الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦ الصفحة 73

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦

رِبَا فِي دَيْنٍ سَقَطَ، وَإِنَّمَا الرِّبَا فِي دَيْنٍ يَقَعُ الْخَطَرُ فِي عَاقِبَتِهِ (١) .

أَمَّا إِذَا بَاعَ الْمَدِينُ الدِّينَارَ بِعَشَرَةٍ مُطْلَقَةٍ أَيْ: بِغَيْرِ ذِكْرِ: (دَيْنٍ عَلَيْهِ) وَدَفَعَ الْبَائِعُ الدِّينَارَ لِلْمُشْتَرِي فَيَصِحُّ ذَلِكَ إِذَا تَوَافَقَا عَلَى مُقَاصَّةِ الْعَشَرَةِ بِالْعَشَرَةِ اسْتِحْسَانًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْل زُفَرَ، لِكَوْنِهِ تَصَرُّفًا فِي بَدَل الصَّرْفِ قَبْل قَبْضِهِ، وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّهُ بِالتَّقَابُضِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ الأَْوَّل وَانْعَقَدَ صَرْفٌ آخَرُ مُضَافٌ إِلَى الدَّيْنِ (٢) .

هَذَا، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الدَّيْنَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ أَوْ مُتَفَاوِتَيْنِ فِي الْوَصْفِ أَوْ مُؤَجَّلَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا حَالًّا وَالآْخَرُ مُؤَجَّلًا أَوْ أَحَدُهُمَا غَلَّةً (٣) وَالآْخَرُ صَحِيحًا فَلاَ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ إِلاَّ إِذَا تَقَاصَّا أَيِ: اتَّفَقَا عَلَى الْمُقَاصَّةِ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الذَّخِيرَةِ. وَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ وَتَقَاصَّا، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمَ وَلِلْمَدْيُونِ مِائَةُ دِينَارٍ عَلَيْهِ تَصِيرُ الدَّرَاهِمُ قِصَاصًا بِمِائَةٍ مِنْ

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٢٣٩، والهداية مع الفتح وحاشية العناية ٦ / ٢٦٢، والزيلعي ٤ / ١٤٠.

(٢) نفس المراجع.

(٣) الغلة هي: الدارهم أو الدنانير المقطعة - انظر تبيين الحقائق ٤ / ١٣٩.

قِيمَةِ الدَّنَانِيرِ، وَيَبْقَى لِصَاحِبِ الدَّنَانِيرِ عَلَى صَاحِبِ الدَّرَاهِمِ مَا بَقِيَ مِنْهَا (١) .

٣٩ - أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ فَصَّلُوا فِي الْمَوْضُوعِ وَقَالُوا: إِنْ وَقَعَ صَرْفُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ فَإِنْ تَأَجَّل الدَّيْنَانِ عَلَيْهِمَا، بِأَنْ كَانَ لأَِحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ دَنَانِيرُ مُؤَجَّلَةٌ وَلِلآْخَرِ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ كَذَلِكَ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ الأَْجَلاَنِ أَمِ اخْتَلَفَا، وَتَصَارَفَا قَبْل حُلُولِهِمَا بِأَنْ أَسْقَطَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَهُ عَلَى الآْخَرِ فِي نَظِيرِ إِسْقَاطِ الآْخَرِ مَا لَهُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ كَمَا قَال ابْنُ رُشْدٍ (٢) . كَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ إِنْ تَأَجَّل مِنْ أَحَدِهِمَا وَحَل الآْخَرُ. قَال الأَْبِيُّ فِي وَجْهِ عَدَمِ الْجَوَازِ: إِنَّ الْحَقَّ فِي أَجَل دَيْنِ النَّقْدِ لِلْمَدِينِ وَحْدَهُ، وَلَيْسَ لِلدَّائِنِ أَخْذُهُ قَبْل أَجَلِهِ بِغَيْرِ رِضَا الْمَدِينِ. فَإِنْ تَأَجَّلاَ فَقَدِ اشْتَرَى كُلٌّ مِنْهُمَا مَا عَلَيْهِ عَلَى أَنْ لاَ يَسْتَحِقَّهُ حَتَّى يَحِل أَجَلُهُ، فَيَقْضِيَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَقَدْ تَأَخَّرَ قَبْضُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَا اشْتَرَاهُ بِالصَّرْفِ عَنْ عَقْدِهِ بِمُدَّةِ الأَْجَل، وَإِنْ تَأَجَّل مِنْ أَحَدِهِمَا فَقَدِ اشْتَرَى الْمَدِينُ الْمُؤَجِّل مَا هُوَ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ قَبْضَهُ إِلاَّ بَعْدَ مُضِيِّ أَجَلِهِ، فَيَقْضِيهِ مِنْ نَفْسِهِ، فَقَدْ تَأَخَّرَ قَبْضُهُ عَنْ صَرْفِهِ بِمُدَّةِ الأَْجَل (٣) .

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٢٣٩، ٢٤٠.

(٢) جواهر الإكليل ٢ / ١٠، ١١ وبداية المجتهد ٢ / ١٧٤.

(٣) جواهر الإكليل ٢ / ١٠، ١١، الحطاب ٤ / ٣١٠، والشرح الكبير ٣ / ٥٠، ٥١.

هَذَا فِي الصَّرْفِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُمْ بَيْنَ دَيْنَيْنِ مِنْ نَوْعَيْنِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ. وَنَظِيرُهُ مَا قَالُوهُ فِي الْمُقَاصَّةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ دَيْنَيْنِ مُتَّحِدَيِ النَّوْعِ وَالصِّنْفِ (١)

وَتَفْصِيل أَحْكَامِ الْمُقَاصَّةِ فِي مُصْطَلَحِهَا.

٤٠ - الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: اقْتِضَاءُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنَ الآْخَرِ، بِأَنْ كَانَ لَكَ عَلَى آخَرَ دَرَاهِمُ فَتَأْخُذَ مِنْهُ دَنَانِيرَ، أَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ فَتَأْخُذَ مِنْهُ دَرَاهِمَ بِسِعْرِ يَوْمِهَا.

وَهَذَا جَائِزٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَدِيدِ، بِشَرْطِ قَبْضِ الْبَدَل فِي الْمَجْلِسِ. وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ رُوَيْدَكَ أَسْأَلُكَ، إِنِّي أَبِيعُ الإِْبِل بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، وَآخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ (٢) .

_________

(١) جواهر الإكليل ٢ / ٧٦، ٧٧، والقوانين الفقهية ص ٢٨٧، وبداية المجتهد ٢ / ١٧٤، ١٧٥.

(٢) حديث ابن عمر: إني أبيع الأبل بالبقيع. . . أخرجه أبو داود (٣ / ٦٥١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) ونقل البيهقي عن شعبة أنه أعله بالوقف على ابن عمر، كذا في التلخيص الحبير لابن حجر (٣ / ٢٦ - ط شركة الطباعة الفنية) .

وَهَذَا يَدُل عَلَى جَوَازِ الاِسْتِبْدَال عَنِ الثَّمَنِ الثَّابِتِ فِي الذِّمَّةِ (١) .

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيمَا إِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلًا.

وَقَال الْقَاضِي وَهَذَا يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ، وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ وَمَشْهُورُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ لأَِنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لاَ يُسْتَحَقُّ قَبْضُهُ، فَكَانَ الْقَبْضُ نَاجِزًا فِي أَحَدِهِمَا، وَالنَّاجِزُ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ. وَالآْخَرُ الْجَوَازُ وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، لأَِنَّهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَقْبُوضِ، فَكَأَنَّهُ رَضِيَ بِتَعْجِيل الْمُؤَجَّل. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ إِذَا قَضَاهُ بِسِعْرِ يَوْمِهَا، وَلَمْ يَجْعَل لِلْمَقْضِيِّ فَضْلًا لأَِجْل تَأْجِيل مَا فِي الذِّمَّةِ (٢) .

النَّوْعُ السَّادِسُ: صَرْفُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْمَغْشُوشَةِ:

٤١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى جَوَازِ الْمُعَامَلَةِ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْمَغْشُوشَةِ إِنْ رَاجَتْ نَظَرًا لِلْعُرْفِ: أَمَّا إِذَا بِيعَتْ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ مُصَارَفَةً فَقَدْ فَصَّلُوا صُوَرَهَا وَأَحْكَامَهَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٢٤٤، وحاشية القليوبي ٢ / ٢١٤، وروضة الطالبين ٣ / ٥١٥، ومغني المحتاج ٢ / ٧٠، والمغني لابن قدامة ٤ / ٥٤، ٥٥.

(٢) المغني لابن قدامة ٤ / ٥٤ وما بعدها، وانظر المراجع السابقة.

قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ مَا غَلَبَ ذَهَبُهُ أَوْ فِضَّتُهُ حُكْمُهُمَا حُكْمُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْخَالِصَيْنِ؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ النُّقُودَ لاَ تَخْلُو عَنْ قَلِيل غِشٍّ لِلاِنْطِبَاعِ، فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْخَالِصِ بِهِ، وَلاَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إِلاَّ مُتَسَاوِيًا وَزْنًا.

وَمَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْغِشُّ مِنْهُمَا فَفِي حُكْمِ الْعُرُوضِ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ؛ فَصَحَّ بَيْعُهُ بِالْخَالِصِ إِنْ كَانَ الْخَالِصُ أَكْثَرَ مِمَّا فِي الْمَغْشُوشِ؛ لِيَكُونَ قَدْرُهُ بِمِثْلِهِ وَالزَّائِدِ بِالْغِشِّ. وَيَجُوزُ كَذَلِكَ صَرْفُهُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا وَزْنًا وَعَدَدًا بِصَرْفِ الْجِنْسِ لِخِلاَفِهِ، أَيْ: بِأَنْ يَصْرِفَ فِضَّةً كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى غِشِّ الآْخَرِ، وَذَلِكَ بِشَرْطِ التَّقَابُضِ قَبْل الاِفْتِرَاقِ؛ لأَِنَّهُ صَرْفٌ فِي الْبَعْضِ لِوُجُودِ الْفِضَّةِ أَوِ الذَّهَبِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَيُشْتَرَطُ فِي - الْغِشِّ أَيْضًا -؛ لأَِنَّهُ لاَ تَمْيِيزَ إِلاَّ بِضَرَرٍ (١) .

وَإِنْ كَانَ الْخَالِصُ مِثْل الْمَغْشُوشِ، أَوْ أَقَل مِنْهُ، أَوْ لاَ يُدْرَى فَلاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ لِلرِّبَا فِي الأَْوَّلَيْنِ، وَلاِحْتِمَالِهِ فِي الثَّالِثِ، وَلِلشُّبْهَةِ فِي الرِّبَا حُكْمُ الْحَقِيقَةِ.

وَهَذَا النَّوْعُ، أَيِ: الْغَالِبُ الْغِشِّ لاَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ إِنْ رَاجَ، لِثَمَنِيَّتِهِ حِينَئِذٍ، لأَِنَّهُ بِالاِصْطِلاَحِ صَارَ أَثْمَانًا، فَمَا دَامَ ذَلِكَ

_________

(١) الدر المختار مع حاشية رد المحتار ٤ / ٢٤٠، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ٥ / ٢٢٠.

الاِصْطِلاَحُ مَوْجُودًا لاَ تَبْطُل الثَّمَنِيَّةُ. وَإِنْ لَمْ يَرُجْ تَعَيَّنَ بِالتَّعْيِينِ كَالسِّلْعَةِ، لأَِنَّهَا فِي الأَْصْل سِلْعَةٌ وَإِنَّمَا صَارَتْ أَثْمَانًا بِالاِصْطِلاَحِ، فَإِذَا تَرَكُوا الْمُعَامَلَةَ بِهَا رَجَعَتْ إِلَى أَصْلِهَا (١) .

قَالُوا: وَصَحَّ الْمُبَايَعَةُ وَالاِسْتِقْرَاضُ بِمَا يَرُوجُ مِنَ الْغَالِبِ الْغِشُّ وَزْنًا وَعَدَدًا، أَوْ بِهِمَا عَمَلًا بِالْعُرْفِ. أَمَّا الْمُتَسَاوِي غِشُّهُ وَفِضَّتُهُ، أَوْ ذَهَبُهُ فَكَغَالِبِ الْفِضَّةِ أَوِ الذَّهَبِ فِي التَّبَايُعِ وَالاِسْتِقْرَاضِ، فَلَمْ يَجُزْ إِلاَّ الْوَزْنُ بِمَنْزِلَةِ الدَّرَاهِمِ الرَّدِيئَةِ إِلاَّ إِذَا أَشَارَ إِلَيْهِمَا، فَيَكُونُ بَيَانًا لِقَدْرِهَا وَوَصْفِهَا.

أَمَّا فِي الصَّرْفِ فَحُكْمُ مُتَسَاوِي الْغِشِّ وَالْفِضَّةِ أَوِ الذَّهَبِ حُكْمُ مَا غَلَبَ غِشُّهُ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ بِصَرْفِ الْجِنْسِ إِلَى خِلاَفِ جِنْسِهِ، أَيْ: بِأَنْ يَصْرِفَ مَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الْغِشِّ إِلَى مَا فِي الآْخَرِ مِنَ الْفِضَّةِ (٢) .

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَظَاهِرُهُ جَوَازُ التَّفَاضُل - هُنَا أَيْضًا - لَكِنْ قَال الزَّيْلَعِيُّ نَقْلًا عَنِ الْخَانِيَّةِ: إِنْ كَانَ نِصْفُهَا صُفْرًا وَنِصْفُهَا فِضَّةً لاَ يَجُوزُ التَّفَاضُل، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ فِيمَا إِذَا بِيعَتْ بِجِنْسِهَا. وَوَجْهُهُ أَنَّ فِضَّتَهَا لَمَّا لَمْ تَصِرْ

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٢٤٠، ٢٤١، والبدائع ٥ / ٢٢٠.

(٢) المرجعين السابقين، وتبيين الحقائق للزيلعي ٤ / ١٤١، ١٤٢، وفتح القدير مع الهداية ٦ / ٢٧٤، ٢٧٥.

مَغْلُوبَةً جُعِلَتْ كَأَنَّ كُلَّهَا فِضَّةٌ فِي حَقِّ الصَّرْفِ احْتِيَاطًا (١) .

٤٢ - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى جَوَازِ بَيْعِ نَقْدٍ مَغْشُوشٍ، كَدَنَانِيرَ فِيهَا فِضَّةٌ أَوْ نُحَاسٌ، أَوْ دَرَاهِمَ فِيهَا نُحَاسٌ بِمَغْشُوشٍ مِثْلِهِ مُرَاطَلَةً أَوْ مُبَادَلَةً. قَال الْحَطَّابُ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَتَسَاوَ غِشُّهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ ابْنِ رُشْدٍ. وَجَازَ بَيْعُ نَقْدٍ مَغْشُوشٍ بِخَالِصٍ مِنَ الْغِشِّ عَلَى الْقَوْل الرَّاجِحِ مِنْ كَلاَمِ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا.

وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ خِلاَفُهُ، أَيْ: مَنْعُ بَيْعِ النَّقْدِ الْمَغْشُوشِ بِالنَّقْدِ الْخَالِصِ مِنَ الْغِشِّ، وَنَقَل الأَْبِيُّ عَنِ التَّوْضِيحِ بَعْدَ ذِكْرِ الْخِلاَفِ: أَنَّهُمْ إِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِي الْمَغْشُوشِ الَّذِي لاَ يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلاَمِهِمْ جَوَازُ بَيْعِ الْمَغْشُوشِ بِصِنْفِهِ الْخَالِصِ إِذَا كَانَ يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ (٢) .

وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ بَيْعِ الْمَغْشُوشِ: أَنْ يُبَاعَ لِمَنْ يَكْسِرُهُ لِيُصَيِّغَهُ حُلِيًّا، أَوْ لاَ يَغُشَّ بِهِ بِأَنْ يَدَّخِرَهُ لِعَاقِبَةٍ مَثَلًا.

وَيُكْرَهُ بَيْعُهُ لِمَنْ لاَ يُؤْمَنُ غِشُّهُ بِهِ: كَالصَّيَارِفَةِ، وَفَسْخُ بَيْعِهِ مِمَّنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَغُشُّ بِهِ إِنْ كَانَ قَائِمًا وَقُدِّرَ عَلَيْهِ إِلاَّ أَنْ يَفُوتَ

_________

(١) المراجع السابقة.

(٢) مواهب الجليل للحطاب ٤ / ٣٣٥، وجواهر الإكليل ٢ / ١٦.

الْمَغْشُوشُ (١) .

٤٣ - أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: الْغِشُّ الْمُخَالِطُ فِي الْمَوْزُونِ مَمْنُوعٌ مُطْلَقًا، قَلِيلًا كَانَ أَمْ كَثِيرًا؛ لأَِنَّهُ يَظْهَرُ فِي الْوَزْنِ وَيَمْنَعُ التَّمَاثُل (٢) . فَلاَ تُبَاعُ فِضَّةٌ خَالِصَةٌ بِمَغْشُوشَةٍ، وَلاَ فِضَّةٌ مَغْشُوشَةٌ بِفِضَّةٍ مَغْشُوشَةٍ (٣) قَال السُّبْكِيُّ: لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْخَالِصَةِ بِالْمَغْشُوشَةِ، وَإِنْ قَل الْغِشُّ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْغِشُّ مِمَّا قِيمَتُهُ بَاقِيَةٌ أَمْ لاَ، لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الأَْصْحَابِ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ الْغِشُّ مِمَّا قِيمَتُهُ بَاقِيَةٌ فَبَيْعُ الْخَالِصَةِ بِالْمَغْشُوشَةِ هُوَ بَيْعُ فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ وَشَيْءٍ، فَصَارَ كَمَسْأَلَةِ (مُدِّ عَجْوَةٍ) .

وَلأَِنَّ الْفِضَّةَ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَهِيَ مَجْهُولَةٌ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ؛ فَأَشْبَهَ بَيْعَ تُرَابِ الصَّاغَةِ وَاللَّبَنِ الْمَشُوبِ بِالْمَاءِ (٤) .

وَأَمَّا الْمَغْشُوشَةُ بِغِشٍّ لاَ قِيمَةَ لَهُ بَاقِيَةٌ فَلِلْجَهْل بِالْمُمَاثَلَةِ، أَوْ تَحَقُّقِ الْمُفَاضَلَةِ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا بِالْخَالِصَةِ، وَلاَ بِالْمَغْشُوشَةِ مِثْلِهَا (٥) .

وَنَقَل السُّبْكِيُّ عَنْ صَاحِبِ التُّحْفَةِ فِي

_________

(١) جواهر الإكليل ٢ / ١٦، والشرح الصغير مع حاشية الصاوي ٣ / ٦٥، ٦٦.

(٢) تكملة المجموع للسبكي ١٠ / ٣٩٨.

(٣) المهذب ١ / ٢٨١.

(٤) تكملة المجموع ١ / ٤٠٨، ٤٠٩.

(٥) تكملة المجموع ١٠ / ٤٠٩، والمهذب ١ / ٢٨١، ومغني المحتاج ٢ / ١٧.

الْمَغْشُوشَةِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ أَخْذُهَا وَإِمْسَاكُهَا إِذَا كَانَ النَّقْدُ الَّذِي فِي أَيْدِي النَّاسِ خَالِصًا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَغْرِيرَ النَّاسِ فَلَوْ كَانَ جِنْسُ النَّقْدِ مَغْشُوشًا فَلاَ كَرَاهَةَ.

قَال السُّبْكِيُّ: وَأَفَادَ الرُّويَانِيُّ - أَيْضًا - أَنَّ الْغِشَّ لَوْ كَانَ قَلِيلًا مُسْتَهْلَكًا بِحَيْثُ لاَ يَأْخُذُ حَظًّا مِنَ الْوَرِقِ فَلاَ تَأْثِيرَ لَهُ فِي إِبْطَال الْبَيْعِ؛ لأَِنَّ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ. وَقَدْ قِيل: يَتَعَذَّرُ طَبْعُ الْفِضَّةِ إِذَا لَمْ يُخَالِطْهَا خَلْطٌ مِنْ جَوْهَرٍ آخَرَ. . قُلْتُ: وَذَلِكَ صَحِيحٌ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الْبِلاَدِ فِي هَذَا الزَّمَانِ (زَمَانِ السُّبْكِيِّ) ضُرِبَتِ الْفِضَّةُ خَالِصَةً فَتَشَقَّقَتْ، فَجُعِل فِيهَا فِي كُل أَلْفِ دِرْهَمٍ مِثْقَالًا مِنْ ذَهَبٍ فَانْصَلَحَتْ، لَكِنَّ مِثْل هَذَا إِذَا بِيعَ لاَ يَظْهَرُ فِي الْمِيزَانِ مَا مَعَهُ مِنَ الْغِشِّ (١) .

وَكُل مَا ذُكِرَ فِي الْفِضَّةِ يَأْتِي فِي الذَّهَبِ حَرْفًا بِحَرْفٍ (٢) .

٤٤ - وَفَصَّل الْحَنَابِلَةُ فِي بَيْعِ الأَْثْمَانِ الْمَغْشُوشَةِ بِمِثْلِهَا بَيْنَ مَا يَكُونُ الْغِشُّ فِيهِ مُتَسَاوِيًا وَمَعْلُومَ الْمِقْدَارِ وَمَا يَكُونُ الْغِشُّ فِيهِ غَيْرَ مُتَسَاوٍ أَوْ غَيْرَ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ فَقَالُوا بِجَوَازِ بَيْعِ الْمَغْشُوشِ بِمِثْلِهِ فِي الأَْوَّل وَعَدَمِ جَوَازِهِ فِي الثَّانِي.

قَال الْبُهُوتِيُّ: الأَْثْمَانُ الْمَغْشُوشَةُ إِذَا بِيعَتْ

_________

(١) تكملة المجموع للسبكي ١٠ / ٤٠٩، ٤١٠، ٤١١.

(٢) نفس المرجع.

بِغَيْرِهَا، أَيْ: بِأَثْمَانٍ خَالِصَةٍ مِنْ جِنْسِهَا لَمْ يَجُزْ، لِلْعِلْمِ بِالتَّفَاضُل، وَإِنْ بَاعَ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا مَغْشُوشًا بِمِثْلِهِ، وَالْغِشُّ فِي الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ مُتَفَاوِتٌ، أَوْ غَيْرُ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّ الْجَهْل بِالتَّسَاوِي كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُل.

وَإِنْ عُلِمَ التَّسَاوِي فِي الذَّهَبِ الَّذِي فِي الدِّينَارِ، وَعُلِمَ تَسَاوِي الْغِشِّ الَّذِي فِيهِمَا جَازَ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالآْخَرِ، لِتَمَاثُلِهِمَا فِي الْمَقْصُودِ وَهُوَ الذَّهَبُ، وَفِي غَيْرِهِ، أَيِ: الْغِشِّ وَلَيْسَتْ مِنْ مَسْأَلَةِ (مُدِّ عَجْوَةٍ)، لِكَوْنِ الْغِشِّ غَيْرَ مَقْصُودٍ، فَكَأَنَّهُ لاَ قِيمَةَ لَهُ كَالْمِلْحِ فِي الْخُبْزِ (١) .

وَالْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ النُّقُودَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعُقُودِ فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي أَعْيَانِهَا، فَعَلَى هَذَا إِذَا تَبَايَعَا ذَهَبًا بِفِضَّةٍ فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَبَضَهُ غِشًّا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَبِيعِ مِثْل: أَنْ يَجِدَ الدَّرَاهِمَ رَصَاصًا، أَوْ نُحَاسًا، أَوْ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَالصَّرْفُ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّهُ بَاعَهُ غَيْرَ مَا سَمَّى لَهُ.

وَإِذَا كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ مِثْل: كَوْنِ الْفِضَّةِ سَوْدَاءَ، أَوْ خَشِنَةً، أَوْ سِكَّتِهَا غَيْرَ سِكَّةِ السُّلْطَانِ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ الإِْمْسَاكِ وَبَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ (٢) .

_________

(١) كشاف القناع ٣ / ٢٦١، ٢٦٢.

(٢) المغني لابن قدامة ٤ / ٤٨ - ٥١.