الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧ الصفحة 67

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧

الْبَيْعِ؛ إِذْ هُوَ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ، وَتَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُ الْبَيْعِ. (١)

وَالثَّالِثِ: أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِدَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ - مِنْ نَحْوِ بَدَل قَرْضٍ أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ - فَيُصَالِحَ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، بِأَنْ صَالَحَهُ عَنْ دِينَارٍ فِي ذِمَّتِهِ، بِإِرْدَبِّ قَمْحٍ، وَنَحْوِهِ فِي الذِّمَّةِ. وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الصُّلْحِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فِيهِ مِنَ الْمَجْلِسِ قَبْل الْقَبْضِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا حَصَل التَّفَرُّقُ قَبْل الْقَبْضِ كَانَ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْعِوَضَيْنِ دَيْنًا - لأَِنَّ مَحَلَّهُ الذِّمَّةُ - فَصَارَ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا. (٢)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ بَدَل الصُّلْحِ فِي الْمَجْلِسِ لِيَخْرُجَ عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ. وَفِي اشْتِرَاطِ قَبْضِهِ فِي الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ:

_________

(١) تحفة الفقهاء ٣ / ٤٢١، البدائع ٦ / ٤٣، روضة الطالبين ٤ / ١٩٥، نهاية المحتاج ٤ / ٣٧٣، المهذب ١ / ٣٤٠، أسنى المطالب ٢ / ٢١٥، البهجة ١ / ٢٢١، المغني ٤ / ٥٣٤، كشاف القناع ٣ / ٣٨٢، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦٢.

(٢) المغني ٤ / ٥٣٤، كشاف القناع ٣٨٣، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦٢، المبدع ٤ / ٢٨٤، التاج والإكليل للمواق ٥ / ٨١، بدائع الصنائع ٦ / ٤٦، تبيين الحقائق ٥ / ٤٢، وانظر م (١٠٢٩)، من مرشد الحيران.

أَصَحُّهُمَا: عَدَمُ الاِشْتِرَاطِ إِلاَّ إِذَا كَانَا رِبَوِيَّيْنِ. (١)

وَالرَّابِعِ: أَنْ يَقَعَ الصُّلْحُ عَنْ نَقْدٍ، بِأَنْ كَانَ عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، فَصَالَحَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَنْفَعَةٍ: كَسُكْنَى دَارٍ، أَوْ رُكُوبِ دَابَّةٍ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ عَلَى أَنْ يَعْمَل لَهُ عَمَلًا مَعْلُومًا. وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ لِهَذَا الصُّلْحِ حُكْمَ الإِْجَارَةِ، وَتَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهَا (٢)

الْقِسْمُ الثَّانِي:

الصُّلْحُ مَعَ إِنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ:

١٦ - وَذَلِكَ كَمَا إِذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ شَيْئًا، فَأَنْكَرَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ صَالَحَ عَنْهُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدِهِمَا لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ -: وَهُوَ جَوَازُ الصُّلْحِ عَلَى الإِْنْكَارِ. (٣) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مُعْتَقِدًا

_________

(١) روضة الطالبين ٤ / ١٩٥، نهاية المحتاج ٤ / ٣٧٣، المهذب ١ / ٣٤٠، أسنى المطالب ٢ / ٢١٥.

(٢) تحفة الفقهاء ٣ / ٤٢٤، بدائع الصنائع ٦ / ٤٧، المهذب ١ / ٣٤٠، المبدع ٤ / ٢٨٣، ٢٨٤، كشاف القناع ٣ / ٣٨٢، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦٢.

(٣) تحفة الفقهاء ٣ / ٤١٨، مجمع الأنهر ٢ / ٣٠٨، البدائع ٦ / ٤٠، الإفصاح لابن هبيرة ١ / ٣٧٨، كشاف القناع ٣ / ٣٨٥، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦٣، المغني ٤ / ٥٢٧، المبدع ٤ / ٢٨٥، بداية المجتهد (مطبوع مع الهداية في تخريج أحاديث البداية) ٨ / ٩٠، إرشاد السالك لابن عسكر البغدادي المالكي ص ١٣٢، الإشراف للقاضي عبد الوهاب ٢ / ١٧، عارضة الأحوذي ٦ / ١٠٤، القوانين الفقهية (ط. الدار العربية للكتاب) ص ٣٤٣، الهداية مع تكملة فتح القدير والعناية والكفاية الميمنية ٧ / ٣٧٧ وما بعدها، درر الحكام لعلي حيدر ٤ / ٣٥، شرح الخرشي ٦ / ٤، البحر الرائق ٧ / ٢٥٦، تبيين الحقائق ٥ / ٣١، التفريع لابن الجلاب ٢ / ٢٨٩، أعلام الموقعين (مطبعة السعادة) ٣ / ٣٧٠.

أَنَّ مَا ادَّعَاهُ حَقٌّ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَعْتَقِدُ أَنْ لاَ حَقَّ عَلَيْهِ. فَيَتَصَالَحَانِ قَطْعًا لِلْخُصُومَةِ وَالنِّزَاعِ. أَمَّا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا عَالِمًا بِكَذِبِ نَفْسِهِ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِي حَقِّهِ، وَمَا أَخَذَهُ الْعَالِمُ بِكَذِبِ نَفْسِهِ حَرَامٌ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ مِنْ أَكْل الْمَال بِالْبَاطِل.

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ:

أ - بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ . (١) حَيْثُ وَصَفَ الْمَوْلَى ﷿ جِنْسَ الصُّلْحِ بِالْخَيْرِيَّةِ. مَعْلُومٌ أَنَّ الْبَاطِل لاَ يُوصَفُ بِالْخَيْرِيَّةِ، فَكَانَ كُل صُلْحٍ مَشْرُوعًا بِظَاهِرِ هَذَا النَّصِّ إِلاَّ مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ.

(٢) ب - بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. (٣) فَيَدْخُل ذَلِكَ فِي عُمُومِهِ.

(٤)

_________

(١) النساء آية / ١٢٨.

(٢) البدائع ٦ / ٤٠، وانظر تكملة فتح القدير مع العناية والكفاية (الميمنية) ٧ / ٣٧٧.

(٣) حديث: " الصلح جائز بين المسلمين ". سبق تخريجه (ف٥) .

(٤) الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب ٢ / ١٧، المبدع ٤ / ٢٨٥، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦٣.

ج - وَبِأَنَّ الصُّلْحَ إِنَّمَا شُرِعَ لِلْحَاجَةِ إِلَى قَطْعِ الْخُصُومَةِ وَالْمُنَازَعَةِ، وَالْحَاجَةِ إِلَى قَطْعِهَا فِي التَّحْقِيقِ عِنْدَ الإِْنْكَارِ - إِذِ الإِْقْرَارُ مُسَالَمَةٌ وَمُسَاعَدَةٌ - فَكَانَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ. (١) قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَكَذَلِكَ إِذَا حَل مَعَ اعْتِرَافِ الْغَرِيمِ، فَلأَنْ يَحِل مَعَ جَحْدِهِ وَعَجْزِهِ عَنِ الْوُصُول إِلَى حَقِّهِ إِلاَّ بِذَلِكَ أَوْلَى. (٢)

د - وَلأَِنَّهُ صَالَحَ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ، فَيُقْضَى بِجَوَازِهِ؛ لأَِنَّ الْمُدَّعِيَ يَأْخُذُ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ الثَّابِتِ لَهُ فِي اعْتِقَادِهِ، وَهَذَا مَشْرُوعٌ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُؤَدِّيهِ دَفْعًا لِلشَّرِّ وَقَطْعًا لِلْخُصُومَةِ عَنْهُ، وَهَذَا مَشْرُوعٌ أَيْضًا، إِذِ الْمَال وِقَايَةُ الأَْنْفُسِ، وَلَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ. (٣)

هـ - وَلأَِنَّ افْتِدَاءَ الْيَمِينِ جَائِزٌ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُمَا بَذَلاَ مَالًا فِي دَفْعِ الْيَمِينِ عَنْهُمَا. فَالْيَمِينُ الثَّابِتَةُ لِلْمُدَّعِي حَقٌّ ثَابِتٌ لِسُقُوطِهِ تَأْثِيرٌ فِي إِسْقَاطِ الْمَال،

_________

(١) البدائع ٦ / ٤٠.

(٢) المغني ٤ / ٥٢٨.

(٣) الهداية مع العناية والكفاية (الميمنية) ٧ / ٣٧٩، قال ابن القيم: إنه افتداء لنفسه من الدعوى واليمين وتكليف إقامة البينة، كما تفتدي المرأة نفسها من الزوج بما تبذله له، وليس هذا بمخالف لقواعد الشرع، بل حكمة الشرع وأصوله وقواعده ومصالح المكلفين تقتضي ذلك (أعلام الموقعين٣ / ٣٧٠) .

فَجَازَ أَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُ الْمَال عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ، أَصْلُهُ الْقَوَدُ فِي دَمِ الْعَمْدِ. (١)

وَالثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى: وَهُوَ أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الإِْنْكَارِ بَاطِلٌ.

(٢) وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ:

أ - بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ أَنْكَرَ الزَّوْجُ الْخُلْعَ، ثُمَّ تَصَالَحَ مَعَ زَوْجَتِهِ عَلَى شَيْءٍ، فَلاَ يَصِحُّ ذَلِكَ.

ب - وَبِأَنَّ الْمُدَّعِيَ إِنْ كَانَ كَاذِبًا فَقَدِ اسْتَحَل مَال الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَقَدْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مَالَهُ الْحَلاَل؛ لأَِنَّهُ يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ مَا يَدَّعِيهِ، فَدَخَل فِي قَوْلِهِ ﷺ: إِلاَّ صُلْحًا أَحَل حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلاَلًا. (٣)

ج - وَبِأَنَّ الْمُدَّعِيَ اعْتَاضَ عَمَّا لاَ يَمْلِكُهُ، فَصَارَ كَمَنْ بَاعَ مَال غَيْرِهِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَاوَضَ عَلَى مِلْكِهِ، فَصَارَ كَمَنِ ابْتَاعَ مَال نَفْسِهِ مِنْ وَكِيلِهِ. فَالصُّلْحُ عَلَى الإِْنْكَارِ

_________

(١) الإشراف للقاضي عبد الوهاب ٢ / ١٧، وانظر محاسن الإسلام للزاهد البخاري ص ٨٧.

(٢) الأم (بعناية محمد زهرى النجار) ٣ / ٢٢١، المهذب ١ / ٣٤٠، أسنى المطالب وحاشية الرملي عليه ٢ / ٢١٥، ٢١٦، نهاية المحتاج ٤ / ٣٧٥، مختصر المزني ص ١٠٦، روضة الطالبين ٤ / ١٩٨، المغني (ط. مكتبة الرياض الحديثة) ٤ / ٥٢٧، بدائع الصنائع ٦ / ٤٠، كفاية الأخيار ١ / ١٦٧.

(٣) بداية المجتهد (مطبوع مع الهداية في تخريج أحاديث البداية للغماري) ٨ / ٩٢، ٩٤.

يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَمْلِكَ الْمُدَّعِي مَا لاَ يَمْلِكُ، وَأَنْ يَمْلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا يَمْلِكُ، وَذَلِكَ إِنْ كَانَ الْمُدَّعِي كَاذِبًا. فَإِنْ كَانَ صَادِقًا انْعَكَسَ الْحَال.

د - وَلأَِنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ خَلاَ عَنِ الْعِوَضِ فِي أَحَدِ جَانِبَيْهِ؛ فَبَطَل كَالصُّلْحِ عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ.

التَّكْيِيفُ الْفِقْهِيُّ لِلصُّلْحِ عَلَى الإِْنْكَارِ:

١٧ - قَال ابْنُ رُشْدٍ فِي (بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ):

وَأَمَّا الصُّلْحُ عَلَى الإِْنْكَارِ، فَالْمَشْهُورُ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ: أَنَّهُ يُرَاعَى فِيهِ مِنَ الصِّحَّةِ مَا يُرَاعَى فِي الْبُيُوعِ. ثُمَّ قَال: فَالصُّلْحُ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ مَا لاَ يَجُوزُ فِي الْبُيُوعِ هُوَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: صُلْحٍ يُفْسَخُ بِاتِّفَاقٍ، وَصُلْحٍ يُفْسَخُ بِاخْتِلاَفٍ، وَصُلْحٍ لاَ يُفْسَخُ بِاتِّفَاقٍ إِنْ طَال، وَإِنْ لَمْ يَطُل فَفِيهِ اخْتِلاَفٌ. (١)

وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بَيْنَ تَكْيِيفِهِ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي وَبَيْنَهُ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَالُوا:

يَكُونُ الصُّلْحُ عَلَى مَال الْمُصَالَحِ بِهِ مُعَاوَضَةً فِي حَقِّ الْمُدَّعِي؛ لأَِنَّهُ يَعْتَقِدُهُ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ؛ فَيَلْزَمُهُ حُكْمُ اعْتِقَادِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ: فَإِنْ كَانَ مَا أَخَذَهُ الْمُدَّعِي عِوَضًا عَنْ

_________

(١) بداية المجتهد (مطبوع مع الهداية في تخريج أحاديث البداية للغماري) ٨ / ٩٢ - ٩٤.

دَعْوَاهُ شِقْصًا مَشْفُوعًا، فَإِنَّهَا تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ لِشَرِيكِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ أَخَذَهُ عِوَضًا، كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ. (١)

وَيَكُونُ الصُّلْحُ عَلَى الإِْنْكَارِ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَلاَصًا مِنَ الْيَمِينِ وَقَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ؛ لأَِنَّ الْمُدَّعِيَ فِي زَعْمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُنْكِرِ غَيْرُ مُحِقٍّ وَمُبْطِلٌ فِي دَعْوَاهُ، وَأَنَّ إِعْطَاءَهُ الْعِوَضَ لَهُ لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ بَل لِلْخَلاَصِ مِنَ الْيَمِينِ، إِذْ لَوْ لَمْ يُصَالِحْهُ وَيُعْطِ الْعِوَضَ لَبَقِيَ النِّزَاعُ وَلَزِمَهُ الْيَمِينُ. وَقَدْ عَبَّرَ الْحَنَابِلَةُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِمْ: يَكُونُ صُلْحُ الإِْنْكَارِ إِبْرَاءً فِي حَقِّ الْمُنْكِرِ؛ لأَِنَّهُ دَفَعَ إِلَيْهِ الْمَال افْتِدَاءً لِيَمِينِهِ وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ لاَ عِوَضًا عَنْ حَقٍّ يَعْتَقِدُهُ عَلَيْهِ.

وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ: لَوْ كَانَ مَا صَالَحَ بِهِ

_________

(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦٤، كشاف القناع ٣ / ٣٨٥، والمبدع ٤ / ٢٨٦، المغني ٤ / ٥٢٩، ٥٣٠، مجمع الأنهر والدر المنتقى ٢ / ٣٠٨، ٣٠٩، والبحر الرائق ٧ / ٢٥٦، تبيين الحقائق ٥ / ٣١ - ٣٣ درر الحكام لعلي حيدر ٤ / ٢٥ وما بعدها. * وقد جاء م (١٥٥٠) من مجلة الأحكام العدلية: الصلح على الإنكار أو السكوت هو في حق المدعي معاوضة، وفي حق المدعى عليه خلاص من اليمين وقطع للمنازعة، فتجري الشفعة في العقار المصالح عنه، ولو استحق كل المصالح عنه أو بعضه يرد المدعي للمدعى عليه هذا المقدار م وانظر م ١٠٣٧، من مرشد الحيران.

الْمُنْكِرُ شِقْصًا لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ؛ لأَِنَّ الْمُدَّعِيَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ أَوْ بَعْضَهُ مُسْتَرْجِعًا لَهُ مِمَّنْ هُوَ عِنْدَهُ، فَلَمْ يَكُنْ مُعَاوَضَةً، بَل هُوَ كَاسْتِرْجَاعِ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ. (١)

الْقِسْمُ الثَّالِثُ:

الصُّلْحُ مَعَ سُكُوتِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ:

١٨ - وَذَلِكَ كَمَا إِذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ شَيْئًا، فَسَكَتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دُونَ أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، ثُمَّ صَالَحَ عَنْهُ.

وَقَدِ اعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ - مَا عَدَا ابْنَ أَبِي لَيْلَى - هَذَا الصُّلْحَ فِي حُكْمِ الصُّلْحِ عَنِ الإِْنْكَارِ؛ لأَِنَّ السَّاكِتَ مُنْكِرٌ حُكْمًا. صَحِيحٌ أَنَّ السُّكُوتَ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَل عَلَى الإِْقْرَارِ، وَعَلَى الإِْنْكَارِ، إِلاَّ أَنَّهُ نَظَرًا لِكَوْنِ الأَْصْل بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ وَفَرَاغَهَا، فَقَدْ تَرَجَّحَتْ جِهَةُ الإِْنْكَارِ. وَمِنْ هُنَا كَانَ اخْتِلاَفُهُمْ فِي جَوَازِهِ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي جَوَازِ الصُّلْحِ عَنِ الإِْنْكَارِ.

وَعَلَى هَذَا، فَلِلْفُقَهَاءِ فِي الصُّلْحِ عَنِ السُّكُوتِ قَوْلاَنِ: (٢)

_________

(١) انظر المراجع السابقة.

(٢) مجمع الأنهر والدر المنتقى ٢ / ٣٠٨، ٣٠٩، تكملة فتح القدير مع العناية والكفاية ٧ / ٣٧٩ وما بعدها، تحفة الفقهاء ٣ / ٤١٨، والبدائع ٦ / ٤٠، أسنى المطالب ٢ / ٢١٥، نهاية المحتاج ٤ / ٣٧٥، المبدع ٤ / ٢٨٥، والإفصاح لابن هبيرة ١ / ٣٧٨، كفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي عليه ٢ / ٣٢٤، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦٣، كشاف القناع ٣ / ٣٨٥، والخرشي ٦ / ٤، شرح المجلة للأتاسي ٤ / ٥٥٥ وما بعدها، درر الحكام لعلي حيدر ٤ / ٣٥، وانظر م (١٥٣٥، ١٥٥٠) من مجلة الأحكام العدلية وم (١٠٣٧) من مرشد الحيران. .

أَحَدُهُمَا: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ:

وَهُوَ جَوَازُ الصُّلْحِ عَلَى السُّكُوتِ، وَحُجَّتُهُمْ نَفْسُ الأَْدِلَّةِ الَّتِي سَاقُوهَا عَلَى جَوَازِهِ عَنِ الإِْنْكَارِ. وَقَدِ اشْتَرَطُوا فِيهِ نَفْسَ الشُّرُوطِ وَرَتَّبُوا ذَاتَ الأَْحْكَامِ الَّتِي اعْتَبَرُوهَا فِي حَالَةِ الإِْنْكَارِ.

هَذَا وَقَدْ وَافَقَهُمْ عَلَى جَوَازِهِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى - مَعَ إِبْطَالِهِ الصُّلْحَ عَنِ الإِْنْكَارِ - حَيْثُ اعْتَبَرَهُ فِي حُكْمِ الصُّلْحِ عَلَى الإِْقْرَارِ. (١)

وَالثَّانِي: لِلشَّافِعِيَّةِ: وَهُوَ عَدَمُ جَوَازِ الصُّلْحِ عَلَى السُّكُوتِ، وَأَنَّهُ بَاطِلٌ وَذَلِكَ لأَِنَّ جَوَازَ الصُّلْحِ يَسْتَدْعِي حَقًّا ثَابِتًا، وَلَمْ يُوجَدْ فِي مَوْضِعِ السُّكُوتِ؛ إِذِ السَّاكِتُ يُعَدُّ مُنْكِرًا حُكْمًا حَتَّى تُسْمَعَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، فَكَانَ إِنْكَارُهُ مُعَارِضًا لِدَعْوَى الْمُدَّعِي. وَلَوْ بَذَل الْمَال لَبَذَلَهُ لِدَفْعِ خُصُومَةٍ بَاطِلَةٍ، فَكَانَ فِي مَعْنَى الرِّشْوَةِ. (٢)

الصُّلْحُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالأَْجْنَبِيِّ:

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ

_________

(١) الدر المنتقى شرح الملتقى ٢ / ٣٠٨، وبدائع الصنائع ٦ / ٤٠.

(٢) نهاية المحتاج ٤ / ٣٧٥، وأسنى المطالب ٢ / ٢١٥.

بِالصُّلْحِ الْكَائِنِ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالأَْجْنَبِيِّ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

أَوَّلًا: مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ:

١٩ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الصُّلْحَ إِذَا كَانَ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالأَْجْنَبِيِّ، فَلاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.

أ - فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ الصُّلْحُ، وَيَكُونُ الأَْجْنَبِيُّ وَكِيلًا عَنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الصُّلْحِ، وَيَجِبُ الْمَال الْمُصَالَحُ بِهِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دُونَ الْوَكِيل، سَوَاءٌ أَكَانَ الصُّلْحُ عَنْ إِقْرَارٍ أَمْ إِنْكَارٍ؛ لأَِنَّ الْوَكِيل فِي الصُّلْحِ لاَ تَرْجِعُ إِلَيْهِ حُقُوقُ الْعَقْدِ. وَهَذَا إِذَا لَمْ يَضْمَنِ الأَْجْنَبِيُّ بَدَل الصُّلْحِ عَنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَأَمَّا إِذَا ضَمِنَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْكَفَالَةِ وَالضَّمَانِ لاَ بِحُكْمِ الْعَقْدِ. (١)

ب - وَأَمَّا إِذَا كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَهَذَا صُلْحُ الْفُضُولِيِّ، وَلَهُ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يُضِيفَ الْفُضُولِيُّ الصُّلْحَ إِلَى نَفْسِهِ، كَأَنْ يَقُول لِلْمُدَّعِي: صَالِحْنِي عَنْ دَعْوَاكَ مَعَ فُلاَنٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَيُصَالِحَهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ. فَهَذَا الصُّلْحُ صَحِيحٌ، وَيَلْزَمُ بَدَل الصُّلْحِ الْفُضُولِيُّ، وَلَوْ لَمْ يَضْمَنْ أَوْ يُضِفِ الصُّلْحَ إِلَى مَالِهِ أَوْ ذِمَّتِهِ؛ لأَِنَّ إِضَافَةَ الْفُضُولِيِّ الصُّلْحَ إِلَى نَفْسِهِ تَنْفُذُ فِي

_________

(١) تحفة الفقهاء ٣ / ٤٣٢، البحر الرائق ٧ / ٢٥٩.