الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨ الصفحة 53

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨

ضَمَانِ الدِّمَاءِ، وَضَمَانِ الأَْفْعَال الضَّارَّةِ بِالأَْمْوَال.

ضَمَانُ الدِّمَاءِ (الأَْنْفُسِ وَالْجِرَاحِ)

٨٠ - ضَمَانُ الدِّمَاءِ أَوِ الأَْنْفُسِ هُوَ: الْجَزَاءُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الضَّرَرِ الْوَاقِعِ عَلَى النَّفْسِ فَمَا دُونَهَا.

وَيَشْمَل الْقِصَاصَ وَالْحُدُودَ، وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ، كَمَا يَشْمَل التَّعْزِيرُ حُكُومَةَ الْعَدْل وَهِيَ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ.

وَيُقَسَّمُ الضَّمَانُ - بِحَسَبِ الْجِنَايَةِ - إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:

١ - ضَمَانُ الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ.

٢ - ضَمَانُ الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ، مِنَ الأَْطْرَافِ وَالْجِرَاحِ.

٣ - ضَمَانُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَنِينِ، وَهِيَ: الإِْجْهَاضُ. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أَوَّلًا: ضَمَانُ الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ:

يَتَمَثَّل فِيمَا يَلِي، بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهَا:

الْقَتْل الْعَمْدُ:

٨١ - الْقَتْل الْعَمْدُ، إِذَا تَحَقَّقَتْ شُرُوطُهُ، فَضَمَانُهُ بِالْقِصَاصِ.

(ر: مُصْطَلَح: قَتْل، قِصَاص) .

وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَآخَرُونَ الْكَفَّارَةَ فِيهِ أَيْضًا (١) .

فَإِنِ امْتَنَعَ الْقِصَاصُ، أَوْ تَعَذَّرَ أَوْ صَالَحَ عَنْهُ، كَانَ الضَّمَانُ بِالدِّيَةِ أَوْ بِمَا صُولِحَ عَنْهُ (ر: مُصْطَلَح: دِيَات) .

وَيُوجِبُ الْمَالِكِيَّةُ حِينَئِذٍ التَّعْزِيرَ، كَمَا يُوجِبُونَ فِي الْقَتْل غِيلَةً - الْقَتْل عَلَى وَجْهِ الْمُخَادِعَةِ وَالْحِيلَةِ - قَتْل الْقَاتِل تَعْزِيرًا، إِنْ عَفَا عَنْهُ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُول (٢) .

كَمَا يُحْرَمُ الْقَاتِل مِنْ مِيرَاثِ الْمَقْتُول وَوَصِيَّتِهِ.

الْقَتْل الشَّبِيهُ بِالْعَمْدِ:

٨٢ - هُوَ: الْقَتْل بِمَا لاَ يَقْتُل فِي الْغَالِبِ - عِنْدَ الْجُمْهُورِ - وَبِالْمُثْقَلاَتِ كَذَلِكَ - عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، مِنْ غَيْرِ الْحَدِيدِ وَالْمَعْدِنِ - وَإِنْ كَانَ الْمَالِكِيَّةُ يَرَوْنَ هَذَا مِنَ الْعَمْدِ (٣) .

وَهُوَ مَضْمُونٌ بِالدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ فِي الْحَدِيثِ: أَلاَ وَإِنَّ قَتِيل الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ، مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا، مِائَةٌ مِنَ الإِْبِل، أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلاَدُهَا (٤) .

_________

(١) شرح المحلي على المنهاج ٤ / ١٦٢.

(٢) القوانين الفقهية ص ٢٢٧.

(٣) الهداية وشروحها ٨ / ١٤٤ و١٤٥، وشرح الخرشي ٨ / ٧ - (ط: دار صادر في بيروت)، والقوانين الفقهية ص ٢٢٦ وكفاية الأخيار ٢ / ٩٨، وكشاف القناع ٥ / ٥١٢.

(٤) حديث: " ألا وإن قتيل الخطأ شبه العمد ". أخرجه النسائي (٨ / ٤١) من حديث ابن مسعود، وصححه ابن القطان كما في التلخيص لابن حجر (٤ / ١٥)

الْقَتْل الْخَطَأُ:

٨٣ - وَهُوَ مَضْمُونٌ بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ اتِّفَاقًا بِالنَّصِّ الْكَرِيمِ، وَفِيهِ كَذَلِكَ الْكَفَّارَةُ وَالْحِرْمَانُ مِنَ الإِْرْثِ وَالْوَصِيَّةِ وَهَذَا لِعُمُومِ النَّصِّ (١) .

وَالضَّمَانُ كَذَلِكَ فِي الْقَتْل الشَّبِيهِ بِالْخَطَأِ فِي اصْطِلاَحِ الْحَنَفِيَّةِ، وَيَتَمَثَّل بِانْقِلاَبِ النَّائِمِ عَلَى شَخْصٍ فَيَقْتُلُهُ، أَوِ انْقِلاَبِ الأُْمِّ عَلَى رَضِيعِهَا فَيَمُوتُ بِذَلِكَ.

الْقَتْل بِسَبَبٍ:

٨٤ - قَال بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَيَتَمَثَّل بِمَا لَوْ حَفَرَ حُفْرَةً فِي الطَّرِيقِ، فَتَرَدَّى فِيهَا إِنْسَانٌ فَمَاتَ.

وَهُوَ مَضْمُونٌ بِالدِّيَةِ فَقَطْ، عِنْدَهُمْ، فَلاَ كَفَّارَةَ فِيهِ، وَلاَ حِرْمَانَ، لاِنْعِدَامِ الْقَتْل فِيهِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا أَوْجَبُوا الدِّيَةَ صَوْنًا لِلدِّمَاءِ عَنِ الْهَدَرِ (٢) .

وَالْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ، يُلْحِقُونَ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْقَتْل بِالْخَطَأِ فِي أَحْكَامِهِ، دِيَةً،

_________

(١) الهداية وشرح الكفاية ٩ / ١٤٨ والدر المختار ورد المحتار ٥ / ٣٤٢، وحاشية العدوي على شرح الخرشي ٨ / ٤٩، وانظر في هذه الأحكام: القوانين الفقهية (٢٢٨) وبداية المجتهد ٢ / ٥١١، وكفاية الطالب شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني، بحاشية العدوي ٢ / ٢٨٦، وكفاية الأخيار ٢ / ٩٧، ٩٨، والروض المربع (٣٧٥) .

(٢) الكفاية شرح الهداية ٩ / ١٤٨، والدر المختار ورد المحتار ٥ / ٣٤٢، البدائع ٧ / ٢٧٤.

وَكَفَّارَةً، وَحِرْمَانًا، لأَِنَّ الشَّارِعَ أَنْزَلَهُ مَنْزِلَةَ الْقَاتِل (١) .

(وَلِلتَّفْصِيل ر: مُصْطَلَح: قَتْل وَدِيَات وَجِنَايَة) .

ثَانِيًا: ضَمَانُ الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ:

وَتَتَحَقَّقُ فِي الأَْطْرَافِ، وَالْجِرَاحِ فِي غَيْرِ الرَّأْسِ، وَفِي الشِّجَاجِ.

٨٥ - أ - أَمَّا الأَْطْرَافُ:

فَحُدِّدَتْ عُقُوبَتُهَا بِالْقِصَاصِ بِالنَّصِّ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَْنْفَ بِالأَْنْفِ وَالأُْذُنَ بِالأُْذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ (٢)﴾ .

وَزَادَ مَالِكٌ عَلَى ذَلِكَ التَّعْزِيرَ بِالتَّأْدِيبِ، لِيَتَنَاهَى النَّاسُ (٣) .

فَإِذَا امْتَنَعَ الْقِصَاصُ، بِسَبَبِ الْعَفْوِ أَوِ الصُّلْحِ أَوْ لِتَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَةِ، كَانَ الضَّمَانُ بِالدِّيَةِ وَالأَْرْشِ، وَهُوَ: اسْمٌ لِلْوَاجِبِ مِنَ الْمَال فِيمَا دُونَ النَّفْسِ (٤) .

(ر: جِنَايَةٌ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ) .

_________

(١) القوانين الفقهية (٢٢٨) وشرح الخرشي ٨ / ٤٩، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٥ / ١٠٢ وشرح المحلي على المنهاج بحاشية القليوبي ٤ / ١٦٢، والمغني بالشرح الكبير ١٠ / ٣٧ و٧ / ١٦١ و١٦٢، والروض المربع (٣٨٢) .

(٢) سورة المائدة / ٤٥.

(٣) مواهب الجليل ٦ / ٢٤٧.

(٤) الدر المختار ٥ / ٣٦٨.

٨٦ - ب - وَأَمَّا الْجِرَاحُ

فَخَاصَّةٌ بِمَا كَانَ فِي غَيْرِ الرَّأْسِ، فَإِذَا كَانَتْ جَائِفَةً، أَيْ بَالِغَةَ الْجَوْفِ، فَلاَ قِصَاصَ فِيهَا اتِّفَاقًا، خَشْيَةَ الْمَوْتِ.

وَإِذَا كَانَتْ غَيْرَ جَائِفَةٍ، فَفِيهَا الْقِصَاصُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ مَنَعُوا الْقِصَاصَ فِيهَا مُطْلَقًا لِتَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَةِ (١) .

فَإِنِ امْتَنَعَ الْقِصَاصُ فِي الْجِرَاحِ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ:

فَفِي الْجَائِفَةِ يَجِبُ ثُلُثُ الدِّيَةِ، لِحَدِيثِ: فِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الْعَقْل (٢) .

وَفِي غَيْرِ الْجَائِفَةِ حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَفُسِّرَتْ بِأَنَّهَا أُجْرَةُ الطَّبِيبِ وَثَمَنُ الأَْدْوِيَةِ (٣) .

وَلِلتَّفْصِيل رَاجِعْ مُصْطَلَحَ: (جِرَاح، وَحُكُومَةُ عَدْلٍ) .

٨٧ - ج - وَأَمَّا الشِّجَاجُ، وَهِيَ مَا يَكُونُ مِنَ الْجِرَاحِ فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ (٤) فَإِنْ تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ فِيهَا:

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٢٩٦، والدر المختار ٥ / ٣٧٦، وتبيين الحقائق ٦ / ١١٧ والقوانين الفقهية (٢٣٠) وجواهر الإكليل ٢ / ٢٥٩، الإقناع بحاشية البجيرمي ٤ / ١١٢، والوجيز ٢ / ١٤١، والمغني بالشرح الكبير ٩ / ٤١٠، ٤١١.

(٢) حديث: " في الجائفة ثلث العقل ". أخرجه أحمد (٢ / ٢١٧) من حديث عبد الله بن عمرو، وإسناده حسن.

(٣) الدر المختار ٥ / ٣٧٦.

(٤) الدر المختار ٥ / ٣٧٢.

فَفِيهِ الأَْرْشُ مُقَدَّرًا، كَمَا فِي الْمُوضِحَةِ، لِحَدِيثِ قَضَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمُوضِحَةِ، خَمْسٌ مِنَ الإِْبِل (١) .

وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُقَدَّرٍ، فَتَجِبُ الْحُكُومَةُ. وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ، لَيْسَ فِيهِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْضِ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ بِشَيْءٍ (٢) . فَتَجِبُ فِيهِ الْحُكُومَةُ.

وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ أَنَّهُ وَرَدَ التَّقْدِيرُ فِي أَرْشِ الْمُوضِحَةِ، وَفِيمَا دُونَهَا، كَمَا وَرَدَ فِيمَا فَوْقَهَا فَيُعْمَل بِهِ (٣) .

لِلتَّفْصِيل: (ر: مُصْطَلَحَ: شِجَاج، دِيَات، حُكُومَةُ عَدْلٍ) .

ثَالِثًا: ضَمَانُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَنِينِ:

٨٨ - وَهِيَ الإِْجْهَاضُ، فَإِذَا سَقَطَ الْجَنِينُ مَيِّتًا بِشُرُوطِهِ، فَضَمَانُهُ بِالْغُرَّةِ اتِّفَاقًا، لِحَدِيثِ

_________

(١) حديث: " قضى رسول الله ﷺ في الموضحة خمس من الإبل ". أخرجه النسائي (٨ / ٥٨ - ٥٩) ضمن حديث طويل، وخرجه ابن حجر في التلخيص (٤ / ١٧ - ١٨) وتكلم على أسانيده، ونقل تصحيحه عن جمع من العلماء.

(٢) حديث: " أن النبي ﷺ لم يقض فيما دون الموضحة بشيء ". أخرجه عبد الرزاق (٩ / ٣٠٦) من حديث عمر بن عبد العزيز مرسلا.

(٣) البدائع ٧ / ٣٠٩، والدر المختار ورد المحتار ٥ / ٣٧٢، وتبيين الحقائق ٦ / ١٣٢، ١٣٣، والقوانين الفقهية (٢٣٠) وبداية المجتهد ٢ / ٥١٢، ٥١٤، وشرح المحلي على المنهاج ٤ / ١٣٣ وما بعدها والشرح الكبير مع المغني ٩ / ٤٦١ وما بعدها و٦٢١ وما بعدها.

أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ، بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ (١) .

وَتَجِبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فِي مَال الْعَاقِلَةِ خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ الَّذِينَ أَوْجَبُوهَا فِي مَال الْجَانِي.

وَلاَ كَفَّارَةَ فِيهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنَّمَا تُنْدَبُ، وَأَوْجَبَهَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لأَِنَّ الْجَنِينَ آدَمِيٌّ مَعْصُومٌ، وَإِذَا لَمْ تُوجَدِ الرَّقَبَةُ، انْتَقَلَتِ الْعُقُوبَةُ إِلَى بَدَلِهَا مَالًا، وَهُوَ: نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُل، وَعُشْرُ دِيَةِ الْمَرْأَةِ (٢) .

(ر: جَنِين، غُرَّة) .

ضَمَانُ الأَْفْعَال الضَّارَّةِ بِالأَْمْوَال:

٨٩ - تَتَمَثَّل الأَْفْعَال الضَّارَّةُ بِالأَْمْوَال فِي الإِْتْلاَفَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَالْغُصُوبِ، وَنَحْوِهَا.

وَلِضَمَانِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الأَْفْعَال الضَّارَّةِ، أَحْكَامٌ عَامَّةٌ، وَأَحْكَامٌ خَاصَّةٌ:

_________

(١) حديث أبي هريرة: " أن النبي ﷺ قضى في جنين امرأة ". أخرجه البخاري (١٢ / ٢٥٢) ومسلم (٣ / ١٣٠٩) .

(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٣٢٦ و٣٢٧، والدر المختار ورد المحتار ٥ / ٣٧٧ و٣٧٨، والقوانين الفقهية (٢٢٨) وبداية المجتهد ٢ / ٥٠٨، ٥٠٩ وجواهر الإكليل ٢ / ٢٦٦ و٢٧٢، وشرح ابن أبي زيد القيرواني بحاشية العدوي ٢ / ٢٨٦، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٥ / ٩٩ وما بعدها، وشرح المحلي بحاشية القليوبي ٤ / ١٥٩ وما بعدها. والمغني بالشرح الكبير ٩ / ٥٥٠ وما بعدها.

أَوَّلًا: الأَْحْكَامُ الْعَامَّةُ فِي ضَمَانِ الأَْفْعَال الضَّارَّةِ بِالأَْمْوَال:

٩٠ - تَقُومُ فِكْرَةُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الضَّمَانِ - خِلاَفًا لِمَا تَقَدَّمَ فِي ضَمَانِ الأَْفْعَال الضَّارَّةِ بِالأَْنْفُسِ - عَلَى مَبْدَأِ جَبْرِ الضَّرَرِ الْمَادِّيِّ الْحَائِقِ بِالآْخَرِينَ، أَمَّا فِي تِلْكَ فَهُوَ قَائِمٌ عَلَى مَبْدَأِ زَجْرِ الْجُنَاةِ، وَرَدْعِ غَيْرِهِمْ.

وَالتَّعْبِيرُ بِالضَّمَانِ عَنْ جَبْرِ الضَّرَرِ وَإِزَالَتِهِ، هُوَ التَّعْبِيرُ الشَّائِعُ فِي الْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ، وَعَبَّرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ بِالتَّعْوِيضِ، كَمَا فَعَل ابْنُ عَابِدِينَ (١) .

وَتَوَسَّعَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا النَّوْعِ فِي أَنْوَاعِ الضَّمَانِ وَتَفْصِيل أَحْكَامِهِ، حَتَّى أَفْرَدَهُ الْبَغْدَادِيُّ بِالتَّصْنِيفِ فِي كِتَابِهِ: (مَجْمَعِ الضَّمَانَاتِ) .

وَمِنْ أَهَمِّ قَوَاعِدِ الضَّمَانِ قَاعِدَةُ: " الضَّرَرُ يُزَال ". وَإِزَالَةُ الضَّرَرِ الْوَاقِعِ عَلَى الأَْمْوَال يَتَحَقَّقُ بِالتَّعْوِيضِ الَّذِي يُجْبَرُ فِيهِ الضَّرَرُ.

وَقَدْ عَرَّفَ الْفُقَهَاءُ الضَّمَانَ بِهَذَا الْمَعْنَى، بِأَنَّهُ: رَدُّ مِثْل الْهَالِكِ أَوْ قِيمَتِهِ (٢) .

وَعَرَّفَهُ الشَّوْكَانِيُّ بِأَنَّهُ: عِبَارَةٌ عَنْ غَرَامَةِ التَّالِفِ (٣) .

_________

(١) مجموعة رسائل ابن عابدين ٢ / ١٧٧ (ط: الآستانة) .

(٢) غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر للحموي ٤ / ٦.

(٣) نيل الأوطار ٥ / ٢٩٩ في شرح أحاديث الوديعة والأمانة وضمان اليد، نقلا عن ضوء النهار.

وَكِلاَ التَّعْرِيفَيْنِ يَسْتَهْدِفُ إِزَالَةَ الضَّرَرِ، وَإِصْلاَحَ الْخَلَل الَّذِي طَرَأَ عَلَى الْمَضْرُورِ، وَإِعَادَةَ حَالَتِهِ الْمَالِيَّةِ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْل وُقُوعِ الضَّرَرِ.

طَرِيقَةُ التَّضْمِينِ:

٩١ - الْقَاعِدَةُ الْعَامَّةُ فِي تَضْمِينِ الْمَالِيَّاتِ، هِيَ: مُرَاعَاةُ الْمِثْلِيَّةِ التَّامَّةِ بَيْنَ الضَّرَرِ، وَبَيْنَ الْعِوَضِ، كُلَّمَا أَمْكَنَ، قَال السَّرَخْسِيُّ: " ضَمَانُ الْعُدْوَانِ مُقَدَّرٌ بِالْمِثْل بِالنَّصِّ (١) " يُشِيرُ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ (٢)﴾ .

وَالْمِثْل وَإِنْ كَانَ بِهِ يَتَحَقَّقُ الْعَدْل، لَكِنَّ الأَْصْل أَنْ يَرُدَّ الشَّيْءَ الْمَالِيَّ الْمُعْتَدَى فِيهِ نَفْسَهُ، كُلَّمَا أَمْكَنَ، مَا دَامَ قَائِمًا مَوْجُودًا، لَمْ يَدْخُلْهُ عَيْبٌ يُنْقِصُ مِنْ مَنْفَعَتِهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ الْحَسَنُ، عَنْ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ (٣) .

بَل هَذَا هُوَ الْمُوجِبُ الأَْصْلِيُّ فِي الْغَصْبِ، الَّذِي هُوَ أَوَّل صُوَرِ الضَّرَرِ وَأَهَمُّهَا.

فَإِذَا تَعَذَّرَ رَدُّ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ، لِهَلاَكِهِ أَوِ اسْتِهْلاَكِهِ أَوْ فَقْدِهِ، وَجَبَ حِينَئِذٍ رَدُّ مِثْلِهِ،

_________

(١) المبسوط ١١ / ٧٩.

(٢) سورة النحل / ١٢٦.

(٣) حديث: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي " تقدم تخريجه ف ٦.

إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، أَوْ قِيمَتِهِ إِنْ كَانَ قِيمِيًّا.

وَالْمِثْلِيُّ هُوَ: مَا لَهُ مِثْلٌ فِي الأَْسْوَاقِ، أَوْ نَظِيرٌ، بِغَيْرِ تَفَاوُتٍ يُعْتَدُّ بِهِ، كَالْمَكِيلاَتِ، وَالْمَوْزُونَاتِ، وَالْمَذْرُوعَاتِ، وَالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ.

وَالْقِيمِيُّ هُوَ: مَا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ فِي الأَْسْوَاقِ، أَوْ هُوَ مَا تَتَفَاوَتُ أَفْرَادُهُ، كَالْكُتُبِ الْمَخْطُوطَةِ، وَالثِّيَابِ الْمُفَصَّلَةِ الْمَخِيطَةِ لأَِشْخَاصٍ بِأَعْيَانِهِمْ.

وَالْمِثْل أَعْدَل فِي دَفْعِ الضَّرَرِ، لِمَا فِيهِ مِنِ اجْتِمَاعِ الْجِنْسِ وَالْمَالِيَّةِ.

وَالْقِيمَةُ تَقُومُ مَقَامَ الْمِثْل، فِي الْمَعْنَى وَالاِعْتِبَارِ الْمَالِيِّ (١) .

وَقْتُ تَقْدِيرِ التَّضْمِينِ:

٩٢ - تَنَاوَل الْفُقَهَاءُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فِي الْمَغْصُوبِ - عَلَى التَّخْصِيصِ - إِذَا كَانَ مِثْلِيًّا، وَفُقِدَ مِنَ السُّوقِ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَنْظَارُهُمْ فِيهَا عَلَى الْوَجْهِ التَّالِي:

ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ: إِلَى اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْغَصْبِ، لأَِنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ مِنَ السُّوقِ الْتَحَقَ بِمَا لاَ مِثْل لَهُ، فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ انْعِقَادِ السَّبَبِ،

_________

(١) الهداية بشروحها ٨ / ٢٤٦ وما بعدها، ومجمع الأنهر ٢ / ٤٥٦ و٤٥٧، والقوانين الفقهية ٢١٦ و٢١٧ والشرح الكبير للدردير ٣ / ٤٤٥ وما بعدها، وشرح المحلي على المنهاج ٢ / ٢٥٩ وما بعدها. والمغني بالشرح الكبير ٥ / ٣٧٦ و٣٧٧.