الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧
كَذَلِكَ تَتَعَلَّقُ بِهِ جَمِيعُ أَحْكَامِ الْبَيْعِ: كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَحَقِّ الشُّفْعَةِ، وَالْمَنْعِ مِنَ التَّصَرُّفِ قَبْل الْقَبْضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا يَفْسُدُ بِالْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ وَالشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ لِلْبَيْعِ. (١)
وَلَوْ صَالَحَهُ مِنَ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ عَلَى مَنْفَعَةِ عَيْنٍ أُخْرَى، كَمَا إِذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ شَيْئًا، فَأَقَرَّ بِهِ، ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى سُكْنَى دَارِهِ، أَوْ رُكُوبِ دَابَّتِهِ، أَوْ لُبْسِ ثَوْبِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ هَذَا الصُّلْحِ، وَأَنَّهُ يَكُونُ إِجَارَةً، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ سَائِرُ أَحْكَامِهَا؛ لأَِنَّ الْعِبْرَةَ لِلْمَعَانِي، فَوَجَبَ حَمْل الصُّلْحِ عَلَيْهَا، لِوُجُودِ مَعْنَاهَا فِيهَا، وَهُوَ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ (٢) .
_________
(١) الأم ٣ / ٢٢١، بداية المجتهد (مطبوع مع الهداية في تخريج أحاديث البداية) ٨ / ١٩، تحفة الفقهاء ٣ / ٤١٩، مجمع الأنهر والدر المنتقى ٢ / ٣٠٨، تبيين الحقائق ٥ / ٣١، البحر الرائق ٧ / ٢٥٦، والزرقاني على خليل ٦ / ٢، شرح الخرشي ٦ / ٣، مواهب الجليل ٥ / ٨٠، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦٢، المبدع ٤ / ٢٨٢، المغني ٤ / ٥٣٧، كشاف القناع ٣ / ٣٨٢، روضة الطالبين ٤ / ١٩٣، كفاية الأخيار ١ / ١٦٨، نهاية المحتاج ٤ / ٣٧١، وما بعدها، أسنى المطالب ٢ / ٢١٥، المهذب ١ / ٣٤٠، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٢٤ وانظر م ١٠٣٠، من مرشد الحيران وم ١٥٤٨ من مجلة الأحكام العدلية وم ١٦٢٦ من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد
(٢) تبيين الحقائق ٥ / ٣٢، مجمع الأنهر والدر المنتقى ٢ / ٣٠٩، العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٢٤، نهاية المحتاج ٤ / ٣٧١، وما بعدها، أسنى المطالب ٢ / ٢١٥، المهذب ١ / ٣٤٠، كفاية الأخيار ١ / ١٦٨، روضة الطالبين ٤ / ١٩٣، كشاف القناع ٣ / ٣٨٢، المغني ٤ / ٥٣٧، المبدع ٤ / ٢٨٢، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦٢، مواهب الجليل ٥ / ٨١، الخرشي ٦ / ٢ وانظر م ١٠٣١، من مرشد الحيران وم ١٥٤٩ من مجلة الأحكام العدلية وم ١٦٢٦، من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد القاري
ب - الصُّلْحُ عَنِ الدَّيْنِ:
وَذَلِكَ مِثْل أَنْ يَدَّعِيَ شَخْصٌ عَلَى آخَرَ دَيْنًا، فَيُقِرُّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَهُ بِهِ، ثُمَّ يُصَالِحُهُ عَلَى بَعْضِهِ، أَوْ عَلَى مَالٍ غَيْرِهِ. وَهُوَ جَائِزٌ - فِي الْجُمْلَةِ - بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَإِنْ كَانَ ثَمَّةَ اخْتِلاَفٌ بَيْنَهُمْ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ وَحَالاَتِهِ. وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ نَوْعَانِ: صُلْحُ إِسْقَاطٍ وَإِبْرَاءٍ، وَصُلْحُ مُعَاوَضَةٍ.
أَوَّلًا: صُلْحُ الإِْسْقَاطِ وَالإِْبْرَاءِ:
وَيُسَمَّى عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ صُلْحُ الْحَطِيطَةِ.
١٤ - وَهُوَ الَّذِي يَجْرِي عَلَى بَعْضِ الدَّيْنِ الْمُدَّعَى، وَصُورَتُهُ بِلَفْظِ الصُّلْحِ، أَنْ يَقُول الْمُقَرُّ لَهُ: صَالَحْتُكَ عَلَى الأَْلْفِ الْحَال الَّذِي لِي عَلَيْكَ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، هُوَ أَنَّ هَذَا الصُّلْحَ جَائِزٌ؛ إِذْ هُوَ أَخْذٌ لِبَعْضِ حَقِّهِ وَإِسْقَاطٌ لِبَاقِيهِ، لاَ مُعَاوَضَةٌ،
وَيُعْتَبَرُ إِبْرَاءً لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ بَعْضِ الدَّيْنِ؛ لأَِنَّهُ مَعْنَاهُ، فَتَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهُ (١) .
وَقَدْ جَاءَ فِي (م ١٠٤٤) مِنْ مُرْشِدِ الْحَيْرَانِ: لِرَبِّ الدَّيْنِ أَنْ يُصَالِحَ مَدْيُونَهُ عَلَى بَعْضِ الدَّيْنِ، وَيَكُونُ أَخْذًا لِبَعْضِ حَقِّهِ وَإِبْرَاءً عَنْ بَاقِيهِ.
ثُمَّ قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَيَصِحُّ بِلَفْظِ الإِْبْرَاءِ وَالْحَطِّ وَنَحْوِهِمَا، كَالإِْسْقَاطِ وَالْهِبَةِ وَالتَّرْكِ وَالإِْحْلاَل وَالتَّحْلِيل وَالْعَفْوِ وَالْوَضْعِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ حِينَئِذٍ الْقَبُول عَلَى الْمَذْهَبِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّ الإِْبْرَاءَ تَمْلِيكٌ أَمْ إِسْقَاطٌ. كَمَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الصُّلْحِ فِي الأَْصَحِّ. وَفِي اشْتِرَاطِ الْقَبُول إِذَا وَقَعَ بِهِ وَجْهَانِ - كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ قَال لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ: وَهَبْتُهُ لَكَ - وَالأَْصَحُّ الاِشْتِرَاطُ؛ لأَِنَّ اللَّفْظَ بِوَضْعِهِ يَقْتَضِيهِ (٢) .
وَالثَّانِي: لِلْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ، فَوَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ حَقِّهِ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْبَاقِيَ، كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُمَا إِذَا كَانَ بِلَفْظِ الإِْبْرَاءِ، وَكَانَتِ الْبَرَاءَةُ
_________
(١) مواهب الجليل ٥ / ٨٢، المواق على خليل ٥ / ٨٢، العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٢٤، نهاية المحتاج ٤ / ٣٧٤، أسنى المطالب ٢ / ٢١٥، مجمع الأنهر ٢ / ٣١٥، البحر الرائق ٧ / ٢٥٩، البدائع ٦ / ٤٣، تحفة الفقهاء ٣ / ٤٢٢، شرح المجلة للأتاسي ٤ / ٥٦٢، وما بعدها وانظر م ١٥٥٢ من مجلة الأحكام العدلية، وتبيين الحقائق ٥ / ٤١
(٢) كفاية الأخيار ١ / ١٦٨، روضة الطالبين ٤ / ١٩٦، نهاية المحتاج ٤ / ٣٧٤، أسنى المطالب ٢ / ٢١٥
مُطْلَقَةً مِنْ غَيْرِ شَرْطِ إِعْطَاءِ الْبَاقِي، كَقَوْل الدَّائِنِ: عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي كَذَا مِنْهُ، وَلَمْ يَمْتَنِعُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ إِعْطَاءِ بَعْضِ حَقِّهِ إِلاَّ بِإِسْقَاطِ بَعْضِهِ الآْخَرِ (١) . فَإِنْ تَطَوَّعَ الْمُقَرُّ لَهُ بِإِسْقَاطِ بَعْضِ حَقِّهِ بِطِيبِ نَفْسِهِ جَازَ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصُلْحٍ وَلاَ مِنْ بَابِ الصُّلْحِ بِسَبِيلٍ (٢) .
أَمَّا إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الصُّلْحِ فَأَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الأَْصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ؛ وَذَلِكَ لأَِنَّهُ صَالَحَ عَنْ بَعْضِ مَالِهِ بِبَعْضِهِ، فَكَانَ هَضْمًا لِلْحَقِّ. وَالثَّانِيَةِ: وَهِيَ ظَاهِرُ " الْمُوجَزِ " " وَالتَّبْصِرَةِ " أَنَّهُ يَصِحُّ (٣) .
أَمَّا لَوْ صَالَحَهُ عَنْ أَلْفٍ مُؤَجَّلٍ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مُعَجَّلَةٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ. (٤) وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ
_________
(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦٠، كشاف القناع ٣ / ٣٧٩، المبدع ٤ / ٢٧٩، وانظر م ١٦٢٠ من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد
(٢) المغني ٤ / ٥٣٤
(٣) المبدع ٤ / ٢٧٩، المغني ٥٣٥
(٤) البحر الرائق ٧ / ٢٥٩، والبدائع ٦ / ٤٥، وتبيين الحقائق ٥ / ٤٣، وروضة الطالبين ٤ / ١٩٦، نهاية المحتاج ٤ / ٣٧٤، أسنى المطالب ٢ / ٢١٦، شرح الخرشي ٦ / ٣، البهجة شرح التحفة ١ / ٢٢١، الزرقاني على خليل ٦ / ٣، شرح التاودي على التحفة ١ / ٢٢١، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦٠، المبدع ٤ / ٧٩، وكشاف القناع ٣ / ٣٨٠.
وَالْحَنَابِلَةُ مِنْ ذَلِكَ دَيْنَ الْكِتَابَةِ؛ لأَِنَّ الرِّبَا لاَ يَجْرِي بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ. وَعَلَّل الشَّافِعِيَّةُ عَدَمَ الصِّحَّةِ: بِأَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ الْمِقْدَارِ لِيَحْصُل الْحُلُول فِي الْبَاقِي، وَالصِّفَةُ بِانْفِرَادِهَا لاَ تُقَابَل بِعِوَضٍ؛ وَلأَِنَّ صِفَةَ الْحُلُول لاَ يَصِحُّ إِلْحَاقُهَا بِالْمُؤَجَّل، وَإِذَا لَمْ يَحْصُل مَا تَرَكَ مِنَ الْقَدْرِ لأَِجْلِهِ لَمْ يَصِحَّ التَّرْكُ. (١) وَوَجْهُ الْمَنْعِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ مَنْ عَجَّل مَا أُجِّل يُعَدُّ مُسَلِّفًا، فَقَدْ أَسْلَفَ الآْنَ خَمْسَمِائَةٍ لِيَقْتَضِيَ عِنْدَ الأَْجَل أَلْفًا مِنْ نَفْسِهِ.
(٢) وَقَدْ عَلَّل الْحَنَفِيَّةُ الْمَنْعَ فِي غَيْرِ دَيْنِ الْكِتَابَةِ: بِأَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّل لاَ يَسْتَحِقُّ الْمُعَجَّل، فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَل اسْتِيفَاءً، فَصَارَ عِوَضًا، وَبَيْعُ خَمْسِمِائَةٍ بِأَلْفٍ لاَ يَجُوزُ. (٣)
وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمُعَجَّل لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا بِالْعَقْدِ حَتَّى يَكُونَ اسْتِيفَاؤُهُ اسْتِيفَاءً لِبَعْضِ حَقِّهِ، وَالتَّعْجِيل خَيْرٌ مِنَ النَّسِيئَةِ لاَ مَحَالَةَ، فَيَكُونُ خَمْسَمِائَةٍ بِمُقَابَلَةِ خَمْسِمِائَةٍ مِثْلُهُ مِنَ
_________
(١) أسنى المطالب ٢ / ٢١٦.
(٢) البهجة للتسولي ١ / ٢٢١.
(٣) تحفة الفقهاء ٣ / ٤٢٣.
الدَّيْنِ، وَالتَّعْجِيل فِي مُقَابَلَةِ الْبَاقِي، وَذَلِكَ اعْتِيَاضٌ عَنِ الأَْجَل، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ أَلاَ تَرَى أَنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَ رِبَا النَّسِيئَةِ، وَلَيْسَ فِيهِ إِلاَّ مُقَابَلَةُ الْمَال بِالأَْجَل شُبْهَةً، فَلأَنْ تَكُونَ مُقَابَلَةُ الْمَال بِالأَْجَل حَقِيقَةً حَرَامًا أَوْلَى. (١)
الثَّانِي: جَوَازُ ذَلِكَ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، حَكَاهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُ، (٢) وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ وَتِلْمِيذُهُ ابْنُ قَيِّمٍ الْجَوْزِيَّةُ. (٣)
قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: لأَِنَّ هَذَا عَكْسُ الرِّبَا، فَإِنَّ الرِّبَا يَتَضَمَّنُ الزِّيَادَةَ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ فِي مُقَابَلَةِ الأَْجَل، وَهَذَا يَتَضَمَّنُ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ مِنْ بَعْضِ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَةِ سُقُوطِ الأَْجَل، فَسَقَطَ بَعْضُ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَةِ سُقُوطِ بَعْضِ الأَْجَل، فَانْتَفَعَ بِهِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَكُنْ هُنَا رِبًا لاَ حَقِيقَةً وَلاَ لُغَةً وَلاَ عُرْفًا، فَإِنَّ الرِّبَا الزِّيَادَةُ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ هَاهُنَا، وَاَلَّذِينَ حَرَّمُوا ذَلِكَ إِنَّمَا قَاسُوهُ عَلَى الرِّبَا، وَلاَ يَخْفَى الْفَرْقُ
_________
(١) العناية على الهداية (ط. الميمنية) ٧ / ٣٩٦، تبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه ٥ / ٤٢، شرح المجلة للأتاسي ٤ / ٥٦٤.
(٢) المبدع ٣ / ٢٨٠.
(٣) الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية للبعلي ص ١٣٤، أعلام الموقعين ٣ / ٣٧١، أحكام القرآن للجصاص (ط. مصر بعناية محمد الصادق قمحاوي) ٢ / ١٨٦.
الْوَاضِحُ بَيْنَ قَوْلِهِ: إِمَّا أَنْ تُرْبِيَ، وَإِمَّا أَنْ تَقْضِيَ. وَبَيْنَ قَوْلِهِ: عَجِّل لِي وَأَهَبُ لَكَ مِائَةً. فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنَ الآْخَرِ؛ فَلاَ نَصَّ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَلاَ إِجْمَاعَ، وَلاَ قِيَاسَ صَحِيحٌ. (١)
وَلَوْ صَالَحَ مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ حَالٍّ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مُؤَجَّلٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّ التَّأْجِيل لاَ يَصِحُّ، وَيُعْتَبَرُ لاَغِيًا؛ إِذْ هُوَ مِنَ الدَّائِنِ وَعْدٌ بِإِلْحَاقِ الأَْجَل، وَصِفَةُ الْحُلُول لاَ يَصِحُّ إِلْحَاقُهَا، وَالْوَعْدُ لاَ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ. (٢)
وَالثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ: وَهُوَ صِحَّةُ التَّأْجِيل، وَذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ إِسْقَاطٌ لِوَصْفِ الْحُلُول فَقَطْ، وَهُوَ حَقٌّ لَهُ، فَيَصِحُّ، وَيَكُونُ مِنْ قَبِيل الإِْحْسَانِ. (٣) قَالُوا: لأَِنَّ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الصِّحَّةِ، فَلَوْ حَمَلْنَا ذَلِكَ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ فَيَلْزَمُ بَيْعُ الدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ نَسَاءً، وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ؛ لأَِنَّ الدَّرَاهِمَ الْحَالَّةَ وَالدَّرَاهِمَ
_________
(١) أعلام الموقعين عن رب العالمين (ط. السعادة بمصر) ٣ / ٣٧١.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦١، أسنى المطالب ٢ / ٢١٥، نهاية المحتاج ٤ / ٣٧٤.
(٣) مجمع الأنهر ٢ / ٣١٥، تحفة الفقهاء ٣ / ٤٢٣، البحر الرائق ٧ / ٢٥٩، شرح المجلة للأتاسي ٤ / ٥٦٤، وانظر م ١٥٥٣، من مجلة الأحكام العدلية، البدائع ٦ / ٤٤.
الْمُؤَجَّلَةَ ثَابِتَةٌ فِي الذِّمَّةِ، وَالدَّيْنُ بِالدَّيْنِ لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ (١)، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ حَمْلُهُ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ حَمَلْنَاهُ عَلَى التَّأْخِيرِ تَصْحِيحًا لِلتَّصَرُّفِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ كَوْنُهُ تَصَرُّفًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ، لاَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ. (٢)
وَلَوِ اصْطَلَحَا عَنِ الدَّيْنِ الْحَال عَلَى وَضْعِ بَعْضِهِ وَتَأْجِيل الْبَاقِي، كَمَا لَوْ صَالَحَ الدَّائِنُ مَدِينَهُ عَنْ أَلْفٍ حَالَّةٍ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مُؤَجَّلَةٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ. وَهُوَ صِحَّةُ الإِْسْقَاطِ وَالتَّأْجِيل. (٣) وَقَدِ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ. قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهُوَ الصَّوَابُ، بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ تَأْجِيل الْقَرْضِ وَالْعَارِيَّةِ. (٤)
_________
(١) حديث: " أن النبي ﷺ نهى عن الكالئ بالكالئ ". أخرجه الدارقطني والبيهقي والطحاوي والحاكم والبزار وابن أبي شيبة عن ابن عمر ﵄ مرفوعا (التلخيص الحبير ٢ / ٢٦، نصب الراية ٤ / ٣٩، شرح معاني الآثار ٤ / ٢١، سنن الدارقطني ٣ / ٧١، سنن البيهقي ٥ / ٢٩٠، المستدرك ٢ / ٥٧، نيل الأوطار ٥ / ٢٥٤) .
(٢) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٥ / ٤١.
(٣) البحر الرائق ٧ / ٢٥٩، التاج والإكليل للمواق ٥ / ٨٢، أعلام الموقعين ٣ / ٣٧٠.
(٤) أعلام الموقعين (ط. السعادة بمصر) ٣ / ٣٧٠.
وَالثَّانِي: لِلْحَنَابِلَةِ فِي الأَْصَحِّ وَالشَّافِعِيَّةِ:
وَهُوَ أَنَّهُ يَصِحُّ الإِْسْقَاطُ دُونَ التَّأْجِيل. وَعِلَّةُ صِحَّةِ الْوَضْعِ وَالإِْسْقَاطِ: أَنَّهُ أَسْقَطَ بَعْضَ حَقِّهِ عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ، فَلاَ مَانِعَ مِنْ صِحَّتِهِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي مُقَابَلَةِ تَأْجِيلٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ أَسْقَطَهُ كُلَّهُ؛ إِذْ هُوَ مُسَامَحَةٌ وَلَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ. (١)
وَالثَّالِثُ: لِبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الإِْسْقَاطُ وَلاَ التَّأْجِيل؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصُّلْحَ لاَ يَصِحُّ مَعَ الإِْقْرَارِ، وَعَلَى أَنَّ الْحَال لاَ يَتَأَجَّل. (٢)
ثَانِيًا: صُلْحُ الْمُعَاوَضَةِ:
١٥ - وَهُوَ الَّذِي يَجْرِي عَلَى غَيْرِ الدَّيْنِ الْمُدَّعَى، بِأَنْ يُقِرَّ لَهُ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ يَتَّفِقَانِ عَلَى تَعْوِيضِهِ عَنْهُ. وَحُكْمُهُ حُكْمُ بَيْعِ الدَّيْنِ، (٣) وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الصُّلْحِ. وَهُوَ
_________
(١) كشاف القناع ٣ / ٣٨٠، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦١، المبدع ٤ / ٢٨٠، روضة الطالبين ٤ / ١٩٦، أسنى المطالب ٢ / ٢١٦، نهاية المحتاج ٤ / ٣٧٤.
(٢) أعلام الموقعين ٣ / ٣٧٠، (ط. السعادة بمصر)، وانظر المبدع ٤ / ٢٨٠.
(٣) التاج والإكليل ٥ / ٨١. * ومن أجل ذلك نص الشافعية على التفريق بين ما إذا صالحه عن دين لا يجوز الاعتياض عنه كدين السلم، وبين ما إذا صالحه على دين يجوز الاعتياض عنه وقالوا: فإن صالحه عن ما لا يصح الاعتياض عنه فإنه لا يصح، أما إذا صالحه عن دين يجوز الاعتياض
عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:. (١)
الأَْوَّل: أَنْ يُقِرَّ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ، فَيُصَالِحَهُ بِالآْخَرِ، نَحْوَ: أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَيُصَالِحَهُ مِنْهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، أَوْ يُقِرَّ لَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، فَيُصَالِحَهُ مِنْهَا عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ. وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لَهُ حُكْمَ الصَّرْفِ؛ لأَِنَّهُ بَيْعُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالآْخَرِ، وَيُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّرْفِ مِنَ الْحُلُول وَالتَّقَابُضِ قَبْل التَّفَرُّقِ.
(٢) وَالثَّانِي: أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِعَرَضٍ، كَفَرَسٍ وَثَوْبٍ، فَيُصَالِحَهُ عَنِ الْعَرَضِ بِنَقْدٍ، أَوْ يَعْتَرِفَ لَهُ بِنَقْدٍ، كَدِينَارٍ، فَيُصَالِحَهُ عَنْهُ عَلَى عَرَضٍ. وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لَهُ حُكْمَ
_________
(١) جاء في م ١٦٢٦ من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد: " الصلح عن الحق المقر به على غير جنسه معاوضة، يصح بلفظ الصلح. فالصلح عن نقد بنقد صرف، وعن نقد بعرض أو عن عرض بنقد أو عن عرض بعرض بيع، أو عن عرض أو نقد بمنفعة إجارة، فيشترط لصحته ما يشترط لصحة هذه
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦٢، المبدع ٤ / ٢٨٣، ٢٨٤، والمغني ٤ / ٥٣٤، كشاف القناع ٣ / ٣٨٢، روضة الطالبين ٤ / ١٩٥، نهاية المحتاج ٤ / ٣٧٣، المهذب ١ / ٣٤٠، أسنى المطالب ٢ / ٢١٥، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٢٤، مواهب الجليل ٥ / ٨١، ٨٢، الخرشي ٦ / ٣، البهجة للتسولي ١ / ٢٢١، القوانين الفقهية ص ٣٤٣، التفريع لابن الجلاب ٢ / ٢٨٩، وما بعدها، تحفة الفقهاء ٣ / ٤٢٤، مجمع الأنهر والدر المنتقى ٢ / ٣١٥، الأم ٣ / ٢٢٧.