ الْمُرَادُ بِهِ عَنِ احْتِمَال النَّسْخِ وَالتَّبْدِيل، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: بِنَاءٌ مُحْكَمٌ، أَيْ مُتْقِنٌ مَأْمُونُ الاِنْتِقَاضِ، يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١) .

وَمِثَال الْمُحْكَمِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ بِكُل شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢) وَكَذَا سَائِرُ آيَاتِ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ، فَإِنَّهَا لاَ تَحْتَمِل النَّسْخَ أَبَدًا (٣) .

الْعَلاَقَةُ بَيْنَ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ:

٦ - لِلْعُلَمَاءِ فِي بَيَانِ الْعَلاَقَةِ بَيْنَ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ اتِّجَاهَانِ:

الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: ذَهَبَ الْمُتَقَدِّمُونَ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الظَّاهِرِ ظُهُورُ الْمُرَادِ مِنْهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَسُوقًا لَهُ أَمْ لاَ، وَفِي النَّصِّ كَوْنُهُ مَسُوقًا لِلْمُرَادِ، سَوَاءٌ احْتَمَل التَّخْصِيصَ وَالتَّأْوِيل أَمْ لاَ، وَفِي الْمُفَسَّرِ عَدَمُ احْتِمَال التَّخْصِيصِ وَالتَّأْوِيل، سَوَاءٌ احْتَمَل النَّسْخَ أَمْ لاَ، وَفِي الْمُحْكَمِ عَدَمُ احْتِمَال شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.

_________

(١) سورة آل عمران / ٧.

(٢) سورة الأنعام / ١٠١.

(٣) التوضيح والتلويح ١ / ٤١٠ وكشف الأسرار عن أصول البزدوي ١ / ٥١، وشرح المنار للنسفي ومعه نور الأنوار على المنار ١ / ١٤٣.

وَعَلَى ذَلِكَ فَهَذِهِ الأَْرْبَعَةُ الأَْقْسَامِ مُتَمَايِزَةٌ بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ، مُتَدَاخِلَةٌ بِحَسَبِ الْوُجُودِ (١) .

الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: ذَهَبَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الأُْصُول إِلَى أَنَّ هَذِهِ الأَْلْفَاظَ أَقْسَامٌ مُتَبَايِنَةٌ، وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الظَّاهِرِ عَدَمُ كَوْنِهِ مَسُوقًا لِلْمَعْنَى الَّذِي يُجْعَل ظَاهِرًا فِيهِ، وَفِي النَّصِّ احْتِمَال التَّخْصِيصِ أَوِ التَّأْوِيل، وَفِي الْمُفَسَّرِ احْتِمَال النَّسْخِ (٢) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٧ - حُكْمُ الظَّاهِرِ هُوَ وُجُوبُ الْعَمَل بِاَلَّذِي ظَهَرَ مِنْهُ عَلَى سَبِيل الْقَطْعِ وَالْيَقِينِ حَتَّى صَحَّ إِثْبَاتُ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ بِالظَّاهِرِ، لأَِنَّهُ وَاضِحُ الْمُرَادِ بِالصِّيغَةِ، غَايَتُهُ أَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلْمَجَازِ، وَهَذَا احْتِمَالٌ مَرْجُوحٌ غَيْرُ نَاشِئٍ مِنْ دَلِيلٍ، فَلاَ يُعْتَبَرُ (٣) .

لَكِنْ إِذَا تَعَارَضَ الظَّاهِرُ مَعَ النَّصِّ أَوْ الْمُفَسَّرِ أَوِ الْمُحْكَمِ يُتْرَكُ الْعَمَل بِالظَّاهِرِ، وَيُؤْخَذُ بِمَا هُوَ أَقْوَى وَأَوْضَحُ مِنْهُ، يَقُول

_________

(١) التلويح على التوضيح ١ / ٤٠٨، ٤٠٩، ومسلم الثبوت مع المستصفى ٢ / ١٩.

(٢) انظر المرجعين السابقين، وكشف الأسرار شرح المنار للنسفي ١ / ١٤٢ - ١٤٥، وكشف الأسرار لأصول البزدوي ٤٦، ٤٧.

(٣) نور الأنوار مع كشف الأسرار شرح المنار ١ / ١٤١، ١٤٢.