الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦
الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ مِنَ الْمُقَدَّمِ إِلَى نَقْرَةِ الْقَفَا مَعَ مَسْحِ شَعْرِ صُدْغَيْهِ فَمَا فَوْقَ الْعَظْمِ النَّاشِئِ مِنَ الْوَجْهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُمْسَحَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ وَلَوْ قَل فَلاَ يَتَقَدَّرُ وُجُوبُهُ بِشَيْءٍ بَل يَكْفِي فِيهِ مَا يُمْكِنُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَفْرُوضَ فِي الْمَسْحِ هُوَ مَسْحُ مِقْدَارِ النَّاصِيَةِ وَهُوَ رُبُعُ الرَّأْسِ (١) لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَخُفَّيْهِ (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ وَبَيَانُ الأَْدِلَّةِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (وُضُوءٌ) .
نَقْضُ الْوُضُوءِ بِلَمْسِ الشَّعْرِ:
٨ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لاَ يُنْقَضُ بِلَمْسِ الشَّعْرِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُقْصَدُ ذَلِكَ لِلشَّهْوَةِ غَالِبًا، وَإِنَّمَا تَحْصُل اللَّذَّةُ وَتَثُورُ الشَّهْوَةُ عِنْدَ الْتِقَاءِ الْبَشَرَتَيْنِ لِلإِْحْسَاسِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ لَمْسِ الشَّعْرِ وَالسِّنِّ وَالظُّفُرِ
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مُقَابِل الأَْصَحِّ: يُنْتَقَضُ وُضُوءُ الرَّجُل بِلَمْسِ شَعْرِ الْمَرْأَةِ لأَِنَّ
_________
(١) المجموع ١ / ٣٩٨ - ٤٠٠، مغني المحتاج ١ / ٣٥، الشرح الصغير ١ / ١٠٩، كشاف القناع ١ / ٩٨، فتح القدير ١ / ١٦.
(٢) حديث المغيرة بن شعبة: " أن النبي ﷺ توضأ ومسح على ناصيته ". أخرجه مسلم (١ / ٢٣٠ - ط الحلبي) .
الشَّعْرَ لَهُ حُكْمُ الْبَدَنِ فِي الْحِل بِالنِّكَاحِ وَوُجُوبِ غَسْلِهِ بِالْجَنَابَةِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ يُنْتَقَضُ بِلَمْسِ الشَّعْرِ لِمَنْ يَلْتَذُّ بِهِ إِنْ قَصَدَ اللَّذَّةَ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى. وَلاَ يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ إِذَا كَانَ اللَّمْسُ بِحَائِلٍ خَفِيفٍ أَوْ كَثِيفٍ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ نَقْصِ الْوُضُوءِ بِلَمْسِ الشَّعْرِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ فِي عَدَمِ النَّقْضِ بِالْمَسِّ مُطْلَقًا مَا لَمْ يُنْزِل (١) .
غَسْل شَعْرِ الرَّأْسِ مِنَ الْجِنَابَةِ:
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ تَعْمِيمِ شَعْرِ الرَّأْسِ بِالْمَاءِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ لِلذَّكَرِ وَالأُْنْثَى مُسْتَرْسِلًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ تَحْتَ كُل شَعْرَةٍ جَنَابَةً فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ (٢) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِل بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ (٣) قَال عَلِيٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي، وَكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ.
_________
(١) المجموع ٢ / ٢٧، كشاف القناع ١ / ١٢٩، فتح القدير ١ / ٤٨، ٤٩، الشرح الصغير ١ / ١٤٣.
(٢) حديث: " إن تحت كل شعرة جنابة ". أخرجه أبو داود (١ / ١٧٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي هريرة ثم أعله بضعف أحد رواته.
(٣) حديث: " من ترك موضع شعرة ". أخرجه أبو داود (١ / ١٧٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) ولمح ابن حجر في التلخيص (١ / ١٤٢ - ط شركة الطباعة الفنية) إلى أن الصواب وقفه على علي بن أبي طالب.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ نَقْضِ ضَفَائِرِ الْمَرْأَةِ فِي الْغُسْل:
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ) وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ نَقْضُ الضُّفُرِ إِنْ كَانَ الْمَاءُ يَصِل إِلَى أُصُول شَعْرِهَا مِنْ غَيْرِ نَقْضٍ، فَإِنْ لَمْ يَصِل إِلاَّ بِالنَّقْضِ لَزِمَهَا نَقْضُهُ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ غُسْل الْجَنَابَةِ وَغُسْل الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا جَاءَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضُفُرَ رَأْسِي؛ أَفَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضِ وَلِلْجَنَابَةِ؟ قَال: لاَ. إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ (١) . وَهُوَ صَرِيحٌ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ - بِثَلاَثَةِ أَلْفَاظٍ: إِفْرَادِ ذِكْرِ الْجَنَابَةِ وَإِفْرَادِ ذِكْرِ الْحَيْضِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. وَحَمَل الْجُمْهُورُ هَذِهِ الأَْحَادِيثَ عَلَى وُصُول الْمَاءِ إِلَى أُصُول الشَّعْرِ بِدَلِيل مَا ثَبَتَ مِنْ وُجُوبِ إِيصَال الْمَاءِ إِلَى أُصُول الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةِ جَمْعًا بَيْنَ الأَْدِلَّةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ نَقْضِ الْمَرْأَةِ شَعْرَهَا فِي غُسْل الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. وَلاَ يَجِبُ فِي
_________
(١) حديث: " إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ". أخرجه مسلم (١ / ٢٥٩ - ٢٦٠ - ط. الحلبي) .
غُسْل الْجَنَابَةِ إِذَا رَوَتْ أُصُول شَعْرِهَا، وَلَمْ يَكُنْ مَشْدُودًا بِخُيُوطٍ كَثِيرَةٍ تَمْنَعُ وُصُول الْمَاءِ إِلَى الْبَشَرَةِ أَوْ إِلَى بَاطِنِ الشَّعْرِ، وَالنَّقْضُ مُطْلَقًا مُسْتَحَبٌّ عَنْ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ.
وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لَهَا: إِذَا كُنْتِ حَائِضًا خُذِي مَاءَكِ وَسِدْرَكِ وَامْتَشِطِي (١) . وَلاَ يَكُونُ الْمَشْطُ إِلاَّ فِي شَعْرٍ غَيْرِ مَضْفُورٍ. وَلِلْبُخَارِيِّ: انْفُضِي شَعْرَكِ وَامْتَشِطِي (٢) .
وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ: انْفُضِي شَعْرَكِ وَاغْتَسِلِي (٣)
لأَِنَّ الأَْصْل وُجُوبُ نَقْضِ الشَّعْرِ لِتَحَقُّقِ وُصُول الْمَاءِ إِلَى مَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَعُفِيَ عَنْهُ فِي غُسْل الْجَنَابَةِ لأَِنَّهُ يَكْثُرُ فَيَشُقُّ نَقْضُ الشَّعْرِ (٤) .
_________
(١) حديث: " إذا كنت حائضًا خذي ماءك وسدرك وامتشطي. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤١٧ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٨٧٠ - ط الحلبي) بمعناه دون ذكر السدر.
(٢) حديث: " انفضي شعرك وامتشطي. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤١٨ - ط السلفية) من حديث عائشة.
(٣) حديث: " انفضي شعرك واغتسلي ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٢١٠ - ط الحلبي) وقال البوصيري: " هذا إسناد رجاله ثقات، كذا في مصباح الزجاجة " (١ / ١٤١ - ط دار الجنان) .
(٤) حاشية ابن عابدين ١ / ١٠٣، فتح القدير ١ / ٥٢، المجموع ٢ / ١٨٤، الشرح الصغير ١ / ١٦٩، كشاف القناع ١ / ١٥٤.
حَلْقُ شَعْرِ الْمَوْلُودِ:
١٠ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى اسْتِحْبَابِ حَلْقِ شَعْرِ رَأْسِ الْمَوْلُودِ يَوْمَ السَّابِعِ، وَالتَّصَدُّقِ بِزِنَةِ شَعْرِهِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَفِضَّةً عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ تَحَرَّى وَتَصَدَّقَ بِهِ. وَيَكُونُ الْحَلْقُ بَعْدَ ذَبْحِ الْعَقِيقَةِ.
كَمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِفَاطِمَةَ لَمَّا وَلَدَتِ الْحَسَنَ: احْلِقِي رَأْسَهُ وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً عَلَى الْمَسَاكِينِ وَالأَْوْفَاضِ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ حَلْقَ شَعْرِ الْمَوْلُودِ مُبَاحٌ، لَيْسَ بِسُنَّةٍ وَلاَ وَاجِبٍ، وَذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِمْ فِي أَنَّ الْعَقِيقَةَ مُبَاحَةٌ، لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ سُئِل عَنِ الْعَقِيقَةِ فَقَال: لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْعُقُوقَ. مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَنْسُكْ عَنْهُ. عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَيْنِ مُكَافَأَتَاهُ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةً (٢) وَهَذَا يَنْفِي كَوْنَ الْعَقِيقَةِ سُنَّةً لأَِنَّهُ ﷺ عَلَّقَ الْعَقَّ بِالْمَشِيئَةِ وَهَذَا أَمَارَةُ الإِْبَاحَةِ.
_________
(١) حديث: " احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة. . . " أخرجه أحمد (٦ / ٣٩٠، ٢٩٢ - ط الميمنية) من حديث أبي رافع بإسنادين يقوي أحدها الآخر. والأوفاض: الضعفاء من الناس الفقراء الذين لا دفاع بهم (المعجم الوسيط) .
(٢) حديث: " لا يحب الله العقوق ". أخرجه النسائي (٧ / ١٦٣ - ط المكتبة التجارية)، والحاكم (٤ / ٢٣٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) واللفظ للنسائي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وَفِي قَوْلٍ لِلْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ لأَِنَّهَا نُسِخَتْ بِالأُْضْحِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْعَقِيقَةَ كَانَتْ مِنَ الْفَضَائِل فَعَلَهَا الْمُسْلِمُونَ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ فَنُسِخَتْ بِالأُْضْحِيَّةِ، فَمَتَى نُسِخَ الْفَضْل لاَ يَبْقَى إِلاَّ الْكَرَاهَةُ (١) .
النَّظَرُ إِلَى شَعْرِ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ:
١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى شَعْرِ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ لَهَا إِبْدَاؤُهُ لِلأَْجَانِبِ عَنْهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى الْقَوْل بِعَدَمِ جَوَازِ النَّظَرِ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا (٢) .
بَيْعُ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ:
١٢ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: نُهِيَ أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتَّى تُطْعِمَ وَلاَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ وَلاَ لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ (٣) .
_________
(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٦٢، بدائع الصنائع ٥ / ٦٩، المغني ٨ / ٦٤٦، ٦٤٧، جواهر الإكليل ١ / ٢٢٤، القليوبي ٤ / ٢٥٦.
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٣٨، فتح القدير ١ / ١٨٢، البناية ٩ / ٢٤٧، مطالب أولي النهى ٥ / ١٨، الروضة ٧ / ٢٦، حاشية الدسوقي ١ / ٢١٤.
(٣) حديث: " نهي أن تباع ثمرة حتى تطعم ". أخرجه الدارقطني (٣ / ١٤ - ط دار المحاسن) والبيهقي (٥ / ٣٤٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال البيهقي: تفرد برفعه عمر بن فروخ، وليس بالقوي، ورواه غيره موقوفًا. وكذا صوب الدارقطني وقفه على ابن عباس.
وَلأَِنَّ الصُّوفَ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ فَلَمْ يَجُزْ إِفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ كَأَعْضَائِهِ، وَلأَِنَّ الصُّوفَ عَلَى الظَّهْرِ قَبْل الْجَزِّ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي نَفْسِهِ لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ وَصْفِ الْحَيَوَانِ لِقِيَامِهِ بِهِ كَسَائِرِ أَوْصَافِهِ. وَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنَ الشَّاةِ فَلاَ يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ؛ وَلأَِنَّهُ يَنْبُتُ مِنْ أَسْفَل سَاعَةً فَسَاعَةً فَيَخْتَلِطُ الْمَبِيعُ بِغَيْرِهِ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ التَّمْيِيزُ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ بَيْعِ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ بِالْجَزَزِ تَحَرِّيًا، وَبِالْوَزْنِ مَعَ رُؤْيَةِ الْغَنَمِ عَلَى أَنْ لاَ يَتَأَخَّرَ الْجَزُّ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ شَهْرٍ (١) .
السَّلَمُ فِي الصُّوفِ:
١٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ بَيْعِ الصُّوفِ سَلَمًا بِالْوَزْنِ لاَ بِالْجَزَزِ وَذَلِكَ لاِخْتِلاَفِ الْجَزَزِ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ - عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ -
وَيَجِبُ بَيَانُ نَوْعِ الصُّوفِ وَأَصْلِهِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى لأَِنَّ صُوفَ الإِْنَاثِ أَنْعَمُ، وَيَذْكُرُ لَوْنَهُ وَوَقْتَهُ هَل هُوَ خَرِيفِيٌّ أَوْ رَبِيعِيٌّ، وَطُولَهُ وَقِصَرَهُ وَوَزْنَهُ وَلاَ يَقْبَل إِلاَّ مُنَقًّى مِنَ الشَّعْرِ وَنَحْوِهِ، كَالشَّوْكِ وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ غَسْلِهِ (٢) .
_________
(١) البناية ٦ / ٤٠٨، فتح القدير ٦ / ٥٠،٥١، كشف الحقائق ٢ / ١٨، حاشية الدسوقي ٣ / ٢١٥، روضة الطالبين ٣ / ٣٧٣، كشاف القناع ٣ / ١٦٦.
(٢) الفتاوى الهندية ٣ / ١٨٥، حاشية الدسوقي ٣ / ٢١٥، نهاية المحتاج ٤ / ٢٠٦، كشاف القناع ٣ / ٢٩٥.
وَصْل الشَّعْرِ:
١٤ - يَحْرُمُ وَصْل شَعْرِ الْمَرْأَةِ بِشَعْرٍ نَجِسٍ أَوْ بِشَعْرِ آدَمِيٍّ. سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُزَوَّجَةُ وَغَيْرُهَا وَسَوَاءٌ بِإِذْنِ الزَّوْجِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَلِلْحَنَفِيَّةِ قَوْلٌ بِالْكَرَاهَةِ. وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ (١) .
وَاللَّعْنَةُ عَلَى الشَّيْءِ تَدُل عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَعِلَّةُ التَّحْرِيمِ مَا فِيهِ مِنَ التَّدْلِيسِ وَالتَّلْبِيسِ بِتَغَيُّرِ خَلْقِ اللَّهِ.
وَالْوَاصِلَةُ الَّتِي تَصِل شَعْرَهَا بِشَعْرٍ مِنَ امْرَأَةٍ أُخْرَى وَالَّتِي يُوصَل شَعْرُهَا بِشَعْرٍ آخَرَ زُورًا، وَالْمُسْتَوْصِلَةُ الَّتِي يُوصَل لَهَا ذَلِكَ بِطَلَبِهَا. لِحُرْمَةِ الاِنْتِفَاعِ بِشَعْرِ الآْدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ، وَالأَْصْل أَنْ يُدْفَنَ شَعْرُهُ إِذَا انْفَصَل. أَمَّا إِذَا كَانَ الْوَصْل بِغَيْرِ شَعْرِ الآْدَمِيِّ وَهُوَ طَاهِرٌ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ إِلَى حُرْمَةِ الْوَصْل إِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ وَعَلَى الْقَوْل الثَّانِي يُكْرَهُ.
أَمَّا إِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ فَثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا: إِنْ وَصَلَتْ بِإِذْنِهِ جَازَ وَإِلاَّ حَرُمَ.
_________
(١) حديث: " لعن الله الواصلة والمستوصلة. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٣٧٤ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
الثَّانِي: يَحْرُمُ مُطْلَقًا. الثَّالِثُ: لاَ يَحْرُمُ وَلاَ يُكْرَهُ مُطْلَقًا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْمَنْقُول عَنْ أَبِي يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ يُرَخَّصُ لِلْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ شَعْرِ الآْدَمِيِّ تَتَّخِذُهُ لِتَزِيدَ قُرُونَهَا.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: لَيْسَتِ الْوَاصِلَةُ بِالَّتِي تَعْنُونَ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ تَعْرَى الْمَرْأَةُ عَنِ الشَّعْرِ فَتَصِل قَرْنًا مِنْ قُرُونِهَا بِصُوفٍ أَسْوَدَ وَإِنَّمَا الْوَاصِلَةُ الَّتِي تَكُونُ بَغِيًّا فِي شَبِيبَتِهَا فَإِذَا أَسَنَّتْ وَصَلَتْهَا بِالْقِيَادَةِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى عَدَمِ التَّفْرِيقِ فِي التَّحْرِيمِ بَيْنَ الْوَصْل بِالشَّعْرِ وَبِغَيْرِهِ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ تَحْرِيمَ وَصْل الشَّعْرِ بِشَعْرٍ سَوَاءٌ كَانَ شَعْرَ آدَمِيٍّ أَوْ شَعْرَ غَيْرِهِ. وَسَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِ الزَّوْجِ أَوْ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ. قَالُوا وَلاَ بَأْسَ بِمَا تَشُدُّ بِهِ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا أَيْ مِنْ غَيْرِ الشَّعْرِ لِلْحَاجَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: لاَ تَصِل الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا الشَّعْرَ وَلاَ الْقَرَامِل وَلاَ الصُّوفَ (١) .
عَقْصُ الشَّعْرِ:
١٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ عَقْصِ الشَّعْرِ فِي الصَّلاَةِ. وَالْعَقْصُ هُوَ شَدُّ ضَفِيرَةِ الشَّعْرِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٣٩، قوانين الأحكام الشرعية ص ٤٨٢ ط. دار العلم للملايين، روضة الطالبين ١ / ٢٧٦، مطالب أولي النهى ١ / ٩٠، كشاف القناع ١ / ٨١.
حَوْل الرَّأْسِ كَمَا تَفْعَلُهُ النِّسَاءُ أَوْ يُجْمَعُ الشَّعْرُ فَيُعْقَدُ فِي مُؤَخَّرَةِ الرَّأْسِ.
وَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ. فَلَوْ صَلَّى كَذَلِكَ فَصَلاَتُهُ صَحِيحَةٌ، حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وُجُوبَ الإِْعَادَةِ فِيهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
وَدَلِيل الْكَرَاهَةِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُصَلِّي وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ فَقَامَ وَجَعَل يَحُلُّهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَل إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَال: مَالَكَ وَرَأْسِي؟ فَقَال: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: إِنَّمَا مَثَل هَذَا مَثَل الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ (١) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: ذَاكَ كِفْل الشَّيْطَانِ (٢) . وَلِقَوْلِهِ ﷺ: أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ. . وَلاَ نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ (٣) .
وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ، أَنَّ الشَّعْرَ يَسْجُدُ مَعَ الْمُصَلِّي وَلِهَذَا مَثَّلَهُ فِي الْحَدِيثِ بِالَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ شَامِلٌ لِكُل مَنْ صَلَّى كَذَلِكَ، سَوَاءٌ تَعَمَّدَهُ لِلصَّلاَةِ أَمْ كَانَ
_________
(١) حديث: " إنما مثل هذا مثل الذي يصلي ". أخرجه مسلم (١ / ٣٥٥ - ط الحلبي) .
(٢) حديث: " ذاك كفل الشيطان ". أخرجه الترمذي (٢ / ٢٢٤ - ط الحلبي) من حديث أبي رافع، وقال: " حديث حسن ".
(٣) حديث: " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٩٧ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٣٥٤ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس.