الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦ الصفحة 42

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦

الشُّهُودِ الْمَأْمُورِينَ بِالشَّمِّ لأَِجْل الْخُصُومَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي رَوَائِحِ الْمَشْمُومِ حَيْثُ يُقْصَدُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ أَوْ يُقْصَدُ مَنْعُ الرَّدِّ إِذَا حَدَثَ الْعَيْبُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي (١) .

وَكَمَا فِي شَمِّ الشُّهُودِ فَمَ السَّكْرَانِ لِمَعْرِفَةِ رَائِحَةِ الْخَمْرِ (٢) .

وَقَدْ يَكُونُ الشَّمُّ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا كَشَمِّ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُونَ بِذَلِكَ (٣) .

وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا كَشَمِّ الزُّهُورِ وَالرَّيَاحِينِ الْمُبَاحَةِ وَالطِّيبِ الْمُبَاحِ. إِلاَّ إِذَا كَانَ طِيبًا تَطَيَّبَتْ بِهِ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ فَيَحْرُمُ تَعَمُّدُ شَمِّهِ. (٤) .

شَمُّ الصَّائِمِ الطِّيبَ وَنَحْوَهُ:

٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَدْخَل الصَّائِمُ إِلَى حَلْقِهِ الْبَخُورَ وَشَمَّ رَائِحَتَهُ أَفْطَرَ لإِمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ. وَإِذَا لَمْ يَصِل إِلَى حَلْقِهِ لاَ يُفْطِرُ. أَمَّا لَوْ شَمَّ هَوَاءً فِيهِ رَائِحَةُ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لاَ جِسْمَ لَهُ فَلاَ يُفْطِرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَكَرِهَهُ الْمَالِكِيَّةُ.

كَمَا يُكْرَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ شَمُّ الرَّيَاحِينِ وَنَحْوِهَا نَهَارًا لِلصَّائِمِ لأَِنَّهُ مِنَ التَّرَفُّهِ وَلِذَلِكَ يُسَنُّ لَهُ تَرْكُهُ.

_________

(١) المنثور ٢ / ٨٧.

(٢) المواق بهامش الحطاب ٦ / ٣١٧.

(٣) المغني ٣ / ٣٢٣، والمنثور ٢ / ٨٧، والبدائع ٢ / ١٩١.

(٤) المنثور ٢ / ٨٧

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِذَا كَانَ الطِّيبُ مَسْحُوقًا كُرِهَ شَمُّهُ لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ مِنْ شَمِّهِ أَنْ يَجْذِبَهُ نَفْسَهُ لِلْحَلْقِ، وَلِذَلِكَ لاَ يُكْرَهُ شَمُّ الْوَرْدِ وَالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ غَيْرِ الْمَسْحُوقِ (١) .

شَمُّ الْمُحْرِمِ الطِّيبَ:

٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ شَمِّ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ. وَلاَ فَرْقَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بَيْنَ الطِّيبِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ (٢) . وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَال الْبَاجِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يَحْرُمُ شَمُّ الطِّيبِ الْمُؤَنَّثِ (٣) .

كَذَلِكَ يُكْرَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ شَمُّ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ (٤)، لَكِنْ يُؤْخَذُ مِمَّا جَاءَ فِي الْمُهَذَّبِ وَشَرْحِهِ الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ يَحْرُمُ شَمُّ مَا يُعْتَبَرُ طِيبًا كَالْوَرْدِ وَالْمِسْكِ وَالْكَافُورِ. وَاخْتُلِفَ فِي الرَّيْحَانِ الْفَارِسِيِّ وَالنَّرْجِسِ وَالنَّيْلُوفَرِ وَنَحْوِهِ. وَفِيهِ قَوْلاَنِ:

أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ شَمُّهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ سُئِل عَنِ

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٩٧، ١١٣، وأسهل المدارك ١ / ٤١٩، وجواهر الإكليل ١ / ١٤٩، وحاشية الدسوقي ١ / ٥٢٥، وأسنى المطالب ١ / ٤٢٢، والجمل على شرح المنهج ٢ / ٣٢٩، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٤٥٤.

(٢) الطيب المذكر هو ما له رائحة ذكية ولا يتعلق أثره بماسه كياسمين وورد والطيب المؤنث هو ما له رائحة ذكية ويتعلق بماسه تعلقًا شديدًا كالزبد والمسك والزعفران (منح الجليل ١ / ٥١٠) .

(٣) ابن عابدين ٢ / ٢٠١، والبدائع ٢ / ١٩١، ومنح الجليل ١ / ٥١٠.

(٤) الجمل على المنهج ٢ / ٥٠٩.

الْمُحْرِمِ: يَدْخُل الْبُسْتَانَ؟ فَقَال: نَعَمْ وَيَشُمُّ الرَّيْحَانَ؛ وَلأَِنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ لَهَا رَائِحَةٌ إِذَا كَانَتْ رَطْبَةً فَإِذَا جَفَّتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَائِحَةٌ.

وَالثَّانِي: لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ يُرَادُ لِلرَّائِحَةِ فَهُوَ كَالْوَرْدِ وَالزَّعْفَرَانِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ لاَ يَرَى بَأْسًا لِلْمُحْرِمِ بِشَمِّ الرَّيْحَانِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَكْسَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ فَرَوَى بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ شَمَّ الرَّيْحَانِ لِلْمُحْرِمِ، وَالثَّانِي عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَسْأَل عَنِ الرَّيْحَانِ أَيَشَمُّهُ الْمُحْرِمُ، وَالطِّيبِ وَالدُّهْنِ فَقَال: لاَ.

وَأَمَّا مَا يُطْلَبُ لِلأَْكْل وَالتَّدَاوِي غَالِبًا كَالْقَرَنْفُل وَالدَّارَصِينِيَّ وَالْفَوَاكِهِ كَالتُّفَّاحِ وَالْمِشْمِشِ فَيَجُوزُ أَكْلُهُ وَشَمُّهُ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ.

وَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْجُلُوسُ عِنْدَ الْعَطَّارِ وَفِي مَوْضِعٍ يُبَخَّرُ لأَِنَّ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ مَشَقَّةً وَلأَِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَطَيُّبٍ مَقْصُودٍ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُتَوَقَّى ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ قُرْبَةٍ كَالْجُلُوسِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَهِيَ تُجَمَّرُ، فَلاَ يُكْرَهُ ذَلِكَ لأَِنَّ الْجُلُوسَ عِنْدَهَا قُرْبَةٌ (١) .

وَفَصَّل الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: النَّبَاتُ الَّذِي

_________

(١) الجمل على المنهج ٢ / ٥٠٩، والمجموع ٧ / ٢٤٨ إلى ٢٥٢.

تُسْتَطَابُ رَائِحَتُهُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَضْرُبٍ:

أَحَدُهَا: مَا لاَ يَنْبُتُ لِلطِّيبِ وَلاَ يُتَّخَذُ مِنْهُ كَنَبَاتِ الصَّحْرَاءِ مِنَ الشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ وَالْخُزَامَى وَالْفَوَاكِهِ كُلِّهَا مِنَ الأُْتْرُجِّ وَالتُّفَّاحِ، وَمَا يُنْبِتُهُ الآْدَمِيُّونَ لِغَيْرِ قَصْدِ الطِّيبِ كَالْحِنَّاءِ وَالْعُصْفُرِ فَمُبَاحٌ شَمُّهُ وَلاَ فِدْيَةَ فِيهِ وَلاَ نَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَشُمَّ شَيْئًا مِنْ نَبَاتِ الأَْرْضِ.

الثَّانِي: مَا يُنْبِتُهُ الآْدَمِيُّونَ لِلطِّيبِ وَلاَ يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ كَالرَّيْحَانِ الْفَارِسِيِّ وَالنَّرْجِسِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يُبَاحُ بِغَيْرِ فِدْيَةٍ، قَالَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَإِسْحَاقُ ﵃. وَالآْخَرُ يَحْرُمُ شَمُّهُ، فَإِنْ فَعَل فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَهُوَ قَوْل جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي ثَوْرٍ ﵃ لأَِنَّهُ يُتَّخَذُ لِلطِّيبِ فَأَشْبَهَ الْوَرْدَ وَكَلاَمُ أَحْمَدَ يَحْتَمِل أَنَّهُ يُكْرَهُ وَلاَ يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ.

الثَّالِثُ: مَا يَنْبُتُ لِلطِّيبِ وَيُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ كَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ فَفِي شَمِّهِ الْفِدْيَةُ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي الْوَرْدِ أَنَّهُ لاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي شَمِّهِ لأَِنَّهُ زَهْرٌ فَشَمُّهُ كَشَمِّ زَهْرِ سَائِرِ الشَّجَرِ (١) .

_________

(١) المغني ٣ / ٣١٥ - ٣١٦.

الإِْجَارَةُ لِلشَّمِّ:

٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ إِجَارَةِ الشَّيْءِ كَالتُّفَّاحِ مَثَلًا لِشَمِّهِ لأَِنَّ الرَّائِحَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَنْفَعَةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لأَِنَّهَا لاَ قِيمَةَ لَهَا شَرْعًا (١) .

وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ اسْتِئْجَارَ الْمِسْكِ وَالرَّيَاحِينِ لِلشَّمِّ لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ مُتَقَوَّمَةٌ.

وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ بَيْنَ مَا تَتْلَفُ عَيْنُهُ وَمَا لاَ تَتْلَفُ.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ مَا يَبْقَى مِنَ الطِّيبِ وَالصَّنْدَل وَقِطَعِ الْكَافُورِ وَالنِّدِّ لِتَشُمَّهُ الْمَرْضَى وَغَيْرُهُمْ مُدَّةً ثُمَّ يَرُدَّهَا، لأَِنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ فَأَشْبَهَتِ الْوَزْنَ وَالتَّحَلِّي. ثُمَّ قَال: وَلاَ يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ مَا لاَ يَبْقَى مِنَ الرَّيَاحِينِ كَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالرَّيْحَانِ الْفَارِسِيِّ وَأَشْبَاهِهِ لِشَمِّهَا، لأَِنَّهَا تَتْلَفُ عَنْ قُرْبٍ فَأَشْبَهَتِ الْمَطْعُومَاتِ (٢) .

الْجِنَايَةُ عَلَى حَاسَّةِ الشَّمِّ:

٧ - الْجِنَايَةُ عَلَى حَاسَّةِ الشَّمِّ إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً. فَإِنْ كَانَ عَمْدًا كَمَنْ شَجَّ إِنْسَانًا فَذَهَبَ شَمُّهُ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنَ الْجَانِي بِمِثْل مَا فَعَل، فَإِنْ ذَهَبَ بِذَلِكَ شَمُّهُ فَقَدِ

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٢١، والدسوقي ٤ / ٢٠، ومنح الجليل ٣ / ٧٧٦.

(٢) أسنى المطالب ٢ / ٤٠٦، والمغني ٥ / ٥٤٨، ٥٤٩.

اسْتَوْفَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حَقَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْهَبِ الشَّمُّ فُعِل بِالْجَانِي مَا يُذْهِبُ الشَّمَّ بِوَاسِطَةِ أَهْل الْخِبْرَةِ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِذْهَابُ الشَّمِّ إِلاَّ بِجِنَايَةٍ سَقَطَ الْقَوَدُ وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ.

وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَجِبُ الدِّيَةُ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُضْرَبَ الْجَانِي ضَرْبًا يَذْهَبُ بِهِ حَاسَّةُ الشَّمِّ فَلَمْ يَكُنِ اسْتِيفَاءُ الْمِثْل مُمْكِنًا فَلاَ يَجِبُ الْقِصَاصُ وَتَجِبُ الدِّيَةُ. وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) .

وَإِنْ كَانَ إِبْطَال حَاسَّةِ الشَّمِّ نَتِيجَةَ ضَرْبٍ أَوْ جُرْحٍ وَقَعَ خَطَأً، أَوْ كَانَ الضَّرْبُ عَمْدًا لَكِنْ كَانَ الْجُرْحُ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهِ فَتَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً إِذَا كَانَ إِبْطَال الشَّمِّ مِنَ الْمَنْخِرَيْنِ؛ لأَِنَّهُ حَاسَّةٌ تَخْتَصُّ بِمَنْفَعَةٍ فَكَانَ فِيهَا الدِّيَةُ كَسَائِرِ الْحَوَاسِّ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلاَفًا وَلأَِنَّ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: وَفِي الْمَشَامِّ الدِّيَةُ (٢) .

_________

(١) البدائع ٧ / ٣٠٩، وشرح الزرقاني ٨ / ١٧، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٦٠، والحطاب ٦ / ٢٤٨، ومغني المحتاج ٤ / ٢٩، وروضة الطالبين ٩ / ١٨٦، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٢٩٢، وكشاف القناع ٥ / ٥٥٢ - ٥٥٣.

(٢) حديث: " في المشام الدية " ذكره الشربيني في مغني المحتاج (٤ / ٧١ - نشر دار الفكر) وقال: " غريب " وقال ابن حجر في التلخيص (٤ / ٢٩ - ط شركة الطباعة الفنية): " لم أجده ".

وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: تَجِبُ فِيهِ حُكُومَةٌ لأَِنَّهُ ضَعِيفُ النَّفْعِ.

وَإِذَا زَال الشَّمُّ مِنْ أَحَدِ الْمَنْخِرَيْنِ فَفِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ. وَإِنْ نَقَصَ الشَّمُّ وَجَبَ بِقِسْطِهِ مِنَ الدِّيَةِ إِذَا أَمْكَنَ مَعْرِفَتُهُ وَإِلاَّ فَحُكُومَةٌ يُقَدِّرُهَا الْحَاكِمُ بِالاِجْتِهَادِ (١) .

وَمَنِ ادَّعَى زَوَال الشَّمِّ امْتُحِنَ فِي غَفَلاَتِهِ بِالرَّوَائِحِ الْحَادَّةِ الطَّيِّبَةِ وَالْمُنْتِنَةِ - فَإِنْ هَشَّ لِلطَّيِّبِ وَعَبَسَ لِغَيْرِهِ فَالْقَوْل قَوْل الْجَانِي بِيَمِينِهِ لِظُهُورِ كَذِبِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.

وَإِنْ لَمْ يَتَأَثَّرْ بِالرَّوَائِحِ الْحَادَّةِ وَلَمْ يَبِنْ مِنْهُ ذَلِكَ، فَالْقَوْل قَوْل الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.

زَادَ الشَّافِعِيَّةُ: وَيَحْلُفُ لِظُهُورِ صِدْقِهِ، وَلاَ يُعْرَفُ إِلاَّ مِنْ قِبَلِهِ.

وَإِنِ ادَّعَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ نَقْصَ شَمِّهِ فَالْقَوْل قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لأَِنَّهُ لاَ يُتَوَصَّل إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إِلاَّ مِنْ جِهَتِهِ فَقُبِل قَوْلُهُ فِيهِ، وَيَجِبُ لَهُ مِنَ الدِّيَةِ مَا تُخْرِجُهُ الْحُكُومَةُ.

وَإِنْ ذَهَبَ شَمُّهُ ثُمَّ عَادَ قَبْل أَخْذِ الدِّيَةِ

_________

(١) البدائع ٧ / ٣١٢، وابن عابدين ٥ / ٣٦٩ وجواهر الإكليل ٢ / ٢٦٨ - ٢٦٩، والقوانين الفقهية ص ٣٤٥ نشر دار الكتاب العربي، ومغني المحتاج ٤ / ٧١، والمغني لابن قدامة ٨ / ١١ - ١٢.

سَقَطَتْ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَخْذِهَا رَدَّهَا لأَِنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَهَبَ. وَإِنْ رُجِيَ عَوْدُ شَمِّهِ إِلَى مُدَّةٍ انْتُظِرَ إِلَيْهَا (١) .

هَذَا إِذَا ذَهَبَ الشَّمُّ وَحْدَهُ.

أَمَّا إِنْ قَطَعَ أَنْفَهُ فَذَهَبَ بِذَلِكَ شَمُّهُ فَعَلَيْهِ دِيَتَانِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لأَِنَّ الشَّمَّ فِي غَيْرِ الأَْنْفِ فَلاَ تَدْخُل أَحَدُهُمَا فِي الآْخَرِ (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: فِيهِمَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ فَيَنْدَرِجُ الشَّمُّ فِي الأَْنْفِ كَالْبَصَرِ مَعَ الْعَيْنِ (٣) .

إِثْبَاتُ شُرْبِ الْمُسْكِرِ بِشَمِّ الرَّائِحَةِ:

٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِثْبَاتِ الشُّرْبِ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ بِشَمِّ رَائِحَةِ الْخَمْرِ فِي فَمِ الشَّارِبِ (٤) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (أَشْرِبَةٌ) .

شِنْدَاخٌ

انْظُرْ: إِمْلاَكٌ، دَعْوَةٌ

_________

(١) المغني ٨ / ١٢، ومغني المحتاج ٤ / ٧١، وكشاف القناع ٦ / ٣٩.

(٢) مغني المحتاج ٤ / ٦٢، والمغني ٨ / ١٤، وكشاف القناع ٦ / ٣٩.

(٣) جواهر الإكليل ٢ / ٢٧٠.

(٤) البدائع ٧ / ٤٠ - ٥١، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٩٦، وأسهل المدارك ٣ / ١٧٦، ومغني المحتاج ٤ / ١٩٠، والمغني ٨ / ٣٩، والمواق ٦ / ٣١٧.

شَهَادَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الشَّهَادَةِ فِي اللُّغَةِ: الْخَبَرُ الْقَاطِعُ، وَالْحُضُورُ وَالْمُعَايَنَةُ وَالْعَلاَنِيَةُ، وَالْقَسَمُ، وَالإِْقْرَارُ، وَكَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، وَالْمَوْتُ فِي سَبِيل اللَّهِ. يُقَال: شَهِدَ بِكَذَا إِذَا أَخْبَرَ بِهِ وَشَهِدَ كَذَا إِذَا حَضَرَهُ، أَوْ عَايَنَهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.

وَقَدْ يُعَدَّى الْفِعْل (شَهِدَ) بِالْهَمْزَةِ، فَيُقَال: أَشْهَدْتُهُ الشَّيْءَ إِشْهَادًا، أَوْ بِالأَْلِفِ، فَقَال: شَاهَدْتُهُ مُشَاهَدَةً، مِثْل عَايَنْتُهُ وَزْنًا وَمَعْنًى (١) .

وَمِنَ الشَّهَادَةِ بِمَعْنَى الْحُضُورِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (٢)﴾ .

قَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآْيَةِ: " وَشَهِدَ بِمَعْنَى حَضَرَ (٣) ".

_________

(١) انظر مادة (شهد) في الصحاح، والقاموس، والتاج، واللسان، والمصباح المنير، ومعجم مقاييس اللغة، ومادة (هشد) في العين ٣ / ٣٩٧ - ٣٩٨، وتهذيب اللغة: ٦ / ٧٢ - ٧٧، ومادة (دشه) في جمهرة اللغة ٢ / ٢٧٠، والمفردات في غريب القرآن للأصفهاني.

(٢) سورة البقرة / ١٨٥.

(٣) الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ٢ / ٢٩٩ (ط ٣ دار القلم بالقاهرة ١٣٨٧ هـ / ١٩٦٧ م) وفيه أن الشهر ليس بمفعول وإنما هو ظرف زمان.

وَمِنَ الشَّهَادَةِ بِمَعْنَى الْمُعَايَنَةِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١)﴾ .

قَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ مَعْنَاهَا: " وَقَوْلُهُ: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾، يَعْنِي مُشَاهَدَةَ الْبَصَرِ (٢) ".

وَمِنَ الشَّهَادَةِ بِمَعْنَى الْقَسَمِ أَوِ الْيَمِينِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٣)﴾ .

قَال ابْنُ مَنْظُورٍ: " الشَّهَادَةُ مَعْنَاهَا الْيَمِينُ هَاهُنَا (٤) ".

وَمِنَ الشَّهَادَةِ بِمَعْنَى الْخَبَرِ الْقَاطِعِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا (٥)﴾ .

وَاسْتِعْمَالُهَا بِهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ.

وَمِنَ الشَّهَادَةِ بِمَعْنَى الإِْقْرَارِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ (٦)﴾

_________

(١) سورة الزخرف / ١٩.

(٢) المفردات ص ٢٦٩.

(٣) سورة النور / ٦.

(٤) اللسان مادة (شهد) .

(٥) سورة يوسف / ٨١.

(٦) سورة التوبة / ١٧.