الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧
صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمَقْصُودُ بِصَلاَةِ الْجَمَاعَةِ: فِعْل الصَّلاَةِ فِي جَمَاعَةٍ (١)
فَضْل صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ:
٢ - لِصَلاَةِ الْجَمَاعَةِ فَضْلٌ كَبِيرٌ، وَقَدْ حَثَّ عَلَيْهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ مِنْهَا:
قَوْلُهُ ﷺ: صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُل صَلاَةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً (٢) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُل صَلاَةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً (٣) .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَْوَّل، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ٧٦.
(٢) حديث: " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١٣١ - ط. السلفية) من حديث أبي سيعد الخدري.
(٣) حديث: " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١٣١ - ط. السلفية) ومسلم (١ / ٤٥٠ - ط. الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر.
يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا (١) .
وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْل، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْل كُلَّهُ (٢) .
وَلأَِهَمِّيَّتِهَا يَقُول الْفُقَهَاءُ: الصَّلاَةُ فِي الْجَمَاعَةِ مَعْنَى الدِّينِ، وَشِعَارُ الإِْسْلاَمِ، وَلَوْ تَرَكَهَا أَهْل مِصْرٍ قُوتِلُوا، وَأَهْل حَارَةٍ جُبِرُوا عَلَيْهَا وَأُكْرِهُوا (٣) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
لِلْفُقَهَاءِ فِي بَيَانِ حُكْمِ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ أَقْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَبَيَانُهَا فِيمَا يَلِي: -
أَوَّلًا: الْجَمَاعَةُ فِي الْفَرَائِضِ:
٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي الأَْصَحِّ - وَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، إِلَى أَنَّ صَلاَةَ الْجَمَاعَةِ فِي الْفَرَائِضِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِلرِّجَال،
_________
(١) حديث: " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٩٦ - ط. السلفية) ومسلم (١ / ٣٢٥ - - ط. الحلبي) .
(٢) حديث عثمان: " من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ". أخرجه مسلم (١ / ٤٥٤ - ط. الحلبي) .
(٣) المغني ٢ / ١٧٦ - ١٧٧، والمجموع ٤ / ١٩٣ - ١٩٤. الحطاب وبهامشه المواق ٢ / ٨١، ومغني المحتاج ١ / ٢٢٩.
وَهِيَ شَبِيهَةٌ بِالْوَاجِبِ فِي الْقُوَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ - حَسَبَ اصْطِلاَحِهِمْ - وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُل عَلَى صَلاَةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً (١) وَفِي رِوَايَةٍ: بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فَقَدْ جَعَل النَّبِيُّ ﷺ الْجَمَاعَةَ لإِحْرَازِ الْفَضِيلَةِ، وَذَا آيَةُ السُّنَنِ، وَقَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي الصَّلَوَاتِ: إِنَّهَا مِنْ سُنَنِ الْهَدْيِ (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ -، إِلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، كَالْكَرْخِيِّ وَالطَّحَاوِيِّ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ (٣) . وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَا مِنْ ثَلاَثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلاَ بَدْوٍ لاَ تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاَةُ إِلاَّ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ
_________
(١) حديث: " صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ". تقدم تخريجه ف (٢) .
(٢) البدائع ١ / ١٥٥، وابن عابدين ١ / ٣٧١، وفتح القدير ١ / ٣٠٠ نشر دار إحياء التراث، ومراقى الفلاح وحاشية الطحطاوي (١٥٦) والدسوقي ١ / ٣١٩، ٣٢٠، والحطاب ٢ / ٨١، ٨٢، والقوانين الفقهية ص: ٦٩ نشر دار الكتاب العربي، والمهذب ١ / ١٠٠، وشرح المحلى على المنهاج ١ / ٢٢١.
(٣) مغني المحتاج ١ / ٢٢٩، والمهذب ١ / ١٠٠، وفتح القدير ١ / ٣٠٠، وابن عابدين ١ / ٣٧١، والطحطاوي على مراقى الفلاح ١٥٦، والدسوقي ١ / ٣١٩، ٣٢٠، والشرح الصغير ١ / ١٥٢، ومواهب الجليل ١ / ٨١.
بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُل الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ (١) .
وَقَدْ فَصَّل بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالُوا: إِنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ أَيْ بِالْبَلَدِ؛ فَيُقَاتَل أَهْلُهَا عَلَيْهَا إِذَا تَرَكُوهَا، وَسُنَّةٌ فِي كُل مَسْجِدٍ وَفَضِيلَةٌ لِلرَّجُل فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وُجُوبَ عَيْنٍ وَلَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ، خِلاَفًا لاِبْنِ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، الَّذِي ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ وَاجِبَاتِ الصَّلاَةِ.
وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (٣) فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْجَمَاعَةِ حَال الْخَوْفِ، فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى. وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ، فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤَذَّنُ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ لاَ يَشْهَدُونَ الصَّلاَةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ (٤) .
_________
(١) حديث: " ما من ثلاثة في قرية ولا بدو. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٣٧١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي الدرداء، وصححه النووي في المجموع (٤ / ١٨٣ - ط. المنيرية) .
(٢) الدسوقى ١ / ٣١٩ - ٣٢٠ والشرح الصغير ١ / ١٥٢.
(٣) سورة النساء / ١٠٢.
(٤) حديث: " والذي نفسى بيده لقد هممت أن آمر بحطب يحتطب. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١٢٥ - ط. السلفية) ومسلم (١ / ١٥٢ - ط. الحلبي) .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَل رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ، فَيُصَلِّي فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَال: هَل تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاَةِ؟ قَال: نَعَمْ قَال: فَأَجِبْ وَإِذَا لَمْ يُرَخِّصْ لِلأَْعْمَى الَّذِي لَمْ يَجِدْ قَائِدًا فَغَيْرُهُ أَوْلَى (١) .
وَلِذَلِكَ قَالُوا: إِنَّ تَارِكَ الْجَمَاعَةِ يُقَاتَل وَإِنْ أَقَامَهَا غَيْرُهُ؛ لأَِنَّ وُجُوبَهَا عَلَى الأَْعْيَانِ (٢) .
٤ - وَالْجَمَاعَةُ فِي صَلاَةِ الْخَوْفِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَفْضَل مِنَ الاِنْفِرَادِ لِعُمُومِ الأَْخْبَارِ فِي صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ، كَمَا فِي الأَْمْنِ (٣) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (صَلاَةُ الْخَوْفِ) .
٥ - أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِصَلاَةِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا، فَلاَ تَصِحُّ بِغَيْرِ جَمَاعَةٍ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (٤) . (ر: صَلاَةُ الْجُمُعَةِ) .
_________
(١) حديث: أبي هريرة: " أتى النبي ﷺ رجل أعمى ٠٠٠ " أخرجه مسلم (٤٥٢ - ط الحلبي)
(٢) البدائع ١ / ١٥٥، وابن عابدين ١ / ٣٧١، وفتح القدير وكشاف القناع ١ / ٤٥٤ - ٤٥٥.
(٣) مغني المحتاج ١ / ٣٠٤.
(٤) الاختيار ١ / ٨٣، والدسوقي ١ / ٣٢٠، والمهذب ١ / ١١٧، وكشاف القناع ١ / ٤٥٥.
٦ - وَالْجَمَاعَةُ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، بَل سُنَّةٌ، وَقَال ابْنُ رُشْدٍ: إِنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِيهَا كَالْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ (١) .
حُكْمُ صَلاَةِ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ:
٧ - مَا سَبَقَ مِنْ حُكْمِ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَال.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلنِّسَاءِ: فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يُسَنُّ لَهُنَّ الْجَمَاعَةُ مُنْفَرِدَاتٍ عَنِ الرِّجَال، سَوَاءٌ أَأَمَّهُنَّ رَجُلٌ أَمِ امْرَأَةٌ؛ لِفِعْل عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -
وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ وَرَقَةَ بِأَنْ تَجْعَل لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْل دَارِهَا (٢) وَلأَِنَّهُنَّ مِنْ أَهْل الْفَرْضِ، فَأَشْبَهْنَ الرِّجَال.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ لِلنِّسَاءِ عِنْدَهُمْ مَكْرُوهَةٌ؛ وَلأَِنَّ خُرُوجَهُنَّ إِلَى الْجَمَاعَاتِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى فِتْنَةٍ.
وَمَنَعَ الْمَالِكِيَّةُ جَمَاعَةَ النِّسَاءِ؛ لأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ الإِْمَامِ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا فَلاَ تَصِحُّ إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ لِرِجَالٍ، وَلاَ لِنِسَاءٍ مِثْلِهَا، وَإِنَّمَا يَصِحُّ
_________
(١) البدائع ١ / ٣١٥، والدسوقي ١ / ٣٢٠، ومغني المحتاج ١ / ٣٢٤، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٣٣٧.
(٢) حديث: " أمر النبي ﷺ أم ورقة بأن تجعل لها مؤذنا. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٣٩٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وصححه العيني كما في التعليق على سنن الدارقطني (١ / ٤٠٤ - شركة الطباعة الفنية) .
لِلْمَرْأَةِ حُضُورُ جَمَاعَةِ الرِّجَال إِذَا لَمْ تَكُنْ مَخْشِيَّةَ الْفِتْنَةِ (١) .
الْجَمَاعَةُ فِي غَيْرِ الْفَرَائِضِ:
٨ - الْجَمَاعَةُ فِي صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ شَرْطُ صِحَّةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَسُنَّةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (٢) .
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ سُنَّةٌ فِي صَلاَةِ الْكُسُوفِ. وَسَوَّى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بَيْنَ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ فِي سُنِّيَّةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِمَا، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فَلاَ يَرَوْنَ صَلاَةَ الْجَمَاعَةِ فِي صَلاَةِ الْخُسُوفِ.
وَالْجَمَاعَةُ فِي صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ سُنَّةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَمُحَمَّدٍ، وَأَبِي يُوسُفَ خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ لاَ يَرَى فِيهَا صَلاَةً أَصْلًا (٣) .
وَالْجَمَاعَةُ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ وَمُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ
_________
(١) البدائع ١ / ١٥٥، ١٥٧، الاختيار ١ / ٥٩، وابن عابدين ٣٨٠ - ٣٨١، والشرح الصغير ١ / ١٥٦، ١٦٠، وأسهل المدارك ١ / ٢٤١، ومغني المحتاج ١ / ٢٢٩، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٢٤٥، والمغنى ٢ / ٢٠٢.
(٢) البدائع ١ / ٢٧٥، وابن عابدين ١ / ٢٧١، وكشاف القناع ١ / ٤٥٥، والدسوقي ١ / ٣٢٠، ومغني المحتاج ١ / ٢٢٥.
(٣) البدائع ١ / ٢٨٠، ٢٨٣، والدسوقي ١ / ٣٢٠، وكشاف القناع ١ / ٤١٤، ومغني المحتاج ١ / ٢٢٥.
الْمَالِكِيَّةِ (١) . وَالْجَمَاعَةُ فِي صَلاَةِ الْوِتْرِ سُنَّةٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَمُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٢) .
وَتَجُوزُ الْجَمَاعَةُ فِي غَيْرِ مَا ذُكِرَ مِنْ صَلاَةِ التَّطَوُّعِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَقَالُوا: يَجُوزُ التَّطَوُّعُ جَمَاعَةً وَفُرَادَى؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَل الأَْمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا، وَكَانَ أَكْثَرُ تَطَوُّعِهِ مُنْفَرِدًا، وَصَلَّى بِحُذَيْفَةَ مَرَّةً (٣)، وَبِأَنَسٍ وَأُمِّهِ وَالْيَتِيمِ مَرَّةً (٤)، وَأَمَّ أَصْحَابَهُ فِي بَيْتِ عِتْبَانَ مَرَّةً كَذَلِكَ (٥) . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ أَمَّهُ النَّبِيُّ ﷺ (٦) .
وَالْمَالِكِيَّةُ قَيَّدُوا الْجَوَازَ بِمَا إِذَا كَانَتِ الْجَمَاعَةُ قَلِيلَةً، وَكَانَ الْمَكَانُ غَيْرَ مُشْتَهِرٍ، فَإِنْ كَثُرَ الْعَدَدُ كُرِهَتِ الْجَمَاعَةُ، وَكَذَلِكَ تُكْرَهُ لَوْ
_________
(١) البدائع ١ / ٢٨٨، الدسوقى ١ / ٣٢٠، ومغني المحتاج ١ / ٢٢٥، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٢٢٤.
(٢) شرح منتهى الإرادات ١ / ٢٢٤، ومغني المحتاج ١ / ٢٢٣، وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٧١.
(٣) حديث: " صلاة النبي ﷺ بحذيفة ". أخرجه مسلم (١ / ٥٣٦ - ط. الحلبي) .
(٤) حديث: " صلاة النبي ﷺ بأنس وأمه واليتيم ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٣٤٥ - ط. السلفية) ومسلم (١ / ٤٥٧ - ط. الحلبي) .
(٥) حديث: " أنه ﷺ أم أصحابه في بيت عتبان بن مالك. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٥١٨ - ط. السلفية) ومسلم (١ / ٤٥٥ - ط. الحلبي) .
(٦) حديث ابن عباس: " أنه أمه النبي ﷺ ". أخرجه البخارى (الفتح ٢ / ١٩٠ - ط. السلفية) .
كَانَتِ الْجَمَاعَةُ قَلِيلَةً وَالْمَكَانُ مُشْتَهِرًا (١) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي النَّفْل فِي غَيْرِ رَمَضَانَ مَكْرُوهَةٌ (٢) .
مَنْ يُطَالَبُ بِالْجَمَاعَةِ:
٩ - يُطَالَبُ بِصَلاَةِ الْجَمَاعَةِ - سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَبُ عَلَى سَبِيل الْوُجُوبِ، أَوْ عَلَى سَبِيل السُّنِّيَّةِ -: الرِّجَال الأَْحْرَارُ الْعُقَلاَءُ الْقَادِرُونَ عَلَيْهَا دُونَ حَرَجٍ، فَلاَ تَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ وَالْعُبَيْدِ وَالصِّبْيَانِ وَذَوِي الأَْعْذَارِ. وَمَعَ ذَلِكَ تَصِحُّ مِنْهُمْ صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ، وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ، عَلَى مَا هُوَ مُبَيَّنٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدِ اسْتَحَبَّ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ جَمَاعَةَ النِّسَاءِ، وَقَرَّرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْحَسْنَاءِ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ مَعَ الرِّجَال، خَشْيَةَ الاِفْتِتَانِ بِهَا، وَيُبَاحُ لِغَيْرِهَا حُضُورُ الْجَمَاعَةِ (٣) .
الْعَدَدُ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْجَمَاعَةُ:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَقَل عَدَدٍ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجَمَاعَةُ اثْنَانِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الإِْمَامِ وَاحِدٌ، فَيَحْصُل لَهُمَا فَضْل الْجَمَاعَةِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى الأَْشْعَرِيُّ ﵁
_________
(١) المغني ١ / ١٤٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٢٠، والبدائع ١ / ١٥٨ - ١٥٩، والدسوقي ١ / ٣٢٠.
(٢) حاشية الشلبي بهامش تبيين الحقائق ١ / ١٨٠.
(٣) البدائع ١ / ١٥٥ - ١٥٦، والدسوقي ١ / ٣٢٠، ومغني المحتاج ١ / ٢٢٩ - ٢٣٠، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٢٤٤ - ٢٤٥.
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ (١) وَلِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا (٢) وَسَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ فِي غَيْرِهِ كَالْبَيْتِ وَالصَّحْرَاءِ.
وَسَوَاءٌ أَكَانَ الَّذِي يُصَلِّي مَعَ الإِْمَامِ رَجُلًا أَمِ امْرَأَةً. فَمَنْ صَلَّى إِمَامًا لِزَوْجَتِهِ حَصَل لَهُمَا فَضْل الْجَمَاعَةِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْعِقَادِ الْجَمَاعَةِ فِي صَلاَةِ الْفَرِيضَةِ لَوْ كَانَ الْوَاحِدُ مَعَ الإِْمَامِ صَبِيًّا مُمَيِّزًا، إِذْ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ لاَ تَنْعَقِدُ بِهِ جَمَاعَةٌ بِالاِتِّفَاقِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ - إِلَى انْعِقَادِهَا بِاقْتِدَاءِ الصَّبِيِّ مَعَ حُصُول فَضْل الْجَمَاعَةِ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال فِي الرَّجُل الَّذِي فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ: مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا (٣)، وَلأَِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا، وَهُوَ
_________
(١) حديث: " اثنان فما فوقهما جماعة ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٣١٢ - ط. الحلبي) وضعف إسناده البوصيرى في مصباح الزجاجة (١ / ١٩١ - ط. دار الجنان) .
(٢) حديث: " إذا حضرت الصلاة. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١١١ - - ط. السلفية) . ومسلم (١ / ٤٦٦ - ط. الحلبي) .
(٣) حديث: " من يتصدق على هذا. . . ". أخرجه أحمد (٣ / ٤٥ - ط. الميمنية) والحاكم (١ / ٢٠٩ - ط. دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي سعيد الخدرى، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.