الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧
بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. فَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ (١) .
٤ - وَانْفَرَدَ الشَّافِعِيَّةُ بِتَسْمِيَةِ التَّطَوُّعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِصَلاَةِ الأَْوَّابِينَ، وَقَالُوا: تُسَنُّ صَلاَةُ الأَْوَّابِينَ، وَتُسَمَّى صَلاَةُ الْغَفْلَةِ، لِغَفْلَةِ النَّاسِ عَنْهَا، وَاشْتِغَالِهِمْ بِغَيْرِهَا مِنْ عَشَاءٍ، وَنَوْمٍ، وَغَيْرِهِمَا، وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهَا سِتُّ رَكَعَاتٍ (٢) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (نَفْل) .
_________
(١) أسنى المطالب (١ / ٢٠٦)، ومغني المحتاج (١ / ٢٢٥) .
(٢) أسنى المطالب (١ / ٢٠٦) .
صَلاَةُ التَّرَاوِيحِ
التَّعْرِيفُ:
١ - تَقَدَّمَ تَعْرِيفُ الصَّلاَةِ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَة) .
وَالتَّرَاوِيحُ: جَمْعُ تَرْوِيحَةٍ، أَيْ تَرْوِيحَةٌ لِلنَّفْسِ، أَيِ اسْتِرَاحَةٌ، مِنَ الرَّاحَةِ وَهِيَ زَوَال الْمَشَقَّةِ وَالتَّعَبِ، وَالتَّرْوِيحَةُ فِي الأَْصْل اسْمٌ لِلْجِلْسَةِ مُطْلَقَةً، وَسُمِّيَتِ الْجِلْسَةُ الَّتِي بَعْدَ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ بِالتَّرْوِيحَةِ لِلاِسْتِرَاحَةِ، ثُمَّ سُمِّيَتْ كُل أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ تَرْوِيحَةً مَجَازًا، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الصَّلاَةُ بِالتَّرَاوِيحِ؛ لأَِنَّهُمْ كَانُوا يُطِيلُونَ الْقِيَامَ فِيهَا وَيَجْلِسُونَ بَعْدَ كُل أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لِلاِسْتِرَاحَةِ (١) .
وَصَلاَةُ التَّرَاوِيحِ: هِيَ قِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ، مَثْنَى مَثْنَى، عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَدِ رَكَعَاتِهَا، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِهَا (٢) .
_________
(١) المصباح المنير، قواعد الفقه ٢٢٥، فتح القدير ١ / ٣٣٣، حاشية العدوي على الكفاية ٢ / ٣٢١.
(٢) قواعد الفقه ٣٥٢، الدسوقي ١ / ٣١٥، المجموع ٤ / ٣٠، المغني ٢ / ١٦٥.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - إِحْيَاءُ اللَّيْل:
٢ - إِحْيَاءُ اللَّيْل، وَيُطْلِقُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا قِيَامَ اللَّيْل، هُوَ: إِمْضَاءُ اللَّيْل، أَوْ أَكْثَرِهِ فِي الْعِبَادَةِ كَالصَّلاَةِ وَالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(ر: إِحْيَاءُ اللَّيْل) .
وَإِحْيَاءُ اللَّيْل: يَكُونُ فِي كُل لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْعَامِ، وَيَكُونُ بِأَيٍّ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ نَحْوِهَا وَلَيْسَ بِخُصُوصِ الصَّلاَةِ.
أَمَّا صَلاَةُ التَّرَاوِيحِ فَتَكُونُ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ خَاصَّةً.
ب - التَّهَجُّدُ:
٣ - التَّهَجُّدُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ الْهُجُودِ، وَيُطْلَقُ الْهُجُودُ عَلَى النَّوْمِ وَعَلَى السَّهَرِ، يُقَال: هَجَدَ إِذَا نَامَ بِاللَّيْل، وَيُقَال أَيْضًا هَجَدَ: إِذَا صَلَّى اللَّيْل، فَهُوَ مِنَ الأَْضْدَادِ، وَيُقَال: تَهَجَّدَ إِذَا أَزَال النَّوْمَ بِالتَّكَلُّفِ (١) .
وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: صَلاَةُ التَّطَوُّعِ فِي اللَّيْل بَعْدَ النَّوْمِ (٢) .
وَالتَّهَجُّدُ - عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - صَلاَةُ التَّطَوُّعِ فِي اللَّيْل بَعْدَ النَّوْمِ، فِي أَيِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْعَامِ.
_________
(١) المصباح المنير.
(٢) مغني المحتاج ١ / ٢٢٨.
أَمَّا صَلاَةُ التَّرَاوِيحِ فَلاَ يُشْتَرَطُ لَهَا أَنْ تَكُونَ بَعْدَ النَّوْمِ، وَهِيَ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ خَاصَّةً.
ج - التَّطَوُّعُ:
٤ - التَّطَوُّعُ هُوَ: مَا شُرِعَ زِيَادَةً عَلَى الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ مِنَ الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ زَائِدٌ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَصَلاَةُ التَّطَوُّعِ أَوِ النَّافِلَةِ تَنْقَسِمُ إِلَى نَفْلٍ مُقَيَّدٍ وَمِنْهُ صَلاَةُ التَّرَاوِيحِ، وَإِلَى نَفْلٍ مُطْلَقٍ أَيْ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ (١) .
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (تَطَوُّع) .
د - الْوِتْرُ:
٥ - الْوِتْرُ هُوَ: الصَّلاَةُ الْمَخْصُوصَةُ بَعْدَ فَرِيضَةِ الْعِشَاءِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَِنَّ عَدَدَ رَكَعَاتِهَا وِتْرٌ لاَ شَفْعٌ (٢) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى سُنِّيَّةِ صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ، وَهِيَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَهِيَ سُنَّةٌ لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ،
_________
(١) المصباح المنير، المفردات في غريب القرآن، التعريفات ٨٤، ٣١٤، فتح القدير ١ / ٣٣٣، والمجموع ٤ / ٢، نهاية المحتاج ٢ / ١٠٠ - ١٠١.
(٢) قواعد الفقه ٥٤٠، ورد المحتار ١ / ٤٤٦، والخرشي ٢ / ٤، والمحلى على المنهاج ١ / ١٢، وكشاف القناع ١ / ٤٢٢، والمغني ٢ / ١٦١.
وَهِيَ مِنْ أَعْلاَمِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ (١) .
وَقَدْ سَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ صَلاَةَ التَّرَاوِيحِ وَرَغَّبَ فِيهَا، فَقَال ﷺ: إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ صِيَامَ رَمَضَانَ عَلَيْكُمْ، وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ. . . (٢) وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ (٣) فَيَقُول: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (٤) قَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ وَغَيْرُهُ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صَلاَةَ التَّرَاوِيحِ هِيَ الْمُرَادَةُ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ.
وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِأَصْحَابِهِ صَلاَةَ التَّرَاوِيحِ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي، وَلَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهَا، وَبَيَّنَ الْعُذْرَ فِي تَرْكِ الْمُوَاظَبَةِ وَهُوَ خَشْيَةُ أَنْ
_________
(١) الاختيار ١ / ٦٨، رد المحتار ١ / ٤٧٢، العدوي على كفاية الطالب ١ / ٣٥٢، ٢ / ٣٢١، الإقناع للشربيني ١ / ١٠٧، المجموع ٤ / ٣١، مطالب أولي النهى ١ / ٥٦٣.
(٢) حديث: " إن الله فرض صيام رمضان عليكم، وسننت لكم قيامه ". أخرجه النسائي (٤ / ١٥٨ - ط. المكتبة التجارية) من حديث عبد الرحمن بن عوف، وأشار قبلها إلى إعلال هذه الرواية.
(٣) المعنى: لا يأمرهم به أمر تحتيم وإلزام وهو العزيمة، بل أمر ندب وترغيب فيه بذكر فضله. المجموع ٤ / ٣١، الإقناع ١ / ١٠٧، الترغيب والترهيب ٢ / ٩٠.
(٤) حديث أبي هريرة: " كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٢٥٠ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٥٢٣ - ط. الحلبي) .
تُكْتَبَ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا، فَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى بِصَلاَتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ الثَّالِثَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَال: قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلاَّ أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ زَادَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ: فَتُوُفِّيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَالأَْمْرُ عَلَى ذَلِكَ (١) .
وَفِي تَعْيِينِ اللَّيَالِي الَّتِي قَامَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِأَصْحَابِهِ رَوَى أَبُو ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: صُمْنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَمَضَانَ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْل، فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْل، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ لَوْ نَفَلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟ قَال: فَقَال: إِنَّ الرَّجُل إِذَا صَلَّى مَعَ الإِْمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ قَال: فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلاَحُ قَال: قُلْتُ: وَمَا
_________
(١) حديث عائشة: " أن النبي ﷺ صلى في المسجد فصلى بصلاته ناس. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٢٥١ - ط. السلفية)، ومسلم (١ / ٥٢٤ ط. الحلبي) .
الْفَلاَحُ؟ قَال: السَّحُورُ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ (١) .
وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَال: قُمْنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْل الأَْوَّل، ثُمَّ قُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْل، ثُمَّ قُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ لاَ نُدْرِكَ الْفَلاَحَ وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ السَّحُورَ (٢) .
وَقَدْ وَاظَبَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً، وَكَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هُوَ الَّذِي جَمَعَ النَّاسَ فِيهَا عَلَى إِمَامٍ وَاحِدٍ.
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيَّ، قَال: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُل
_________
(١) حديث أبي ذر: " صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان. . ". أخرجه أبو داود (٢ / ١٠٥ - ط. عزت عبيد دعاس)، والترمذي (٣ / ١٦٠ - ط. الحلبي)، وقال: " حديث حسن صحيح ".
(٢) فتح القدير ١ / ٣٣٣، الإقناع للشربيني ١ / ١٠٧، نهاية المحتاج ٢ / ١٢١، المغني ٢ / ١٦٦، الترغيب والترهيب ٢ / ١٠٥، نيل الأوطار ٣ / ٥، وحديث النعمان بن بشير: " قمنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان ". أخرجه النسائي (٣ / ٢٠٣ - ط. المكتبة التجارية) والحاكم (١ / ٤٤٠ - ط. دائرة المعارف العثمانية) وحسنه الذهبي.
لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُل فَيُصَلِّي بِصَلاَتِهِ الرَّهْطُ، فَقَال عُمَرُ: إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاَءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَل، ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاَةِ قَارِئِهِمْ، فَقَال: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَاَلَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَل مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ. يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْل، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ (١) .
وَرَوَى أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَال: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنِ التَّرَاوِيحِ وَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ، فَقَال: التَّرَاوِيحُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَلَمْ يَتَخَرَّصْ (٢) عُمَرُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مُبْتَدِعًا، وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ إِلاَّ عَنْ أَصْلٍ لَدَيْهِ وَعَهْدٍ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلَقَدْ سَنَّ عُمَرُ هَذَا وَجَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَصَلاَّهَا جَمَاعَةً وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَْنْصَارِ وَمَا رَدَّ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، بَل سَاعَدُوهُ وَوَافَقُوهُ وَأَمَرُوا بِذَلِكَ (٣) .
_________
(١) أثر عمر: " نعمت البدعة هذه ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٢٥٠ - ط. السلفية) .
(٢) من معاني الخرص: الكذب، وكل قول بالظن، يقال: تخرص عليه إذا افترى، واخترص إذا اختلق. (القاموس المحيط) .
(٣) فتح القدير ١ / ٣٣٣، الاختيار ١ / ٦٨ - ٦٩، المغني ٢ / ١٦٦، المنتقى ١ / ٢٠٧.
فَضْل صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ:
٧ - بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ مَنْزِلَةَ التَّرَاوِيحِ بَيْنَ نَوَافِل الصَّلاَةِ.
قَال الْمَالِكِيَّةُ: التَّرَاوِيحُ مِنَ النَّوَافِل الْمُؤَكَّدَةِ، حَيْثُ قَالُوا: وَتَأَكُّدُ تَرَاوِيحَ، وَهُوَ قِيَامُ رَمَضَانَ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: التَّطَوُّعُ قِسْمَانِ: قِسْمٌ تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ وَهُوَ أَفْضَل مِمَّا لاَ تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ لِتَأَكُّدِهِ بِسَنِّهَا لَهُ، وَلَهُ مَرَاتِبُ:
فَأَفْضَلُهُ الْعِيدَانِ ثُمَّ الْكُسُوفُ لِلشَّمْسِ، ثُمَّ الْخُسُوفُ لِلْقَمَرِ، ثُمَّ الاِسْتِسْقَاءُ، ثُمَّ التَّرَاوِيحُ. . . وَقَالُوا: الأَْصَحُّ أَنَّ الرَّوَاتِبَ وَهِيَ التَّابِعَةُ لِلْفَرَائِضِ أَفْضَل مِنَ التَّرَاوِيحِ وَإِنْ سُنَّ لَهَا الْجَمَاعَةُ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ عَلَى الرَّوَاتِبِ دُونَ التَّرَاوِيحِ.
قَال شَمْسُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ: وَالْمُرَادُ تَفْضِيل الْجِنْسِ عَلَى الْجِنْسِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِعَدَدٍ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: أَفْضَل صَلاَةِ تَطَوُّعٍ مَا سُنَّ أَنْ يُصَلَّى جَمَاعَةً؛ لأَِنَّهُ أَشْبَهُ بِالْفَرَائِضِ ثُمَّ الرَّوَاتِبُ، وَآكَدُ مَا يُسَنُّ جَمَاعَةً: كُسُوفٌ فَاسْتِسْقَاءٌ فَتَرَاوِيحُ (٣) .
_________
(١) الدسوقي مع الشرح الكبير ١ / ٣١٥.
(٢) أسنى المطالب ١ / ٢٠٠، نهاية المحتاج ٢ / ١٢٠.
(٣) مطالب أولي النهى ١ / ٥٤٥.
تَارِيخُ مَشْرُوعِيَّةِ صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ وَالْجَمَاعَةِ فِيهَا:
٨ - رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْل لَيَالِيَ مِنْ رَمَضَانَ وَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، وَصَلَّى النَّاسُ بِصَلاَتِهِ، وَتَكَاثَرُوا فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ فِي الرَّابِعَةِ، وَقَال لَهُمْ: خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا (١) .
قَال الْقَلْيُوبِيُّ: هَذَا يُشْعِرُ أَنَّ صَلاَةَ التَّرَاوِيحِ لَمْ تُشْرَعْ إِلاَّ فِي آخِرِ سِنِي الْهِجْرَةِ لأَِنَّهُ لَمْ يَرِدْ أَنَّهُ صَلاَّهَا مَرَّةً ثَانِيَةً وَلاَ وَقَعَ عَنْهَا سُؤَالٌ (٢) .
وَجَمَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - النَّاسَ فِي التَّرَاوِيحِ عَلَى إِمَامٍ وَاحِدٍ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ، لِنَحْوِ سَنَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ خِلاَفَتِهِ، وَفِي رَمَضَانَ الثَّانِي مِنْ خِلاَفَتِهِ (٣) .
النِّدَاءُ لِصَلاَةِ التَّرَاوِيحِ:
٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ أَذَانَ وَلاَ إِقَامَةَ لِغَيْرِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَذَّنَ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ دُونَ
_________
(١) حديث عائشة ﵂ تقدم تخريجه ف ٦.
(٢) شرح المحلى وحاشية القليوبي ١ / ٢١٧.
(٣) حاشية العدوي على كفاية الطالب ١ / ٣٥٢، المصابيح في صلاة التراويح للسيوطي ص ٣٧، نهاية المحتاج ١ / ١٢٢.