الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨ الصفحة 52

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨

مِنَ الْمُعِيرِ بَعْدَ الطَّلَبِ، عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَ مَا يُغَابُ وَمَا لاَ يُغَابُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (١) .

ج - الْمَوْتُ عَنْ تَجْهِيلٍ:

٦٩ - مَعْنَى التَّجْهِيل: أَنْ لاَ يُبَيِّنَ حَال الأَْمَانَةِ الَّتِي عِنْدَهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ وَارِثَهُ لاَ يَعْلَمُ حَالَهَا، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ (٢)، فَالْوَدِيعُ إِذَا مَاتَ مُجْهِلًا حَال الْوَدِيعَةِ الَّتِي عِنْدَهُ، وَوَارِثَهُ لاَ يَعْلَمُ حَالَهَا، يَضْمَنُهَا بِذَلِكَ.

وَمَعْنَى ضَمَانِهَا - كَمَا يَقُول ابْنُ نُجَيْمٍ - صَيْرُورَتُهَا دَيْنًا فِي تَرِكَتِهِ (٣) .

وَكَذَلِكَ نَاظِرُ الْوَقْفِ، إِذَا مَاتَ مُجْهِلًا لِحَال بَدَل الْوَقْفِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ.

وَكَذَا كُل شَيْءٍ أَصْلُهُ أَمَانَةٌ يَصِيرُ دَيْنًا فِي التَّرِكَةِ بِالْمَوْتِ عَنْ تَجْهِيلٍ (٤) .

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الإِْيصَاءِ فِي الْوَدِيعَةِ يَسْتَوْجِبُ الضَّمَانَ، وَقَالُوا: إِذَا مَرِضَ الْمُودَعُ مَرَضًا مَخُوفًا، أَوْ حُبِسَ لِيُقْتَل لَزِمَهُ أَنْ يُوصِيَ، فَإِنْ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ لَزِمَهُ الضَّمَانُ،

_________

(١) مجمع الضمانات (٥٥ و٥٦) والدر المختار ٤ / ٥٠٣ وما بعدها، والقوانين الفقهية (٢٤٥ و٢٤٦) وشرح المنهج وحاشية الجمل ٣ / ٤٥٨ و٤٥٩ والمغني بالشرح الكبير ٥ / ٣٥٥ و٣٥٨.

(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم (٢٧٣)، وانظر مجمع الضمانات ص ٨٧.

(٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٢٧٤.

(٤) مجمع الضمانات ص ٨٨ وانظر الأمثلة الفرعية في الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي ٣ / ٤٢٥ و٤٢٦، والأشباه والنظائر لابن نجيم (٢٧٣) .

لأَِنَّهُ عَرَّضَهَا لِلْفَوَاتِ، لأَِنَّ الْوَارِثَ يَعْتَمِدُ ظَاهِرَ الْعَيْنِ، وَلاَ بُدَّ فِي الْوَصِيَّةِ مِنْ بَيَانِ الْوَدِيعَةِ، حَتَّى لَوْ قَال: عِنْدِي لِفُلاَنٍ ثَوْبٌ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي تَرِكَتِهِ، ضَمِنَ لِعَدَمِ بَيَانِهِ (١) . (ر: تَجْهِيل) .

د - الشَّرْطُ:

٧٠ - لاَ أَثَرَ لِلشَّرْطِ فِي صِفَةِ الْيَدِ الْمُؤْتَمَنَةِ عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ.

قَال الْبَغْدَادِيُّ: اشْتِرَاطُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ بَاطِلٌ، وَقِيل: تَصِيرُ مَضْمُونَةً (٢) .

وَقَال التُّمُرْتَاشِيُّ: وَاشْتِرَاطُ الضَّمَانِ عَلَى الأَْمِينِ بَاطِلٌ، بِهِ يُفْتَى (٣)، فَلَوْ شَرَطَ الْمُؤَجِّرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ضَمَانَ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ، فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ.

وَلَوْ شَرَطَ الْمُودَعُ عَلَى الْوَدِيعِ ضَمَانَ الْوَدِيعَةِ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَلاَ ضَمَانَ لَوْ تَلِفَتْ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الأَْمَانَاتِ (٤) .

وَعَلَّلَهُ الْمَالِكِيَّةُ، بِأَنَّهُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِخْرَاجِهَا عَنْ حَقِيقَتِهَا الشَّرْعِيَّةِ (٥) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لأَِنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَلَوْ قَال الْوَدِيعُ: أَنَا ضَامِنٌ لَهَا لَمْ

_________

(١) كفاية الأخيار للحصني ٢ / ٨ (ط: دار المعرفة في بيروت) .

(٢) مجمع الضمانات (٥٥) .

(٣) الدر المختار ٤ / ٤٩٤.

(٤) مجمع الضمانات (٥٥) .

(٥) الشرح الكبير للدردير ٣ / ٤٢٣.

يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ وَلاَ تَقْصِيرٍ، لأَِنَّ ضَمَانَ الأَْمَانَاتِ غَيْرُ صَحِيحٍ (١) .

وَنَصَّ الْقَلْيُوبِيُّ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الأَْمَانَةِ فِي الْعَارِيَّةِ - وَهِيَ مَضْمُونَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا هَلَكَتْ بِغَيْرِ الاِسْتِعْمَال - هُوَ شَرْطٌ مُفْسِدٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَشَرْطُ أَنْ لاَ ضَمَانَ فِيهَا فَاسِدٌ لاَ مُفْسِدٌ (٢) .

وَجَاءَ فِي نُصُوصِ الْحَنَابِلَةِ: كُل مَا كَانَ أَمَانَةً لاَ يَصِيرُ مَضْمُونًا بِشَرْطِهِ، لأَِنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ كَوْنُهُ أَمَانَةً، فَإِذَا شَرَطَ ضَمَانَهُ، فَقَدِ الْتَزَمَ ضَمَانَ مَا لَمْ يُوجَدْ سَبَبُ ضَمَانِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ، كَمَا لَوِ اشْتَرَطَ ضَمَانَ الْوَدِيعَةِ، أَوْ ضَمَانَ مَالٍ فِي يَدِ مَالِكِهِ. وَمَا كَانَ مَضْمُونًا لاَ يَنْتَفِي ضَمَانُهُ بِشَرْطِهِ، لأَِنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ الضَّمَانُ، فَإِذَا شَرَطَ نَفْيَ ضَمَانِهِ لاَ يَنْتَفِي مَعَ وُجُودِ سَبَبِهِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَطَ نَفْيَ ضَمَانِ مَا يَتَعَدَّى فِيهِ.

وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَال: الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، وَهَذَا يَدُل عَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ بِشَرْطِهِ، وَالأَْوَّل ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ (٣) .

الْقَوَاعِدُ الْفِقْهِيَّةُ فِي الضَّمَانِ:

الْقَوَاعِدُ فِي الضَّمَانِ كَثِيرَةٌ، نُشِيرُ إِلَى

_________

(١) كشاف القناع ٤ / ١٦٨.

(٢) حاشية القليوبي على شرح المحلي على المنهاج ٣ / ٢٠.

(٣) الشرح الكبير في ذيل المغني ٥ / ٣٦٦ و٣٦٧.

أَهَمِّهَا، بِاخْتِصَارٍ فِي التَّعْرِيفِ بِهَا، وَالتَّمْثِيل لَهَا، كُلَّمَا دَعَتِ الْحَاجَةُ، مُرَتَّبَةً بِحَسَبِ أَوَائِل حُرُوفِهَا:

الْقَاعِدَةُ الأُْولَى: " الأَْجْرُ وَالضَّمَانُ لاَ يَجْتَمِعَانِ (١) ":

٧١ - الأَْجْرُ هُوَ: بَدَل الْمَنْفَعَةِ. وَالضَّمَانُ - هُنَا - هُوَ: الاِلْتِزَامُ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا، هَلَكَتْ أَوْ لَمْ تَهْلَكْ، وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مِنْ قَوَاعِدِ الْحَنَفِيَّةِ، الْمُتَّصِلَةِ بِرَأْيِهِمْ فِي عَدَمِ ضَمَانِ مَنَافِعِ الْمَغْصُوبِ، خِلاَفًا لِلْجُمْهُورِ.

فَلَوِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً أَوْ سَيَّارَةً، لِحَمْل شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، فَحَمَّلَهَا شَيْئًا آخَرَ أَوْ أَثْقَل مِنْهُ بِخِلاَفِ جِنْسِهِ، كَأَنْ حَمَل مَكَانَ الْقُطْنِ حَدِيدًا فَتَلِفَتْ، ضَمِنَ قِيمَتَهَا، وَلاَ أَجْرَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهَا هَلَكَتْ بِغَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ.

وَكَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَهَا، لِيَرْكَبَهَا إِلَى مَكَانٍ مُعَيَّنٍ، فَذَهَبَ بِهَا إِلَى مَكَانٍ آخَرَ فَهَلَكَتْ، ضَمِنَ قِيمَتَهَا، وَلاَ أَجْرَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الأَْجْرَ وَالضَّمَانَ لاَ يَجْتَمِعَانِ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٢) .

لَكِنِ الْقَاعِدَةُ مَشْرُوطَةٌ عِنْدَهُمْ، بِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ الأَْجْرِ فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ، كَمَا لَوِ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ الدَّابَّةِ - مَثَلًا - فِعْلًا، ثُمَّ تَجَاوَزَ فَصَارَ غَاصِبًا، وَضَمِنَ، يَلْزَمُهُ أَجْرُ مَا سَمَّى

_________

(١) المادة ص ٨٥ من المجلة.

(٢) تبيين الحقائق ٥ / ١١٨، والبدائع ٤ / ٢١٣.

عِنْدَهُمْ، إِذَا سَلِمَتِ الدَّابَّةُ وَلَمْ تَهْلَكْ (١) .

وَالْجُمْهُورُ يُوجِبُونَ الأَْجْرَ كُلَّمَا كَانَ لِلْمَغْصُوبِ أَجْرٌ، لأَِنَّ الْمَنَافِعَ مُتَقَوِّمَةٌ كَالأَْعْيَانِ، فَإِذَا تَلِفَتْ أَوْ أَتْلَفَهَا فَقَدْ أَتْلَفَ مُتَقَوِّمًا، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ كَالأَْعْيَانِ (٢) وَإِذَا ذَهَبَ بَعْضُ أَجْزَاءِ الْمَغْصُوبِ فِي مُدَّةِ الْغَصْبِ، وَجَبَ مَعَ الأُْجْرَةِ أَرْشُ نَقْصِهِ لاِنْفِرَادِ كُلٍّ بِإِيجَابٍ (٣) .

وَلِلْمَالِكِيَّةِ أَقْوَالٌ: وَافَقُوا فِي بَعْضِهَا الْحَنَفِيَّةَ، وَفِي بَعْضِهَا الْجُمْهُورَ وَانْفَرَدُوا بِتَفْصِيلٍ فِي بَعْضِهَا (٤) .

الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: " إِذَا اجْتَمَعَ الْمُبَاشِرُ وَالْمُتَسَبِّبُ يُضَافُ الْحُكْمُ إِلَى الْمُبَاشِرِ (٥) .

٧٢ - الْمُبَاشِرُ لِلْفِعْل: هُوَ الْفَاعِل لَهُ بِالذَّاتِ، وَالْمُتَسَبِّبُ هُوَ الْمُفْضِي وَالْمُوَصِّل إِلَى وُقُوعِهِ، وَيَتَخَلَّل بَيْنَ فِعْلِهِ وَبَيْنَ الأَْثَرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ فِعْل فَاعِلٍ مُخْتَارٍ، وَالْمُبَاشِرُ يَحْصُل الأَْثَرُ بِفِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّل فِعْل فَاعِلٍ مُخْتَارٍ.

وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْمُبَاشِرُ لأَِنَّهُ أَقْرَبُ لإِضَافَةِ

_________

(١) جامع الفصولين ٢ / ١١٧.

(٢) شرح المحلي على المنهاج ٣ / ٣٣، والمغني ٥ / ٤٣٥، وكشاف القناع ٤ / ١١١.

(٣) كشاف القناع ٤ / ١١١ بتصرف.

(٤) القوانين الفقهية (٢١٧) .

(٥) المادة (٨٩) من المجلة.

الْحُكْمِ إِلَيْهِ مِنَ الْمُتَسَبِّبِ، قَال خَلِيلٌ: وَقُدِّمَ عَلَيْهِ الْمُرْدِي (١) فَلَوْ حَفَرَ رَجُلٌ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ، بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنْ وَلِيِّ الأَْمْرِ، فَأَلْقَى شَخْصٌ حَيَوَانَ غَيْرِهِ فِي تِلْكَ الْبِئْرِ، ضَمِنَ الَّذِي أَلْقَى الْحَيَوَانَ، لأَِنَّهُ الْعِلَّةُ الْمُؤَثِّرَةُ، دُونَ حَافِرِ الْبِئْرِ، لأَِنَّ التَّلَفَ لَمْ يَحْصُل بِفِعْلِهِ.

وَلَوْ وَقَعَ الْحَيَوَانُ فِيهِ بِغَيْرِ فِعْل أَحَدٍ، ضَمِنَ الْحَافِرُ، لِتَسَبُّبِهِ بِتَعَدِّيهِ بِالْحَفْرِ بِغَيْرِ إِذْنٍ.

وَكَذَلِكَ لَوْ دَل سَارِقًا عَلَى مَتَاعٍ، فَسَرَقَهُ الْمَدْلُول، ضَمِنَ السَّارِقُ لاَ الدَّال.

وَلِذَا لَوْ دَفَعَ إِلَى صَبِيٍّ سِكِّينًا، فَوَجَأَ بِهِ نَفْسَهُ، لاَ يَضْمَنُ الدَّافِعُ، لِتَخَلُّل فِعْل فَاعِلٍ مُخْتَارٍ. وَلَوْ وَقَعَ السِّكِّينُ عَلَى رِجْل الصَّبِيِّ فَجَرَحَهَا ضَمِنَ الدَّافِعُ (٢) .

الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: " الاِضْطِرَارُ لاَ يُبْطِل حَقَّ الْغَيْرِ (٣) ".

٧٣ - تَطَّرِدُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ سَوَاءٌ أَكَانَ الاِضْطِرَارُ فِطْرِيًّا كَالْجُوعِ، أَمْ غَيْرَ فِطْرِيٍّ كَالإِْكْرَاهِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الإِْثْمُ، وَعُقُوبَةُ التَّجَاوُزِ، أَمَّا حَقُّ الآْخَرِينَ فَلاَ يَتَأَثَّرُ بِالاِضْطِرَارِ، وَيَبْقَى الْمَال

_________

(١) الشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي ٣ / ٤٤٤.

(٢) جامع الفصولين ٢ / ٨١ ومجمع الضمانات (١٣٦) .

(٣) المادة (٣٣) من المجلة.

مَضْمُونًا بِالْمِثْل إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَالْقِيمَةِ إِنْ كَانَ قِيَمِيًّا. فَلَوِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ إِلَى أَكْل طَعَامِ غَيْرِهِ، جَازَ لَهُ أَكْلُهُ، وَضَمِنَ قِيمَتَهُ، لِعَدَمِ إِذْنِ الْمَالِكِ، وَإِنَّمَا الَّذِي وُجِدَ هُوَ إِذْنُ الشَّرْعِ الَّذِي أَسْقَطَ الْعُقُوبَةَ فَقَطْ (١) .

الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ: " الأَْمْرُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بَاطِلٌ (٢) ".

٧٤ - الأَْمْرُ: هُوَ طَلَبُ الْفِعْل جَزْمًا، فَإِذَا أَمَرَ شَخْصٌ غَيْرَهُ بِأَخْذِ مَال شَخْصٍ آخَرَ أَوْ بِإِتْلاَفِهِ عَلَيْهِ فَلاَ عِبْرَةَ بِهَذَا الأَْمْرِ، وَيَضْمَنُ الْفَاعِل.

وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُقَيَّدَةٌ:

بِأَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ عَاقِلًا بَالِغًا، فَإِذَا كَانَ صَغِيرًا، كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الآْمِرِ. وَأَنْ لاَ يَكُونَ الآْمِرُ ذَا وِلاَيَةٍ وَسُلْطَانٍ عَلَى الْمَأْمُورِ.

فَلَوْ كَانَ الآْمِرُ هُوَ السُّلْطَانَ أَوِ الْوَالِدَ، كَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا (٣) .

الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ: " جِنَايَةُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ ".

٧٥ - هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُقْتَبَسَةٌ مِنْ حَدِيثٍ شَرِيفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا

_________

(١) البدائع ٧ / ١٧٩، وشرح الزرقاني ٣ / ٢٩، والقواعد لابن رجب (٣٦ و٢٨٦) .

(٢) المادة (٩٥) من المجلة.

(٣) جامع الفصولين ٢ / ٧٨.

جُبَارٌ (١) وَالْعَجْمَاءُ: الْبَهِيمَةُ، لأَِنَّهَا لاَ تُفْصِحُ، وَمَعْنَى جُبَارٌ: أَنَّهُ هَدَرٌ وَبَاطِلٌ.

وَالْمُرَادُ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مُسَيَّبَةً حَيْثُ تُسَيَّبُ الْحَيَوَانَاتُ، وَلاَ يَدَ عَلَيْهَا، أَمَّا لَوْ كَانَ مَعَهَا رَاكِبٌ فَيَضْمَنُ، فَلَوِ اصْطَادَتْ هِرَّتُهُ طَائِرًا لِغَيْرِهِ لَمْ يَضْمَنْ (٢) .

وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يَأْتِي فِي ضَمَانِ جِنَايَةِ الْحَيَوَانِ.

الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ: " الْجَوَازُ الشَّرْعِيُّ يُنَافِي الضَّمَانَ (٣) ".

٧٦ - يَعْنِي إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى الْفِعْل الْجَائِزِ الْمُبَاحِ شَرْعًا، ضَرَرٌ لِلآْخَرِينَ، لاَ يُضْمَنُ الضَّرَرُ. فَلَوْ حَفَرَ حُفْرَةً فِي مِلْكِهِ، أَوْ فِي الطَّرِيقِ، بِإِذْنِ الْحَاكِمِ، فَتَرَدَّى فِيهَا حَيَوَانٌ أَوْ إِنْسَانٌ، لاَ يَضْمَنُ الْحَافِرُ شَيْئًا. وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِشَرْطَيْنِ:

١ - أَنْ لاَ يَكُونَ الْمُبَاحُ مُقَيَّدًا بِشَرْطِ السَّلاَمَةِ، فَيَضْمَنُ - مَثَلًا - رَاكِبُ السَّيَّارَةِ وَقَائِدُ الدَّابَّةِ أَوْ رَاكِبُهَا فِي الطَّرِيقِ (٤) .

٢ - أَنْ لاَ يَكُونَ فِي الْمُبَاحِ إِتْلاَفُ الآْخَرِينَ وَإِلاَّ كَانَ مَضْمُونًا.

_________

(١) حديث: " العجماء جرحها جبار ". أخرجه البخاري (١٢ / ٢٥٤) ومسلم (٣ / ١٣٣٤) .

(٢) مجمع الضانات (١٨٥) وجامع الفصولين ٢ / ٨٥.

(٣) المادة (٩٠) من المجلة.

(٤) الدر المختار ٥ / ٣٨٦.

فَيَضْمَنُ مَا يُتْلِفُهُ مِنْ مَال غَيْرِهِ لِلْمَخْمَصَةِ، مَعَ أَنَّ أَكْلَهُ لأَِجْلِهَا جَائِزٌ، بَل وَاجِبٌ (١) .

الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ: الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ (٢)

٧٧ - الْخَرَاجُ: هُوَ غَلَّةُ الشَّيْءِ وَمَنْفَعَتُهُ، إِذَا كَانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ، غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْهُ. كَسُكْنَى الدَّارِ، وَأُجْرَةِ الدَّابَّةِ.

وَالضَّمَانُ: هُوَ التَّعْوِيضُ الْمَالِيُّ عَنِ الضَّرَرِ الْمَادِّيِّ.

وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنَافِعَ الشَّيْءِ يَسْتَحِقُّهَا مَنْ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ لَوْ هَلَكَ، فَتَكُونُ الْمَنْفَعَةُ فِي مُقَابِل تَحَمُّل خَسَارَةِ هَلاَكِهِ، فَمَا لَمْ يَدْخُل فِي ضَمَانِهِ لاَ يَسْتَحِقُّ مَنَافِعَهُ (٣) وَقَدْ نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ (٤) .

الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ: الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ (٥) .

٧٨ - هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَعْنَاهَا أَنَّ التَّكَلُّفَاتِ وَالْغَرَامَاتِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى الشَّيْءِ، تَجِبُ عَلَى مَنِ اسْتَفَادَ مِنْهُ وَانْتَفَعَ بِهِ، مِثَال ذَلِكَ:

_________

(١) درر الحكام ٢ / ١٠٩ - ١١١، ومجمع الضمانات (١٤٩) وجامع الفصولين ٢ / ٨٨.

(٢) المادة (٨٥) من المجلة.

(٣) القوانين الفقهية، ص ٢١٧ (والأشباه والنظائر لابن نجيم ١٥١، ١٥٢، وانظر فروعا أخرى مماثلة في جامع الفصولين ٢ / ١١٨ - ١٢٠) .

(٤) حديث: " نهى رسول الله ﷺ عن ربح ما لم يضمن ". أخرجه أحمد (٢ / ١٧٤ - ١٧٥) من حديث عبد الله بن عمرو، وإسناده حسن.

(٥) المادة (٨٧) من المجلة.

١ - نَفَقَةُ رَدِّ الْعَارِيَّةِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، لأَِنَّهُ هُوَ الَّذِي انْتَفَعَ بِهَا.

٢ - وَنَفَقَةُ رَدِّ الْوَدِيعَةِ عَلَى الْمُودِعِ، لأَِنَّهُ هُوَ الَّذِي اسْتَفَادَ مِنْ حِفْظِهَا.

٣ - وَأُجْرَةِ كِتَابَةِ عَقْدِ الْمِلْكِيَّةِ عَلَى الْمُشْتَرِي، لأَِنَّهَا تَوْثِيقٌ لاِنْتِقَال الْمِلْكِيَّةِ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْمُسْتَفِيدُ مِنْ ذَلِكَ.

الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ: " لاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ أَخْذُ مَال أَحَدٍ بِلاَ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ (١) ".

٧٩ - هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ حَدِيثِ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ (٢) .

فَيَحْرُمُ أَخْذُ أَمْوَال الآْخَرِينَ بِالْبَاطِل كَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَنَحْوِهِمَا.

أَحْكَامُ الضَّمَانِ:

أَحْكَامُ الضَّمَانِ - بِوَجْهٍ عَامٍّ - تُقَسَّمُ إِلَى هَذِهِ الأَْقْسَامِ.

١ - ضَمَانُ الدِّمَاءِ (الأَْنْفُسِ وَالْجِرَاحِ) .

٢ - ضَمَانُ الْعُقُودِ.

٣ - ضَمَانُ الأَْفْعَال الضَّارَّةِ بِالأَْمْوَال، كَالإِْتْلاَفَاتِ، وَالْغُصُوبِ.

وَحَيْثُ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي ضَمَانِ الْعُقُودِ فِي أَنْوَاعِ الضَّمَانِ وَمَحَلِّهِ، فَنَقْصِرُ الْقَوْل عَلَى

_________

(١) المادة (٨٧) من المجلة.

(٢) حديث: " على اليد ما أخذت حتى تؤديه ". تقدم تخريجه في ٦.