الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥ الصفحة 38

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥

وَتَفْصِيل ذَلِكَ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّلاَةِ.

إِمَامَةُ مَنْ بِهِ سَلَسٌ:

اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الإِْمَامُ مَرِيضًا بِالسَّلَسِ وَالْمَأْمُومُ كَذَلِكَ فَالصَّلاَةُ جَائِزَةٌ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الإِْمَامُ مَرِيضًا بِالسَّلَسِ وَالْمَأْمُومُ سَلِيمًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ إِمَامَةِ الْمَرِيضِ لِصَلاَةِ غَيْرِهِ مِنَ الأَْصِحَّاءِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: عَدَمُ الْجَوَازِ لأَِنَّ أَصْحَابَ الأَْعْذَارِ يُصَلُّونَ مَعَ الْحَدَثِ حَقِيقَةً، لَكِنْ جُعِل الْحَدَثُ الْمَوْجُودُ فِي حَقِّهِمْ كَالْمَعْدُومِ، لِلْحَاجَةِ إِلَى الأَْدَاءِ، فَلاَ يَتَعَدَّاهُمْ؛ لأَِنَّ الضَّرُورَةَ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، وَلأَِنَّ الصَّحِيحَ أَقْوَى حَالًا مِنَ الْمَعْذُورِ وَلاَ يَجُوزُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ.

وَالْقَوْل الثَّانِي، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ: الْجَوَازُ لِصِحَّةِ صَلاَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةٍ، وَلأَِنَّهُ إِذَا عُفِيَ عَنِ الأَْعْذَارِ فِي حَقِّ صَاحِبِهَا عُفِيَ عَنْهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَلأَِنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ إِمَامًا وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَجِدُ ذَلِكَ (أَيْ سَلَسَ الْمَذْيِ) وَلاَ

يَنْصَرِفُ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ صَرَّحُوا بِكَرَاهَةِ إِمَامَةِ أَصْحَابِ الأَْعْذَارِ لِلأَْصِحَّاءِ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عُذْر) .

سَلَفٌ

انْظُرْ: سَلَم، قَرْض

_________

(١) فتح القدير ١ / ٣١٨ ط. الأميرية، تبيين الحقائق ١ / ١٤٠ - ١٤١ ط. الأميرية، الفتاوى الهندية ١ / ٨٤ ط. المكتبة الإسلامية، جواهر الإكليل ١ / ٧٨ ط. المعرفة، الدسوقي ١ / ٣٣٠ ط. الفكر، التاج والإكليل بهامش الحطاب ٢ / ١٠٤ ط. النجاح، مغني المحتاج ١ / ٢٤١ ط. الفكر، كشاف القناع ١ / ٤٧٦ ط. النصر، المغني ١ / ٣٤٠ - ٣٤٣ ط. الرياض.

سَلَم

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي السَّلَمِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: الإِْعْطَاءُ وَالتَّسْلِيفُ (١) يُقَال: أَسْلَمَ الثَّوْبَ لِلْخَيَّاطِ؛ أَيْ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ. قَال الْمُطَرِّزِيُّ: أَسْلَمَ فِي الْبُرِّ؛ أَيْ أَسْلَفَ، مِنَ السَّلَمِ، وَأَصْلُهُ: أَسْلَمَ الثَّمَنَ فِيهِ، فَحُذِفَ (٢) .

وَالسَّلَمُ فِي الاِصْطِلاَحِ عِبَارَةٌ عَنْ " بَيْعِ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ بِبَدَلٍ يُعْطَى عَاجِلًا " وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِهِ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ:

فَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الَّذِينَ شَرَطُوا فِي صِحَّتِهِ قَبْضَ رَأْسِ الْمَال فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَتَأْجِيل

_________

(١) لسان العرب، مادة " غرر " المقالة للمغراوي ص ٢١٦، أنيس الفقهاء للقونوي ص ٢١٨، مشارق الأنوار للقاضي عياض ٢ / ٢١٧.

(٢) المغرب للمطرزي (تحقيق الفاخوري ومختار، حلب ١٤٠٢ هـ) ١ / ٤١٢.

الْمُسْلَمِ فِيهِ - احْتِرَازًا مِنَ السَّلَمِ الْحَال - عَرَّفُوهُ بِمَا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ، فَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: " هُوَ شِرَاءُ آجِلٍ بِعَاجِلٍ " (١) . وَنَصَّتِ الْمَادَّةُ (١٢٣) مِنْ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ " بَيْعُ مُؤَجَّلٍ بِمُعَجَّلٍ ". وَجَاءَ فِي الإِْقْنَاعِ بِأَنَّهُ " عَقْدٌ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلٍ بِثَمَنٍ مَقْبُوضٍ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ " (٢) .

وَالشَّافِعِيَّةُ الَّذِينَ شَرَطُوا لِصِحَّةِ السَّلَمِ قَبْضَ رَأْسِ الْمَال فِي الْمَجْلِسِ، وَأَجَازُوا كَوْنَ السَّلَمِ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا عَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ " عَقْدٌ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ بِبَدَلٍ يُعْطَى عَاجِلًا " (٣)

فَلَمْ يُقَيِّدُوا الْمُسْلَمَ فِيهِ الْمَوْصُوفَ فِي الذِّمَّةِ بِكَوْنِهِ مُؤَجَّلًا، لِجَوَازِ السَّلَمِ الْحَال عِنْدَهُمْ.

أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ الَّذِينَ مَنَعُوا السَّلَمَ الْحَال، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا تَسْلِيمَ رَأْسِ الْمَال فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَأَجَازُوا تَأْجِيلَهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ لِخِفَّةِ الأَْمْرِ، فَقَدْ عَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ " بَيْعُ مَعْلُومٍ فِي الذِّمَّةِ مَحْصُورٍ بِالصِّفَةِ بِعَيْنٍ حَاضِرَةٍ أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِهَا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ " (٤) .

_________

(١) رد المحتار (بولاق سنة ١٢٧٢ هـ) ٤ / ٢٠٣.

(٢) كشاف القناع (مطبعة الحكومة بمكة ١٣٩٤ هـ) ٣ / ٢٧٦، المطلع للبعلي ص ٢٤٥

(٣) فتح العزيز للرافعي ٩ / ٢٠٧، الروضة للنووي ٤ / ٣.

(٤) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (ط - دار الشعب بالقاهرة) ص ١١٨٦.

فَتَعْبِيرُ (أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِهَا) يُشِيرُ إِلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ رَأْسِ مَال السَّلَمِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ، حَيْثُ إِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حُكْمِ التَّعْجِيل بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ (١) .

وَقَوْلُهُ " إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ " يُبَيِّنُ وُجُوبَ كَوْنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مُؤَجَّلًا، احْتِرَازًا مِنَ السَّلَمِ الْحَال، وَيُسَمِّي الْفُقَهَاءُ الْمُشْتَرِيَ فِي هَذَا الْعَقْدِ " رَبَّ السَّلَمِ " أَوِ " الْمُسْلَمَ " وَالْبَائِعَ " الْمُسْلَمَ إِلَيْهِ "، وَالْمَبِيعَ " الْمُسْلَمَ فِيهِ " وَالثَّمَنَ، " رَأْسَ مَال السَّلَمِ " (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الدَّيْنُ:

٢ - وَهُوَ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا مُشَخَّصًا، سَوَاءٌ كَانَ نَقْدًا أَوْ غَيْرَهُ (٣) .

(ر: دَيْن) وَالدَّيْنُ أَعَمُّ مِنَ السَّلَمِ.

ب - بَيْعُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ الْمَوْصُوفَةِ فِي الذِّمَّةِ:

٣ - وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ مُعَيَّنَةً. وَالثَّانِي أَنْ لاَ تَكُونَ الْعَيْنُ مُعَيَّنَةً.

_________

(١) انظر إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك للونشريسي ص ١٧٣.

(٢) أنيس الفقهاء للقونوي ص ٢٢٠.

(٣) انظر م ١٥٨ من مجلة الأحكام العدلية.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا النَّوْعِ الثَّانِي وَبَيْنَ السَّلَمِ أَنَّ السَّلَمَ يُشْتَرَطُ فِيهِ تَأْجِيل تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، أَمَّا بَيْعُ الْمَوْصُوفِ فِي الذِّمَّةِ فَقَدْ يَكُونُ حَالًّا.

وَانْظُرْ (بَيْع) .

وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ الْمَوْصُوفَةِ فِي الذِّمَّةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّعَاقُدُ بِلَفْظِ السَّلَمِ، أَوْ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، فَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ (السَّلَمِ) اشْتُرِطَ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ قَبْل التَّفَرُّقِ.

أَمَّا إِنْ كَانَ بِلَفْظِ (الْبَيْعِ) فَلاَ يُشْتَرَطُ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ اعْتِبَارًا بِاللَّفْظِ، وَعَلَى كَوْنِ ذَلِكَ بَيْعًا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَإِلاَّ يَصِيرُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَلاَ يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ لأَِنَّ التَّعْيِينَ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ لِصَيْرُورَةِ الْمُعَيَّنِ حَالًّا لاَ يَدْخُلُهُ أَجَلٌ أَبَدًا (١) .

ج - عَقْدُ الإِْجَارَةِ:

٤ - وَهِيَ بَيْعُ الْمَنْفَعَةِ الْمَعْلُومَةِ فِي مُقَابِل عِوَضٍ مَعْلُومٍ (٢) .

د - الاِسْتِصْنَاعُ:

٥ - عَقْدُ مُقَاوَلَةٍ مَعَ أَهْل الصَّنْعَةِ عَلَى أَنْ يَعْمَل شَيْئًا (٣) .

_________

(١) المغني ٣ / ٥٨٣ والشرقاوي على التحرير ٢ / ١٦.

(٢) مجلة الأحكام العدلية م ٤٠٥.

(٣) م ١٢٤ من المجلة.

مَشْرُوعِيَّةُ السَّلَمِ:

٦ - ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ عَقْدِ السَّلَمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ.

أ - أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١) . قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: " أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَأَذِنَ فِيهِ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآْيَةَ (٢) .

وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ فِي الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهَا أَبَاحَتِ الدَّيْنَ، وَالسَّلَمُ نَوْعٌ مِنَ الدُّيُونِ، قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: " الدَّيْنُ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كُل مُعَامَلَةٍ كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِيهَا نَقْدًا، وَالآْخَرُ فِي الذِّمَّةِ نَسِيئَةً، فَإِنَّ الْعَيْنَ عِنْدَ الْعَرَبِ مَا كَانَ حَاضِرًا، وَالدَّيْنَ مَا كَانَ غَائِبًا " (٣) .

فَدَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى حِل الْمُدَايَنَاتِ بِعُمُومِهَا، وَشَمَلَتِ السَّلَمَ بِاعْتِبَارِهِ مِنْ

_________

(١) سورة البقرة / ٢٨٢.

(٢) أثر ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى. . أخرجه الشافعي (٢ / ١٧١ - مسنده - ترتيب السندي - نشر دار الكتب العلمية) والحاكم (٢ / ٢٨٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) .

(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١ / ٢٤٧.

أَفْرَادِهَا، إِذِ الْمُسْلَمُ فِيهِ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ إِلَى أَجَلِهِ.

ب - وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ فِي التَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلاَثَ، فَقَال ﵊: مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ (١) .

فَدَل الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ عَلَى إِبَاحَةِ السَّلَمِ وَعَلَى الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ، وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالاَ: كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ، فَنُسْلِفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّيْتِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَقُلْتُ: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ زَرْعٌ؟ فَقَال: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ (٢) .

ج - وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ

_________

(١) حديث: " من أسلف في تمر. . . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٢٩ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢٢٧ - ط الحلبي) . واللفظ لمسلم.

(٢) المغني لابن قدامة (مكتبة الرياض الحديثة ١٤٠١ هـ) ٤ / ٣٠٤. وحديث عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٣٤ - ط السلفية) .

كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ السَّلَمَ جَائِزٌ (١) .

حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ السَّلَمِ: ٧ - إِنَّ عَقْدَ السَّلَمِ مِمَّا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَمِنْ هُنَا كَانَ فِي إِبَاحَتِهِ رَفْعٌ لِلْحَرَجِ عَنِ النَّاسِ، فَالْمُزَارِعُ مَثَلًا قَدْ لاَ يَكُونُ عِنْدَهُ الْمَال الَّذِي يُنْفِقُهُ فِي إِصْلاَحِ أَرْضِهِ وَتَعَهُّدِ زَرْعِهِ إِلَى أَنْ يُدْرِكَ، وَلاَ يَجِدُ مَنْ يُقْرِضُهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَال، وَلِذَلِكَ فَهُوَ فِي حَاجَةٍ إِلَى نَوْعٍ مِنَ الْمُعَامَلَةِ يَتَمَكَّنُ بِهَا مِنَ الْحُصُول عَلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَال، وَإِلاَّ فَاتَتْ عَلَيْهِ مَصْلَحَةُ اسْتِثْمَارِ أَرْضِهِ، وَكَانَ فِي حَرَجٍ وَمَشَقَّةٍ وَعَنَتٍ، فَمِنْ أَجَل ذَلِكَ أُبِيحَ السَّلَمُ. .

وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الْحِكْمَةِ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي حَيْثُ قَال: " وَلأَِنَّ الْمُثَمَّنَ فِي الْبَيْعِ أَحَدُ عِوَضَيِ الْعَقْدِ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ كَالثَّمَنِ، وَلأَِنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَيْهِ؛ لأَِنَّ أَرْبَابَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالتِّجَارَاتِ يَحْتَاجُونَ إِلَى النَّفَقَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَيْهَا لِتَكْمُل، وَقَدْ تَعُوزُهُمُ النَّفَقَةُ، فَجُوِّزَ لَهُمُ السَّلَمُ لِيَرْتَفِقُوا وَيَرْتَفِقَ الْمُسْلِمُ (٢) بِالاِسْتِرْخَاصِ (٣) .

_________

(١) المغني ٤ / ٣٠٤.

(٢) أي رب السلم.

(٣) المغني ٤ / ٣٠٥.

مَدَى مُوَافَقَةِ السَّلَمِ لِلْقِيَاسِ:

٨ - بَعْدَمَا ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ عَقْدِ السَّلَمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَوْنِ هَذِهِ الْمَشْرُوعِيَّةِ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ وَمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ، أَمْ أَنَّهَا جَاءَتِ اسْتِثْنَاءً عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَى هَذَا الْعَقْدِ، وَذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:

(أَحَدُهُمَا) لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنْ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ)، وَهُوَ أَنَّ السَّلَمَ عَقْدٌ جَائِزٌ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ (١) قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: " هُوَ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ " إِذْ هُوَ بَيْعُ الْمَعْدُومِ، وَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ بِالنَّصِّ وَالإِْجْمَاعِ لِلْحَاجَةِ (٢) ". وَقَال زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ: " السَّلَمُ عَقْدُ غَرَرٍ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ (٣) . وَفِي " مِنَحِ الْجَلِيل ": " صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّ السَّلَمَ رُخْصَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ بَائِعِهِ (٤) ".

(وَالثَّانِي) لِتَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ

_________

(١) انظر الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب ١ / ٢٨٠، بداية المجتهد (ط - دار الكتب الحديثة بمصر) ٢ / ٢٢٨، بدائع الصنائع ٥ / ٢٠١ (مطبعة الجمالية ١٣٢٨ هـ)، المغني ٤ / ٣٢١، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢١٨، ٢٢١، الخرشي ٥ / ٢١٤.

(٢) البحر الرائق ٦ / ١٩٦.

(٣) أسنى المطالب شرح روض الطالب ٢ / ١٢٢.

(٤) منح الجليل لعليش ٣ / ٢.