الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦
وَهَاءَ قَال ابْنُ الْهُمَامِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: (رِبًا) أَيْ: حَرَامٌ (١) وَاسْتَثْنَى حَالَةَ التَّقَابُضِ مِنَ الْحَرَامِ بِحَصْرِ الْحِل فِيهَا، فَيَنْتَفِي الْحِل فِي كُل حَالَةٍ غَيْرِهَا، فَيَدْخُل فِي عُمُومِ الْمُسْتَثْنَى حَالَةُ التَّفَاضُل وَالتَّسَاوِي وَالْمُجَازَفَةِ، فَيَحِل كُل ذَلِكَ (٢) .
وَهَذَا هُوَ النَّوْعُ الْوَحِيدُ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْمَالِكِيَّةُ بِالصَّرْفِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: بَيْعُ النَّقْدِ بِالنَّقْدِ وَمَعَ أَحَدِهِمَا أَوْ كِلَيْهِمَا شَيْءٌ آخَرُ:
٢٩ - إِذَا بَاعَ نَقْدًا بِنَقْدِ غَيْرِ جِنْسِهِ وَمَعَ أَحَدِهِمَا أَوْ كِلَيْهِمَا مَتَاعٌ، كَأَنْ بَاعَ ذَهَبًا بِفِضَّةٍ وَثَوْبٍ، أَوْ سَيْفًا مُحَلًّى بِذَهَبٍ بِفِضَّةٍ، أَوْ بِهَا وَمَعَهَا مَتَاعٌ آخَرُ، وَحَصَل التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ الْعَقْدُ، مُجَازَفَةً كَانَ أَوْ مُتَفَاضِلًا أَوْ مُتَسَاوِيًا؛ لأَِنَّهُ مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي فِي الْحَقِيقَةِ، لاِخْتِلاَفِ الْجِنْسَيْنِ، فَيَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُل وَالْمُجَازَفَةُ بِشَرْطِ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ قَبْل الاِفْتِرَاقِ.
٣٠ - أَمَّا إِذَا بَاعَ نَقْدًا مَعَ غَيْرِهِ بِنَقْدٍ مِنْ جِنْسِهِ، كَفِضَّةٍ بِفِضَّةٍ وَمَعَهَا شَيْءٌ،
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٣٥، والشرح الصغير للدردير ٣ / ٤٨، ومغني المحتاج ٢ / ٢٠٤، وكشاف القناع ٣ / ٢٥٤، والمغني لابن قدامة ٤ / ١١، ٣٩، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ١٩٩.
(٢) فتح القدير ٦ / ٢٦٢، ٢٦٣.
كَدِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ وَمُدِّ عَجْوَةٍ، أَوْ كَسَيْفٍ مُحَلًّى بِالذَّهَبِ أَوْ فِضَّةٍ بِثَمَنِ جِنْسِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ نَقْدٍ بِجِنْسِهِ وَمَعَ أَحَدِهِمَا أَوْ كِلَيْهِمَا شَيْءٌ آخَرُ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ مُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ، أَوْ بَيْعُ دِرْهَمٍ وَثَوْبٍ. كَمَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مُحَلًّى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ كَسَيْفٍ أَوْ مُصْحَفٍ بِجِنْسِ حِلْيَتِهِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ بِمَسْأَلَةِ: (مُدُّ عَجْوَةٍ) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ قَال: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرِ بِقِلاَدَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ وَهُوَ مِنَ الْغَنَائِمِ تُبَاعُ، فَأَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلاَدَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَال لَهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَفِي رِوَايَةٍ قَال النَّبِيُّ ﷺ: لاَ حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا (١) .
وَاسْتَدَلُّوا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى بِأَنَّ الْعَقْدَ إِذَا جَمَعَ عِوَضَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الْجِنْسِ وَجَبَ أَنْ يَنْقَسِمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآْخَرِ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الآْخَرِ فِي نَفْسِهِ، فَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْقِيمَةُ اخْتَلَفَ مَا يَأْخُذُهُ مِنَ الْعِوَضِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى الْمُفَاضَلَةِ
_________
(١) حديث فضالة بن عبيد: " الذهب بالذهب وزنا بوزن ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢١١ - ط الحلبي) والرواية الأولى لأبي داود (٣ / ٦٤٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) .
أَوِ الْجَهْل بِالْمُمَاثَلَةِ (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، يَجُوزُ بَيْعُ نَقْدٍ مَعَ غَيْرِهِ بِنَقْدٍ مِنْ جِنْسِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَزِيدَ الثَّمَنُ (أَيِ النَّقْدُ الْمُفْرَدُ) عَلَى النَّقْدِ الْمَضْمُومِ إِلَيْهِ. وَإِلاَّ بِأَنْ تَسَاوَى النَّقْدَانِ، أَوْ كَانَ النَّقْدُ الْمُفْرَدُ أَقَل بَطَل الْبَيْعُ، لِتَحَقُّقِ التَّفَاضُل الْمُحَرَّمِ. وَكَذَا إِذَا لَمْ يُدْرَ الْحَال؛ لاِحْتِمَال الْمُفَاضَلَةِ وَالرِّبَا (٢) .
فَمَنْ بَاعَ سَيْفًا مُحَلًّى بِثَمَنٍ أَكْثَرَ مِنَ الْحِلْيَةِ، وَكَانَ الثَّمَنُ مِنْ جِنْسِ الْحِلْيَةِ جَازَ، وَذَلِكَ لِمُقَابَلَةِ الْحِلْيَةِ بِمِثْلِهَا ذَهَبًا كَانَتْ أَمْ فِضَّةً.
وَالزِّيَادَةُ بِالنَّصْل وَالْحَمَائِل وَالْجَفْنِ. وَالْعَقْدُ إِذَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ لَمْ يُحْمَل عَلَى الْفَسَادِ. وَإِنْ بَاعَهُ بِأَقَل مِنْ قَدْرِ الْحِلْيَةِ أَوْ مِثْلِهِ لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ رِبًا. وَلأَِنَّهُ قَبَضَ قَدْرَ الْحِلْيَةِ قَبْل الاِفْتِرَاقِ؛ لأَِنَّهُ صَرْفٌ، فَلاَ بُدَّ مِنْ قَبْضِ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ (٣) .
وَلَوِ اشْتَرَاهُ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَالْحِلْيَةُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَقَبَضَ مِنْهَا عَشَرَةً فَهِيَ فِي حِصَّةِ الْحِلْيَةِ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا، حَمْلًا لِتَصَرُّفِهِ عَلَى الصِّحَّةِ. وَكَذَا إِذَا قَال خُذْهَا مِنْ ثَمَنِهِمَا؛ لأَِنَّ قَصْدَهُ
_________
(١) المغني لابن قدامة ٤ / ٣٩ - ٤١، ومغني المحتاج ٢ / ٢٨، ٢٩.
(٢) فتح القدير مع الهداية ٦ / ٢٦٦.
(٣) الاختيار ٢ / ٤٠، ٤١ وابن عابدين ٤ / ٢٣٦، ٢٣٧.
الصِّحَّةُ، وَقَدْ يُرَادُ بِالاِثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (١) فَإِنِ افْتَرَقَا لاَ عَنْ قَبْضٍ بَطَل الْبَيْعُ فِيهِمَا إِنْ كَانَتِ الْحِلْيَةُ لاَ تَتَخَلَّصُ إِلاَّ بِضَرَرٍ كَجِذْعٍ فِي سَقْفٍ، وَإِنْ كَانَتْ تَتَخَلَّصُ بِغَيْرِ ضَرَرٍ جَازَ فِي السَّيْفِ وَبَطَل فِي الْحِلْيَةِ (٢) .
٣١ - وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ تَبَايَعَا فِضَّةً بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبًا بِذَهَبٍ وَأَحَدُهُمَا أَقَل وَمَعَ أَقَلِّهِمَا شَيْءٌ آخَرُ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ بَاقِيَ الذَّهَبِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ فَيَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ كَالتُّرَابِ فَلاَ يَجُوزُ الْبَيْعُ لِتَحَقُّقِ الرِّبَا، إِذِ الزِّيَادَةُ لاَ يُقَابِلُهَا عِوَضٌ (٣) .
٣٢ - أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَالأَْصْل عِنْدَهُمْ فِي بَيْعِ الْمُحَلَّى الْمَنْعُ؛ لأَِنَّ فِي بَيْعِهِ بِصِنْفِهِ بَيْعَ ذَهَبٍ وَعَرَضٍ بِذَهَبٍ، أَوْ بَيْعَ فِضَّةٍ وَعَرَضٍ بِفِضَّةٍ لَكِنْ رُخِّصَ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ بِشُرُوطٍ ثَلاَثَةٍ وَهِيَ:
١ - أَنْ تَكُونَ تَحْلِيَتُهُ مُبَاحًا، كَسَيْفٍ وَمُصْحَفٍ.
_________
(١) سورة الرحمن الآية (٢٢) .
(٢) الاختيار ٢ / ٤٠، ٤١، وفتح القدير ٦ / ٢٦٦، وابن عابدين ٤ / ٢٣٧.
(٣) الهداية مع الفتح ٦ / ٢٧٢.
٢ - وَأَنْ تَكُونَ الْحِلْيَةُ قَدْ سُمِّرَتْ عَلَى الْمُحَلَّى بِأَنْ يَكُونَ فِي نَزْعِهَا فَسَادٌ أَوْ غُرْمُ دَرَاهِمَ.
٣ - وَأَنْ تَكُونَ الْحِلْيَةُ قَدْرَ الثُّلُثِ فَأَقَل؛ لأَِنَّهُ تَبَعٌ (١)، وَهَل يُعْتَبَرُ الثُّلُثُ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِالْوَزْنِ؟ خِلاَفٌ. وَالْمُعْتَمَدُ الأَْوَّل. فَإِنْ بِيعَ سَيْفٌ مُحَلًّى بِذَهَبٍ بِسَبْعِينَ دِينَارًا ذَهَبًا، وَكَانَ وَزْنُ حِلْيَتِهِ عِشْرِينَ وَلِصِيَاغَتِهَا تُسَاوِي ثَلاَثِينَ، وَقِيمَةُ النَّصْل وَحْدَهُ أَرْبَعُونَ لَمْ يَجُزْ عَلَى الأَْوَّل وَجَازَ الثَّانِي (٢) .
قَال ابْنُ رُشْدٍ فِي تَعْلِيل قَوْل الإِْمَامِ مَالِكٍ: صِحَّةَ بَيْعِ الْمُحَلَّى إِنْ كَانَ فِيهِ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ الثُّلُثُ فَأَقَل، إِذَا كَانَتِ الْفِضَّةُ قَلِيلَةً لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً فِي الْبَيْعِ. وَصَارَتْ كَأَنَّهَا هِبَةٌ (٣) .
النَّوْعُ الرَّابِعُ - بَيْعُ جُمْلَةٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ بِجُمْلَةٍ مِنْهَا:
٣٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: (الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ) إِلَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ جُمْلَةً مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ بِدَرَاهِمَ أَوْ بِدَنَانِيرَ، أَوْ بِجُمْلَةٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ بَطَل الْعَقْدُ.
_________
(١) الدسوقي ٣ / ٤٠، والقوانين الفقهية ص ٢٥٢، وبداية المجتهد ٢ / ١٧٢.
(٢) نفس المراجع.
(٣) بداية المجتهد ٢ / ١٧٢.
وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَرْعَ مَسْأَلَةِ: (مُدِّ عَجْوَةٍ)، وَقَالُوا فِي عِلَّةِ بُطْلاَنِهِ إِنَّ اشْتِمَال أَحَدِ طَرَفَيِ الْعَقْدِ أَوْ كِلَيْهِمَا عَلَى مَالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ تَوْزِيعُ مَا فِي الآْخَرِ عَلَيْهِمَا اعْتِبَارًا بِالْقِيمَةِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى الْمُفَاضَلَةِ أَوِ الْجَهْل بِالْمُمَاثَلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْجَهْل بِالْمُمَاثَلَةِ حَقِيقَةُ الْمُفَاضَلَةِ فِي بَابِ الرِّبَا (١) قَالُوا: إِنَّ التَّوْزِيعَ هُوَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، كَمَا فِي بَيْعِ شِقْصٍ مَشْفُوعٍ وَسَيْفٍ بِأَلْفٍ. وَقِيمَةُ الشِّقْصِ مِائَةٌ وَالسَّيْفِ خَمْسُونَ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ بِثُلُثَيِ الْقِيمَةِ، وَلَوْلاَ التَّوْزِيعُ لَمَا صَحَّ ذَلِكَ (٢) .
قَال السُّبْكِيُّ: وَلاَ يُتْرَكُ التَّوْزِيعُ وَإِنْ أَدَّى إِلَى بُطْلاَنِ الْبَيْعِ، فَإِنَّ الْعَقْدَ إِذَا كَانَ لَهُ مُقْتَضًى حُمِل عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَدَّى إِلَى فَسَادِ الْعَقْدِ أَوْ إِلَى صَلاَحِهِ، كَمَا إِذَا بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، وَلَمَّا كَانَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ مُقَابَلَةَ جَمِيعِ الثَّمَنِ لِلثَّمَنِ حُمِل عَلَيْهِ وَإِنْ أَدَّى إِلَى فَسَادِهِ، وَلَمْ يُحْمَل عَلَى أَنَّ أَحَدَ الدِّرْهَمَيْنِ هِبَةٌ وَالآْخَرَ ثَمَنٌ لِيَصِحَّ الْعَقْدُ (٣) .
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٢٨، والمغني لابن قدامة ٤ / ٣٩، ٤١.
(٢) المرجعين السابقين وتكملة المجموع للسبكي ١٠ / ٣٢٩، وقد ذكر مسألة بيع الجملة من الدراهم والدنانير بجملة منهما نصا، بخلاف سائر كتب الشافعية حيث لم توجد فيها مسألة بالنص، وإن كانت مفهومة من قاعدة (مد عجوة) .
(٣) تكملة المجموع ١٠ / ٢٣٩.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِعَدَمِ جَوَازِ صَرْفِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ مِنْ جَانِبٍ بِمِثْلِهِمَا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ. فَقَالُوا: لاَ يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ دِينَارٌ وَدِرْهَمٌ بِدِينَارٍ وَدِرْهَمٍ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُمَاثَلَةِ بِاحْتِمَال رَغْبَةِ أَحَدِهِمَا فِي دِينَارِ الآْخَرِ، فَيُقَابِلُهُ بِدِينَارِهِ وَبَعْضِ دِرْهَمِهِ، وَيَصِيرُ بَاقِي دِرْهَمِهِ فِي مُقَابَلَةِ دِرْهَمِ الآْخَرِ. قَالُوا: إِنَّ قَاعِدَةَ الْمَذْهَبِ سَدُّ الذَّرَائِعِ فَالْفَضْل الْمُتَوَهَّمُ كَالْمُحَقَّقِ، وَتَوَهُّمُ الرِّبَا كَتَحَقُّقِهِ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ أَوْ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا غَيْرُ نَوْعِهِ (١) .
٣٤ - وَقَال الْحَنَفِيَّةُ عَدَا زُفَرَ، صَحَّ بَيْعُ دِرْهَمَيْنِ وَدِينَارٍ بِدِرْهَمٍ وَدِينَارَيْنِ، وَيُجْعَل كُل جِنْسٍ مُقَابَلًا بِخِلاَفِ جِنْسِهِ، فَيَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ بَيْعُ دِرْهَمَيْنِ بِدِينَارَيْنِ، وَبَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِينَارٍ، وَهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي فِيهِمَا، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ.
وَقَالُوا فِي تَوْجِيهِ صِحَّةِ هَذَا الْعَقْدِ إِنَّ فِي صَرْفِ الْجِنْسِ إِلَى خِلاَفِهِ تَصْحِيحَ الْعَقْدِ، وَإِلَى جِنْسِهِ فَسَادَهُ، وَلاَ مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالصَّحِيحِ، فَحَمْل الْعَقْدِ عَلَى الصِّحَّةِ أَوْلَى، وَلأَِنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي مُطْلَقَ الْمُقَابَلَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمُقَيَّدٍ، لاَ مُقَابَلَةُ الْكُل بِالْكُل بِطَرِيقِ الشُّيُوعِ، وَلاَ مُقَابَلَةُ الْفَرْدِ مِنْ
_________
(١) جواهر الإكليل ٢ / ١٠، والشرح الصغير ٣ / ٤٨، ٤٩، والدسوقي ٣ / ٣٩.
جِنْسِهِ وَلاَ مِنْ خِلاَفِ جِنْسِهِ فَيُحْمَل عَلَى الْمُقَيَّدِ الْمُصَحِّحِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَل بِالإِْطْلاَقِ (١) .
قَال فِي الْهِدَايَةِ: إِنَّ الْمُقَابَلَةَ الْمُطْلَقَةَ تَحْمِل الْفَرْدَ بِالْفَرْدِ، كَمَا فِي مُقَابَلَةِ الْجِنْسِ بِالْجِنْسِ وَإِنَّهُ طَرِيقٌ مُتَعَيَّنٌ لِتَصْحِيحِهِ، فَيُحْمَل عَلَيْهِ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ (٢) .
وَقَال الْمَوْصِلِيُّ فِي تَوْجِيهِهِ: إِنَّهُمَا قَصَدَا الصِّلَةَ ظَاهِرًا، فَيُحْمَل عَلَيْهِ تَحْقِيقًا لِقَصْدِهِمَا وَدَفْعًا لِحَاجَتِهِمَا (٣) .
٣٥ - وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا إِذَا بَاعَ أَحَدَ عَشَرَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَدِينَارٍ فَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَتَكُونُ الْعَشَرَةُ بِمِثْلِهَا، وَالدِّينَارُ بِالدِّرْهَمِ؛ لأَِنَّ شَرْطَ الْبَيْعِ فِي الدَّرَاهِمِ التَّمَاثُل وَهُوَ مَوْجُودٌ ظَاهِرًا، إِذِ الظَّاهِرُ مِنْ حَال الْبَائِعِ إِرَادَةُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُقَابَلَةِ حَمْلًا عَلَى الصَّلاَحِ، وَهُوَ الإِْقْدَامُ عَلَى الْعَقْدِ الْجَائِزِ دُونَ الْفَاسِدِ، فَبَقِيَ الدِّرْهَمُ بِالدِّينَارِ، وَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا؛ لأَِنَّهُمَا جِنْسَانِ، وَلاَ يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا (٤) .
_________
(١) الاختيار لتعليل المختار للموصلي ٢ / ٤٠، وفتح القدير مع الهداية ٦ / ٣٦٨، ٣٦٩، وتبيين الحقائق للزيلعي ٤ / ١٣٨، ١٣٩، والبناية على الهداية للعيني ٦ / ٧٠٠ وما بعدها.
(٢) الهداية مع الفتح ٦ / ٢٦٩.
(٣) الاختيار ٢ / ٤٠.
(٤) الهداية مع فتح القدير والعناية ٦ / ٢٧١.
النَّوْعُ الْخَامِسُ - الصَّرْفُ عَلَى الذِّمَّةِ أَوْ فِي الذِّمَّةِ:
لِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الصَّرْفِ عِدَّةُ صُوَرٍ:
٣٦ - الأُْولَى: أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ فِي مَجْلِسٍ، ثُمَّ اسْتَقْرَضْتَ أَنْتَ دِينَارًا مِنْ رَجُلٍ آخَرَ إِلَى جَانِبِكَ، وَاسْتَقْرَضَ هُوَ الدَّرَاهِمَ مِنْ رَجُلٍ إِلَى جَانِبِهِ، فَدَفَعْتَ إِلَيْهِ الدِّينَارَ وَقَبَضْتَ الدَّرَاهِمَ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى أَنَّهُ: صَحَّ الصَّرْفُ إِذَا تَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ لأَِنَّ الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ يَجْرِي مَجْرَى الْقَبْضِ عِنْدَ الْعَقْدِ (١) .
وَكَذَلِكَ يَصِحُّ الصَّرْفُ عِنْدَهُمْ إِذَا كَانَ نَقْدُ أَحَدِهِمَا حَاضِرًا وَاسْتَقْرَضَ الآْخَرُ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ تَسَلَّفَا فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ؛ لأَِنَّ تَسَلُّفَهُمَا مَظِنَّةُ الطُّول الْمُخِل بِالتَّقَابُضِ، وَإِنْ تَسَلَّفَ أَحَدُهُمَا وَطَال فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَطُل جَازَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَمْ يُجِزْهُ أَشْهَبُ. قَال الْحَطَّابُ: وَلُقِّبَتِ الْمَسْأَلَةُ بِالصَّرْفِ عَلَى الذِّمَّةِ (٣) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٣٥، ومغني المحتاج ٢ / ٢٣، ٢٥، والمغني لابن قدامة ٤ / ٥١، ٥٢.
(٢) ابن عابدين ٤ / ٢٣٥، ومغني المحتاج ٢ / ٢٣ - ٢٥، والمغني لابن قدامة ٤ / ٥١، ٥٢.
(٣) مواهب الجليل للحطاب ٤ / ٣٠٩، الموافق عليه ٤ / ٣١٠.
٣٧ - الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ ذَهَبٌ وَلِلآْخَرِ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ مَثَلًا، فَاصْطَرَفَا بِمَا فِي ذِمَّتَيْهِمَا. وَلُقِّبَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِالصَّرْفِ فِي الذِّمَّةِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الصَّرْفِ، وَعَلَّلُوا عَدَمَ الْجَوَازِ بِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ بِالإِْجْمَاعِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ وَفُسِّرَ بِبَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ (١) .
٣٨ - وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: صَحَّ بَيْعُ مَنْ عَلَيْهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ دَيْنٌ بِدِينَارٍ مِمَّنْ لَهُ عَلَيْهِ، أَيْ مِنْ دَائِنِهِ، فَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ دَيْنٌ، فَبَاعَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَشَرَةُ دِينَارًا بِالْعَشَرَةِ الَّتِي عَلَيْهِ، وَدَفَعَ الدِّينَارَ إِلَيْهِ فَهُوَ جَائِزٌ. وَتَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بَيْنَ الْعَشْرَتَيْنِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَلاَ تَحْتَاجُ إِلَى مُوَافَقَةٍ أُخْرَى.
وَوَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّهُ جَعَل ثَمَنَهُ دَرَاهِمَ لاَ يَجِبُ قَبْضُهَا، وَلاَ تَعَيُّنُهَا بِالْقَبْضِ؛ لأَِنَّ التَّعْيِينَ لِلاِحْتِرَازِ عَنِ الرِّبَا، أَيْ: رِبَا النَّسِيئَةِ، وَلاَ
_________
(١) الروضة ٣ / ٥١٦، ومغني المحتاج ٢ / ٢٥، والمغني لابن قدامة ٤ / ٥٣، ٥٤، وكشاف القناع ٣ / ٢٧٠. وحديث: " نهى عن بيع الكالئ بالكالئ " أخرجه البيهقي (٥ / ٢٩٠ - ط. دار المعارف العثمانية) وضعفه ابن حجر في بلوغ المرام (ص١٩٣ - ط عبد المجيد حنفي) .