الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥ الصفحة 63

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥

مُتْحَمٌ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ جِهَةِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ، وَلِذَلِكَ اسْتَلَمَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ دُونَ الآْخَرَيْنِ (١) . وَعَلَى أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمَّا نَقَضَ الْبَيْتَ وَبَنَاهُ إِنَّمَا زَادَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْحِجْرِ، وَأَنَّهُ أَقَامَهَا عَلَى الأُْسُسِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي عَايَنَهَا الْعُدُول مِنَ الصَّحَابَةِ وَكُبَرَاءِ التَّابِعِينَ، وَوَقَعَ الاِتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمْ يَنْقُضْ إِلاَّ جِهَةَ الْحِجْرِ خَاصَّةً.

كَمَا اسْتَدَل بِأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمَّا هَدَمَ الْكَعْبَةَ أَلْصَقَهَا بِالأَْرْضِ مِنْ جَوَانِبِهَا وَظَهَرَتْ أُسُسُهَا وَأَشْهَدَ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَرَفَعَ الْبِنَاءَ عَلَى ذَلِكَ الأَْسَاسِ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ دُخُول الشَّاذَرْوَانِ ضِمْنَ الطَّوَافِ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى وُجُوبِ خُرُوجِ جَمِيعِ بَدَنِ الطَّائِفِ عَنِ الشَّاذَرْوَانِ، أَيْ: أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي ضِمْنِ مَا يَطُوفُ حَوْلَهُ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فَلَمْ يُوجِبُوا ذَلِكَ وَصَحَّحُوا الطَّوَافَ فَوْقَهُ. قَالُوا: " لَكِنْ

_________

(١) حديث استلام النبي ﷺ الركنين اليمانين، ورد في حديث ابن عمر أنه قال: " لم أر النبي ﷺ يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٤٧٣ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٩٢٤ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم.

يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ طَوَافُهُ وَرَاءَهُ خُرُوجًا مِنَ الْخِلاَفِ ". لَكِنْ مِنَ الْقَائِلِينَ بِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ مَنْ لاَ يَقُول: إِنَّ الشَّاذَرْوَانَ مِنَ الْكَعْبَةِ (١) . وَفَرَّعَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ فُرُوعًا أَوْرَدَهَا النَّوَوِيُّ:

(١) لَوْ طَافَ مَاشِيًا عَلَى الشَّاذَرْوَانِ وَلَوْ فِي خُطْوَةٍ لَمْ تَصِحَّ طَوْفَتُهُ تِلْكَ؛ لأَِنَّهُ طَافَ فِي الْبَيْتِ لاَ بِالْبَيْتِ.

(٢) لَوْ طَافَ خَارِجَ الشَّاذَرْوَانِ وَكَانَ يَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ أَحْيَانًا عَلَى الشَّاذَرْوَانِ وَيَثِبُ بِالأُْخْرَى، لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ بِاتِّفَاقِ الشَّافِعِيَّةِ.

وَوَاضِحٌ أَنَّ هَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ غَيْرُ وَاقِعَيْنِ الآْنَ؛ لأَِنَّ الشَّاذَرْوَانَ رُفِعَ مِنْ أَعْلاَمِهِ مَائِلًا حَتَّى يَنْتَهِيَ بِمُلاَصَقَةِ جِدَارِ الْكَعْبَةِ.

(٣) لَوْ طَافَ خَارِجَ الشَّاذَرْوَانِ وَكَانَ يَمَسُّ الْجِدَارَ بِيَدِهِ فِي مُوَازَاةِ الشَّاذَرْوَانِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْبَيْتِ، فَفِي صِحَّةِ طَوَافِهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لاَ يَصِحُّ (٢) .

_________

(١) انظر قول ابن قدامة: " فصل: لو طاف على جدار الحجر وشاذروان الكعبة وهو ما فضل من حائطها لم يجزئ، لأن ذلك من البيت، فإذا لم يطف به لم يطف بكل البيت، لأن النبي ﷺ طاف من وراء ذلك ".

(٢) المجموع ٨ / ٢٦، وانظر الحطاب ٣ / ٧٤، والمغني ٣ / ٣٨٣، وابن عابدين ٢ / ١٦٨.

شَارِب

التَّعْرِيفُ:

١ - الشَّارِبُ: اسْمُ فَاعِل شَرِبَ، يُقَال: شَرِبَ الْمَاءَ أَوْ غَيْرَهُ شُرْبًا فَهُوَ شَارِبٌ، وَمِنْهُ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ (١) .

وَرَجُلٌ شَارِبٌ وَشَرُوبٌ وَشَرَّابٌ وَشِرِّيبٌ: مُولَعٌ بِالشَّرَابِ، كَخِمِّيرٍ، وَالشَّرْبُ وَالشُّرُوبُ: الْقَوْمُ يَشْرَبُونَ وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى الشَّرَابِ، قَال ابْنُ سِيدَهْ: الشَّرْبُ اسْمُ جَمْعٍ لِشَارِبٍ، كَرَكْبٍ وَرَجْلٍ، وَقِيل: هُوَ جَمْعٌ، وَالشُّرُوبُ جَمْعُ شَارِبٍ، كَشَاهِدٍ وَشُهُودٍ.

وَالشَّارِبُ - أَيْضًا - اسْمٌ لِلشَّعْرِ الَّذِي يَسِيل عَلَى الْفَمِ، قَال أَبُو حَاتِمٍ: وَلاَ يَكَادُ يُثَنَّى، وَقَال أَبُو عُبَيْدَةَ: قَال الْكِلاَبِيُّونَ: شَارِبَانِ، بِاعْتِبَارِ الطَّرَفَيْنِ، وَالْجَمْعُ شَوَارِبُ (٢) .

_________

(١) سورة الواقعة / ٥٤، ٥٥.

(٢) المصباح المنير، والقاموس المحيط، ولسان العرب مادة (شرب) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - اللِّحْيَةُ:

٢ - اللِّحْيَةُ: وَهِيَ - بِكَسْرِ اللاَّمِ وَفَتْحِهَا - الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الذَّقَنِ خَاصَّةً، وَالْجَمْعُ: لِحًى وَلُحِيٌّ مَا يَنْبُتُ مِنَ الشَّعْرِ عَلَى ظَاهِرِ اللَّحْيِ، وَهُوَ فَكُّ الْحَنَكِ الأَْسْفَل.

وَالشَّارِبُ وَاللِّحْيَةُ كِلاَهُمَا مِنْ شَعْرِ الْوَجْهِ، لَكِنِ الشَّارِبُ يَكُونُ عَلَى الشَّفَةِ الْعُلْيَا، وَاللِّحْيَةُ تَكُونُ عَلَى الذَّقَنِ (٢) .

ب - الْعِذَارُ:

٣ - الْعِذَارُ عِنْدَ أَهْل اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ: هُوَ الشَّعْرُ النَّابِتُ الْمُحَاذِي لِلأُْذُنَيْنِ بَيْنَ الصُّدْغِ وَالْعَارِضِ وَهُوَ أَوَّل مَا يَنْبُتُ لِلأَْمْرَدِ غَالِبًا (٣) .

وَالشَّارِبُ وَالْعِذَارُ كِلاَهُمَا مِنْ شَعْرِ الْوَجْهِ، لَكِنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي مَوْضِعِهِمَا مِنَ الْوَجْهِ.

_________

(١) الإقناع للشربيني ١ / ٣٨، المفردات ص ٢٥٧.

(٢) المصباح المنير، الخرشي ١ / ١٢١، الإقناع ١ / ٣٨.

(٣) المصباح المنير، ولسان العرب، الإقناع للشربيني ١ / ٣٨، نهاية المحتاج ١ / ١٥٤.

ج - الْعَنْفَقَةُ:

٤ - الْعَنْفَقَةُ: شُعَيْرَاتٌ بَيْنَ الشَّفَةِ السُّفْلَى وَالذَّقَنِ، وَقِيل: الْعَنْفَقَةُ مَا بَيْنَ الذَّقَنِ وَطَرَفِ الشَّفَةِ السُّفْلَى كَانَ عَلَيْهَا شَعْرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَقِيل: الْعَنْفَقَةُ مَا نَبَتَ عَلَى الشَّفَةِ السُّفْلَى مِنَ الشَّعْرِ (١) .

د - الْعُثْنُونُ:

٥ - الْعُثْنُونُ: اللِّحْيَةُ أَوْ مَا فَضَل مِنْهَا بَعْدَ الْعَارِضَيْنِ، أَوْ مَا نَبَتَ عَلَى الذَّقَنِ وَتَحْتَهُ سُفْلًا (٢) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالشَّارِبِ (مِنَ الشُّرْبِ):

٦ - يُطْلَقُ الشَّارِبُ - كَمَا سَبَقَ فِي التَّعْرِيفِ - عَلَى مَنْ شَرِبَ الْمَاءَ أَوْ غَيْرَهُ، وَلَكِنِ الشَّارِبُ الَّذِي عُنِيَ الْفُقَهَاءُ بِالأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ هُوَ شَارِبُ الْخَمْرِ وَسَائِرِ الْمُسْكِرَاتِ.

وَشُرْبُ الْخَمْرِ مِنْ كَبَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ، بَل إِنَّ الْخَمْرَ أُمُّ الْكَبَائِرِ كَمَا قَال عُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵄ وَالأَْصْل فِي تَحْرِيمِهَا، قَوْل اللَّهِ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَْنْصَابُ وَالأَْزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ

_________

(١) لسان العرب، والقاموس المحيط.

(٢) القاموس المحيط مادة (عثن) .

عَمَل الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) . انْظُرْ: (أَشْرِبَة، سُكْر) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالشَّارِبِ (الشَّعْرِ عَلَى الشَّفَةِ الْعُلْيَا):

أَوَّلًا: تَطْهِيرُ الشَّارِبِ:

أ - فِي الْوُضُوءِ:

٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْل الشَّارِبِ مَعَ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ، وَعَلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْل بَشَرَةِ الشَّارِبِ إِذَا كَانَ خَفِيفًا بِحَيْثُ لاَ يَسْتُرُ شَعْرُ الشَّارِبِ الْبَشَرَةَ؛ أَيِ الْجِلْدَ تَحْتَهُ، فَإِنْ لَمْ تُغْسَل الْبَشَرَةُ - أَيْ لَمْ يَصِل الْمَاءُ إِلَيْهَا - فَلاَ يُجْزِئُ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ (٢) .

وَلَكِنِ الْفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ إيصَال الْمَاءِ إِلَى بَشَرَةِ الشَّارِبِ فِي الْوُضُوءِ إِذَا كَانَ الشَّعْرُ كَثِيفًا يَسْتُرُ الْبَشَرَةَ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ غَسْل بَاطِنِ شَعْرِ الشَّارِبِ وَإِيصَال الْمَاءِ إِلَى الْبَشَرَةِ تَحْتَهُ إِذَا كَانَ كَثِيفًا، لَكِنِ الشَّارِبُ إِذَا كَانَ طَوِيلًا يَسْتُرُ حُمْرَةَ الشَّفَتَيْنِ وَجَبَ تَخْلِيلُهُ لأَِنَّهُ يَمْنَعُ ظَاهِرًا وُصُول الْمَاءِ إِلَى

_________

(١) سورة المائة / ٩٠.

(٢) رد المحتار ١ / ٦٦ - ٦٩، الخرشي ١ / ١٢٢، نهاية المحتاج ١ / ١٥٤، المغني ١ / ١١٦.

جَمِيعِ الشَّفَةِ أَوْ بَعْضِهَا، وَلاَ سِيَّمَا إِنْ كَانَ كَثِيفًا، وَتَخْلِيلُهُ مُحَقِّقٌ لِوُصُول الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِهَا (١) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ مَعَ غَسْل الْوَجْهِ غَسْل ظَاهِرِ الشَّعْرِ إِذَا كَانَ كَثِيفًا، وَيُكْرَهُ تَخْلِيل الشَّعْرِ الْكَثِيفِ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ (٢) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ مَعَ غَسْل الْوَجْهِ غَسْل الشَّارِبِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِيصَال الْمَاءِ إِلَى الْبَشَرَةِ تَحْتَهُ وَإِنْ كَثُفَ الشَّعْرُ؛ لأَِنَّ كَثَافَتَهُ نَادِرَةٌ فَأُلْحِقَ بِالْغَالِبِ، وَالْمُرَادُ بِالظَّاهِرِ: الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ، وَبِالْبَاطِنِ: خِلاَل الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةُ الَّتِي تَحْتَهُ، وَقِيل: الظَّاهِرُ مَا ظَهَرَ مِنَ الْجِهَتَيْنِ، وَالْبَاطِنُ مَا بَيْنَهُمَا وَأُصُول الشَّعْرِ (٣) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْل الشَّارِبِ مَعَ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ. فَإِنْ كَانَ شَعْرُ الشَّارِبِ كَثِيفًا لاَ يَصِفُ الْبَشَرَةَ أَجْزَأَ غَسْل ظَاهِرِهِ، وَيُسَنُّ تَخْلِيل الشَّارِبِ إِذَا كَانَ كَثِيفًا وَغَسْل بَاطِنِهِ خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهُ، وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ ذَكَرَ فِي

_________

(١) رد المحتار ١ / ٦٩، فتح القدير ١ / ١٠.

(٢) الخرشي ١ / ١٢٢.

(٣) الإقناع للشربيني وحاشية الباجوري ١ / ٣٨.

الشَّارِبِ وَجْهًا آخَرَ فِي وُجُوبِ غَسْل بَاطِنِهِ وَإِنْ كَانَ كَثِيفًا؛ لأَِنَّهُ يَسْتُرُ مَا تَحْتَهُ عَادَةً، وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ كَانَ نَادِرًا فَلاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ (١) .

ب - فِي الْغُسْل:

٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْغُسْل تَعْمِيمُ الشَّارِبِ شَعْرًا وَبَشَرَةً بِالْمَاءِ، كَثِيفًا كَانَ الشَّارِبُ أَوْ خَفِيفًا، لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ تَحْتَ كُل شَعْرَةٍ جَنَابَةً فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ (٢) . وَلِمَا رَوَى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِل بِهِ مِنَ النَّارِ كَذَا وَكَذَا قَال عَلِيٌّ ﵁: " فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ شَعْرِي ثَلاَثًا " وَكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ (٣) . وَلأَِنَّ الْحَدَثَ فِي الْغُسْل مِنَ الْجَنَابَةِ عَمَّ جَمِيعَ الْبَدَنِ فَوَجَبَ تَعْمِيمُهُ بِالْغُسْل، وَلأَِنَّ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ بَشَرَةٌ أَمْكَنَ إيصَال الْمَاءِ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَلَزِمَ كَسَائِرِ بَشَرَتِهِ؛ وَلأَِنَّهُ شَعْرٌ نَابِتٌ فِي مَحَل الْغُسْل

_________

(١) كشاف القناع ١ / ٩٦، المغني ١ / ١١٦.

(٢) حديث: " إن تحت كل شعرة جنابة ". أخرجه أبو داود (١ / ١٧٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي هريرة، ثم أعله بضعف أحد رواته.

(٣) حديث: " من ترك موضع شعرة. . . . ". أخرجه أبو داود (١ / ١٧٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) ولمح ابن حجر في التلخيص (١ / ١٤٢ - ط شركة الطباعة الفنية) إلى أن الصواب وقفه على عليّ بن أبي طالب.

فَوَجَبَ غَسْلُهُ؛ وَلأَِنَّ مِنْ ضَرُورَةِ غَسْل الْبَشَرَةِ غَسْلُهُ، فَوَجَبَ غَسْلُهُ لأَِنَّ الْوَاجِبَ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِهِ (١) .

ج - إِعَادَةُ التَّطَهُّرِ بَعْدَ حَلْقِ الشَّارِبِ:

٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ أَوِ اغْتَسَل ثُمَّ حَلَقَ شَارِبَهُ أَوْ قَصَّهُ، لاَ يَلْزَمُهُ إِعَادَةُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل، وَلاَ يَلْزَمُهُ إِعَادَةُ غَسْل مَحَل الْحَلْقِ أَوِ الْقَصِّ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ فِيمَا يَشْمَل هَذِهِ الْحَالَةَ: وَمَتَى غَسَل هَذِهِ الشُّعُورَ ثُمَّ زَالَتْ عَنْهُ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي طَهَارَتِهِ، قَال يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ: مَا زَادَهُ ذَلِكَ إِلاَّ طَهَارَةً، وَهَذَا قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ؛ لأَِنَّ فَرْضَ الْغَسْل انْتَقَل إِلَى الشَّعْرِ أَصْلًا، بِدَلِيل أَنَّهُ لَوْ غَسَل الْبَشَرَةَ دُونَ الشَّعْرِ لَمْ يُجْزِهِ، بِخِلاَفِ الْخُفَّيْنِ فَإِنَّ مَسْحَهُمَا بَدَلٌ عَنْ غَسْل الرِّجْلَيْنِ فَيُجْزِئُ غَسْل الرِّجْلَيْنِ دُونَ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ (٢) .

وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّ ظُهُورَ بَشَرَةِ الْوَجْهِ بَعْدَ غَسْل شَعْرِهِ يُوجِبُ غَسْلَهَا قِيَاسًا عَلَى ظُهُورِ قَدَمِ الْمَاسِحِ عَلَى الْخُفِّ (٣) .

_________

(١) رد المحتار ١ / ١٠٣، الخرشي ١ / ١٦٨، مغني المحتاج ١ / ٧٣، المغني ١ / ٢٢٧ - ٢٢٨.

(٢) الدر المختار ورد المحتار ١ / ٦٩، شرح الزرقاني ١ / ٦٠، المغني ١ / ١١٧.

(٣) المغني ١ / ١١٧.

ثَانِيًا: الأَْخْذُ مِنَ الشَّارِبِ:

١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأَْخْذَ مِنَ الشَّارِبِ مِنَ الْفِطْرَةِ؛ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: الْفِطْرَةُ خَمْسٌ - أَوْ: خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ - الْخِتَانُ وَالاِسْتِحْدَادُ وَتَقْلِيمُ الأَْظْفَارِ وَنَتْفُ الإِْبْطِ وَقَصُّ الشَّارِبِ (١) .

قَال النَّوَوِيُّ: وَتَفْسِيرُ الْفِطْرَةِ بِالسُّنَّةِ هُنَا هُوَ الصَّوَابُ؛ لِمَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مِنَ السُّنَّةِ قَصُّ الشَّوَارِبِ وَنَتْفُ الإِْبْطِ وَتَقْلِيمُ الأَْظْفَارِ (٢) .

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأَْخْذَ مِنَ الشَّارِبِ مِنَ السُّنَّةِ (٣)، لِلْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَلِمَا وَرَدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁

_________

(١) حديث: " الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة. . . . ". أخرجه مسلم (١ / ٢٢١ - ط الحلبي) .

(٢) قوله: من السنة قص الشوارب تعقب الحافظ ابن حجر كلام النووي، أنه لم ير هذا اللفظ في شيء من نسخ البخاري وأن الصواب أنه عند البخاري بلفظ: " الفطرة " كذا في فتح الباري (١٠ / ٣٣٩ - ط السلفية) . ولفظ: " من الفطرة قص الشارب " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٣٤ - ط السلفية) من حديث ابن عمر.

(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ٣ / ١٤٦ - ١٤٨، المجموع شرح المهذب ١ / ٢٤٨ - ٢٨٧.