الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨ الصفحة 45

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨

الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ: (إِذَا اجْتَمَعَ الْمُبَاشِرُ وَالْمُتَسَبِّبُ، يُضَافُ الْحُكْمُ إِلَى الْمُبَاشِرِ) .

وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَا يَلِي:

أ - لَوْ حَفَرَ شَخْصٌ حُفْرَةً فِي الطَّرِيقِ، فَأَلْقَى آخَرُ نَفْسَهُ، أَوْ أَلْقَى غَيْرَهُ فِيهَا عَمْدًا، لاَ يَضْمَنُ الْحَافِرُ، بَل الْمُلْقِي وَحْدَهُ، لأَِنَّهُ الْمُبَاشِرُ (١) .

ب - لَوْ دَل سَارِقًا عَلَى مَال إِنْسَانٍ، فَسَرَقَهُ، لاَ ضَمَانَ عَلَى الدَّال (٢) .

١٣ - وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَاعِدَةِ تَقْدِيمِ الْمُبَاشَرَةِ عَلَى التَّسْبِيبِ صُوَرٌ، يُقَدَّمُ فِيهَا السَّبَبُ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُبَاشِرَةِ، وَذَلِكَ إِذَا تَعَذَّرَتْ إِضَافَةُ الْحُكْمِ إِلَى الْمُبَاشِرِ بِالْكُلِّيَّةِ (٣) فَيُضَافُ الْحُكْمُ - وَهُوَ الضَّمَانُ هُنَا - إِلَى الْمُتَسَبِّبِ وَحْدَهُ، كَمَا إِذَا دَفَعَ رَجُلٌ إِلَى صَبِيٍّ سِكِّينًا لِيُمْسِكَهُ لَهُ، فَسَقَطَ مِنْ يَدِهِ، فَجَرَحَهُ، ضَمِنَ الدَّافِعُ، لأَِنَّ

_________

(١) مجمع الضمانات ص ١٨٠ وجواهر الإكليل ٢ / ١٤٨، والقواعد لابن رجب ص ٢٨٥.

(٢) مجمع الضمانات ص (٢٠٣) والتاج والإكليل لمختصر خليل للمواق ٥ / ٢٧٨.

(٣) كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري، شرح أصول فخر الإسلام البزدوي (٤ / ١٣٠٢ ط: الآستانة) .

السَّبَبَ هُنَا فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ (١) .

تَتَابُعُ الأَْضْرَارِ:

١٤ - إِذَا تَرَتَّبَتْ عَلَى السَّبَبِ الْوَاحِدِ أَضْرَارٌ مُتَعَدِّدَةٌ، فَالْحُكْمُ أَنَّ الْمُتَعَدِّيَ الْمُتَسَبِّبَ يَضْمَنُ جَمِيعَ الأَْضْرَارِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى تَسَبُّبِهِ، مَا دَامَ أَثَرُ تَسَبُّبِهِ بَاقِيًا لَمْ يَنْقَطِعْ، فَإِنِ انْقَطَعَ بِتَسَبُّبٍ آخَرَ لَمْ يَضْمَنْ.

فَمِنْ صُوَرِ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:

أ - سَقَطَ حَائِطُ إِنْسَانٍ عَلَى حَائِطِ إِنْسَانٍ آخَرَ، وَسَقَطَ الْحَائِطُ الثَّانِي عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ: كَانَ ضَمَانُ الْحَائِطِ الثَّانِيَ وَالْقَتِيل عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ الأَْوَّل (٢) لأَِنَّ تَسَبُّبَ حَائِطِهِ لَمْ يَنْقَطِعْ.

فَإِنْ عَثَرَ إِنْسَانٌ بِأَنْقَاضِ الْحَائِطِ الثَّانِي، فَانْكَسَرَ، لَمْ يَضْمَنِ الأَْوَّل، لأَِنَّ التَّفْرِيغَ لَيْسَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَضْمَنُ صَاحِبُ الْحَائِطِ الثَّانِي إِلاَّ إِذَا عَلِمَ بِسُقُوطِ حَائِطِهِ، وَلَمْ يَنْقُل تُرَابَهُ فِي مُدَّةٍ تَسَعُ النَّقْل.

ب - لَوْ أُشْهِدَ عَلَى حَائِطِهِ بِالْمَيْل، فَلَمْ يَنْقُضْهُ صَاحِبُهُ حَتَّى سَقَطَ، فَقَتَل إِنْسَانًا، وَعَثَرَ

_________

(١) كشف الأسرار ٤ / ١٣٠١، والتوضيح على التنقيح لصدر الشريعة، مع شرح التلويح للتفتازاني ٢ / ١٣٨ ط: دار الكتب العلمية في بيروت. والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٦٣ ط: دار الكتب العلمية في بيروت.

(٢) مجمع الضمانات ص ١٨٥.

بِالأَْنْقَاضِ شَخْصٌ فَعَطِبَ، وَعَطِبَ آخَرُ بِالْقَتِيل، كَانَ ضَمَانُ الْقَتِيل الأَْوَّل وَعَطَبُ الثَّانِي عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ الأَْوَّل، لأَِنَّ الْحَائِطَ وَأَنْقَاضَهُ مَطْلُوبَانِ مِنْهُ، أَمَّا التَّلَفُ الْحَاصِل بِالْقَتِيل الأَْوَّل، فَلَيْسَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ نَقْلَهُ لَيْسَ مَطْلُوبًا مِنْهُ، بَل هُوَ لأَِوْلِيَاءِ الْقَتِيل (١) .

إِثْبَاتُ السَّبَبِيَّةِ:

١٥ - الأَْصْل فِي الشَّرِيعَةِ، هُوَ أَنَّ الْمُعْتَدَى عَلَيْهِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الضَّرَرُ، أَوْ وَلِيُّهُ إِنْ قُتِل، هُوَ الْمُكَلَّفُ بِإِثْبَاتِ الضَّرَرِ، وَإِثْبَاتِ تَعَدِّي مَنْ أُلْحَقَ بِهِ الضَّرَرُ، وَأَنَّ تَعَدِّيَهُ كَانَ هُوَ السَّبَبَ فِي الضَّرَرِ.

وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لاَدَّعَى رِجَالٌ أَمْوَال قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، لَكِنِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ (٢) .

وَتَثْبُتُ السَّبَبِيَّةُ بِإِقْرَارِ الْمُعْتَدِي، كَمَا تَثْبُتُ

_________

(١) الدر المختار ٥ / ٣٨٦ ومجمع الضمانات ص ١٨٥ وتكملة البحر الرائق للطوري ٨ / ٤٠٤.

(٢) حديث ابن عباس: " لو يعطى الناس بدعواهم. . . . ". أخرجه البخاري (٨ / ٢١٣) ومسلم (٣ / ١٣٣٦) دون قوله: (لكن البينة على المدعي) إلخ، وفيها: (اليمين على المدعى عليه) وأخرج البيهقي (١٠ / ٢٥٢) من حديث ابن عباس مرفوعا كذلك: " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ".

بِالْبَيِّنَةِ إِذَا أَنْكَرَ وَتَثْبُتُ بِالْقَرَائِنِ، وَبِيَمِينِ الْمُدَّعِي وَشَاهِدٍ - عَلَى الْجُمْلَةِ - وَنَحْوِهَا مِنْ طُرُقِ الإِْثْبَاتِ (١) .

(ر: إِثْبَات) .

شُرُوطُ الضَّمَانِ:

١٦ - يُمْكِنُ تَقْسِيمُ شُرُوطِ الضَّمَانِ إِلَى قِسْمَيْنِ: شُرُوطِ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ، وَشُرُوطِ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَال.

أَوَّلًا: شُرُوطُ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ:

الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ إِنْ كَانَتْ عَمْدًا وَكَانَ الْجَانِي مُكَلَّفًا يَجِبُ فِيهَا الْقِصَاصُ، فَإِنْ كَانَ الْجَانِي غَيْرَ مُكَلَّفٍ، أَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً وَجَبَتْ فِيهَا الدِّيَةُ.

وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي: (دِيَات) .

ثَانِيًا: شُرُوطُ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَال:

تَتَلَخَّصُ هَذِهِ الشُّرُوطُ فِي أَنْ يَكُونَ الاِعْتِدَاءُ، وَاقِعًا عَلَى مَالٍ مُتَقَوِّمٍ، مَمْلُوكٍ، مُحْتَرَمٍ، كَمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الضَّرَرُ الْحَادِثُ دَائِمًا (فَلَوْ نَبَتَتْ سِنُّ الْحَيَوَانِ لَمْ تُضْمَنِ الْمَكْسُورَةُ)، وَأَنْ يَكُونَ الْمُعْتَدِي مِنْ أَهْل الْوُجُوبِ، فَلاَ تَضْمَنُ الْبَهِيمَةُ، وَلاَ مَالِكُهَا

_________

(١) انظر الطرق الحكمية لابن القيم ص ٦٦ وما بعدها ط: دار الكتب العلمية في بيروت.

إِذَا أَتْلَفَتْ مَال إِنْسَانٍ وَهِيَ مُسَيَّبَةٌ، لأَِنَّهُ جُبَارٌ.

وَلاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْجَانِي عَلَى الْمَال مُكَلَّفًا، فَيَضْمَنُ الصَّبِيُّ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ مَالٍ عَلَى الآْخَرِينَ، وَلاَ عَدَمُ اضْطِرَارِهِ، وَالْمُضْطَرُّ فِي الْمَخْمَصَةِ ضَامِنٌ، لأَِنَّ الاِضْطِرَارَ لاَ يُبْطِل حَقَّ الْغَيْرِ (١) .

أَسْبَابُ الضَّمَانِ:

١٧ - مِنْ أَسْبَابِ الضَّمَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مَا يَلِي:

١ - الْعَقْدُ، كَالْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ قَبْل الْقَبْضِ وَالسَّلَمِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ.

٢ - الْيَدُ، مُؤْتَمَنَةٌ كَانَتْ كَالْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ إِذَا حَصَل التَّعَدِّي، أَوْ غَيْرَ مُؤْتَمَنَةٍ كَالْغَصْبِ وَالشِّرَاءِ فَاسِدًا.

ج - الإِْتْلاَفُ، نَفْسًا أَوْ مَالًا (٢) .

وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ: الْحَيْلُولَةَ، كَمَا لَوْ نَقَل الْمَغْصُوبَ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ وَأَبْعَدَهُ، فَلِلْمَالِكِ الْمُطَالَبَةُ بِالْقِيمَةِ فِي الْحَال، لِلْحَيْلُولَةِ قَطْعًا، فَإِذَا رَدَّهُ رَدَّهَا (٣) .

وَجَعَل الْمَالِكِيَّةُ أَسْبَابَ الضَّمَانِ ثَلاَثَةً:

_________

(١) راجع في هذه الشروط - البدائع ٧ / ١٦٧ و١٦٨، وتبيين الحقائق ٦ / ١٣٧، والقوانين الفقهية ٢١٦ - ٢١٨، وكشاف القناع ٤ / ١١٦.

(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٦٢، والقواعد لابن رجب ص ٢٠٤.

(٣) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٦٢ و٣٦٣.

أَحَدُهَا: الإِْتْلاَفُ مُبَاشَرَةً، كَإِحْرَاقِ الثَّوْبِ.

وَثَانِيَهَا: التَّسَبُّبُ لِلإِْتْلاَفِ، كَحَفْرِ بِئْرٍ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ مِمَّا شَأْنُهُ فِي الْعَادَةِ أَنْ يُفْضِيَ غَالِبًا لِلإِْتْلاَفِ.

وَثَالِثُهَا: وَضْعُ الْيَدِ غَيْرِ الْمُؤْتَمَنَةِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهَا يَدُ الْغَاصِبِ، وَالْبَائِعُ يَضْمَنُ الْمَبِيعَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ قَبْل الْقَبْضِ (١) .

الْفَرْقُ بَيْنَ ضَمَانِ الْعَقْدِ وَضَمَانِ الإِْتْلاَفِ:

١٨ - ضَمَانُ الْعَقْدِ: هُوَ تَعْوِيضُ مَفْسَدَةٍ مَالِيَّةٍ مُقْتَرِنَةٍ بِعَقْدٍ.

وَضَمَانُ الإِْتْلاَفِ: هُوَ تَعْوِيضُ مَفْسَدَةٍ مَالِيَّةٍ لَمْ تَقْتَرِنْ بِعَقْدٍ.

وَبَيْنَهُمَا فُرُوقٌ تَبْدُو فِيمَا يَلِي:

أ - مِنْ حَيْثُ الأَْهْلِيَّةُ، فَفِي الْعُقُودِ: الأَْهْلِيَّةُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ (وَالأَْهْلِيَّةُ - هُنَا - هِيَ: أَهْلِيَّةُ أَدَاءً، وَهِيَ: صَلاَحِيَةُ الشَّخْصِ لِمُمَارَسَةِ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ اعْتِبَارُهَا عَلَى الْعَقْل) لأَِنَّهَا مَنُوطَةٌ بِالإِْدْرَاكِ وَالْعَقْل، فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقَا لاَ يُعْتَدُّ بِهَا (٢) .

أَمَّا الإِْتْلاَفَاتُ الْمَالِيَّةُ، وَالْغَرَامَاتُ وَالْمُؤَنُ

_________

(١) الفروق للقرافي ٤ / ٢٧، الفرق ٢١٧ و٢ / ٢٠٦ الفرق / ١١١.

(٢) التوضيح والتلويح ٢ / ١٦٤ وما بعدها، والبدائع ٥ / ١٣٥.

وَالصِّلاَتُ الَّتِي تُشْبِهُ الْمُؤَنَ، فَالأَْهْلِيَّةُ الْمُجْتَزَأُ بِهَا هِيَ أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ فَقَطْ، وَهِيَ صَلاَحِيَتُهُ لِثُبُوتِ الْحُقُوقِ لَهُ وَعَلَيْهِ، فَحُكْمُ الصَّغِيرِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ فِيهَا كَحُكْمِ الْكَبِيرِ، لأَِنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْوُجُوبِ - وَهُوَ الضَّمَانُ وَنَحْوُهُ - لاَ يَخْتَلِفُ فِيهِ حَيٌّ عَنْ آخَرَ، وَأَدَاءُ الصَّغِيرِ يَحْتَمِل النِّيَابَةَ (١) .

ب - مِنْ حَيْثُ التَّعْوِيضُ، فَفِي ضَمَانِ الْعَقْدِ، لاَ يَقُومُ التَّعْوِيضُ عَلَى اعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ وَيَكُونُ التَّعْوِيضُ بِنَاءً عَلَى مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ.

أَمَّا الإِْتْلاَفَاتُ الْمَالِيَّةُ فَإِنَّ التَّعْوِيضَ فِيهَا يَقُومُ عَلَى اعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ، إِذِ الْمَقْصُودُ فِيهَا دَفْعُ الضَّرَرِ، وَإِزَالَةُ الْمَفْسَدَةِ، وَالضَّرَرُ مَحْظُورٌ، فَتُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ (٢)، وَذَلِكَ بِعُمُومِ النَّصِّ الْكَرِيمِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٣) .

ج - مِنْ حَيْثُ الأَْوْصَافُ وَالْعَوَارِضُ الذَّاتِيَّةُ، فَقَدْ فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ فِي ضَمَانِهَا فِي الْعُقُودِ وَفِي الإِْتْلاَفَاتِ، وَقَرَّرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الأَْوْصَافَ لاَ تُضْمَنُ بِالْعَقْدِ، وَتُضْمَنُ بِالْغَصْبِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْغَصْبَ قَبْضٌ، وَالأَْوْصَافُ تُضْمَنُ بِالْفِعْل، وَهُوَ الْقَبْضُ، أَمَّا الْعَقْدُ فَيَرِدُ عَلَى

_________

(١) التوضيح ٢ / ١٦٣.

(٢) المبسوط ١١ / ٨٠.

(٣) سورة الشورى / ٤٠.

الأَْعْيَانِ، لاَ عَلَى الأَْوْصَافِ، وَالْغَصْبِ (وَكَذَا الإِْتْلاَفُ) فِعْلٌ يَحُل بِالذَّاتِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، فَكَانَتْ مَضْمُونَةً (١) .

مَحَل الضَّمَانِ:

١٩ - مَحَل الضَّمَانِ هُوَ: مَا يَجِبُ فِيهِ الضَّمَانُ (٢)، سَوَاءٌ أَكَانَ الضَّمَانُ نَاشِئًا عَنْ عَقْدٍ، أَمْ كَانَ نَاشِئًا عَنْ إِتْلاَفٍ وَيَدٍ، قَال ابْنُ رُشْدٍ: فَهُوَ كُل مَالٍ أُتْلِفَتْ عَيْنُهُ، أَوْ تَلِفَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ عَيْنُهُ، بِأَمْرٍ مِنَ السَّمَاءِ، أَوْ سُلِّطَتِ الْيَدُ عَلَيْهِ وَتُمَلِّكَ (٣) . وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: مَحَل الضَّمَانِ هُوَ مَا كَانَ يَقْبَل الْمُعَاوَضَةَ (٤) .

وَيُمْكِنُ التَّوَسُّعُ فِي مَحَل الضَّمَانِ، بِحَيْثُ يَشْمَل جَمِيعَ الْمَضْمُونَاتِ، بِأَنْ يُقَسَّمَ الْفِعْل الضَّارُّ، بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهِ، إِلَى قِسْمَيْنِ: فِعْلٍ ضَارٍّ وَاقِعٍ عَلَى الإِْنْسَانِ، وَفِعْلٍ ضَارٍّ وَاقِعٍ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الأَْمْوَال، كَالْحَيَوَانِ وَالأَْشْيَاءِ.

وَقَدِ اعْتَبَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الاِعْتِدَاءَ عَلَى الْمَال وَالْحَيَوَانِ ضَرْبًا مِنَ الْجِنَايَاتِ، فَقَال الْكَاسَانِيُّ: " الْجِنَايَةُ فِي الأَْصْل نَوْعَانِ: جِنَايَةٌ

_________

(١) الهداية بشروحها ٨ / ٢٥٤ و٢٥٥.

(٢) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد الحفيد ٢ / ٣٨٧ ط: الثانية. دار التوفيق النموذجية في القاهرة: ١٤٠٣ هـ.

(٣) المرجع السابق.

(٤) الطرق الحكمية ص ٢٥٢.

عَلَى الْبَهَائِمِ وَالْجَمَادَاتِ وَجِنَايَةٌ عَلَى الآْدَمِيِّ (١) فَهَذِهِ مَحَال الضَّمَانِ، فَالآْدَمِيُّ مَضْمُونٌ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، فِي النَّفْسِ، أَوِ الأَْطْرَافِ.

وَأَمَّا الأَْمْوَال فَتُقْسَمُ إِلَى: أَعْيَانٍ، وَمَنَافِعَ، وَزَوَائِدَ، وَنَوَاقِصَ، وَأَوْصَافٍ (٢) . وَنَبْحَثُهَا فِيمَا يَلِي:

أَوَّلًا: الأَْعْيَانُ:

٢٠ - وَهِيَ نَوْعَانِ: أَمَانَاتٌ، وَمَضْمُونَاتٌ (٣) .

فَالأَْمَانَاتُ: يَجِبُ تَسْلِيمُهَا بِذَاتِهَا، وَأَدَاؤُهَا فَوْرَ طَلَبِهَا، بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٤)، وَتُضْمَنُ حَال التَّعَدِّي، وَإِلاَّ فَلاَ ضَمَانَ فِيهَا، وَمِنَ التَّعَدِّي الْمَوْتُ عَنْ تَجْهِيلٍ لَهَا، إِلاَّ مَا اسْتُثْنِيَ (٥) .

وَالْمَضْمُونَاتُ، تُضْمَنُ بِالإِْتْلاَفِ، وَبِالتَّلَفِ وَلَوْ كَانَ سَمَاوِيًّا (٦) .

_________

(١) البدائع ٧ / ٢٣٣.

(٢) فتح العزيز شرح الوجيز - بهامش المجموع شرح المهذب ١١ / ٢٥٦، وقواعد الأحكام ١ / ١٥٢ وما بعدها.

(٣) البدائع ٦ / ٧.

(٤) سورة النساء / ٥٨.

(٥) الأشباه والنظائر لابن نجيم (٢٧٣) وابن عابدين ٤ / ٤٩٤، وجواهر الإكليل ٢ / ١٤٠، والمهذب ١ / ٣٦٦، والمغني ٦ / ٣٨٢ - ٣٨٣.

(٦) بداية المجتهد ٢ / ٣٨٧.

وَالأَْعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ نَوْعَانِ:

الأَْوَّل: الأَْعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ بِنَفْسِهَا، وَهِيَ الَّتِي يَجِبُ بِهَلاَكِهَا ضَمَانُ الْمِثْل أَوِ الْقِيمَةِ، كَالْمَغْصُوبِ، وَالْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا، وَالْمَهْرِ فِي يَدِ الزَّوْجِ، وَبَدَل الْخُلْعِ - إِذَا كَانَ عَيْنًا مُعَيَّنَةً - وَبَدَل الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، إِذَا كَانَ عَيْنًا.

الثَّانِي: الأَْعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ بِغَيْرِهَا، وَهِيَ الَّتِي يَجِبُ بِهَلاَكِهَا الثَّمَنُ أَوِ الدَّيْنُ، كَالْمَبِيعِ إِذَا هَلَكَ قَبْل الْقَبْضِ، سَقَطَ الثَّمَنُ، وَالرَّهْنِ إِذَا هَلَكَ سَقَطَ الدَّيْنُ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: الأَْعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ، إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً بِسَبَبِ الْعُدْوَانِ، كَالْمَغْصُوبَاتِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً بِسَبَبِ قَبْضٍ بِغَيْرِ عُدْوَانٍ، بَل بِإِذْنِ الْمَالِكِ عَلَى وَجْهِ انْتِقَال تَمَلُّكِهِ إِلَيْهِ، بِشِرَاءٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ، أَوْ قَرْضٍ، فَهُوَ ضَامِنٌ - أَيْضًا - سَوَاءٌ أَكَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا، أَمْ كَانَ فَاسِدًا (٢) .

وَكَذَلِكَ الأَْمْرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَقَدْ عَرَّفُوا الأَْعْيَانَ الْمَضْمُونَةَ، بِأَنَّهَا الَّتِي يَجِبُ ضَمَانُهَا بِالتَّلَفِ وَالإِْتْلاَفِ، سَوَاءٌ أَكَانَ حُصُولُهَا بِيَدِ الضَّامِنِ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ، كَالْعَارِيَّةِ، أَوْ مَحْظُورٍ كَالْمَغْصُوبِ، وَالْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَنَحْوِهِمَا (٣) .

_________

(١) الدر المختار ٤ / ٢٦٨.

(٢) القوانين الفقهية ص ٢٢٠ وانظر الفروق للقرافي ٤ / ١٠٦، (ط: الأولى ١٣٤٤ هـ) .

(٣) القواعد لابن رجب ص ٥٤ و٣٠٨.