الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩
إِلَى الشَّيْءِ، وَالْعَدْوُ، وَالتَّصَرُّفُ فِي الأَْعْمَال (١) .
وَاصْطِلاَحًا: الْمَشْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى السَّعْيِ الطَّوَافُ، وَالتَّطَوُّفُ، كَمَا سَبَقَ فِي الآْيَةِ: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ .
أَنْوَاعُ الطَّوَافِ:
٣ - يَتَنَوَّعُ الطَّوَافُ بِحَسَبِ سَبَبِ مَشْرُوعِيَّتِهِ إِلَى سَبْعَةِ أَنْوَاعٍ، وَهِيَ:
طَوَافُ الْقُدُومِ، طَوَافُ الزِّيَارَةِ، طَوَافُ الْوَدَاعِ، طَوَافُ الْعُمْرَةِ، طَوَافُ النَّذْرِ، طَوَافُ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، طَوَافُ التَّطَوُّعِ. كَذَا عَدَّهَا الْحَنَفِيَّةُ (٢) وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
وَعَدَّهَا الشَّافِعِيَّةُ سِتَّةً: طَوَافُ الْقُدُومِ، طَوَافُ الرُّكْنِ، طَوَافُ الْوَدَاعِ، طَوَافُ مَا يَتَحَلَّل بِهِ فِي الْفَوَاتِ، طَوَافُ النَّذْرِ، طَوَافُ التَّطَوُّعِ (٣) .
وَقَوْلُهُمْ " طَوَافُ الرُّكْنِ ": يَشْمَل طَوَافَ رُكْنِ الْحَجِّ وَرُكْنِ الْعُمْرَةِ، وَقَوْلُهُمْ: " طَوَافُ التَّطَوُّعِ " يَشْمَل تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، أَيِ الْمَسْجِدِ
_________
(١) مادة (س. ع. ى) في المصادر السابقة.
(٢) لباب المناسك للسندي وشرحه للقاري " المسلك المتقسط شرح المنسك المتوسط " مطبعة مصطفى محمد ص ٩٦ - ٩٧.
(٣) نهاية المحتاج للزملي طبع بولاق ٢ / ٤٠٥، ومغني المحتاج للشربيني تصوير بيروت ١ / ٤٨٥.
الْحَرَامِ، لاِعْتِبَارِ أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ بِالصَّلاَةِ تَنُوبُ عَنِ الطَّوَافِ.
وَاخْتَصَّ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ بِطَوَافِ مَا يَتَحَلَّل بِهِ فِي الْفَوَاتِ، فَإِنَّهُ يَدْخُل فِي الْعُمْرَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ يَتَحَلَّل بِعُمْرَةٍ عِنْدَهُمْ (١)، وَيَتَحَلَّل بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَحَلْقٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، حَتَّى لَوْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ سَقَطَ عَنْهُ السَّعْيُ، وَلاَ يَنْقَلِبُ عَمَلُهُ هَذَا إِلَى عُمْرَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٢) .
وَلِكُل نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الأَْنْوَاعِ أَحْكَامُهُ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:
أَوَّلًا: طَوَافُ الْقُدُومِ:
٤ - وَيُسَمَّى طَوَافَ الْقَادِمِ، وَطَوَافَ الْوُرُودِ، وَطَوَافَ التَّحِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ شُرِعَ لِلْقَادِمِ وَالْوَارِدِ مِنْ غَيْرِ مَكَّةَ لِتَحِيَّةِ الْبَيْتِ، وَيُسَمَّى أَيْضًا طَوَافَ اللِّقَاءِ، وَأَوَّل عَهْدٍ بِالْبَيْتِ، وَطَوَافُ الْقُدُومِ سُنَّةٌ لِلآْفَاقِيِّ الْقَادِمِ إِلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَحِيَّةٌ لِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ، لِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ الْبَدْءُ بِهِ دُونَ تَأْخِيرٍ.
وَسَوَّى الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ دَاخِلِي مَكَّةَ، الْمُحْرِمِ
_________
(١) الهداية بشرحها فتح القدير (طبع بولاق) ٢ / ٣٠٣، ومواهب الجليل شرح مختصر خليل للحطاب ٢ / ٢٠٠ - ٢٠١، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٠ وما بعدها، والمغني (مطبعة النار - الثالثة) ٣ / ٥٢٧ - ٥٢٨.
(٢) نهاية المحتاج ٢ / ٤٨٠، ومغني المحتاج ١ / ٥٣٧.
مِنْهُمْ وَغَيْرِ الْمُحْرِمِ فِي سُنِّيَّةِ طَوَافِ الْقُدُومِ، بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي جَوَازِ دُخُول الْحَرَمِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لِمَنْ قَصَدَهُ لِحَاجَةٍ غَيْرِ النُّسُكِ. وَلَمْ يُجِزْ غَيْرُهُمْ دُخُول الْحَرَمِ إِلاَّ بِنُسُكٍ: يُحْرِمُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً، لِذَلِكَ كَانَ طَوَافُ الْقُدُومِ عِنْدَهُمْ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ خَاصَّةً؛ لأَِنَّ الْمُعْتَمِرَ يَبْدَأُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ وَاجِبٌ، مَنْ تَرَكَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ. وَفِي بَيَانِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ، وَدَلِيل الْوُجُوبِ، وَكَيْفِيَّةِ طَوَافِ الْقُدُومِ وَوَقْتِهِ، وَمَنْ يَسْقُطُ عَنْهُ: تَفْصِيلٌ سَبَقَ فِي مُصْطَلَحِ: (حَجّ ف ٨٨ وَمَا بَعْدَهَا) .
ثَانِيًا: طَوَافُ الإِْفَاضَةِ:
٥ - طَوَافُ الإِْفَاضَةِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، لاَ يَتَحَلَّل الْحَاجُّ بِدُونِهِ التَّحَلُّل الأَْكْبَرَ، وَلاَ يَنُوبُ عَنْهُ شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ، وَيُؤَدِّيهِ الْحَاجُّ بَعْدَ أَنْ يُفِيضَ مِنْ عَرَفَةَ، وَيَبِيتَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَيَأْتِي مِنًى يَوْمَ الْعِيدِ، فَيَرْمِي وَيَنْحَرُ وَيَحْلِقُ، وَيَأْتِي مَكَّةَ، فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ طَوَافَ الإِْفَاضَةِ، وَيُسَمَّى أَيْضًا طَوَافَ الزِّيَارَةِ، وَيُسَمَّى طَوَافَ الْفَرْضِ، وَالرُّكْنِ؛ لأَِنَّهُ فَرْضٌ وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ.
وَفِي فَرْضِيَّةِ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ وَكَيْفِيَّتِهِ وَعَدَدِ أَشْوَاطِهِ، وَشُرُوطِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ، وَوَقْتِهِ، وَمَا
يُسَنُّ فِيهِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَأْخِيرِهِ أَوْ تَرْكِهِ: فِي ذَلِكَ كُلِّهِ تَفْصِيلٌ سَبَقَ فِي مُصْطَلَحِ: (حَجّ مِنْ ف ٥٢ إِلَى ٥٥ وَف ١٢٤) .
ثَالِثًا: طَوَافُ الْوَدَاعِ:
٦ - وَيُسَمَّى طَوَافَ الصَّدَرِ، وَطَوَافَ آخِرِ الْعَهْدِ.
وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) وَمُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِهِ بِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ (١)، إِلاَّ أَنَّهُ خَفَّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ.
وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، بِأَنَّهُ جَازَ لِلْحَائِضِ تَرْكُهُ دُونَ فِدَاءٍ، وَلَوْ وَجَبَ لَمْ يَجُزْ لِلْحَائِضِ تَرْكُهُ. وَفِي شُرُوطِ وُجُوبِهِ وَمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ وَشُرُوطِ صِحَّتِهِ وَوَقْتِهِ تَفْصِيلٌ سَبَقَ فِي مُصْطَلَحِ: (حَجّ ف ٧٠ إِلَى ٧٤) .
رَابِعًا: طَوَافُ الْعُمْرَةِ:
٧ - وَهُوَ رُكْنٌ فِيهَا، وَأَوَّل وَقْتِهِ بَعْدَ الإِْحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ، وَلاَ آخِرَ لَهُ.
_________
(١) حديث: ابن عباس: " أن النبي ﷺ أمر الناس أن يكون آخر عهدهم. . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٥٨٥)، ومسلم (٢ / ٩٦٣) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (عُمْرَة) .
خَامِسًا: طَوَافُ النَّذْرِ:
٨ - وَهُوَ وَاجِبٌ، وَلاَ يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ إِذَا لَمْ يُعَيِّنِ النَّاذِرُ فِي نَذْرِهِ لِلطَّوَافِ وَقْتًا.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (نَذْر) .
سَادِسًا: طَوَافُ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ:
٩ - وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِكُل مَنْ دَخَل الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، إِلاَّ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ طَوَافٌ آخَرُ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ، كَالْمُعْتَمِرِ، فَإِنَّهُ يَطُوفُ طَوَافَ فَرْضِ الْعُمْرَةِ، وَيَنْدَرِجُ فِيهِ طَوَافُ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، كَمَا ارْتَفَعَ بِهِ طَوَافُ الْقُدُومِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ طَوَافِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ تَحِيَّةَ هَذَا الْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ هِيَ الطَّوَافُ إِلاَّ إِذَا كَانَ مَانِعٌ فَحِينَئِذٍ يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ (١) .
سَابِعًا: طَوَافُ التَّطَوُّعِ:
١٠ - وَمِنْهُ طَوَافُ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَزَمَنُهُ - كَمَا سَبَقَ - عِنْدَ الدُّخُول، أَمَّا طَوَافُ التَّطَوُّعِ غَيْرُ طَوَافِ التَّحِيَّةِ، فَلاَ يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، وَيَجُوزُ فِي أَوْقَاتِ كَرَاهَةِ الصَّلاَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ وَيَكُونَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ سَائِرِ الْفُرُوضِ.
_________
(١) شرح اللباب ص ٩٧.
وَيَصِحُّ مِنْ كُل مُسْلِمٍ عَاقِلٍ مُمَيِّزٍ - وَلَوْ مِنَ الصِّغَارِ - إِذَا كَانَ طَاهِرًا.
وَيَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ وَكَذَا فِي طَوَافِ الْقُدُومِ وَالتَّحِيَّةِ، أَيْ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١)، عَلَى الْخِلاَفِ فِي مَسْأَلَةِ لُزُومِ إِتْمَامِ النَّافِلَةِ بِالشُّرُوعِ فِيهَا.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (شُرُوع ف ٥) .
أَحْكَامُ الطَّوَافِ الْعَامَّةِ:
ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أُمُورًا لاَ بُدَّ مِنْهَا فِي الطَّوَافِ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي عَدِّهَا رُكْنًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ شَرْطًا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أَوَّلًا: حُصُول الطَّائِفِ حَوْل الْكَعْبَةِ الْعَدَدَ الْمَطْلُوبَ مِنَ الأَْشْوَاطِ:
١١ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ عَلَى كُل طَائِفٍ أَنْ يَطُوفَ حَوْل الْكَعْبَةِ الْعَدَدَ الْمَطْلُوبَ مِنَ الأَْشْوَاطِ سَوَاءٌ كَانَ حُصُولُهُ هَذَا بِفِعْل نَفْسِهِ، أَوْ بِفِعْل غَيْرِهِ، بِأَنْ حَمَلَهُ الْغَيْرُ وَطَافَ بِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَادِرًا عَلَى الطَّوَافِ بِنَفْسِهِ فَأَمَرَ شَخْصًا أَنْ يَحْمِلَهُ فِي الطَّوَافِ أَوْ حَمَلَهُ الآْخَرُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَإِنَّ هَذَا كَافٍ فِي أَدَاءِ فَرْضِ الطَّوَافِ، وَسُقُوطِهِ عَنِ الذِّمَّةِ؛ لأَِنَّ الْفَرْضَ
_________
(١) المرجع السابق ٩٨.
هُوَ حُصُول الطَّوَافِ حَوْل الْبَيْتِ، وَقَدْ حَصَل.
ثَانِيًا: عَدَدُ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ:
١٢ - لاَ خِلاَفَ أَنَّ عَدَدَ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ الْمَطْلُوبَةِ سَبْعَةٌ، لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي رُكْنِيَّةِ السَّبْعَةِ:
فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الرُّكْنَ سَبْعَةُ أَشْوَاطٍ لاَ يُجْزِئُ عَنِ الْفَرْضِ أَقَل مِنْهَا.
وَقَسَّمَ الْحَنَفِيَّةُ السَّبْعَةَ إِلَى رُكْنٍ وَوَاجِبٍ.
أَمَّا الْعَدَدُ الرُّكْنُ فَأَكْثَرُ هَذِهِ السَّبْعَةِ، وَأَمَّا الْوَاجِبُ فَهُوَ الأَْقَل الْبَاقِي بَعْدَ أَكْثَرِ الطَّوَافِ.
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١) فَإِنَّ الآْيَةَ تُفِيدُ التَّكْثِيرَ، لأَِنَّهُ عَبَّرَ بِصِيغَةِ التَّفْعِيل، وَقَدْ جَاءَ فِعْلُهُ ﷺ مُبَيِّنًا الْقَدْرَ الَّذِي يَحْصُل بِهِ امْتِثَال قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ وَهُوَ سَبْعَةُ أَشْوَاطٍ، فَتَكُونُ هِيَ الْفَرْضَ.
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ مَقَادِيرَ الْعِبَادَاتِ لاَ تُعْرَفُ بِالرَّأْيِ وَالاِجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا تُعْرَفُ بِالتَّوْقِيفِ، أَيِ التَّعْلِيمِ مِنَ الشَّارِعِ، وَالرَّسُول ﷺ طَافَ سَبْعًا، وَفِعْلُهُ هَذَا بَيَانٌ لِمَنَاسِكِ الْحَجِّ، كَمَا
_________
(١) سورة الحج ٢٩.
قَال: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ. (١) .
فَالْفَرْضُ طَوَافُ سَبْعَةِ أَشْوَاطٍ وَلاَ يُعْتَدُّ بِمَا دُونَهَا (٢) .
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِأَدِلَّةٍ، مِنْهَا:
(١) قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وَهَذَا أَمْرٌ مُطْلَقٌ عَنْ أَيِّ قَيْدٍ، وَالأَْمْرُ الْمُطْلَقُ يُوجِبُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلاَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، فَالزِّيَادَةُ عَلَى شَوْطٍ مِنَ الطَّوَافِ تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ، وَالدَّلِيل قَائِمٌ عَلَى فَرْضِيَّةِ أَكْثَرِ السَّبْعِ، وَهُوَ الإِْجْمَاعُ، فَتَكُونُ فَرْضًا، وَلاَ إِجْمَاعَ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْبَاقِي، فَلاَ يَكُونُ فَرْضًا بَل وَاجِبًا.
(٢) أَنَّ الطَّائِفَ قَدْ أَتَى بِأَكْثَرِ السَّبْعِ، وَالأَْكْثَرُ يَقُومُ مَقَامَ الْكُل، فَكَأَنَّهُ أَدَّى الْكُل (٣) .
وَقَال كَمَال الدِّينِ بْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: الَّذِي نَدِينُ بِهِ أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ أَقَل مِنْ سَبْعٍ، وَلاَ يَجْبُرُ بَعْضَهُ بِشَيْءٍ (٤) .
الشَّكُّ فِي عَدَدِ الأَْشْوَاطِ:
١٣ - لَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ أَشْوَاطِ طَوَافِهِ وَهُوَ فِي
_________
(١) حديث: " خذوا عني مناسككم ". أخرجه مسلم (٢ / ٩٤٣)، والبيهقي (٥ / ١٢٥) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ للبيهقي.
(٢) نهاية المحتاج ٢ / ٤٠٩.
(٣) بدائع الصنائع ٢ / ١٣٢، والدر المختار وحاشيته ٢ / ٢٥٠.
(٤) فتح القدير ٢ / ٢٤٧.
الطَّوَافِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، وَهُوَ الأَْقَل عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) .
قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ (١) وَلأَِنَّهَا عِبَادَةٌ، فَمَتَى شَكَّ فِيهَا وَهُوَ فِيهَا بَنَى عَلَى الْيَقِينِ كَالصَّلاَةِ (٢) .
وَأَجْرَى الْمَالِكِيَّةُ (٣) ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُسْتَنْكِحِ، فَقَالُوا: يَبْنِي الشَّاكُّ غَيْرُ " الْمُسْتَنْكِحِ (٤) عَلَى الأَْقَل، وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ الشَّامِل لِلْوَهْمِ، أَمَّا الشَّاكُّ الْمُسْتَنْكِحُ فَيَبْنِي عَلَى الأَْكْثَرِ.
وَفَصَّل الْحَنَفِيَّةُ فِي الشَّكِّ فِي عَدَدِ الأَْشْوَاطِ بَيْنَ طَوَافِ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ: أَمَّا طَوَافُ الْفَرْضِ كَالْعُمْرَةِ وَالزِّيَارَةِ وَالْوَاجِبِ كَالْوَدَاعِ فَقَالُوا: لَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ الأَْشْوَاطِ فِيهِ أَعَادَهُ، وَلاَ يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، بِخِلاَفِ الصَّلاَةِ، وَلَعَل الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا كَثْرَةُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ وَنُدْرَةِ الطَّوَافِ.
أَمَّا غَيْرُ طَوَافِ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَهُوَ النَّفَل فَإِنَّهُ إِذَا شَكَّ فِيهِ يَتَحَرَّى، وَيَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، وَيَبْنِي عَلَى الأَْقَل الْمُتَيَقَّنِ فِي
_________
(١) المغني ٣ / ٣٧٨، وانظر المجموع ٨ / ٢٥.
(٢) انظر المرجعين السابقين، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٠٩، ومغني المحتاج ١ / ٤٨٦ - ٤٨٧.
(٣) الشرح الكبير للدردير وحاشيته للدسوقي ٢ / ٣٣.
(٤) المراد بالمستنكح في مصطلح المالكية هو من يأتيه الشك في كل يوم ولو مرة.
أَصْلِهِ (١) .
أَمَّا إِذَا شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الطَّوَافِ فَلاَ يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَسَوَّى الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ فِي الطَّوَافِ، وَأَطْلَقَ الْحَنَفِيَّةُ عِبَارَاتِهِمْ فِي الشَّكِّ.
وَإِنْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِعَدَدِ طَوَافِهِ أُخِذَ بِهِ إِنْ كَانَ عَدْلًا عِنْدَ الأَْكْثَرِ، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِشَرْطِ كَوْنِهِ مَعَهُ فِي الطَّوَافِ، وَلَمْ يَشْرِطْ ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ مُخَالِفٍ لِمَا فِي ظَنِّهِ أَوْ عِلْمِهِ، يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِهِ احْتِيَاطًا فِيمَا فِيهِ الاِحْتِيَاطُ فَيُكَذِّبُ نَفْسَهُ، لاِحْتِمَال نِسْيَانِهِ وَيُصَدِّقُهُ؛ لأَِنَّهُ عَدْلٌ لاَ غَرَضَ لَهُ فِي خَبَرِهِ، وَلَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلاَنِ وَجَبَ الْعَمَل بِقَوْلِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَشُكَّ؛ لأَِنَّ عِلْمَيْنِ خَيْرٌ مِنْ عِلْمٍ وَاحِدٍ، وَلأَِنَّ إِخْبَارَهُمَا بِمَنْزِلَةِ شَاهِدَيْنِ عَلَى إِنْكَارِهِ فِي فِعْلِهِ أَوْ إِقْرَارِهِ. وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيَّةُ لَهُ الأَْخْذَ بِقَوْل الْعَدْل الْمُخَالِفِ لِعِلْمِهِ، خِلاَفًا لِلصَّلاَةِ.
ثَالِثًا: النِّيَّةُ:
١٤ - مُجَرَّدُ إِرَادَةِ الدَّوَرَانِ حَوْل الْكَعْبَةِ لاَ
_________
(١) المسلك المتقسط ص ١١٣، ورد المحتار ٢ / ٢٣٠.
(٢) المغني ٣ / ٣٧٨، ومغني المحتاج ١ / ٤٨٦ - ٤٨٧.