الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ دِيَةَ الصَّابِئِ كَدِيَةِ النَّصْرَانِيِّ، وَمِقْدَارُهَا ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَهَذَا إِنْ وَافَقَ الصَّابِئُ النَّصَارَى فِي أَصْل دِينِهِمْ وَلَوْ خَالَفَهُ فِي الْفُرُوعِ، مَا لَمْ يُكَفِّرْهُ النَّصَارَى (١) .
وَلَمْ يُصَرِّحِ الْحَنَابِلَةُ بِحُكْمِهِمْ فِي مِقْدَارِ الدِّيَةِ، لَكِنَّ مُقْتَضَى الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَهَبَتْ إِلَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ أَنْ تَكُونَ دِيَةُ الصَّابِئِ نِصْفَ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَفِي رِوَايَةٍ: الثُّلُثَ (٢) .
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَهَبَتْ إِلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ: أَنْ تَكُونَ دِيَتُهُ ثَمَانَمِائَةِ دِرْهَمٍ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَمْ نَجِدْ لَدَيْهِمُ التَّصْرِيحَ بِمِقْدَارِ دِيَاتِ الصَّابِئَةِ، وَحَيْثُ إِنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوهُمْ كَالنَّصَارَى فِي الذَّبَائِحِ وَنَحْوِهَا، فَلِذَا يَظْهَرُ أَنَّ دِيَاتِهِمْ كَدِيَةِ الْمَجُوسِ، وَهِيَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ لِلرَّجُل، وَأَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ لِلْمَرْأَةِ (٣) .
حُكْمُ ذَبَائِحِ الصَّابِئَةِ،
وَحُكْمُ تَزَوُّجِ نِسَائِهِمْ:
٩ - ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ: لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَأْكُل مِنْ ذَبَائِحِ الصَّابِئَةِ، وَأَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ نِسَائِهِمْ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ لاَ يَعْبُدُونَ
_________
(١) روضة الطالبين ٩ / ٢٥٨.
(٢) الفروع ٦ / ١٩.
(٣) التاج والإكليل للمواق بهامش الحطاب ٦ / ٢٥٧.
الْكَوَاكِبَ، وَإِنَّمَا يُعَظِّمُونَهَا كَتَعْظِيمِ الْمُسْلِمِينَ لِلْكَعْبَةِ.
وَقَال صَاحِبَاهُ: هُمْ مِنَ الزَّنَادِقَةِ وَالْمُشْرِكِينَ، فَلاَ تَحِل نِسَاؤُهُمْ وَلاَ ذَبَائِحُهُمْ.
قَال ابْنُ الْهُمَامِ: الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْل بِحَقِيقَةِ أَمْرِهِمْ، فَلَوِ اتَّفَقَ عَلَى تَفْسِيرِهِمُ اتَّفَقَ الْحُكْمُ فِيهِمْ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى تَحْرِيمِ ذَبَائِحِ الصَّابِئَةِ لِشِدَّةِ مُخَالَفَتِهِمْ لِلنَّصَارَى (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ خَالَفَ الصَّابِئَةُ النَّصَارَى فِي أَصْل دِينِهِمْ (أَيِ الإِْيمَانِ بِعِيسَى وَالإِْنْجِيل) حَرُمَتْ ذَبَائِحُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَمَّا إِنْ لَمْ يُخَالِفُوهُمْ فِي ذَلِكَ فَلاَ تَحْرُمُ ذَبَائِحُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ عَلَيْنَا، مَا لَمْ تُكَفِّرْهُمُ النَّصَارَى، فَإِنْ كَفَّرَهُمُ النَّصَارَى حَرُمَتْ نِسَاؤُهُمْ وَذَبَائِحُهُمْ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ ذَبِيحَةُ الْمُبْتَدِعِ إِنْ كَانَتْ بِدْعَتُهُ مُكَفِّرَةً. وَهَذَا الْحُكْمُ الْمُتَرَدَّدُ فِيهِ هُوَ غَيْرُ الصَّابِئَةِ عُبَّادِ الْكَوَاكِبِ، وَهُمُ الْحَرَّانِيَّةُ؛ فَإِنَّ هَؤُلاَءِ مَجْزُومٌ بِكُفْرِهِمْ؛ فَلاَ تَحِل مُنَاكَحَتُهُمْ
_________
(١) فتح القدير ٢ / ٣٧٤، وابن عابدين ٥ / ١٨٨، والبدائع ٢ / ٢٧١ و٥ / ٤٦.
(٢) الخرشي على مختصر خليل وحاشية العدوي ٢ / ٣٠٣ المطبعة الشرقية ١٣١٦ هـ.
وَلاَ ذَبَائِحُهُمْ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلاَ يَجْرِي فِيهِمُ الْخِلاَفُ الْمُتَقَدِّمُ (١) .
وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: الصَّابِئَةُ مِنَ الْيَهُودِ، وَفِي أُخْرَى: هُمْ مِنَ النَّصَارَى. فَعَلَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ: يَجُوزُ أَكْل ذَبَائِحِهِمْ وَنِكَاحُ نِسَائِهِمْ. وَفِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ: أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ؛ فَهُمْ كَعَبَدَةِ الأَْوْثَانِ (٢) .
وَقْفُ الصَّابِئَةِ:
١٠ - قَال ابْنُ الْهُمَامِ: الصَّابِئَةُ إِنْ كَانُوا دَهْرِيَّةً أَيْ: يَقُولُونَ: ﴿مَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ فَهُمْ صِنْفٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ، وَإِنْ كَانُوا يَقُولُونَ: بِقَوْل أَهْل الْكِتَابِ صَحَّ مِنْ أَوْقَافِهِمْ مَا يَصِحُّ مِنْ أَوْقَافِ أَهْل الذِّمَّةِ، وَالَّذِي يَصِحُّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ فَيَصِحُّ عَلَى الْفُقَرَاءِ لاَ عَلَى بِيَعِهِمْ مَثَلًا (٣)
_________
(١) نهاية المحتاج ٦ / ٢٨٨ وحاشية القليوبي ٣ / ٢٥٢، ٤ / ٢٤٠ وكشاف القناع ٤ / ٢٤٠.
(٢) المغني ٦ / ٥٩١.
(٣) فتح القدير ٥ / ٣٨.
صَابُونٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الصَّابُونُ: هُوَ الَّذِي يُغْسَل بِهِ الثِّيَابُ مَعْرُوفٌ (١) .
وَنُقِل عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلاَمِ الْعَرَبِ (٢) وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ أَحْمَاضٍ دُهْنِيَّةٍ وَبَعْضِ الْقَلَوِيَّاتِ، وَتُسْتَعْمَل رَغْوَتُهُ فِي التَّنْظِيفِ وَالْغَسْل (٣)
مَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّابُونِ مِنْ أَحْكَامٍ:
أَوَّلًا - اسْتِعْمَال الصَّابُونِ الْمَعْمُول مِنْ زِيتِ نَجِسٍ:
٢ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُخْتَارِ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الصَّابُونَ الْمَصْنُوعَ مِنَ الزَّيْتِ النَّجِسِ أَوِ الْمُتَنَجِّسِ طَاهِرٌ، فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ وَالْمُعَامَلَةُ بِهِ، قَال فِي الدُّرِّ: وَيَطْهُرُ زَيْتٌ تَنَجَّسَ بِجَعْلِهِ صَابُونًا، بِهِ يُفْتَى لِلْبَلْوَى، كَتَنُّورٍ رُشَّ بِمَاءٍ نَجِسٍ لاَ بَأْسَ بِالْخَبْزِ فِيهِ، وَكَطِينٍ تَنَجَّسَ فَجُعِل مِنْهُ كُوزٌ بَعْدَ جَعْلِهِ عَلَى النَّارِ، وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ فَرَّعُوهَا
_________
(١) لسان العرب.
(٢) المصباح المنير، ولسان العرب.
(٣) الصحاح وتجديده للمرعشلي، والمعجم الوسيط.
عَلَى قَوْل مُحَمَّدٍ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِلْبَلْوَى، وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ. وَالْعِلَّةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ هِيَ التَّغَيُّرُ وَانْقِلاَبُ الْحَقِيقَةِ، وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِالصَّابُونِ، فَيَدْخُل فِيهِ كُل مَا كَانَ فِيهِ تَغَيُّرٌ وَانْقِلاَبُ حَقِيقَةٍ (١) وَمِثْلُهُ مَا فِي الْفَتْحِ لاِبْنِ الْهُمَامِ (٢) .
وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ كَذَلِكَ الاِنْتِفَاعَ بِالصَّابُونِ الْمَعْمُول مِنْ زَيْتِ نَجِسٍ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِطَهَارَتِهِ، فَقَدْ جَاءَ فِي أَسْنَى الْمَطَالِبِ نَقْلًا عَنِ الْمَجْمُوعِ: يَجُوزُ اتِّخَاذُ الصَّابُونِ مِنَ الزَّيْتِ النَّجِسِ (٣) قَال الرَّمْلِيُّ: وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ، كَمَا صَرَّحُوا بِذَلِكَ. ثُمَّ قَال: ثُمَّ يُطَهِّرُهُمَا (٤) وَيُفْهَمُ مِنْهُ: أَنَّهُ مَا زَال نَجِسًا؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ الأَْصْل عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لاَ يَطْهُرُ مِنْ نَجِسِ الْعَيْنِ إِلاَّ شَيْئَانِ: خَمْرٌ تَخَلَّلَتْ، وَجِلْدٌ نَجُسَ بِالْمَوْتِ إِذَا دُبِغَ (٥) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ النَّجِسِ وَالْمُتَنَجِّسِ فَقَالُوا: بِجَوَازِ الاِنْتِفَاعِ بِمُتَنَجِّسٍ، لاَ بِنَجِسٍ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَأَكْل آدَمِيٍّ، فَيُسْتَصْبَحُ عِنْدَهُمْ بِالزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ
_________
(١) ابن عابدين وبهامشه الدر المختار ١ / ٢١٠.
(٢) فتح القدير ١ / ١٧٦.
(٣) أسنى المطالب ١ / ٢٧٨.
(٤) حاشية الرملي على أسنى المطالب ١ / ٢٧٨، ونهاية المحتاج ٢ / ٢٧٨.
(٥) نهاية المحتاج ٢ / ٢٣٠،٢٣٢.
فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، وَيُعْمَل مِنْهُ الصَّابُونُ، وَيُنْتَفَعُ بِهِ فِي سَائِرِ وُجُوهِ الاِنْتِفَاعِ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِهِمْ: عَدَمُ جَوَازِ الاِنْتِفَاعِ بِالصَّابُونِ الْمَعْمُول مِنَ النَّجِسِ كَشَحْمِ الْمَيْتَةِ، وَإِنْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِجَوَازِ الاِسْتِصْبَاحِ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ إِذَا تُحُفِّظَ مِنْهُ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ تَطْهُرُ نَجَاسَةٌ بِاسْتِحَالَةٍ وَلاَ بِنَارٍ، فَالصَّابُونُ الْمَعْمُول مِنْ زَيْتِ نَجِسٍ نَجِسٌ، وَدُخَانُ النَّجَاسَةِ وَغُبَارُهَا نَجِسٌ (٢) . وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُسْتَخْرَجُ أَنْ تَطْهُرَ النَّجَاسَاتُ بِالاِسْتِحَالَةِ قِيَاسًا عَلَى الْخَمْرِ إِذَا انْقَلَبَتْ، وَجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ (٣) .
ثَانِيًا - الْوُضُوءُ بِمَاءِ الصَّابُونِ:
٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلَى أَنَّ مَاءَ الصَّابُونِ إِذَا ذَهَبَتْ رِقَّتُهُ وَصَارَ ثَخِينًا لاَ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ، وَإِذَا بَقِيَتْ رِقَّتُهُ وَلَطَافَتُهُ جَازَ (٤) قَال ابْنُ الْهُمَامِ فِي تَعْلِيل الْجَوَازِ: الْمُخَالِطُ الْمَغْلُوبُ لاَ يَسْلُبُ الإِْطْلاَقَ، فَوَجَبَ تَرْتِيبُ حُكْمِ الْمُطْلَقِ عَلَى
_________
(١) الزرقاني مع حاشية البناني ١ / ٣٤، الحطاب ١ / ١١٧، وفيه أن المتنجس ما كان طاهرًا في الأصل وأصابته نجاسة كالزيت والسمن ونحوه تقع فيه فأرة أو نجاسة، والنجس ما كانت عينه نجسة كالميتة والدم.
(٢) كشاف القناع ١ / ١٨٦.
(٣) المغني لابن قدامة ٢ / ٧٢
(٤) الفتاوى الهندية ١ / ٢١، والخانية بهامش الهندية ١ / ١٦.
الْمَاءِ الَّذِي هُوَ كَذَلِكَ، أَيْ: جَوَازُ الْوُضُوءِ بِهِ. وَقَدِ اغْتَسَل النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ، وَالْمَاءُ بِذَلِكَ يَتَغَيَّرُ، وَلَمْ يُعْتَبَرَ الْمَغْلُوبِيَّةُ (١) .
وَالأَْصْل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ شَيْءٌ يُمْكِنُ حِفْظُهُ مِنْهُ - غَيْرُ التُّرَابِ وَالْمِلْحِ - كَالزَّعْفَرَانِ، وَالتَّمْرِ، وَالدَّقِيقِ، فَتَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ؛ لأَِنَّهُ زَال عَنْهُ إِطْلاَقُ اسْمِ الْمَاءِ. لَكِنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي صِفَةِ التَّغَيُّرِ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَسِيرًا، بِأَنْ وَقَعَ فِيهِ قَلِيلٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ، فَاصْفَرَّ قَلِيلًا أَوْ صَابُونٍ أَوْ دَقِيقٍ فَابْيَضَّ قَلِيلًا، بِحَيْثُ لاَ يُضَافُ إِلَيْهِ فَوَجْهَانِ: الصَّحِيحُ مِنْهُمَا: أَنَّهُ طَهُورٌ لِبَقَاءِ اسْمِ الْمَاءِ، قَال النَّوَوِيُّ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ (٢) .
وَمِثْلُهُ مَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ حَيْثُ قَالُوا: وَمَا سَقَطَ فِي الْمَاءِ مِنَ الْبَاقِلاَّ، وَالْحِمَّصِ، وَالْوَرْدِ، وَالزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِ مِنَ الطَّاهِرَاتِ، وَكَانَ يَسِيرًا، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ طَعْمٌ وَلاَ لَوْنٌ وَلاَ
_________
(١) حديث: " اغتسل النبي ﷺ يوم الفتح في قصعة فيها أثر العجين " أخرجه النسائي (١ / ٢٠٢ - ٢٠٣ - ط. المكتبة التجارية) من حديث أم هانئ.
(٢) المجموع للنووي ١ / ١٠٢، ١٠٤ والقليوبي ١ / ١٨ - ١٩.
رَائِحَةٌ كَثِيرَةٌ حَتَّى يُنْسَبَ الْمَاءُ إِلَيْهِ تَوَضَّأَ بِهِ (١) .
وَهَذَا إِذَا كَانَ الصَّابُونُ مَعْمُولًا مِنْ زَيْتِ طَاهِرٍ. أَمَّا إِذَا كَانَ مَصْنُوعًا مِنْ غَيْرِ طَاهِرٍ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِطَهَارَتِهِ كَالْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ مَعَهُمْ، أَمَّا مَنْ يَقُول: إِنَّ النَّجِسَ لاَ يَطْهُرُ بِاسْتِحَالَتِهِ فَلاَ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ (ر: ف ٢)
وَالظَّاهِرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُمْ لاَ يُجَوِّزُونَ التَّوَضُّؤَ بِمَاءِ الصَّابُونِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا (٢) . حَيْثُ قَالُوا: مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ، فَذَلِكَ الْمَاءُ طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مُطَهِّرٍ لِغَيْرِهِ، فَلاَ يُتَوَضَّأُ بِهِ، وَيُسْتَعْمَل فِي الْعَادَاتِ (٣) .
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (طَهَارَةٌ وَمِيَاهٌ)
ثَالِثًا: اسْتِعْمَال الْمُحْرِمِ لِلصَّابُونِ:
٤ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ: بِأَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِاسْتِعْمَال الْمُحْرِمِ الصَّابُونَ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنِ الْفَتْحِ: لَوْ غَسَل بِالصَّابُونِ وَالْحُرْضِ (٤) لاَ رِوَايَةَ فِيهِ، وَقَالُوا: لاَ شَيْءَ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ وَلاَ يَقْتُل (أَيِ الْهَوَامَّ) ثُمَّ قَال:
_________
(١) كشاف القناع ١ / ٢٦، والمغني ١ / ١٤.
(٢) الحطاب ١ / ٥٨،٥٩.
(٣) الفواكه الدواني ١ / ١٤٥.
(٤) قال في القاموس: الحرض - بضمة وبضمتين - كالأشنان (وهو نبت يغسل به) .
وَمُقْتَضَى التَّعْلِيل عَدَمُ وُجُوبِ الدَّمِ وَالصَّدَقَةِ اتِّفَاقًا، وَلِذَا قَال فِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ (١) .
وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلاَمِ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ فِي الصَّابُونِ الْعَادِيِّ، الَّذِي لاَ يُعْتَبَرُ طِيبًا؛ لأَِنَّ الْمُحْرِمَ إِنَّمَا يُمْنَعُ مِنَ اسْتِعْمَال الطِّيبِ، وَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ نَصًّا فِي الْمَوْضُوعِ.
وَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (تَطَيُّبٌ وَإِحْرَامٌ) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٢ / ١٦٣، فتح القدير ٢ / ٢٢٨.
صَاعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الصَّاعُ وَالصُّوَاعُ (بِالْكَسْرِ وَبِالضَّمِّ) لُغَةً: مِكْيَالٌ يُكَال بِهِ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ.
وَقَال الدَّاوُدِيُّ: مِعْيَارُهُ لاَ يَخْتَلِفُ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِكَفَّيِ الرَّجُل الَّذِي لَيْسَ بِعَظِيمِ الْكَفَّيْنِ وَلاَ صَغِيرِهَا. وَقِيل: هُوَ إِنَاءٌ يُشْرَبُ فِيهِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمُدُّ:
٢ - الْمُدُّ بِالضَّمِّ: كَيْلٌ، وَهُوَ رِطْلاَنِ عِنْدَ
_________
(١) القاموس المحيط، وتاج العروس، والنهاية في غريب الحديث والأثر، ومختار الصحاح.
(٢) تبيين الحقائق ١ / ٣٠٩ ط. دار المعرفة، وبدائع الصنائع ٢ / ٧٣ ط. دار الكتاب العربي، والشرح الصغير ١ / ٦٠٨ ط. دار المعارف بمصر، والدسوقي ١ / ٥٠٤ - ٥٠٥ ط. دار الفكر، وروضة الطالبين ٢ / ٣٠٢ ط. المكتب الإسلامي، وحاشية الجمل ٢ / ٢٤١ ط. دار إحياء التراث العربي، وكشاف القناع ١ / ١٥٦ ط. عالم الكتب، ومطالب أولي النهى ٢ / ١١٢.