الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨ الصفحة 60

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨

أَوْ تَأَخَّرَ عَنِ الْقَافِلَةِ، أَوْ غَيْرِهِمَا، مِنْ غَيْرِ إِحْصَارٍ، بَل بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ - لاَ يَضْمَنُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ النَّفَقَةَ، لأَِنَّهُ فَاتَهُ بِغَيْرِ صُنْعِهِ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، لأَِنَّ الْحَجَّةَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالشُّرُوعِ، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهَا (١) .

قَال النَّوَوِيُّ: وَلاَ شَيْءَ لِلأَْجِيرِ فِي الْمَذْهَبِ (٢) .

دَمُ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ:

١٣٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ فِي الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ:

قَال الْحَنَفِيَّةُ: دَمُ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ عَلَى الْحَاجِّ - أَيِ الْمَأْمُورِ بِالْحَجِّ عَنْ غَيْرِهِ - إِنْ أَذِنَ لَهُ الآْمِرُ بِالْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ، وَإِلاَّ فَيَصِيرُ مُخَالِفًا، فَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ (٣) .

وَلِلشَّافِعِيَّةِ تَفْصِيلٌ وَتَفْرِقَةٌ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الإِْجَارَةُ عَلَى الذِّمَّةِ أَوِ الْعَيْنِ، وَكَانَ قَدْ أَمَرَهُ بِالْحَجِّ، فَقَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ (٤) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: دَمُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ، إِنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ فَعَلَيْهِ (٥) (ر: قِرَان وَتَمَتُّع) .

_________

(١) الدر المختار ورد المحتار ٢ / ٢٤٦، وروضة الطالبين ٣ / ٣٢.

(٢) روضة الطالبين ٣ / ٣٢.

(٣) الدر المختار ٢ / ٢٤٧.

(٤) روضة الطالبين ٣ / ٢٨.

(٥) المغني مع الشرح الكبير ٣ / ١٨٢، والإنصاف ٣ / ٤٢٠، وكشاف القناع ٢ / ٣٩٨.

١٣١ - أَمَّا مَا يَلْزَمُ مِنَ الدِّمَاءِ بِفِعْل الْمَحْظُورَاتِ فَعَلَى الْحَاجِّ وَهُوَ الْمَأْمُورُ لأَِنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْجِنَايَةِ، فَكَانَ مُوجِبُهَا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ نَائِبًا (١) .

وَكُل مَا لَزِمَهُ بِمُخَالَفَتِهِ، فَضَمَانُهُ مِنْهُ كَمَا يَقُول الْبُهُوتِيُّ (٢) .

الضَّمَانُ فِي الأُْضْحِيَةِ:

١٣٢ - لَوْ مَضَتْ أَيَّامُ الأُْضْحِيَةِ، وَلَمْ يَذْبَحْ أَوْ ذَبَحَ شَخْصٌ أُضْحِيَةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (أُضْحِيَة) .

ضَمَانُ صَيْدِ الْحَرَمِ:

١٣٣ - نَهَى الشَّارِعُ عَنْ صَيْدِ الْمُحْرِمِ، بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، حَيَوَانًا بَرِّيًّا، إِذَا كَانَ مَأْكُول اللَّحْمِ - عِنْدَ الْجُمْهُورِ - مِنْ طَيْرٍ أَوْ دَابَّةٍ، سَوَاءٌ أَصِيدَ مِنْ حَرَمٍ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا (٣)﴾ .

وَأَطْلَقَ الْمَالِكِيَّةُ عَدَمَ جَوَازِ قَتْل شَيْءٍ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ، مَا أُكِل لَحْمُهُ وَمَا لَمْ يُؤْكَل، لَكِنَّهُمْ أَجَازُوا - كَالْجُمْهُورِ - قَتْل الْحَيَوَانَاتِ الْمُضِرَّةِ: كَالأَْسَدِ، وَالذِّئْبِ، وَالْحَيَّةِ، وَالْفَأْرَةِ،

_________

(١) الدر المختار ٢ / ٢٤٧، وروضة الطالبين ٣ / ٢٩، والمغني مع الشرح الكبير ٣ / ١٨٢.

(٢) كشاف القناع ٢ / ٣٩٨.

(٣) سورة المائدة / ٩٦.

وَالْعَقْرَبِ، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ (١)، بَل اسْتَحَبَّ الْحَنَابِلَةُ قَتْلَهَا (٢)، وَلاَ يُقْتَل ضَبٌّ وَلاَ خِنْزِيرٌ وَلاَ قِرْدٌ، إِلاَّ أَنْ يُخَافَ مِنْ عَادِيَتِهِ (٣) .

وَأَوْجَبَ الشَّارِعُ فِي الصَّيْدِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِالْحَرَمِ وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمُحْرِمِ ضَمَانَ مِثْل الْحَيَوَانِ الْمَصِيدِ مِنَ الأَْنْعَامِ، فَيَذْبَحُهُ فِي الْحَرَمِ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ، أَوْ ضَمَانَ قِيمَتِهِ مِنَ الطَّعَامِ - إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ - فَيَتَصَدَّقُ بِالْقِيمَةِ (٤)، أَوْ صِيَامِ يَوْمٍ عَنْ طَعَامِ كُل مِسْكِينٍ، وَهُوَ الْمُدُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَنِصْفُ الصَّاعِ مِنَ الْبُرِّ، أَوِ الصَّاعُ مِنَ الشَّعِيرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٥) .

وَهَذَا التَّخْيِيرُ فِي الْجَزَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ﴾ . . . الآْيَةَ (٦) .

ضَمَانُ الطَّبِيبِ وَنَحْوِهِ:

١٣٤ - مِثْل الطَّبِيبِ: الْحَجَّامُ، وَالْخَتَّانُ، وَالْبَيْطَارُ، وَفِي ضَمَانِهِمْ خِلاَفٌ:

يَقُول الْحَنَفِيَّةُ: فِي الطَّبِيبِ إِذَا أَجْرَى

_________

(١) القوانين الفقهية ص ٩٢، وجواهر الإكليل ١ / ١٩٤، وكشاف القناع ٢ / ٤٣٨ و٤٣٩.

(٢) كشاف القناع ٢ / ٤٣٩.

(٣) القوانين الفقهية ص ٩٢.

(٤) الدر المختار ٢ / ٢١٥، وجواهر الإكليل ١ / ١٩٨ و١٩٩، والقوانين الفقهية ص ٩٣، وشرح المحلي على المنهاج بحاشية القليوبي عليه ٢ / ١٤٤.

(٥) الدر المختار ٢ / ٢١٥.

(٦) سورة المائدة / ٩٥.

جِرَاحَةً لِشَخْصٍ فَمَاتَ، إِذَا كَانَ الشَّقُّ بِإِذْنٍ، وَكَانَ مُعْتَادًا، وَلَمْ يَكُنْ فَاحِشًا خَارِجَ الرَّسْمِ، لاَ يَضْمَنُ. وَقَالُوا: لَوْ قَال الطَّبِيبُ: أَنَا ضَامِنٌ إِنْ مَاتَ لاَ يَضْمَنُ دِيَتَهُ لأَِنَّ اشْتِرَاطَ الضَّمَانِ عَلَى الأَْمِينِ بَاطِلٌ، أَوْ لأَِنَّ هَذَا الشَّرْطَ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، كَمَا هُوَ شَرْطُ الْمَكْفُول بِهِ (١) .

وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ: قَطَعَ الْحَجَّامُ لَحْمًا مِنْ عَيْنِهِ، وَكَانَ غَيْرَ حَاذِقٍ، فَعَمِيَتْ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: فِي الطَّبِيبِ وَالْبَيْطَارِ وَالْحَجَّامِ، يَخْتِنُ الصَّبِيَّ، وَيَقْلَعُ الضِّرْسَ، فَيَمُوتُ صَاحِبُهُ لاَ ضَمَانَ عَلَى هَؤُلاَءِ، لأَِنَّهُ مِمَّا فِيهِ التَّعْزِيرُ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُخْطِئْ فِي فِعْلِهِ؛ فَإِنْ أَخْطَأَ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.

وَيُنْظَرُ: فَإِنْ كَانَ عَارِفًا فَلاَ يُعَاقَبُ عَلَى خَطَئِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَارِفٍ، وَغَرَّ مِنْ نَفْسِهِ، فَيُؤَدَّبُ بِالضَّرْبِ وَالسَّجْنِ (٣)، وَقَالُوا: الطَّبِيبُ إِذَا جَهِل أَوْ قَصَّرَ ضَمِنَ، وَالضَّمَانُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَكَذَا إِذَا دَاوَى بِلاَ إِذْنٍ، أَوْ بِلاَ إِذْنٍ مُعْتَبَرٍ، كَالصَّبِيِّ (٤) .

_________

(١) الدر المختار ورد المحتار عليه ٥ / ٣٦٤.

(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٢٩٠ وراجع مسائل نحو هذا في الفتاوى الخيرية للعليمي ٢ / ١٧٦، والعقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ٢٣٥ (ط. بولاق: ١٢٧٠ هـ) .

(٣) القوانين الفقهية ص ٢٢١، وانظر جواهر الإكليل ٢ / ٢٩٦.

(٤) الشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٣٥٥.

وَقَال الشَّافِعِيُّ: فِي الْحَجَّامِ وَالْخَتَّانِ وَنَحْوِهِمَا: إِنْ كَانَ فَعَل مَا يَفْعَلُهُ مِثْلُهُ، مِمَّا فِيهِ الصَّلاَحُ لِلْمَفْعُول بِهِ عِنْدَ أَهْل الْعِلْمِ بِتِلْكَ الصِّنَاعَةِ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَجْرُهُ.

وَإِنْ كَانَ فَعَل مَا لاَ يَفْعَلُهُ مِثْلُهُ، كَانَ ضَامِنًا، وَلاَ أَجْرَ لَهُ فِي الأَْصَحِّ (١) .

وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي الْخِتَانِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَغَيْرِهِ: فَمَنْ خَتَنَهُ فِي سِنٍّ لاَ يَحْتَمِلُهُ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، إِلاَّ الْوَالِدَ، وَإِنِ احْتَمَلَهُ، وَخَتَنَهُ وَلِيُّ خِتَانٍ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الأَْصَحِّ (٢) .

ضَمَانُ الْمُعَزَّرِ:

١٣٥ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: مَنْ عَزَّرَهُ الإِْمَامُ فَهَلَكَ، فَدَمُهُ هَدْرٌ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الإِْمَامَ مَأْمُورٌ بِالتَّعْزِيرِ، وَفِعْل الْمَأْمُورِ لاَ يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلاَمَةِ فِي التَّعْزِيرِ الْوَاجِبِ (٣)، وَقَيَّدَهُ جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنْ يَظُنَّ الإِْمَامُ سَلاَمَتَهُ، وَإِلاَّ ضَمِنَ (٤)، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ يَرَوْنَ التَّعْزِيرَ مُقَيَّدًا بِسَلاَمَةِ الْعَاقِبَةِ (٥) .

وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ التَّعْزِيرَ إِذَا أَفْضَى إِلَى

_________

(١) الأم - بتصرف - ٦ / ١٦٦ (ط. بولاق: ١٣٢١ هـ) .

(٢) شرح المحلي بحاشية القليوبي عليه ٤ / ٢١١ وقارن بالمغني بالشرح الكبير ١٠ / ٣٤٩ و٣٥٠.

(٣) الدر المختار ورد المحتار ٣ / ١٨٩.

(٤) جواهر الإكليل ٢ / ٢٩٦، والشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٣٥٥، ومنح الجليل ٤ / ٥٥٦، ٥٥٧.

(٥) شرح المحلي على المنهاج بحاشية القليوبي عليه ٤ / ٢٠٩.

التَّلَفِ لاَ يَضْمَنُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِشَرْطِ ظَنِّ سَلاَمَةِ الْعَاقِبَةِ، لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ، فَلاَ يَضْمَنُ، كَالْحُدُودِ، وَهَذَا مَا لَمْ يُسْرِفْ - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ بِأَنْ يُجَاوِزَ الْمُعْتَادَ، أَوْ مَا يَحْصُل بِهِ الْمَقْصُودُ، أَوْ يَضْرِبُ مَنْ لاَ عَقْل لَهُ مِنْ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ مَعْتُوهٍ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ حِينَئِذٍ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ بِذَلِكَ شَرْعًا (١)

وَلِلتَّفْصِيل يُرَاجَعُ مُصْطَلَحُ: (تَعْزِير) .

ضَمَانُ الْمُؤَدِّبِ وَالْمُعَلِّمِ:

١٣٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى مَنْعِ التَّأْدِيبِ وَالتَّعْلِيمِ بِقَصْدِ الإِْتْلاَفِ وَتَرَتُّبِ الْمَسْئُولِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْهَلاَكِ مِنَ التَّأْدِيبِ الْمُعْتَادِ، وَفِي ضَمَانِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (تَأْدِيب ف ١١، وَتَعْلِيم ف ١٤) .

ضَمَانُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ:

١٣٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَضْمِينِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ مَا أَخَذُوهُ مِنَ الأَْمْوَال أَثْنَاءَ الْحِرَابَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى تَضْمِينِهِمْ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (حِرَابَة ف ٢٢) .

ضَمَانُ الْبُغَاةِ:

١٣٨ - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الْعَادِل إِذَا أَصَابَ

_________

(١) كشاف القناع ٦ / ١٦، وقارن بالمغني بالشرح الكبير ١٠ / ٣٤٩.

مِنْ أَهْل الْبَغْيِ، مِنْ دَمٍ أَوْ جِرَاحَةٍ، أَوْ مَالٍ اسْتَهْلَكَهُ أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي حَال الْحَرْبِ وَحَال الْخُرُوجِ، لأَِنَّهُ ضَرُورَةٌ، وَلأَِنَّا مَأْمُورُونَ بِقِتَالِهِمْ، فَلاَ نَضْمَنُ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ (١) .

أَمَّا إِذَا أَصَابَ الْبَاغِي مِنْ أَهْل الْعَدْل شَيْئًا مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ - وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - أَنَّهُ مَوْضُوعٌ، وَلاَ ضَمَانَ فِيهِ.

وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ مَضْمُونٌ، يَقُول الرَّمْلِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ أَتْلَفُوا عَلَيْنَا نَفْسًا أَوْ مَالًا ضَمِنُوهُ، وَعَلَّقَ عَلَيْهِ الشَّبْرَامَلِّسِيِّ بِقَوْلِهِ: أَيْ بِغَيْرِ الْقِصَاصِ (٢)، وَعَلَّلَهُ الشِّرْبِينِيُّ بِأَنَّهُمَا فِرْقَتَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، مُحِقَّةٌ وَمُبْطِلَةٌ، فَلاَ يَسْتَوِيَانِ فِي سُقُوطِ الْغُرْمِ، كَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، لِشُبْهَةِ تَأْوِيلِهَا (٣) .

وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِمَا رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّهُ قَال: وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، وَأَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ مُتَوَافِرُونَ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ كُل دَمٍ اسْتُحِل بِتَأْوِيل الْقُرْآنِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ، وَكُل مَالٍ اسْتُحِل بِتَأْوِيل الْقُرْآنِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ (٤) .

_________

(١) البدائع ٧ / ١٤١، ومغني المحتاج ٤ / ١٢٥، ونهاية المحتاج ٧ / ٤٠٧، وكشاف القناع ٦ / ١٦٥.

(٢) نهاية المحتاج ٧ / ٤٠٨.

(٣) مغني المحتاج ٤ / ١٢٥.

(٤) البدائع ٧ / ١٤١، وكشاف القناع ٦ / ١٦٥، فقد أورده بصيغة أخرى، وقال: ذكره أحمد في رواية الأثرم، واحتج به، رواه الخلال.

قَال الْكَاسَانِيُّ: وَمِثْلُهُ لاَ يَكْذِبُ، فَوَقَعَ الإِْجْمَاعُ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ (١) .

وَلأَِنَّ الْوِلاَيَةَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مُنْقَطِعَةٌ، لِوُجُودِ الْمَنَعَةِ، فَلَمْ يَكُنْ وُجُوبُ الضَّمَانِ مُفِيدًا لِتَعَذُّرِ الاِسْتِيفَاءِ، فَلَمْ يَجِبْ (٢) . وَلأَِنَّ تَضْمِينَهُمْ يُفْضِي إِلَى تَنْفِيرِهِمْ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الطَّاعَةِ فَسَقَطَ، كَأَهْل الْحَرْبِ، أَوْ كَأَهْل الْعَدْل.

هَذَا الْحُكْمُ فِي حَال الْحَرْبِ، أَمَّا فِي غَيْرِ حَال الْحَرْبِ، فَمَضْمُونٌ (٣) .

ضَمَانُ السَّارِقِ لِلْمَسْرُوقِ:

١٣٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمَسْرُوقَ إِنْ كَانَ قَائِمًا فَإِنَّهُ يَجِبُ رَدُّهُ إِلَى مَنْ سُرِقَ مِنْهُ.

فَإِنْ تَلِفَ فَفِي ضَمَانِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (سَرِقَة ف ٧٩، ٨٠ ج ٢٤) .

ضَمَانُ إِتْلاَفِ آلاَتِ اللَّهْوِ:

١٤٠ - آلَةُ اللَّهْوِ: كَالْمِزْمَارِ، وَالدُّفِّ، وَالْبَرْبَطِ، وَالطَّبْل، وَالطُّنْبُورِ، وَفِي ضَمَانِهَا بَعْضُ الْخِلاَفِ:

_________

(١) البدائع ٧ / ١٤١.

(٢) نفس المرجع.

(٣) كشاف القناع ٥ / ١٦٥.

فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَالصَّاحِبَيْنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، أَنَّهَا لاَ تُضْمَنُ بِالإِْتْلاَفِ وَذَلِكَ: لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مُحْتَرَمَةً، لاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلاَ تَمَلُّكُهَا (١)، وَلأَِنَّهَا مُحَرَّمَةُ الاِسْتِعْمَال، وَلاَ حُرْمَةَ لِصَنْعَتِهَا (٢) .

وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِكَسْرِهَا قِيمَتَهَا خَشَبًا مَنْحُوتًا صَالِحًا لِغَيْرِ اللَّهْوِ لاَ مِثْلَهَا، فَفِي الدُّفِّ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ دُفًّا يُوضَعُ فِيهِ الْقُطْنُ، وَفِي الْبَرْبَطِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ قَصْعَةَ ثَرِيدٍ.

وَيَصِحُّ بَيْعُهَا، لأَِنَّهَا أَمْوَالٌ مُتَقَوَّمَةٌ لِصَلاَحِيَّتِهَا بِالاِنْتِفَاعِ بِهَا فِي غَيْرِ اللَّهْوِ، فَلَمْ تُنَافِ الضَّمَانَ، كَالأَْمَةِ الْمُغَنِّيَةِ (٣)، بِخِلاَفِ الْخَمْرِ فَإِنَّهَا حَرَامٌ لِعَيْنِهَا، وَالْفَتْوَى عَلَى مَذْهَبِ الصَّاحِبَيْنِ، أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُهَا، وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُهَا (٤) .

قَالُوا: وَأَمَّا طَبْل الْغُزَاةِ وَالصَّيَّادِينَ وَالدُّفُّ الَّذِي يُبَاحُ ضَرْبُهُ فِي الْعُرْسِ، فَمَضْمُونٌ اتِّفَاقًا (٥)، كَالأَْمَةِ الْمُغَنِّيَةِ، وَالْكَبْشِ النَّطُوحِ، وَالْحَمَامَةِ الطَّيَّارَةِ، وَالدِّيكِ الْمُقَاتِل.

_________

(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ٣٣٦، والمغني بالشرح الكبير ٥ / ٤٤٥ و٤٤٦.

(٢) شرح المحلي على المنهاج بحاشية القليوبي ٣ / ٣٣.

(٣) الدر المختار ورد المحتار عليه ٥ / ١٣٤.

(٤) الدر المختار ٥ / ١٣٥.

(٥) نفس المرجع.

حَيْثُ تَجِبُ قِيمَتُهَا غَيْرَ صَالِحَةٍ لِهَذَا الأَْمْرِ (١) .

وَذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ، أَنَّ هَذَا الاِخْتِلاَفَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَيْنَ صَاحِبَيْهِ إِنَّمَا هُوَ: فِي الضَّمَانِ، دُونَ إِبَاحَةِ إِتْلاَفِ الْمَعَازِفِ، وَفِيمَا يَصْلُحُ لِعَمَلٍ آخَرَ، وَإِلاَّ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا اتِّفَاقًا، وَفِيمَا إِذَا فَعَل بِغَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ، وَإِلاَّ لَمْ يَضْمَنِ اتِّفَاقًا. وَفِي غَيْرِ عُودِ الْمُغَنِّي وَخَابِيَةِ الْخَمَّارِ، لأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكْسِرْهَا لَعَادَ لِفِعْلِهِ الْقَبِيحِ، وَفِيمَا إِذَا كَانَ لِمُسْلِمٍ، فَلَوْ لِذِمِّيٍّ ضَمِنَ اتِّفَاقًا قِيمَتَهُ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَكَذَا لَوْ كَسَرَ صَلِيبَهُ، لأَِنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِ (٢) .

ضَمَانُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِ الْفِعْل:

١٤١ - لِمَال الْمُسْلِمِ حُرْمَةٌ كَمَا لِنَفْسِهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَضْمِينِ مَنْ يَتْرُكُ فِعْلًا مِنْ شَأْنِهِ إِنْقَاذُ مَال الْمُسْلِمِ مِنَ الضَّيَاعِ، أَوْ نَفْسِهِ مِنَ الْهَلاَكِ.

وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ تَرْك (ف ١٢ - ١٤) .

تَرْكُ الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوعُ عَنْهَا:

١٤٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَنْ يَتْرُكُ

_________

(١) نفس المرجع.

(٢) رد المحتار ٥ / ١٣٥.