الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧ الصفحة 52

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧

مَا لَوْ لَحِقَ الْمُصَلِّيَ نَوْعٌ مِنَ الْمَشَقَّةِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ.

وَمِثْل الأَْلَمِ الشَّدِيدِ خَوْفُ لُحُوقِ الضَّرَرِ مِنْ عَدُوٍّ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ لَوْ صَلَّى قَائِمًا. وَكَذَلِكَ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِتَجْرِبَةٍ سَابِقَةٍ، أَوْ إِخْبَارِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ أَنَّهُ لَوْ قَامَ زَادَ سَلَسُ بَوْلِهِ، أَوْ سَال جُرْحُهُ، أَوْ أَبْطَأَ بُرْؤُهُ، فَإِنَّهُ يَتْرُكُ الْقِيَامَ وَيُصَلِّي قَاعِدًا.

وَإِذَا تَعَذَّرَ كُل الْقِيَامِ فَهَذَا الْقَدْرُ الْحَقِيقِيُّ، وَمَا سِوَاهُ فَهُوَ حُكْمِيٌّ (١) .

صُوَرُ الْعَجْزِ وَالْمَشَقَّةِ:

عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ:

٥ - الْقِيَامُ رُكْنٌ فِي الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ (٢) لِمَا وَرَدَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - أَنَّهُ قَال -: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: صَل قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِكَ (٣) . فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ صَلَّى قَاعِدًا؛ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ؛ وَلأَِنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ

_________

(١) بداية المجتهد ١ / ١٩١، والشرح الصغير ١ / ٤٨٨، ٤٨٩، وشرح منتهى الإرادات ٢٠ والمهذب ١ / ١٠٨، وحاشية الطحطاوي ٢٣٤.

(٢) المهذب ١ / ٢٧٧، الهداية ١ / ٧٧، شرح منتهى الإرادات ١ / ٢٧٠ - ٢٧١، الشرح الصغير ١ / ٤٨٨ - ٤٨٩.

(٣) حديث عمران بن حصين: " كانت بي بواسير. . . ". أخرجه البخاري (الفتح٢ / ٥٨٧ - ط - السلفية) .

الطَّاقَةِ. فَإِنْ صَلَّى مَعَ الإِْمَامِ قَائِمًا بَعْضَ الصَّلاَةِ، وَفَتَرَ فِي بَعْضِهَا فَصَلَّى جَالِسًا صَحَّتْ صَلاَتُهُ (١) .

وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ ثُمَّ بَرِئَ بَنَى عَلَى صَلاَتِهِ قَائِمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ (٢)، وَجَازَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٣) أَنْ يَقُومَ بِبَعْضِ الصَّلاَةِ ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ ثُمَّ يَرْجِعَ فَيَقُومَ بِبَعْضِهَا الآْخَرِ، وَكَذَلِكَ الْجُلُوسُ إِنْ تَقَوَّسَ ظَهْرُهُ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ رَاكِعٌ، رَفَعَ رَأْسَهُ فِي مَوْضِعِ الْقِيَامِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ (٤) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (انْحِنَاءٌ) .

عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ لِوُجُودِ عِلَّةٍ بِالْعَيْنِ:

٦ - إِنْ كَانَ بِعَيْنِ الْمَرِيضِ وَجَعٌ، بِحَيْثُ لَوْ قَعَدَ أَوْ سَجَدَ زَادَ أَلَمُ عَيْنِهِ فَأَمَرَهُ الطَّبِيبُ الْمُسْلِمُ الثِّقَةُ بِالاِسْتِلْقَاءِ أَيَّامًا، وَنَهَاهُ عَنِ الْقُعُودِ وَالسُّجُودِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ فَقِيل لَهُ: إِنْ صَلَّيْتَ مُسْتَلْقِيًا أَمْكَنَ مُدَاوَاتُكَ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى رَأْيَيْنِ:

الأَْوَّل: عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ؛ لأَِنَّهُ يَخَافُ الضَّرَرَ مِنَ الْقِيَامِ فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ فَيُجْزِئُهُ أَنْ يَسْتَلْقِيَ وَيُصَلِّيَ بِالإِْيمَاءِ

_________

(١) المهذب ١ / ١٠٨، الهداية ١ / ٦٩، ٧٨، الشرح الصغير ١ / ٤٨٩، شرح منتهى الإرادات ١ / ٢٧٢.

(٢) الهداية ١ / ٧٨، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٢٧٢.

(٣) الشرح الصغير ١ / ٤٨٩.

(٤) المهذب ١ / ١٠٨، المغني ٢ / ١٤٤.

لأَِنَّ حُرْمَةَ الأَْعْضَاءِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ (١) .

الثَّانِي: لاَ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ لَمَّا وَقَعَ فِي عَيْنَيْهِ الْمَاءُ حَمَل إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ الأَْطِبَّاءَ فَقِيل لَهُ: إِنَّكَ تَمْكُثُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لاَ تُصَلِّي إِلاَّ مُسْتَلْقِيًا فَسَأَل عَائِشَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ﵄ فَنَهَتَاهُ (٢) .

عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي التَّكْبِيرِ عِنْدَ الْقِيَامِ أَوْ غَيْرِهِ:

٧ - يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ؛ لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ (٣) فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ رَفْعُهُمَا، أَوْ أَمْكَنَهُ رَفْعُ إِحْدَاهُمَا، أَوْ رَفَعَهُمَا إِلَى مَا دُونَ الْمَنْكِبِ رَفَعَ مَا أَمْكَنَهُ لِقَوْلِهِ ﷺ: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (٤) .

_________

(١) المهذب ١ / ١٠٨، الشرح الصغير ١ / ٤٩٠، حاشية الطحطاوي ٢٣٥، شرح المنتهى ١ / ٢٧٢.

(٢) المهذب ١ / ١٠٨.

(٣) حديث ابن عمر: " كان النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه ". أخرجه البخاري (الفتح٢ / ٢١٩ ط. السلفية) .

(٤) حديث: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ". أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ٢٥١ - ط. السلفية) ومسلم (٢ / ٩٧٥ ط. الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁.

فَإِنْ كَانَ بِهِ عِلَّةٌ إِذَا رَفَعَ الْيَدَ جَاوَزَ الْمَنْكِبَ رَفَعَ؛ لأَِنَّهُ يَأْتِي بِالْمَأْمُورِ بِهِ وَزِيَادَةٍ هُوَ مَغْلُوبٌ عَلَيْهَا (١) .

وَيَجُوزُ لِلْمَرِيضِ غَيْرِ الْقَادِرِ عَلَى أَدَاءِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ الاِتِّكَاءُ عَلَى شَيْءٍ، وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى مُصْطَلَحِ: (اتِّكَاء، اسْتِنَاد) .

عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الرُّكُوعِ:

٨ - الرُّكُوعُ فِي الصَّلاَةِ رُكْنٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٢) وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرُّكُوعُ أَوْمَأَ إِلَيْهِ، وَقَرَّبَ وَجْهَهُ إِلَى الأَْرْضِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ، وَيَجْعَل الإِْيمَاءَ لِلسُّجُودِ أَخْفَضَ مِنْ إِيمَاءِ الرُّكُوعِ، لَكِنَ الْخِلاَفُ فِي كَيْفِيَّةِ أَدَاءِ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الرُّكُوعِ دُونَ الْقِيَامِ (٣) .

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى رَأْيَيْنِ:

الأَْوَّل: وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ (٤) أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْقِيَامِ دُونَ الرُّكُوعِ يُومِئُ مِنَ الْقِيَامِ، لأَِنَّ الرَّاكِعَ كَالْقَائِمِ فِي نَصْبِ رِجْلَيْهِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٥) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ

_________

(١) المهذب ١ / ٧٨.

(٢) سورة الحج / ٧٧.

(٣) المهذب ١ / ٨١، الهداية الشرح الصغير ١ / ٤٩٣، المنتهى ١ / ٢٧٢.

(٤) المهذب ١ / ٨١، الهداية ١ / ٧٧، الشرح الصغير ١ / ٤٩٣، والمنتهى ١ / ٢٧٢.

(٥) سورة البقرة / ٢٣٨.

لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: صَل قَائِمًا (١) وَلأَِنَّهُ رُكْنٌ قَدَرَ عَلَيْهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ فَرْقٌ وَاضِحٌ بَيْنَ الإِْيمَاءَيْنِ إِذَا عَجَزَ عَنِ السُّجُودِ أَيْضًا.

الثَّانِي: عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْقِيَامَ يَسْقُطُ عَنِ الْمَرِيضِ حَال الرُّكُوعِ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الرُّكُوعِ فَيُصَلِّي قَاعِدًا يُومِئُ إِيمَاءً؛ لأَِنَّ رُكْنِيَّةَ الْقِيَامِ لِلتَّوَصُّل بِهِ إِلَى السَّجْدَةِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ نِهَايَةِ التَّعْظِيمِ، فَإِذَا كَانَ لاَ يَتَعَقَّبُهُ السُّجُودُ لاَ يَكُونُ رُكْنًا فَيَتَخَيَّرُ، وَالأَْفْضَل عِنْدَهُمْ هُوَ الإِْيمَاءُ قَاعِدًا؛ لأَِنَّهُ أَشْبَهُ بِالسُّجُودِ (٢) .

عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى السُّجُودِ:

٩ - السُّجُودُ رُكْنٌ فِي الصَّلاَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾، وَاخْتَلَفُوا فِي عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى السُّجُودِ وَالْجُلُوسِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ عَلَى اتِّجَاهَيْنِ:

الأَْوَّل: يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْقِيَامِ فَقَطْ دُونَ السُّجُودِ وَالْجُلُوسِ يُومِئُ لَهُمَا مِنَ الْقِيَامِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَضْطَجِعَ وَيُومِئَ لَهُمَا مِنَ اضْطِجَاعِهِ، فَإِنِ اضْطَجَعَ تَبْطُل الصَّلاَةُ عِنْدَهُمْ (٣) .

الثَّانِي: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْقَادِرَ

_________

(١) حديث عمران بن حصين تقدم ف ٥.

(٢) الهداية ١ / ٧٧ الطحطاوي ٢٣٥.

(٣) المهذب ١ / ١٠٨، الشرح الصغير ١ / ٤٩٣.

عَلَى الْقِيَامِ فَقَطْ دُونَ السُّجُودِ وَالْجُلُوسِ يُومِئُ لَهُمَا وَهُوَ قَائِمٌ؛ لأَِنَّ السَّاجِدَ عِنْدَهُمْ كَالْجَالِسِ فِي جَمْعِ رِجْلَيْهِ عَلَى أَنْ يَحْصُل فَرْقٌ بَيْنَ الإِْيمَاءَيْنِ (١) .

عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى وَضْعِ الْجَبْهَةِ وَالأَْنْفِ:

١٠ - السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ وَاجِبٌ (٢)، حَيْثُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَجَدَ أَمْكَنَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ مِنَ الأَْرْضِ (٣) وَإِنْ سَجَدَ عَلَى مِخَدَّةٍ أَجْزَأَهُ؛ لأَِنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ سَجَدَتْ عَلَى مِخَدَّةٍ لِرَمَدٍ بِهَا بِلاَ رَفْعٍ، وَاحْتُجَّ بِفِعْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَغَيْرِهِمَا (٤) .

فَإِنْ رَفَعَ شَيْئًا كَالْوِسَادَةِ أَوِ الْخَشَبَةِ أَوِ الْحَجَرِ إِلَى جَبْهَتِهِ فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ؛ لاِنْعِدَامِ السُّجُودِ لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَسْجُدَ عَلَى الأَْرْضِ وَإِلاَّ فَأَوْمِئْ إِيمَاءً، وَاجْعَل سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ

_________

(١) المنتهى ١ / ٢٧٢، الهداية ١ / ٧٧، الطحطاوي ٢٣٥، العدة شرح العمدة ص ١٠٠.

(٢) المهذب ١ / ٨٣، الشرح الصغير ١ / ٤٩٣، الهداية ١ / ٧٧، شرح المنتهى ١ / ٢٧١.

(٣) حديث: " كان النبي ﷺ إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض ". أخرجه الترمذي (٢ / ٥٩ - ط. الحلبي) من حديث أبي حميد الساعدي وفي إسناده راو متكلم فيه، كما في الميزان للذهبي (٣ / ٣٦٥ - ط. الحلبي) .

(٤) المهذب ١ / ١٠٨، شرح المنتهى ١ / ٢٧١، الهداية ١ / ٧٧، الشرح الصغير ١ / ٤٩٣.

بِرَأْسِكَ (١) فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ وَهُوَ يَخْفِضُ رَأْسَهُ أَجْزَأَهُ؛ لِوُجُودِ الإِْيمَاءِ، وَإِنْ وَضَعَ ذَلِكَ عَلَى جَبْهَتِهِ لاَ يُجْزِئُهُ (٢) .

وَيُكْرَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ وَيُجْزِئُهُ عِنْدَ آخَرِينَ نَصًّا؛ لأَِنَّهُ أَتَى بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْهُ أَشْبَهَ الإِْيمَاءَ (٣) .

وَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْمُصَلِّي تَمْكِينَ جَبْهَتِهِ مِنَ الأَْرْضِ لِعِلَّةٍ بِهَا، اقْتَصَرَ عَلَى الأَْنْفِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ:

إِنْ كَانَ بِجَبْهَتِهِ جِرَاحَةٌ عَصَبَهَا بِعِصَابَةٍ وَسَجَدَ عَلَيْهَا، وَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ (٤) .

عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِقْبَال الْمَرِيضِ لِلْقِبْلَةِ:

١١ - الْمَرِيضُ الْعَاجِزُ عَنِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ وَلاَ يَجِدُ مَنْ يُحَوِّلُهُ إِلَيْهَا - لاَ مُتَبَرِّعًا وَلاَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ وَهُوَ وَاجِدُهَا - فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَلَى حَسْبِ حَالَتِهِ.

وَلِلتَّفْصِيل رَاجِعْ مُصْطَلَحَ: (اسْتِقْبَالٌ) .

_________

(١) حديث: " إن استطعت أن تسجد على الأرض، وإلا فأومئ ". أخرجه الطبراني في الكبير (١٢ / ٢٧٠ - ط. وزارة الأوقاف العراقية) من حديث ابن عمر، وضعف إسناده ابن حجر في التلخيص (١ / ٢٢٧ - ط. شركة الطباعة الفنية) .

(٢) الهداية ١ / ٧٧، مراقي الفلاح ٢٣٥.

(٣) شرح المنتهى ١ / ٢٧١.

(٤) مراقي الفلاح وحاشية الطحطاوي عليه ص ١٦٢ بولاق والشرح الصغير ١ / ٤٩٣، والمجموع ٣ / ٤٢٤، والفروع ١ / ٤٣٤، ٤٣٥ وكشاف القناع ١ / ٣٥٢، والمغني ١ / ٥١٦.

صَلاَةُ الْمَرِيضِ جَمَاعَةً:

١٢ - الْمَرِيضُ إِنْ قَدَرَ عَلَى الصَّلاَةِ وَحْدَهُ قَائِمًا، وَلاَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الإِْمَامِ لِتَطْوِيلِهِ صَلَّى مُنْفَرِدًا؛ لأَِنَّ الْقِيَامَ آكَدُ؛ لِكَوْنِهِ رُكْنًا فِي الصَّلاَةِ لاَ تَتِمُّ إِلاَّ بِهِ. وَالْجَمَاعَةُ تَصِحُّ الصَّلاَةُ بِدُونِهَا؛ وَلأَِنَّ الْعَجْزَ يَتَضَاعَفُ بِالْجَمَاعَةِ أَكْثَرَ مِنْ تَضَاعُفِهِ بِالْقِيَامِ، بِدَلِيل أَنَّ صَلاَةَ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلاَةِ الْقَائِمِ، وَصَلاَةَ الْجَمَاعَةِ تَفْضُل صَلاَةَ الرَّجُل وَحْدَهُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً (١) .

الْعَجْزُ عَنِ الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ:

١٣ - إِنْ تَعَذَّرَ عَلَى الْمَرِيضِ الْقِيَامُ وَالْجُلُوسُ فِي آنٍ وَاحِدٍ صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ دُونَ تَحْدِيدٍ لِلشِّقِّ الأَْيْمَنِ أَوِ الأَْيْسَرِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ مِنَ الأَْفْضَل أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جَنْبِهِ الأَْيْمَنِ ثُمَّ الأَْيْسَرِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ عَلَى جَنْبِهِ يُصَلِّي مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ وَرِجْلاَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ وَأَوْمَأَ بِطَرَفِهِ. وَالدَّلِيل عَلَى مَا سَبَقَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: صَل قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ (٢) .

_________

(١) المهذب ١ / ١٠٨، الهداية ١ / ٥٥، شرح المنتهى ١ / ٢٧٢، والشرح الصغير ١ / ٥٧٨، والمغني ٢ / ١٤٥.

(٢) حديث عمران بن حصين تقدم تخريجه ف٥.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ مُسْتَلْقِيًا عَلَى ظَهْرِهِ صَلَّى عَلَى بَطْنِهِ وَرَأْسِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَإِنْ قَدَّمَهَا عَلَى الظَّهْرِ بَطَلَتْ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ تَعَسَّرَ الْقُعُودُ أَوْمَأَ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ، أَوْ عَلَى أَحَدِ جَنْبَيْهِ وَالأَْيْمَنُ أَفْضَل مِنَ الأَْيْسَرِ، وَالاِسْتِلْقَاءُ عَلَى قَفَاهُ أَوْلَى مِنَ الْجَنْبِ إِنْ تَيَسَّرَ، وَالْمُسْتَلْقِي يَجْعَل تَحْتَ رَأْسِهِ شَيْئًا كَالْوِسَادَةِ؛ لِيَصِيرَ وَجْهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ لاَ إِلَى السَّمَاءِ، وَلِيَتَمَكَّنَ مِنَ الإِْيمَاءِ (١) .

وَصَلاَةُ الْمَرِيضِ بِالْهَيْئَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ فِيمَا سَبَقَ لاَ يُنْقِصُ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا؛ لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁ مَرْفُوعًا: إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْل مَا كَانَ يَعْمَل مُقِيمًا صَحِيحًا (٢) .

كَيْفِيَّةُ الإِْيمَاءِ:

١٤ - إِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْمَرِيضُ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ أَوِ الرُّكُوعَ أَوِ الْجُلُوسَ أَوْ جَمِيعَهَا فَاحْتَاجَ إِلَى الإِْيمَاءِ فَهَل يُومِئُ بِرَأْسِهِ لَهَا أَمْ بِعَيْنِهِ أَمْ بِقَلْبِهِ؟

فَالْجُمْهُورُ أَنَّ الْمَرِيضَ يُومِئُ بِمَا

_________

(١) المهذب ١ / ١٠٨، الهداية ١ / ٧٧، بداية المجتهد لابن رشد ١ / ١٩٢، ١٩٩، العدة ص ٩٩، ١٠٠.

(٢) حديث: " إذا مرض العبد. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ١٣٦ - ط. السلفية) .

يَسْتَطِيعُهُ (١) وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (٢) وَالأَْصْل أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ إِلاَّ الإِْيمَاءَ فَيُومِئُ بِرَأْسِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإِْيمَاءِ بِرَأْسِهِ أَوْمَأَ بِطَرَفِهِ (عَيْنِهِ) نَاوِيًا مُسْتَحْضِرًا تَيْسِيرًا لَهُ لِلْفِعْل عِنْدَ إِيمَائِهِ، وَنَاوِيًا الْقَوْل إِذَا أَوْمَأَ لَهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقَوْل فَبِقَلْبِهِ مُسْتَحْضِرًا لَهُ، كَالأَْسِيرِ، وَالْخَائِفِ مِنْ آخَرِينَ إِنْ عَلِمُوا بِصَلاَتِهِ يُؤْذُونَهُ.

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا زُفَرَ - فَإِنَّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الإِْيمَاءَ بِرَأْسِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلاَةَ، وَلاَ يُومِئُ بِعَيْنِهِ وَلاَ بِقَلْبِهِ وَلاَ بِحَاجِبِهِ

وَعِنْدَهُمْ لاَ قِيَاسَ عَلَى الرَّأْسِ؛ لأَِنَّهُ يَتَأَدَّى بِهِ رُكْنُ الصَّلاَةِ دُونَ الْعَيْنِ وَغَيْرِهَا وَإِنْ كَانَ الْعَجْزُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِذَا كَانَ مُفِيقًا؛ لأَِنَّهُ يَفْهَمُ مَضْمُونَ الْخِطَابِ بِخِلاَفِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ (٣) .

الْعَجْزُ الْمُؤَقَّتُ:

١٥ - قَدْ يَعْجِزُ الْمَرِيضُ بَعْضَ الْوَقْتِ عَنْ قِيَامٍ، أَوْ قُعُودٍ، أَوْ رُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، ثُمَّ يَسْتَطِيعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ صَلاَتَهُ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ، وَيَرْجِعَ إِلَى

_________

(١) المهذب ١ / ١٠٨، شرح منتهى الإرادات ١ / ٢٧١، الشرح الصغير ٤٩٢ - ٤٩٣، والهداية ١ / ٧٧.

(٢) حديث ١ " إذا أمرتكم بأمر. . . ". تقدم ف٧.

(٣) الهداية ١ / ٧٧، وشرح المنتهى ١ / ٢٧١.