الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨
د - كَمَا يُطْلَقُ عَلَى وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْمَال، بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ بِحَقٍّ عَلَى الْعُمُومِ.
هـ - كَمَا يُطْلَقُ عَلَى مَا يَجِبُ بِإِلْزَامِ الشَّارِعِ، بِسَبَبِ الاِعْتِدَاءَاتِ: كَالدِّيَاتِ ضَمَانًا لِلأَْنْفُسِ، وَالأُْرُوشِ ضَمَانًا لِمَا دُونَهَا، وَكَضَمَانِ قِيمَةِ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَكَفَّارَةِ الإِْفْطَارِ عَمْدًا فِي رَمَضَانَ.
وَقَدْ وُضِعَتْ لَهُ تَعَارِيفُ شَتَّى، تَتَنَاوَل هَذِهِ الإِْطْلاَقَاتِ فِي الْجُمْلَةِ، أَوْ تَتَنَاوَل بَعْضَهَا، مِنْهَا:
أ - أَنَّهُ (عِبَارَةٌ عَنْ رَدِّ مِثْل الْهَالِكِ، إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، أَوْ قِيمَتِهِ إِنْ كَانَ قِيمِيًّا) (١) .
ب - وَأَنَّهُ (عِبَارَةٌ عَنْ غَرَامَةِ التَّالِفِ) (٢) .
ج - وَبِالْمَعْنَى الشَّامِل لِلْكَفَالَةِ - كَمَا يَقُول الْقَلْيُوبِيُّ -: إِنَّهُ الْتِزَامُ دَيْنٍ أَوْ إِحْضَارُ عَيْنٍ أَوْ بَدَنٍ (٣) .
د - وَفِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ أَنَّهُ إِعْطَاءُ مِثْل الشَّيْءِ إِنْ كَانَ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ وَقِيمَتِهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْقِيمِيَّاتِ (٤) .
_________
(١) غمز عيون البصائر للحموي شرح الأشباه والنظائر، لابن نجيم الحنفي ٤ / ٦ ط. دار الكتب العلمية في بيروت.
(٢) نيل الأوطار للشوكاني، شرح منتقى الأخبار، لابن تيمية الجد ٥ / ٢٩٩.
(٣) حاشية القليوبي على شرح المحلي على المنهاج ٢ / ٣٢٣.
(٤) المادة: ٤١٦.
هـ - وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: (شَغْل ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَقِّ) (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِلْتِزَامُ:
٢ - الاِلْتِزَامُ فِي اللُّغَةِ. الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ: إِلْزَامُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ مَا لَمْ يَكُنْ لاَزِمًا لَهَا (٢) .
ب - الْعَقْدُ:
٣ - الْعَقْدُ: ارْتِبَاطُ أَجْزَاءِ التَّصَرُّفِ الشَّرْعِيِّ، بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول (٣)، وَفِي الْمَجَلَّةِ (٤): ارْتِبَاطُ الإِْيجَابِ بِالْقَبُول عَلَى وَجْهٍ مَشْرُوعٍ يَثْبُتُ أَثَرُهُ فِي مَحَلِّهِ، فَإِذَا قُلْتَ: زَوَّجْتُ، وَقَال: قَبِلْتُ، وُجِدَ مَعْنًى شَرْعِيٌّ، وَهُوَ النِّكَاحُ، يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَهُوَ: مِلْكُ الْمُتْعَةِ.
ج - الْعُهْدَةُ:
٤ - الْعُهْدَةُ فِي اللُّغَةِ: وَثِيقَةُ الْمُتَبَايِعَيْنِ، لأَِنَّهُ
_________
(١) جواهر الإكليل للآبي، شرح مختصر سيدي خليل ٢ / ١٠٩ ط: دار المعرفة في بيروت.
(٢) غمز عيون البصائر على محاسن الأشباه والنظائر للحموي ٢ / ٦١١ ط: الآستانة سنة ١٢٩٠ هـ، والتعريفات للجرجاني.
(٣) درر الحكام في شرح غرر الأحكام لملا خسرو ١ / ٣٢٦ ط: الآستانة - ١٣٢٩ - ١٣٣٠ هـ. أول كتاب النكاح، والتعريفات للجرجاني.
(٤) المادة: ١٠٣ و١٠٤.
يُرْجَعُ إِلَيْهَا عِنْدَ الاِلْتِبَاسِ (١) . وَهِيَ كِتَابُ الشِّرَاءِ، أَوْ هِيَ الدَّرَكُ (٢) أَيْ ضَمَانُ الثَّمَنِ لِلْمُشْتَرِي إِنِ اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ أَوْ وُجِدَ فِيهِ عَيْبٌ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ تُطْلَقُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ عَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ: الْوَثِيقَةِ وَالدَّرَكِ (٣) .
وَعَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهَا: تَعَلُّقُ ضَمَانِ الْمَبِيعِ بِالْبَائِعِ أَيْ كَوْنُ الْمَبِيعِ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ بَعْدَ الْعَقْدِ، مِمَّا يُصِيبُهُ فِي مُدَّةٍ خَاصَّةٍ (٤) .
وَالضَّمَانُ أَعَمُّ، وَالْعُهْدَةُ أَخَصُّ.
د - التَّصَرُّفُ:
٥ - التَّصَرُّفُ هُوَ التَّقْلِيبُ، تَقُول: صَرَّفْتُهُ فِي الأَْمْرِ تَصْرِيفًا فَتَصَرَّفَ، أَيْ قَلَّبْتُهُ فَتَقَلَّبَ (٥) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ: أَنَّهُ مَا يَصْدُرُ مِنَ الشَّخْصِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَيُرَتِّبُ عَلَيْهِ الشَّارِعُ حُكْمًا، كَالْعَقْدِ وَالطَّلاَقِ وَالإِْبْرَاءِ وَالإِْتْلاَفِ.
_________
(١) المصباح المنير. مادة (عهد) .
(٢) مختار الصحاح. مادة (عهد) وانظر حاشية القليوبي على شرح المحلي على المنهاج ٢ / ٣٢٥.
(٣) رد المحتار ٤ / ٢٨١ وانظر شرح المحلي على المنهاج ٢ / ٣٢٥، والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للشربيني الخطيب وحاشية البيجيرمي عليه ٢ / ١٠١.
(٤) شرح كفاية الطالب لرسالة ابن أبي زيد القيرواني وحاشية العدوي عليها ٢ / ١٦٠.
(٥) القاموس المحيط، مادة: (صرف) .
(ر: تَصَرُّفٌ ف ١) وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى أَعَمُّ مِنَ الضَّمَانِ.
مَشْرُوعِيَّةُ الضَّمَانِ:
٦ - شُرِعَ الضَّمَانُ، حِفْظًا لِلْحُقُوقِ، وَرِعَايَةً لِلْعُهُودِ، وَجَبْرًا لِلأَْضْرَارِ، وَزَجْرًا لِلْجُنَاةِ، وَحَدًّا لِلاِعْتِدَاءِ، فِي نُصُوصٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - فِيمَا يَتَّصِل بِمَعْنَى الْكَفَالَةِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْل بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (١) أَيْ كَفِيلٌ ضَامِنٌ، فَقَدْ ضَمِنَ يُوسُفُ ﵇ لِمَنْ جَاءَ بِصُوَاعِ الْمَلِكِ - وَهُوَ إِنَاؤُهُ الَّذِي كَانَ يَشْرَبُ بِهِ - قَدْرَ مَا يَحْمِلُهُ الْبَعِيرُ مِنَ الطَّعَامِ.
ب - وَفِيمَا يَتَّصِل بِالإِْتْلاَفَاتِ الْمَالِيَّةِ وَنَحْوِهَا، بِحَدِيثِ: أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: أَهْدَتْ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا فِي قَصْعَةٍ، فَضَرَبَتْ عَائِشَةُ الْقَصْعَةَ بِيَدِهَا فَأَلْقَتْ مَا فِيهَا، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: طَعَامٌ بِطَعَامٍ، وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ (٢) .
ج - وَفِيمَا يَتَّصِل بِضَمَانِ وَضْعِ الْيَدِ: حَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
_________
(١) سورة يوسف: ٧٢.
(٢) حديث أنس: " أهدت بعض أزواج النبي ﷺ طعاما في قصعة. . . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٦٣١) وأصله في البخاري (٥ / ١٢٤) .
قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ (١) أَيْ ضَمَانَهُ.
د - وَفِيمَا يَتَّصِل بِالْجِنَايَاتِ - بِوَجْهٍ عَامٍّ وَنَحْوِهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٢) .
هـ - وَفِيمَا يَتَّصِل بِجِنَايَاتِ الْبَهَائِمِ: حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ ضَارِيَةٌ فَدَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ، فَقَضَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّ حِفْظَ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ حِفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْل عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ مَا أَصَابَتِ الْمَاشِيَةُ بِاللَّيْل فَهُوَ عَلَى أَهْلِهَا (٣) .
وَحَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَوْقَفَ دَابَّةً فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُل الْمُسْلِمِينَ، أَوْ فِي سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، فَأَوْطَأَتْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَهُوَ ضَامِنٌ (٤) .
وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الدِّمَاءَ وَالأَْمْوَال
_________
(١) حديث سمرة بن جندب: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي ". أخرجه الترمذي (٣ / ٥٥٧) وأشار ابن حجر في التلخيص (٣ / ٥٣) إلى إعلاله.
(٢) سورة النحل / ١٢٦.
(٣) حديث البراء بن عازب " أنه كانت له ناقة ضارية. . . ". أخرجه أحمد (٤ / ٢٩٥) والحاكم (٢ / ٤٨) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٤) حديث النعمان: " من أوقف دابة في سبيل من سبل المسلمين. . . " أخرجه الدارقطني (٣ / ١٧٩) والبيهقي (٨ / ٣٤٤) وضعف البيهقي رجلين في إسناده.
مَصُونَةٌ فِي الشَّرْعِ، وَأَنَّ الأَْصْل فِيهَا الْحَظْرُ، وَأَنَّهُ لاَ يَحِل دَمُ الْمُسْلِمِ وَلاَ يَحِل مَالُهُ إِلاَّ بِحَقٍّ.
مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الضَّمَانُ:
٧ - لاَ يَتَحَقَّقُ الضَّمَانُ إِلاَّ إِذَا تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الأُْمُورُ: التَّعَدِّي، وَالضَّرَرُ، وَالإِْفْضَاءُ.
أَوَّلًا: التَّعَدِّي:
٨ - التَّعَدِّي فِي اللُّغَةِ، التَّجَاوُزُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: مُجَاوَزَةُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَصَرَ عَلَيْهِ شَرْعًا أَوْ عُرْفًا أَوْ عَادَةً (١) . وَضَابِطُ التَّعَدِّي هُوَ: مُخَالَفَةُ مَا حَدَّهُ الشَّرْعُ أَوْ الْعُرْفُ.
وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ (أَنَّ كُل مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مُطْلَقًا، وَلاَ ضَابِطَ لَهُ فِيهِ، وَلاَ فِي اللُّغَةِ، يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ) (٢) .
وَذَلِكَ مِثْل: الْحِرْزِ فِي السَّرِقَةِ، وَالإِْحْيَاءِ فِي الْمَوَاتِ، وَالاِسْتِيلاَءِ فِي الْغَصْبِ، وَكَذَلِكَ التَّعَدِّي فِي الضَّمَانِ، فَإِذَا كَانَ التَّعَدِّي مُجَاوَزَةَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَيْهِ، رَجَعَ فِي ضَابِطِهِ
_________
(١) تفسير الرازي: (مفاتيح الغيب) ٢ / ١٢١ ط: الآستانة، دار الطباعة العامرة: ١٣٠٧ و١٣٠٨ هـ، وتفسير الآلوسي ٢ / ٥١٠ ط: المطبعة المنيرية في القاهرة.
(٢) الأشباه والنظائر، للسيوطي ص ٩٨ ط: دار الكتب العلمية في بيروت.
إِلَى عُرْفِ النَّاسِ فِيمَا يَعُدُّونَهُ مُجَاوَزَةً وَتَعَدِّيًا، سَوَاءٌ أَكَانَ عُرْفًا عَامًّا أَمْ خَاصًّا.
وَيَشْمَل التَّعَدِّي: الْمُجَاوَزَةَ وَالتَّقْصِيرَ، وَالإِْهْمَال، وَقِلَّةَ الاِحْتِرَازِ، كَمَا يَشْتَمِل الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ (١) .
ثَانِيًا: الضَّرَرُ:
٩ - الضَّرَرُ فِي اللُّغَةِ: نَقْصٌ يَدْخُل عَلَى الأَْعْيَانِ (٢) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: إِلْحَاقُ مَفْسَدَةٍ بِالْغَيْرِ (٣)، وَهَذَا يَشْمَل الإِْتْلاَفَ وَالإِْفْسَادَ وَغَيْرَهُمَا.
وَالضَّرَرُ قَدْ يَكُونُ بِالْقَوْل، كَرُجُوعِ الشَّاهِدَيْنِ عَنْ شَهَادَتِهِمَا، بَعْدَ الْقَضَاءِ وَقَبْضِ الْمُدَّعِي الْمَال، فَلاَ يُفْسَخُ الْحُكْمُ، وَيَضْمَنَانِ مَا أَتْلَفَاهُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ دَيْنًا أَمْ عَيْنًا (٤) .
وَقَدْ يَنْشَأُ الضَّرَرُ عَنِ الْفِعْل كَتَمْزِيقِ الثِّيَابِ، وَقَطْعِ الأَْشْجَارِ، وَحَرْقِ الْحَصَائِدِ.
_________
(١) راجع فروعا كثيرة في هذا: جامع الفصولين ٢ / ١٢٢ وما بعدها، ومجمع الضمانات للبغدادي ص ٤٠ وما بعدها ط. الأولى، بالمطبعة الخيرية في مصر: ١٣٠٨ هـ، وتكملة فتح القدير ٩ / ٢٤٥ ط: دار إحياء التراث العربي.
(٢) المصباح المنير، مادة: ضرر.
(٣) فتح المبين لشرح الأربعين (النووية) لابن حجر الهيثمي (٢١١) ط: العامرة الشرقية في القاهرة: ١٣٢٢ هـ.
(٤) تبيين الحقائق ٤ / ٢٤٤.
وَالضَّرَرُ قَدْ يَكُونُ بِالْقَوْل وَالْفِعْل كَمَا سَبَقَ، وَقَدْ يَكُونُ بِالتَّرْكِ، وَمِثَالُهُ: امْرَأَةٌ تُصْرَعُ أَحْيَانًا فَتَحْتَاجُ إِلَى حِفْظِهَا، فَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا الزَّوْجُ حَتَّى أَلْقَتْ نَفْسَهَا فِي النَّارِ عِنْدَ الصَّرْعِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا (١) .
وَدَابَّةٌ غُصِبَتْ فَتَبِعَهَا وَلَدُهَا، فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ يَضْمَنُهُ الْغَاصِبُ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ فِيهِ فِعْلًا (٢) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (ضَرَر) .
ثَالِثًا: الإِْفْضَاءُ:
١٠ - مِنْ مَعَانِي الإِْفْضَاءِ فِي اللُّغَةِ: الْوُصُول يُقَال: أَفْضَيْتُ إِلَى الشَّيْءِ: وَصَلْتُ إِلَيْهِ (٣) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَيُشْتَرَطُ لاِعْتِبَارِ الإِْفْضَاءِ فِي الضَّمَانِ مَا يَلِي:
أَنْ لاَ يُوجَدَ لِلضَّرَرِ أَوِ الإِْتْلاَفِ سَبَبٌ آخَرُ غَيْرُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ هُوَ مُبَاشَرَةً أَمْ تَسْبِيبًا.
وَأَنْ لاَ يَتَخَلَّل بَيْنَ السَّبَبِ وَبَيْنَ الضَّرَرِ،
_________
(١) حاشية الرملي على جامع الفصولين ٢ / ٨١ نقلا عن نوازل أبي الليث.
(٢) الدر المختار ورد المحتار ٥ / ١٢٧، ١١٣.
(٣) المصباح المنير.
فِعْل فَاعِلٍ مُخْتَارٍ، وَإِلاَّ أُضِيفَ الضَّمَانُ إِلَيْهِ، لاَ إِلَى السَّبَبِ، وَذَلِكَ لِمُبَاشَرَتِهِ (١) .
تَعَدُّدُ مُحْدِثِي الضَّرَرِ:
إِذَا اعْتَدَى جَمْعٌ مِنَ الأَْشْخَاصِ، وَأَحْدَثُوا ضَرَرًا: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ اعْتِدَاؤُهُمْ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، بِأَنْ يَكُونُوا جَمِيعًا مُتَسَبِّبِينَ أَوْ مُبَاشِرِينَ، وَإِمَّا أَنْ يَخْتَلِفَ بِأَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ مُبَاشِرًا، وَالآْخَرُ مُتَسَبِّبًا، فَهَاتَانِ حَالاَنِ:
الْحَال الأُْولَى:
١١ - أَنْ يَكُونُوا جَمِيعًا مُبَاشِرِينَ أَوْ مُتَسَبِّبِينَ: فَإِمَّا أَنْ يَتَّحِدَ عَمَلُهُمْ فِي النَّوْعِ، أَوْ يَخْتَلِفَ.
أ - فَفِي الصُّورَةِ الأُْولَى، أَيْ إِذَا كَانُوا جَمِيعًا مُبَاشِرِينَ أَوْ مُتَسَبِّبِينَ وَاتَّحَدَ عَمَلُهُمْ نَوْعًا، كَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ بِالسَّوِيَّةِ، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ جَمَاعَةٌ إِطْلاَقَ النَّارِ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ تُعْلَمْ إِصَابَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، يُقْتَصُّ مِنْهُمْ جَمِيعًا، وَهَذَا مَحْمَل قَوْل سَيِّدِنَا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَوِ اشْتَرَكَ فِي قَتْلِهِ أَهْل صَنْعَاءَ، لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا (٢) .
ب - وَإِذَا كَانُوا جَمِيعًا مُبَاشِرِينَ أَوْ مُتَسَبِّبِينَ، وَاتَّحَدَ عَمَلُهُمْ نَوْعًا، لَكِنِ اخْتَلَفَ عَمَلُهُمْ قُوَّةً وَضَعْفًا، كَمَا لَوْ حَفَرَ شَخْصٌ حُفْرَةً فِي
_________
(١) مجمع الضمانات (١٤٦) .
(٢) الدر المختار ورد المحتار ٥ / ٣٥٧.
الطَّرِيقِ، وَجَاءَ آخَرُ فَوَسَّعَ رَأْسَهَا، أَوْ حَفَرَ الأَْوَّل حُفْرَةً وَعَمَّقَ الآْخَرُ أَسْفَلَهَا، فَتَرَدَّى فِي الْحُفْرَةِ حَيَوَانٌ أَوْ إِنْسَانٌ، فَالْقِيَاسُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ الاِعْتِدَادُ بِالسَّبَبِ الْقَوِيِّ، لأَِنَّهُ كَالْعِلَّةِ، عِنْدَ اجْتِمَاعِهَا مَعَ السَّبَبِ، وَهَذَا رَأْيُ الإِْمَامِ مُحَمَّدٍ مِنْهُمْ.
وَالاِسْتِحْسَانُ عِنْدَهُمْ، هُوَ الاِعْتِدَادُ بِالأَْسْبَابِ الَّتِي أَدَّتْ إِلَى الضَّرَرِ جَمِيعًا، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، وَتَوْزِيعُ الضَّمَانِ عَلَيْهَا بِحَسَبِ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، فَيَجِبُ الضَّمَانُ أَثْلاَثًا، وَهُوَ رَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (١) وَآخَرِينَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَإِنْ لَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَاعْتَبَرُوا الاِشْتِرَاكَ (٢) وَرُبَّمَا رَجَّحَ بَعْضُهُمُ السَّبَبَ الأَْوَّل (٣) . كَحَافِرِ الْحُفْرَةِ وَنَاصِبِ السِّكِّينِ فِيهَا.
الْحَال الثَّانِيَةُ:
١٢ - أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَدُونَ مُخْتَلِفِينَ، بَعْضُهُمْ مُبَاشِرٌ، وَبَعْضُهُمْ مُتَسَبِّبٌ:
وَالأَْصْل - عِنْدَئِذٍ - تَقْدِيمُ الْمُبَاشِرِ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ فِي التَّضْمِينِ (٤) وَذَلِكَ لِلْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ
_________
(١) تكملة البحر الرائق للطوري ٨ / ٣٩٧ ط: المطبعة العلمية في القاهرة ١٣١١ هـ، ومجمع الضمانات ص ١٨٠.
(٢) كشاف القناع ٦ / ٧.
(٣) شرح المحلي على المنهاج ٤ / ١٤٩.
(٤) مجمع الضمانات (٢٠٣) والأشباه والنظائر لابن نجيم (القاعدة: ١٩ ص ١٦٣) وجواهر الإكليل ٢ / ١٤٨، والأشباه والنظائر (القاعدة: ٤٠ ص ١٦٢)، والقواعد لابن رجب الحنبلي (القاعدة: ١٢٧ صـ ٢٨٥) والمغني ٨ / ٥٦٤، ٥٦٥.