الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٦
الْعَلاَمَةُ قَال الأَْصْمَعِيُّ: وَلاَ أَرَى مَشَاعِرَ الْحَجِّ إِلاَّ مِنْ هَذَا لأَِنَّهَا عَلاَمَاتٌ لَهُ (١) .
وَالشِّعَارُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الْعَلاَمَةُ الظَّاهِرَةُ الْمُمَيِّزَةُ. وَالشِّعَارُ مِنَ الثِّيَابِ هُوَ مَا يَلِي شَعْرَ الْجَسَدِ وَيَكُونُ تَحْتَ الدِّثَارِ. فَالدِّثَارُ لاَ يُلاَقِي الْجَسَدَ وَالشِّعَارُ بِخِلاَفِهِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أ - التَّشَبُّهُ بِشِعَارِ الْكُفَّارِ:
٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ التَّشَبُّهَ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ فِي اللِّبَاسِ الَّذِي يُمَيِّزُهُمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ كَالزُّنَّارِ وَنَحْوِهِ، وَالَّذِي هُوَ شِعَارٌ لَهُمْ يَتَمَيَّزُونَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، يُحْكَمُ بِكُفْرِ فَاعِلِهِ ظَاهِرًا إِنْ فَعَلَهُ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ، وَكَانَ فِعْلُهُ عَلَى سَبِيل الْمَيْل إِلَى الْكُفَّارِ، أَيْ: فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْفِعْل لِضَرُورَةِ الْحَرِّ أَوِ الْبَرْدِ أَوِ الْخَدِيعَةِ فِي الْحَرْبِ أَوِ الإِْكْرَاهِ مِنَ الْعَدُوِّ. فَلَوْ عُلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَبِسَهُ لاَ لاِعْتِقَادِ حَقِيقَةِ الْكُفْرِ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ
_________
(١) لسان العرب، المصباح المنير، والتهذيب للأزهري.
(٢) الإقناع للخطيب الشربيني ١ / ١٤٠، كشاف القناع عن متن الإقناع ٣ / ١٢٨، فتح القدير ٥ / ٣٠٢، ابن عابدين ٥ / ٢٢٦ - ٢٢٧.
مِنْهُمْ (١) . وَلأَِنَّ اللِّبَاسَ الْخَاصَّ بِالْكُفَّارِ عَلاَمَةُ الْكُفْرِ، وَالاِسْتِدْلاَل بِالْعَلاَمَةِ وَالْحُكْمُ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مُقَرَّرٌ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْل (٢) .
وَلِمَزِيدٍ مِنَ التَّفْصِيل (ر: تَشَبُّهٌ، ف ٤ وَأَلْبِسَةٌ) .
ب - لِبَاسُ مَا يَكُونُ شِعَارًا لِلشُّهْرَةِ:
٣ - وَهُوَ اللِّبَاسُ الْمُخَالِفُ لِلْعَادَةِ عِنْدَ أَهْل الْبَلْدَةِ بِحَيْثُ يَشْتَهِرُ لاَبِسُهُ عِنْدَ النَّاسِ وَيُشِيرُونَ إِلَيْهِ. وَهَذَا مَكْرُوهٌ شَرْعًا، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَال، قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا، أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ أَلْهَبَ فِيهِ نَارًا (٣) . وَلِكَوْنِهِ سَبَبًا إِلَى حَمْل النَّاسِ عَلَى الْغِيبَةِ (٤) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: أَلْبِسَةٌ. ف ١٦، ٦ ١٣٦) .
ج - اسْتِعْمَال آلَةٍ مِنْ شِعَارِ شَرَبَةِ الْخَمْرِ:
٤ - اخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْمِ فِي الْمَعَازِفِ،
_________
(١) حديث: " من تشبه بقوم فهو منهم. . . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٣١٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وجوده ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (١ / ٢٣٦ - ط العبيكان) .
(٢) الفتاوى الهندية ٢ / ٢٧٦، جواهر الإكليل ٢ / ٢٧٨، تحفة المحتاج ٩ / ٩٢.
(٣) حديث: " من لبس ثوب شهرة في الدنيا. . . " أخرجه ابن ماجه (٢ / ١١٩٣ - ط الحلبي) وهو حديث حسن.
(٤) المدخل لابن الحاج ١ / ١٣٧، كشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٢٧٨ - ٢٨٥ - ط النصر الحديثة.
وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ أَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَال آلَةٍ مِنْ شِعَارِ الشَّرَبَةِ كَطُنْبُورٍ وَعُودٍ، وَجَدَكٍ وَصَنْجٍ وَمِزْمَارٍ عِرَاقِيٍّ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الأَْوْتَارِ وَالْمَزَامِيرِ؛ لأَِنَّ اللَّذَّةَ الْحَاصِلَةَ مِنْهَا تَدْعُو إِلَى فَسَادٍ كَشُرْبِ الْخَمْرِ لاَ سِيَّمَا مَنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِهَا؛ وَلأَِنَّهَا شِعَارُ الْفَسَقَةِ وَالتَّشَبُّهُ بِهِمْ حَرَامٌ، وَخَرَجَ مَنْ سَمِعَهَا بِغَيْرِ قَصْدٍ (١) . وَ(ر: سَمَاعٌ. مَلاَهِي) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٣٨٢، جواهر الإكليل ٢ / ٢٣٨ / ١١، ٢ / ٢٣٣، نهاية المحتاج ٨ / ٢٨١، المغني ٩ / ١٧٥ - ١٧٦.
شَعْرٌ وَصُوفٌ وَوَبَرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الشَّعْرُ لُغَةً: نَبْتَةُ الْجِسْمِ مِمَّا لَيْسَ بِصُوفٍ وَلاَ وَبَرٍ لِلإِْنْسَانِ وَغَيْرِهِ، وَفِي الْمُعْجَمِ الْوَسِيطِ الشَّعْرُ زَوَائِدُ خَيْطِيَّةٌ تَظْهَرُ عَلَى جِلْدِ الإِْنْسَانِ وَغَيْرِهِ مِنَ الثَّدْيِيَّاتِ وَيُقَابِلُهُ الرِّيشُ فِي الطُّيُورِ وَالْخَرَاشِيفُ فِي الزَّوَاحِفِ، وَالْقُشُورُ فِي الأَْسْمَاكِ، وَجَمْعُهُ أَشْعَارٌ وَشُعُورٌ. وَيُقَال: رَجُلٌ أَشْعَرُ وَشَعِرٌ وَشَعْرَانِيٌّ إِذَا كَانَ كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ وَالْجَسَدِ (١)
. وَالصُّوفُ مَا يَكُونُ لِلضَّأْنِ وَمَا أَشْبَهَهُ أَخَصُّ مِنْهُ، وَالصُّوفُ لِلضَّأْنِ، كَالشَّعْرِ لِلْمَعْزِ، وَالْوَبَرِ لِلإِْبِل (٢) .
وَالْوَبَرُ مَا يَنْبُتُ عَلَى جُلُودِ الإِْبِل وَالأَْرَانِبِ وَنَحْوِهَا، وَالْجَمْعُ أَوْبَارٌ، وَيُقَال جَمَلٌ وَبِرٌ وَأَوْبَرُ إِذَا كَانَ كَثِيرَ الْوَبَرِ، وَالنَّاقَةُ وَبِرَةٌ وَوَبْرَاءُ (٣) .
وَالرِّيشُ مَا يَكُونُ عَلَى أَجْسَامِ الطُّيُورِ
_________
(١) لسان العرب والقاموس والمصباح المنير والمعجم الوسيط مادة (شعر) .
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير مادة (صوف) .
(٣) لسان العرب والمصباح المنير مادة (وبر) .
وَأَجْنِحَتِهَا. وَقَدْ يَخُصُّ الْجُنَاحَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِهِ. وَالْفَرْوُ: جُلُودُ بَعْضِ الْحَيَوَانِ كَالدِّبَبَةِ وَالثَّعَالِبِ تُدْبَغُ وَيُتَّخَذُ مِنْهَا مَلاَبِسُ لِلدِّفْءِ وَلِلزِّينَةِ وَجَمْعُهُ فِرَاءٌ.
حُكْمُ شَعْرِ الإِْنْسَانِ:
٢ - شَعْرُ الإِْنْسَانِ طَاهِرٌ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الشَّعْرُ مُتَّصِلًا أَمْ مُنْفَصِلًا، وَاسْتَدَلُّوا لِطَهَارَتِهِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَاوَل أَبَا طَلْحَةَ شَعْرَهُ فَقَسَمَهُ بَيْنَ النَّاسِ (١) .
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الاِنْتِفَاعِ بِشَعْرِ الآْدَمِيِّ بَيْعًا وَاسْتِعْمَالًا؛ لأَِنَّ الآْدَمِيَّ مُكَرَّمٌ لِقَوْلِهِ ﷾: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (٢) .
فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ مُهَانًا مُبْتَذَلًا (٣) .
شَعْرُ الْحَيَوَانِ الْمَيِّتِ:
٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى طَهَارَةِ شَعْرِ الْمَيْتَةِ إِذَا كَانَتْ طَاهِرَةً حَال الْحَيَاةِ.
وَانْفَرَدَ الْمَالِكِيَّةُ بِالْقَوْل بِطَهَارَةِ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ لأَِنَّهُ طَاهِرٌ حَال الْحَيَاةِ، وَهَذَا إِذَا جُزَّ جَزًّا وَلَمْ
_________
(١) حديث: " إن النبي ﷺ ناول أبا طلحة شعره ". أخرجه مسلم (٢ / ٩٤٨ - ط الحلبي)، من حديث أنس بن مالك.
(٢) سورة الإسراء / ٧٠.
(٣) البناية ٦ / ٤٠٧، حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٢ / ٣٣٠، حاشية الدسوقي ١ / ٤٩، ونهاية المحتاج ١ / ٢٢٨، ٢٢٩، كشاف القناع ١ / ٥٦ - ٥٧.
يُنْتَفْ. فَإِنْ نُتِفَ فَإِنَّ أُصُولَهُ نَجِسَةٌ، وَأَعْلاَهُ طَاهِرٌ.
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷾: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (١) .
وَالآْيَةُ سِيقَتْ لِلاِمْتِنَانِ، فَالظَّاهِرُ شُمُولُهَا الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ.
وَبِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ ﵂: أَنَّ الرَّسُول ﷺ قَال فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ حِينَ مَرَّ بِهَا: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا (٢) . - وَفِي لَفْظٍ - إِنَّمَا حَرُمَ عَلَيْكُمْ لَحْمُهَا وَرُخِّصَ لَكُمْ فِي مَسْكِهَا (٣) أَيْ جِلْدِهَا.
وَاسْتَدَلُّوا مِنَ الْمَعْقُول بِأَنَّ الْمَعْهُودَ فِي الْمَيْتَةِ حَال الْحَيَاةِ الطَّهَارَةُ، وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ الْمَوْتُ النَّجَاسَةَ فِيمَا تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ، وَالشُّعُورُ لاَ تَحُلُّهَا الْحَيَاةُ.
فَلاَ يَحُلُّهَا الْمَوْتُ، وَإِذَا لَمْ يَحُلَّهَا وَجَبَ الْحُكْمُ بِبَقَاءِ الْوَصْفِ الشَّرْعِيِّ الْمَعْهُودِ لِعَدَمِ الْمُزِيل.
فَالأَْصْل فِي طَهَارَةِ شَعْرِ الْمَيْتَةِ أَنَّ مَا لاَ تَحُلُّهُ
_________
(١) سورة النحل / ٨٠.
(٢) حديث: " إنما حرم أكلها ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤١٣ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٢٧٦ - ط. الحلبي) من حديث ابن عباس.
(٣) حديث: " إنما حرم عليكم لحمها ورخص لكم في مسكها ". أخرجه الدارقطني (١ / ٤٤ - ط دار المحاسن) وصححه.
الْحَيَاةُ - لأَِنَّهُ لاَ يُحِسُّ وَلاَ يَتَأَلَّمُ - لاَ تَلْحَقُهُ النَّجَاسَةُ بِالْمَوْتِ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى نَجَاسَةِ شَعْرِ الْمَيْتَةِ إِلاَّ مَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ وَدُبِغَ، وَكَذَلِكَ الشَّعْرُ الْمُنْفَصِل مِنَ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَأْكُول وَهُوَ حَيٌّ.
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٢) . وَهُوَ عَامٌّ فِي الشَّعْرِ وَغَيْرِهِ. وَالْمَيْتَةُ اسْمٌ لِمَا فَارَقَتْهُ الرُّوحُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ بِدُونِ تَذْكِيَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَهَذِهِ الآْيَةُ خَاصَّةٌ فِي تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَعَامَّةٌ فِي الشَّعْرِ وَغَيْرِهِ، وَهِيَ رَاجِحَةٌ فِي دَلاَلَتِهَا عَلَى الآْيَةِ الأُْولَى وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (٣) . لأَِنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وَرَدَ لِبَيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالآْيَةُ الأُْولَى وَرَدَتْ لِلاِمْتِنَانِ.
وَاسْتَدَلُّوا مِنَ الْمَعْقُول بِأَنَّ كُل حَيَوَانٍ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ يَنْجُسُ شَعْرُهُ وَصُوفُهُ (٤) .
شَعْرُ الْمَيْتِ:
أَوَّلًا: شَعْرُ رَأْسِ الرَّجُل الْمَيْتِ
٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ
_________
(١) فتح القدير ١ / ٨٤، ٨٥، كشاف القناع ١ / ٥٦ - ٥٧، حاشية الدسوقي ١ / ٤٩.
(٢) سورة المائدة / ٣.
(٣) سورة النحل / ٨٠.
(٤) المجموع ١ / ٢٣٠ - ٢٣١، ٢٣٦ - ٢٣٧، مغني المحتاج ١ / ٧٨.
حَلْقِ شَعْرِ رَأْسِ الْمَيْتِ وَلاَ تَسْرِيحِهِ، لأَِنَّ حَلْقَ الشَّعْرِ يَكُونُ لِلزِّينَةِ أَوْ لِلنُّسُكِ وَالْمَيْتُ لاَ نُسُكَ عَلَيْهِ وَلاَ يُزَيَّنُ.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا مَرَّتْ بِقَوْمٍ يُسَرِّحُونَ شَعْرَ مَيْتٍ فَنَهَتْهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَتْ: عَلاَمَ تَنُصُّونَ مَيِّتَكُمْ. أَيْ: لاَ تُسَرِّحُوا رَأْسَهُ بِالْمُشْطِ؛ لأَِنَّهُ يَقْطَعُ الشَّعْرَ وَيَنْتِفُهُ، وَعَبَّرَتْ بِتَنُصُّونَ وَهُوَ الأَْخْذُ بِالنَّاصِيَةِ، أَيْ مِنْهَا، تَنْفِيرًا عَنْهُ وَيَدُل لِعَدَمِ الْجَوَازِ الْقِيَاسُ عَلَى الْخِتَانِ حَيْثُ يُخْتَنُ الْحَيُّ وَلاَ يُخْتَنُ الْمَيِّتُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُخْتَارِ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ حَلْقِ شَعْرِ رَأْسِ الْمَيْتِ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمُ الْجَوَازَ بِمَا إِذَا كَانَ مِنْ عَادَةِ الْمَيِّتِ حَلْقُهُ أَمَّا إِذَا كَانَ لاَ يُعْتَادُ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ ذَا جَمَّةٍ فَلاَ يُحْلَقُ بِلاَ خِلاَفٍ عِنْدَهُمْ، وَاسْتَدَلُّوا لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِأَنَّ الشَّعْرَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيِّتِ، وَأَجْزَاؤُهُ مُحْتَرَمَةٌ؛ فَلاَ تُنْتَهَكُ بِهَذَا، وَلَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ فِي هَذَا شَيْءٌ فَكُرِهَ فِعْلُهُ.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ آخَرَانِ: الأَْوَّل: أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ وَلاَ يُسْتَحَبُّ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، وَفِي اللِّحْيَةِ وَالشَّارِبِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (شَارِبٌ، وَلِحْيَةٌ) .
ثَانِيًا: شَعْرُ رَأْسِ الْمَرْأَةِ الْمَيِّتَةِ:
٥ - اتَّفَقَ. جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى اسْتِحْبَابِ ضَفْرِ شَعْرِ الْمَرْأَةِ ثَلاَثَ ضَفَائِرَ، قَرْنَيْهَا وَنَاصِيَتَهَا، وَيُسْدَل خَلْفَهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُجْعَل عَلَى صَدْرِهَا وَيُجْعَل ضَفِيرَتَيْنِ فَوْقَ الْقَمِيصِ تَحْتَ اللِّفَافَةِ؛ لأَِنَّهُ فِي حَال حَيَاتِهَا يُجْعَل وَرَاءَ ظَهْرِهَا لِلزِّينَةِ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ رُبَّمَا انْتَشَرَ الْكَفَنُ؛ فَيُجْعَل عَلَى صَدْرِهَا.
وَدَلِيل اسْتِحْبَابِ ضَفْرِ شَعْرِ الْمَرْأَةِ مَا رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂ أَنَّهُنَّ جَعَلْنَ رَأْسَ بِنْتِ رَسُول اللَّهِ ﷺ ثَلاَثَةَ قُرُونٍ، نَقَضْنَهُ ثُمَّ غَسَلْنَهُ ثُمَّ جَعَلْنَهُ ثَلاَثَةَ قُرُونٍ، وَوَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّهُنَّ أَلْقَيْنَهَا خَلْفَهَا (١) .
وَالأَْصْل أَنْ لاَ يُفْعَل فِي الْمَيِّتِ شَيْءٌ مِنْ جِنْسِ الْقُرَبِ إِلاَّ بِإِذْنٍ مِنَ الشَّرْعِ مُحَقَّقٍ، فَالظَّاهِرُ إِطْلاَعُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا فَعَلَتْ وَتَقْرِيرُهُ لَهُ.
وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ: اغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ (٢) .
_________
(١) حديث أم عطية: " أنهن جعلن رأس بنت رسول الله ﷺ ثلاثة قرون ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١٣٢، ١٣٤ ط. السلفية) .
(٢) حديث: " اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١٢٥ - ط السلفية)، وأخرجه مسلم بلفظ: " اغسلنها وترًا: ثلاثًا أو خمسًا ".
ثَالِثًا: شَعْرُ سَائِرِ الْبَدَنِ مِنَ الْمَيِّتِ كَاللِّحْيَةِ وَالشَّارِبِ وَشَعْرِ الإِْبْطِ وَالْعَانَةِ:
٦ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُخْتَارِ إِلَى كَرَاهَةِ حَلْقِ غَيْرِ مَا يَحْرُمُ حَلْقُهُ حَال الْحَيَاةِ. وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ آخَرَانِ:
الأَْوَّل: أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ وَلاَ يُسْتَحَبُّ،
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ. وَدَلِيل الْكَرَاهَةِ مَا تَقَدَّمَ فِي كَرَاهَةِ حَلْقِ شَعْرِ الرَّأْسِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الشُّعُورَ إِذَا أُزِيلَتْ أَنَّهَا تُصَرُّ وَتُضَمُّ مَعَ الْمَيِّتِ فِي كَفَنِهِ وَيُدْفَنُ.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ آخَرَ: أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ لاَ تُدْفَنَ مَعَهُ بَل تُوَارَى فِي الأَْرْضِ فِي غَيْرِ الْقَبْرِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى تَحْرِيمِ حَلْقِ اللِّحْيَةِ وَكَذَا تَحْرِيمُ حَلْقِ شَعْرِ الْعَانَةِ مِنَ الْمَيِّتِ لِمَا فِيهِ مِنْ لَمْسِ الْعَوْرَةِ وَرُبَّمَا احْتَاجَ إِلَى نَظَرِهَا، وَالنَّظَرُ مُحَرَّمٌ فَلاَ يُرْتَكَبُ مِنْ أَجْل مَنْدُوبٍ، وَيُسَنُّ أَخْذُ شَعْرِ الإِْبِطِ وَقَصُّ الشَّارِبِ (١) .
مَسْحُ الشَّعْرِ فِي الْوُضُوءِ:
٧ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ مَسْحِ جَمِيعِ شَعْرِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ وَحْدَهُ مِنْ مَنَابِتِ
_________
(١) فتح القدير ٢ / ٧٥، الاختيار ١ / ٩٣، حاشية الدسوقي ١ / ٤١٠ - ٤١١، ٤٢٢ - ٤٢٣، الزرقاني على خليل ٢ / ٨٨، المجموع ٥ / ١٧٨ - ١٨٤، كشاف القناع ٢ / ٩٦ - ٩٧.