الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥ الصفحة 52

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥

الْهِلاَل وَاخْتِفَائِهِ فِي بِدَايَةِ الشَّهْرِ وَنِهَايَتِهِ، قَال زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ: وَعَدَدُ أَيَّامِهَا كَمَا قَال صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرُهُ: ثَلاَثُ مِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَخُمُسُ يَوْمٍ وَسُدُسُهُ. فَالسَّنَةُ الشَّمْسِيَّةُ تَتَّفِقُ مَعَ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ فِي عَدَدِ الشُّهُورِ وَتَخْتَلِفُ مَعَهَا فِي عَدَدِ الأَْيَّامِ فَتَزِيدُ أَيَّامُهَا عَلَى أَيَّامِ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ بِأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا وَجُزْءٍ مِنْ وَاحِدٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ الْيَوْمِ.

وَقَدِ اعْتَمَدَ عَلَى السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ الرُّومُ وَالسُّرْيَانُ وَالْفُرْسُ وَالْقِبْطُ فِي تَأْرِيخِهِمْ، فَهُنَاكَ السَّنَةُ الرُّومِيَّةُ، وَالسَّنَةُ السُّرْيَانِيَّةُ، وَالسَّنَةُ الْفَارِسِيَّةُ وَالسَّنَةُ الْقِبْطِيَّةُ، وَهَذِهِ السُّنُونَ وَإِنْ كَانَتْ مُتَّفِقَةً فِي عَدَدِ شُهُورِ كُل سَنَةٍ مِنْهَا، إِلاَّ أَنَّهَا تَخْتَلِفُ فِي أَسْمَاءِ تِلْكَ الشُّهُورِ وَفِي مَوْعِدِ بَدْءِ كُل سَنَةٍ مِنْهَا وَفِي عَدَدِ أَيَّامِهَا (١) .

الأَْحْكَامُ الإِْجْمَالِيَّةُ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

أ - الزَّكَاةُ:

٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَوْل - أَيْ مُضِيَّ سَنَةٍ كَامِلَةٍ عَلَى مِلْكِهِ النِّصَابَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي نِصَابِ السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ،

_________

(١) مروج الذهب للمسعودي ١ / ٣٤٩ - ٣٥٤ ط. البهية، التعريفات للجرجاني / ١٦١ ط. العربي، فتح القدير ٣ / ٢٦٦ ط. الأميرية، أسنى المطالب ٢ / ١٢٥ ط. الميمنية.

وَفِي الأَْثْمَانِ، وَهِيَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَفِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ؛ لِحَدِيثِ: لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل (١) . أَمَّا الزَّرْعُ وَالثِّمَارُ فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا حَوْلٌ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢) وَلأَِنَّهَا نَمَاءٌ بِنَفْسِهَا مُتَكَامِلَةٌ عِنْدَ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنْهَا فَتُؤْخَذُ زَكَاتُهَا حِينَئِذٍ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِي النَّقْصِ لاَ فِي النَّمَاءِ، فَلاَ تَجِبُ فِيهَا زَكَاةٌ ثَانِيَةٌ؛ لِعَدَمِ إِرْصَادِهَا لِلنَّمَاءِ، وَالْمَعْدِنُ الْمُسْتَخْرَجُ مِنَ الأَْرْضِ كَالزَّرْعِ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ حَوْلٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ خُمُسٍ.

فَيُؤْخَذُ زَكَاتُهُ عِنْدَ حُصُولِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الأَْثْمَانِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ كُل حَوْلٍ لأَِنَّهُ مَظِنَّةُ النَّمَاءِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الأَْثْمَانَ قِيَمُ الأَْمْوَال وَرَأْسُ مَال التِّجَارَةِ، وَبِهَا تَحْصُل الْمُضَارَبَةُ وَالشَّرِكَةُ.

وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ إِنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنْ مَال الزَّكَاةِ مِمَّا يُعْتَبَرُ لَهُ الْحَوْل وَلاَ مَال لَهُ سِوَاهُ، انْعَقَدَ حَوْلُهُ مِنْ حِينِ حُصُول

_________

(١) حديث: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ". أورده ابن حجر في التلخيص (٢ / ١٥٦ - ط شركة الطباعة الفنية) بهذا اللفظ، وقال عن إسناده: " لا بأس به " وأخرجه أبو داود (٢ / ٢٣٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث علي بن أبي طالب بلفظ: " ليس في مال زكاة. . . ".

(٢) سورة الأنعام / ١٤١.

الْمِلْكِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (١) . وَيُنْظَرُ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحُ (زَكَاة)

مُدَّةُ تَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ:

٦ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مُدَّةَ تَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ سَنَةٌ كَامِلَةٌ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا زَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ (٢) . وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (لُقَطَة) .

ج - مُدَّةُ إِمْهَال الْعِنِّينِ:

٧ - الْعِنِّينُ يَضْرِبُ لَهُ الْقَاضِي سَنَةً عِنْدَ الْجُمْهُورِ (كَمَا فَعَل عُمَرُ ﵁ فَقَدْ يَكُونُ تَعَذُّرُ الْجِمَاعِ لِعَارِضِ حَرَارَةٍ فَيَزُول فِي الشِّتَاءِ، أَوْ بُرُودَةٍ فَيَزُول فِي الصَّيْفِ، أَوْ يُبُوسَةٍ فَتَزُول فِي الرَّبِيعِ، أَوْ رُطُوبَةٍ فَتَزُول فِي الْخَرِيفِ، فَإِذَا مَضَتِ السَّنَةُ وَلَمْ يَطَأْ، عَلِمْنَا أَنَّهُ عَجْزٌ خِلْقِيٌّ. (وَانْظُرْ: إِمْهَال، عُنَّة) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ١٣، ٦٣، ٦٧، حاشية الدسوقي ١ / ٤٣١، ٤٥١، ٤٥٦ - ٤٥٧، المجموع للنووي ٥ / ٣٦١، حاشية القليوبي ٢ / ١٩، ٢٥، نهاية المحتاج ٣ / ٦٣، المغني ٢ / ٦٢٥.

(٢) الاختيار ٣ / ٣٢ ط. المعرفة، جواهر الإكليل ٢ / ٢١٧ ط. المعرفة، روضة الطالبين ٥ / ٤٠٦ - ٤٠٧ ط. المكتب الإسلامي، المغني ٥ / ٦٩٥ ط. الرياض.

د - مُدَّةُ التَّغْرِيبِ فِي عُقُوبَةِ الزِّنَى:

٨ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مِنْ حَدِّ الزَّانِي إِنْ كَانَ بِكْرًا التَّغْرِيبَ لِمُدَّةِ سَنَةٍ لِمَسَافَةِ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّغْرِيبَ لَيْسَ مِنَ الْحَدِّ، وَلَكِنَّهُمْ يُجِيزُونَ لِلإِْمَامِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ إِنْ رَأَى فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (زِنًى وَتَغْرِيب) .

سَنَد

التَّعْرِيفُ:

١ - السَّنَدُ فِي اللُّغَةِ: مَا قَابَلَكَ مِنَ الْجَبَل وَعَلاَ عَنِ السَّفْحِ، وَالْجَمْعُ أَسْنَادٌ. وَكُل مَا يُسْتَنَدُ إِلَيْهِ وَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ حَائِطٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ سَنَدٌ. وَمِنْهُ قِيل لِصَكِّ الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ: سَنَدٌ. وَقَدْ سَنَدَ إِلَى الشَّيْءِ يَسْنُدُ سُنُودًا، وَاسْتَنَدَ وَتَسَانَدَ وَأَسْنَدَ غَيْرَهُ. وَمَا يُسْنَدُ إِلَيْهِ يُسَمَّى مَسْنَدًا وَمِسْنَدًا وَمُسْنَدًا وَجَمْعُهُ الْمَسَانِدُ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ يُسْتَعْمَل السَّنَدُ فِي اسْتِعْمَالَيْنِ:

الأَْوَّل: الْحُجَّةُ الْمَكْتُوبَةُ الَّتِي تُوَثَّقُ بِهَا الْحُقُوقُ. وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي إِثْبَاتِ الْحُقُوقِ فِي الْحُكْمِ وَالْقَضَاءِ. وَجَاءَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِذَلِكَ شُرُوطٌ:

(١) أَنْ يُبَيِّنَ فِي السَّنَدِ مَا يُثْبِتُ الْحَقَّ بِأَنْ يَكُونَ مُصَدَّرًا بِذِكْرِ مَبْلَغِ الدَّيْنِ مَثَلًا بِالرَّقْمِ

_________

(١) لسان العرب والمعجم الوسيط مادة (سند) .

وَالْحَرْفِ، وَمُعَنْوَنًا بِاسْمِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ. وَأَنْ يَكُونَ مَخْتُومًا بِخَاتَمِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ مَعَ إِمْضَائِهِ.

(٢) أَنْ يَكُونَ سَالِمًا مِنَ التَّزْوِيرِ وَالْكَشْطِ وَالتَّغْيِيرِ وَأَنْ يَثْبُتَ أَنَّ الْخَطَّ هُوَ خَطُّ الْكَاتِبِ بِشَهَادَةِ أَهْل الْخِبْرَةِ فِي هَذَا الشَّأْنِ.

وَجَاءَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ (الْمَادَّةُ ١٧٣٦): " لاَ يُعْمَل بِالْخَطِّ وَالْخَتْمِ فَقَطْ وَلَكِنْ إِذَا كَانَ سَالِمًا عَنْ شُبْهَةِ التَّزْوِيرِ وَالتَّصْنِيعِ يَكُونُ مَعْمُولًا بِهِ، يَعْنِي يَكُونُ مَدَارًا لِلْحُكْمِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى الثُّبُوتِ بِوَجْهٍ آخَرَ (١) ". وَالسَّنَدُ إِذَا اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ الْمَرْعِيَّةَ لاِعْتِبَارِهِ كَانَ مِنْ قَبِيل الإِْقْرَارِ بِالْكِتَابَةِ.

جَاءَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ (الْمَادَّةِ ١٦٠٩) (إِذَا كَتَبَ أَحَدٌ سَنَدًا أَوِ اسْتَكْتَبَهُ وَأَعَادَهُ لأَِحَدٍ مَمْضِيًّا أَوْ مَخْتُومًا يَكُونُ مُعْتَبَرًا وَمَرْعِيًّا كَتَقْرِيرِهِ الشِّفَاهِيِّ لأَِنَّهُ إِقْرَارٌ بِالْكِتَابَةِ إِنْ كَانَ مَرْسُومًا، يَعْنِي إِنْ كَانَ ذَلِكَ السَّنَدُ كُتِبَ مُوَافِقًا لِلرَّسْمِ وَالْعَادَةِ وَالْوَثَائِقِ الَّتِي تُعْلَمُ بِالْقَبْضِ الْمُسَمَّاةِ بِالْوُصُول هِيَ مِنْ هَذَا الْقَبِيل أَيْضًا (٢» .

_________

(١) شرح المجلة للأتاسي ٥ / ٣٨٤.

(٢) شرح المجلة للأتاسي ٤ / ٦٩٤.

وَجَاءَ فِي الْمَادَّةِ (١٦٠٧): أَمْرُ أَحَدٍ بِأَنْ يَكْتُبَ إِقْرَارَهُ هُوَ إِقْرَارٌ حُكْمًا. بِنَاءً عَلَيْهِ لَوْ أَمَرَ أَحَدٌ كَاتِبًا بِقَوْلِهِ: اكْتُبْ لِي سَنَدًا يَحْتَوِي أَنِّي مَدْيُونٌ لِفُلاَنٍ بِكَذَا دَرَاهِمَ، وَوَضَعَ فِيهِ إِمْضَاءَهُ أَوْ خَتْمَهُ، يَكُونُ مِنْ قَبِيل الإِْقْرَارِ بِالْكِتَابَةِ كَالسَّنَدِ الَّذِي كَتَبَهُ بِخَطِّ يَدِهِ (١) . وَتُرَاجَعُ الْمَبَاحِثُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسَّنَدِ فِي الْمُصْطَلَحَاتِ: إِقْرَار (ف ٤٠) وَإِثْبَات (ف ٣٤) وَتَوْثِيق (ف ١٢) وَتَزْوِير (ف ١٧) .

الإِْطْلاَقُ الثَّانِي: يُطْلَقُ السَّنَدُ عَلَى سِلْسِلَةِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْمَتْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ شُرُوطُ السَّنَدِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي قَبُول الْحَدِيثِ فِي مُصْطَلَحِ (إِسْنَاد) .

_________

(١) شرح المجلة للأتاسي ٤ / ٦٨٩.

سُنَّة

التَّعْرِيفُ:

١ - السُّنَّةُ فِي اللُّغَةِ: الطَّرِيقَةُ وَالْعَادَةُ وَالسِّيرَةُ، حَمِيدَةً كَانَتْ أَمْ ذَمِيمَةً. وَالْجَمْعُ سُنَنٌ (١) .

وَفِي الْحَدِيثِ: مَنْ سَنَّ فِي الإِْسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِل بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِْسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِل بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ (٢) .

ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ فِي الطَّرِيقَةِ الْمَحْمُودَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ، فَسُنَّةُ اللَّهِ أَحْكَامُهُ وَأَمْرُهُ وَنَهْيُهُ، وَسَنَّ اللَّهُ سُنَّةً؛ أَيْ بَيَّنَ طَرِيقًا قَوِيمًا.

وَيُقَال: فُلاَنٌ مِنْ أَهْل السُّنَّةِ، مَعْنَاهُ: مِنْ

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة: (سنن) والتعريفات للجرجاني م (سنة) .

(٢) حديث: " من سن في الإسلام سنة حسنة فله. . . . ". أخرجه مسلم (١ / ٧٠٥ - ط الحلبي) من حديث جرير.

أَهْل الطَّرِيقَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ الْمَحْمُودَةِ (١) . وَفِي الْحَدِيثِ: تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي (٢) .

وَالسُّنَّةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لَهَا مَعَانٍ، مِنْهَا أَنَّهَا اسْمٌ لِلطَّرِيقَةِ الْمَسْلُوكَةِ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ افْتِرَاضٍ وَلاَ وُجُوبٍ (٣) .

وَتُطْلَقُ أَيْضًا عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: عَلَى الْفِعْل إِذَا وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَدُل دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ (٤) .

وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ: بِأَنَّهَا مَا طُلِبَ فِعْلُهُ طَلَبًا مُؤَكَّدًا غَيْرَ جَازِمٍ (٥) .

فَالسُّنَّةُ بِهَذَا الْمَعْنَى حُكْمٌ تَكْلِيفِيٌّ، وَيُقَابِلُهَا الْوَاجِبُ، وَالْفَرْضُ، وَالْحَرَامُ، وَالْمَكْرُوهُ، وَالْمُبَاحُ، وَعَرَّفَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، بِأَنَّهَا مَا يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ بِفِعْلِهِ وَلاَ يُعَاقَبُ

_________

(١) لسان العرب مادة: (سن) .

(٢) حديث: " إني تركت فيكم شيئين. . . ". أخرجه مالك في الموطأ (٢ / ٨٩٨ - ط الحلبي) والحاكم (١ / ٩٣ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه.

(٣) كشف الأسرار للبزدوي ٢ / ٣٠٢، وحاشية الفنري على التلويح ٢ / ٢٤٢ وابن عابدين ١ / ٧٠ والتعريفات للجرجاني.

(٤) ابن عابدين ١ / ٧٠، ٤٥٤، جواهر الإكليل ١ / ٧٣، مسلم الثبوت ٢ / ٩٢، جمع الجوامع ١ / ٨٩، ٩٠.

(٥) جواهر الإكليل ١ / ١١

بِتَرْكِهِ (١) . وَتُطْلَقُ السُّنَّةُ أَيْضًا عَلَى دَلِيلٍ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَعَرَّفَهَا الأُْصُولِيُّونَ بِهَذَا الْمَعْنَى: بِأَنَّهَا مَا صَدَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ، أَوْ تَقْرِيرٍ (٢) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسُّنَّةِ:

أَوَّلًا: السُّنَّةُ بِالاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ:

٢ - تُطْلَقُ السُّنَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: عَلَى الْمَنْدُوبِ، وَالْمُسْتَحَبِّ، وَالتَّطَوُّعِ، فَهِيَ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ، فَكُلٌّ مِنْهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْفِعْل الْمَطْلُوبِ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ.

قَال الْبُنَانِيُّ: وَمِثْلُهَا الْحَسَنُ أَوِ النَّفَل وَالْمُرَغَّبُ فِيهِ. وَنَفَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ تَرَادُفَهَا حَيْثُ قَالُوا: إِنْ وَاظَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْفِعْل فَهُوَ السُّنَّةُ، وَإِنْ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ كَأَنْ فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَهُوَ الْمُسْتَحَبُّ، أَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ وَهُوَ مَا يُنْشِئُهُ الإِْنْسَانُ بِاخْتِيَارِهِ مِنَ الأَْوْرَادِ فَهُوَ التَّطَوُّعُ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَمَنْ مَعَهُ لِلْمَنْدُوبِ لِعُمُومِهِ لِلأَْقْسَامِ الثَّلاَثَةِ (٣) .

وَيُقَسِّمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ السُّنَنَ إِلَى

_________

(١) الفتاوى الهندية ١ / ٦٧، مطالب أولي النهى ١ / ٩٢، وابن عابدين ١ / ٧٠.

(٢) التوضيح والتلويح ٢ / ٢٤٢، ومسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت ٢ / ٩٧، وجمع الجوامع ٢ / ٩٤.

(٣) جمع الجوامع وشرحه ١ / ٨٩، ٩٠.