الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥ الصفحة 29

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥

وَهُوَ دَفْعُ الْغُرُورِ عَنِ الْمُشْتَرِي، فَإِذَا لَمْ يُجْعَل سُكُوتُ الشَّفِيعِ عَنْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ إِسْقَاطًا لَهَا فَإِمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ الْمُشْتَرِي عَنِ التَّصَرُّفِ أَوْ تَصَرَّفَ ثُمَّ يَنْقُضُ الشَّفِيعُ عَلَيْهِ تَصَرُّفَهُ، وَكِلاَهُمَا ضَرَرٌ عَلَى الْمُشْتَرِي.

(الرَّابِعُ): مَا ثَبَتَ لِضَرُورَةِ الْكَلاَمِ، كَمَا لَوْ قَال: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ، أَوْ أَلْفٌ وَدِينَارٌ أَوْ مِائَةٌ وَقَفِيزُ حِنْطَةٍ، فَإِنَّ الْعَطْفَ جُعِل بَيَانًا لِلأَْوَّل، فَجُعِل الأَْوَّل مِنْ جِنْسِ الْمَعْطُوفِ (١) .

ثَانِيًا: الإِْجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ:

٢٢ - الإِْجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ هُوَ أَنْ يَقُول بَعْضُ أَهْل الاِجْتِهَادِ بِقَوْلٍ وَيَنْتَشِرَ ذَلِكَ فِي الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أَهْل ذَلِكَ الْعَصْرِ فَيَسْكُتُونَ، وَلاَ يَظْهَرُ مِنْهُمْ تَصْرِيحٌ بِالْقَوْل وَلاَ الإِْنْكَارِ (٢) .

وَشُرُوطُ الإِْجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ الَّذِي اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ وَالأُْصُولِيُّونَ فِي حُكْمِهِ هِيَ:

(١) أَنْ يَكُونَ السُّكُوتُ مُجَرَّدًا عَنْ أَمَارَةِ الرِّضَا وَالسَّخَطِ، فَإِذَا كَانَ السُّكُوتُ مُقْتَرِنًا

_________

(١) كشف الأسرار ٣ / ١٥١، ١٥٣، والتلويح مع التوضيح ٢ / ٤٠.

(٢) إرشاد الفحول ص ٧٩ وما بعدها، ومسلم الثبوت ٢ / ٢٣٢.

بِالرِّضَا فَإِنَّهُ إِجْمَاعٌ قَطْعًا، أَوْ بِالسَّخَطِ فَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ قَطْعًا.

(٢) أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ قَدْ بَلَغَتْ كُل الْمُجْتَهِدِينَ فِي أَهْل ذَلِكَ الْعَصْرِ.

(٣) أَنْ يَكُونَ قَدْ مَضَى عَلَى الْحُكْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ زَمَنُ مُهْلَةِ النَّظَرِ وَالتَّأَمُّل عَادَةً، وَلاَ تَقِيَّةَ هُنَاكَ لِخَوْفٍ أَوْ مَهَابَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا.

(٤) أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ مَحَل الاِجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ وَلاَ تَكُونَ قَطْعِيَّةً، وَإِلاَّ فَلاَ يَكُونُ مِنْ مَحَل الإِْجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ (١) .

وَاخْتَلَفُوا فِي حُجِّيَّتِهِ عَلَى أَقْوَالٍ: فَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ قَالُوا: إِنَّهُ إِجْمَاعٌ قَطْعِيٌّ؛ لأَِنَّهُ لَوْ شُرِطَ قَوْل كُلٍّ فِي انْعِقَادِ الإِْجْمَاعِ لَمْ يَتَحَقَّقْ إِجْمَاعٌ أَصْلًا، لأَِنَّ الْعَادَةَ فِي كُل عَصْرٍ إِفْتَاءُ الأَْكَابِرِ وَسُكُوتُ الأَْصَاغِرِ تَسْلِيمًا (٢) . قَال الْجَلاَل الْمَحَلِّيُّ: سُكُوتُ الْعُلَمَاءِ فِي مِثْل ذَلِكَ يُظَنُّ مِنْهُ الْمُوَافَقَةُ عَادَةً (٣) .

وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، أَخْذًا مِنْ قَاعِدَةِ: (لاَ يُنْسَبُ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ)

_________

(١) مسلم الثبوت بهامش المستصفى ٢ / ٢٣٢، وجمع الجوامع ٢ / ١٩١، ١٩٣.

(٢) مسلم الثبوت ٢ / ٢٣٣.

(٣) جمع الجوامع ٢ / ١٨٨.

وَلاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ السُّكُوتُ لِغَيْرِ الْمُوَافَقَةِ، كَالْخَوْفِ وَالْمَهَابَةِ وَالتَّرَدُّدِ فِي الْمَسْأَلَةِ (١) .

وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ إِجْمَاعٌ قَطْعِيٌّ فِي الْفُتْيَا فَقَطْ أَمَّا الْقَضَاءُ فَلاَ إِجْمَاعَ فِيهِ أَصْلًا (٢) .

وَقِيل: إِنَّهُ إِجْمَاعٌ قَطْعِيٌّ إِذَا كَثُرَ السُّكُوتُ وَتَكَرَّرَ فِيمَا يَعُمُّ فِيهِ الْبَلْوَى. وَذَهَبَ الآْمِدِيُّ وَالْكَرْخِيُّ إِلَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ ظَنِّيٌّ (٣) .

قَال ابْنُ السُّبْكِيِّ بَعْدَمَا نَقَل أَقْوَال وَآرَاءَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ حُجَّةٌ مُطْلَقًا (٤) .

وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

_________

(١) جمع الجوامع ٢ / ١٨٩، ومسلم الثبوت ٢ / ٢٣٢، ٢٣٣.

(٢) مسلم الثبوت ٢ / ٢٣٢.

(٣) نفس المراجع. وانظر رسالة إجمال الإصابة في أقوال الصحابة للعلائي. نشر مركز المخطوطات والتراث التابع لجمعية التراث الإسلامي بالكويت ١٤٠٧ هـ.

(٤) جمع الجوامع مع حاشية البناني ٢ / ١٧٩، وانظر التلويح مع التوضيح ٢ / ٤٢.

سِلاَحٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - السِّلاَحُ: اسْمٌ جَامِعٌ لآِلَةِ الْحَرْبِ؛ أَيْ: كُل مَا يُقَاتَل بِهِ، وَجَمْعُهُ أَسْلِحَةٌ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (١) . وَخَصَّ بَعْضُهُمُ السِّلاَحَ بِمَا كَانَ مِنَ الْحَدِيدِ وَرُبَّمَا خَصَّ بِهِ السَّيْفَ، قَال الأَْزْهَرِيُّ: السَّيْفُ وَحْدَهُ يُسَمَّى سِلاَحًا (٢) . وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمُعَانَى اللُّغَوِيَّةِ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسِّلاَحِ:

إِعْدَادُ السِّلاَحِ لِلْجِهَادِ وَالتَّدَرُّبِ عَلَيْهِ:

٢ - ذَهَبَ الْعُلَمَاءُ إِلَى أَنَّ الاِسْتِعْدَادَ لِلْجِهَادِ بِإِعْدَادِ السِّلاَحِ وَالتَّدَرُّبِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ وَعَلَى الرَّمْيِ فَرِيضَةٌ تَقْتَضِيهَا فَرِيضَةُ الْجِهَادِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى

_________

(١) سورة النساء / ١٠٢.

(٢) لسان العرب، والمفردات للراغب، ومتن اللغة مادة (سلح) ونهاية المحتاج ٣ / ٣٧٨، والفتح الرباني ١٦ / ٦.

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (١) .

قَال الْقُرْطُبِيُّ وَالْفَخْرُ الرَّازِيُّ: إِنَّ الآْيَةَ تَدُل عَلَى أَنَّ الاِسْتِعْدَادَ لِلْجِهَادِ بِالسِّلاَحِ فَرِيضَةٌ، إِلاَّ أَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ (٢) .

فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ ﷾ الْمُسْلِمِينَ بِإِعْدَادِ الْقُوَّةِ لِلأَْعْدَاءِ. وَقَدْ وَرَدَ لَفْظُ الْقُوَّةِ فِي الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ مُطْلَقًا بِغَيْرِ تَحْدِيدٍ وَلاَ تَقْيِيدٍ، فَهُوَ يَتَّسِعُ لِيَشْمَل كُل عَنَاصِرِ الْقُوَّةِ مَادِّيًّا وَمَعْنَوِيًّا، وَمَا يُتَقَوَّى بِهِ عَلَى حَرْبِ الْعَدُوِّ، وَكُل مَا هُوَ آلَةٌ لِلْغَزْوِ وَالْجِهَادِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْقُوَّةِ. وَقَدْ تَرَكَتِ الآْيَةُ الْكَرِيمَةُ تَحْدِيدَ الْقُوَّةِ الْمَطْلُوبَةِ؛ لأَِنَّهَا تَتَطَوَّرُ تَبَعًا لِلزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَحَتَّى يَلْتَزِمَ الْمُسْلِمُونَ بِإِعْدَادِ مَا يُنَاسِبُ ظُرُوفَهُمْ مِنْ قُوَّةٍ يَسْتَطِيعُونَ بِهَا إِرْهَابَ الْعَدُوِّ (٣) .

وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ

_________

(١) سورة الأنفال / ٦٠.

(٢) تفسير القرطبي ٨ / ٣٥ ط دار الكتب المصرية، والتفسير الكبير ١٥ / ١٨٥ الطبعة الأولى.

(٣) تفسير القرطبي ٨ / ٣٥، وأحكام القرآن للجصاص ٣ / ٨٥ ط البهية المصرية، وتفسير الرازي ١٥ / ١٨٥، وفتح الباري ٦ / ٩١ ط السلفية.

يَقُول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ (١) . كَرَّرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّرْغِيبِ فِي تَعَلُّمِهِ وَإِعْدَادِ آلاَتِ الْحَرْبِ، وَقَدْ فَسَّرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْقُوَّةَ بِالرَّمْيِ وَهُوَ أَهَمُّ فُنُونِ الْقِتَال، حَيْثُ إِنَّ الرَّمْيَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ فِي اسْتِعْمَال السِّلاَحِ (٢) .

قَال الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا فَسَّرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْقُوَّةَ بِالرَّمْيِ - وَإِنْ كَانَتِ الْقُوَّةُ تَظْهَرُ بِإِعْدَادِ غَيْرِهِ مِنْ آلاَتِ الْحَرْبِ - لِكَوْنِ الرَّمْيِ أَشَدَّ نِكَايَةً فِي الْعَدُوِّ وَأَسْهَل مُؤْنَةً، لأَِنَّهُ قَدْ يَرْمِي رَأْسَ الْكَتِيبَةِ فَيَهْزِمَ مَنْ خَلْفَهُ (٣) .

وَلأَِبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: إِنَّ اللَّهَ ﷿ يُدْخِل بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلاَثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنْبِلَهُ، (٤) وَارْمُوا

_________

(١) حديث: " ألا إن القوى الرمي. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٩١ ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٥٢٢ - ط الحلبي) .

(٢) فتح الباري (٦ / ٩١ ط السلفية، وأحكام القرآن للجصاص ٣ / ٨٥ ط البهية المصرية، والقرطبي ٨ / ٣٥ - ط دار الكتاب المصرية، والفروسية لابن القيم ص ٩.

(٣) القرطبي ٨ / ٣٥، وانظر المراجع السابقة.

(٤) النبل السهام ومنبله أي: مناول النبل.

وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، لَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ إِلاَّ ثَلاَثٌ: تَأْدِيبُ الرَّجُل فَرَسَهُ، وَمُلاَعَبَتُهُ أَهْلَهُ، وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَمَا عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ، فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا. أَوْ قَال: كَفَرَهَا (١) .

قَال الْخَطَّابِيُّ: أَيْ: لَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ الْمُبَاحِ إِلاَّ ثَلاَثٌ. وَقِيل فِي مَعْنَاهُ أَيْضًا: لَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ الْمُسْتَحَبِّ إِلاَّ هَذِهِ الثَّلاَثُ.

يُبَيِّنُ الْحَدِيثُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِل الْجَنَّةَ صَانِعَ النَّبْل وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنَاوِل النَّبْل، إِذَا كَانُوا يَقْصِدُونَ فِي عَمَلِهِمْ إِعْلاَءَ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَجِهَادَ الْكُفَّارِ، وَلَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ الْمُسْتَحَبِّ إِلاَّ تَدْرِيبُ الرَّجُل فَرَسَهُ بِالرَّكْضِ وَالْجَوَلاَنِ عَلَى نِيَّةِ الْغَزْوِ، وَكَذَلِكَ الرَّمْيُ (٢) .

تَزْيِينُ السِّلاَحِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:

٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَزْيِينِ آلاَتِ الْحَرْبِ

_________

(١) حديث: " إن الله ﷿ يدخل بالسهم الواحد ثلاثة. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ٢٨ - ٢٩ تحقيق عزت عبيد الدعاس)، والترمذي (٤ / ١٧٤ - ط الحلبي) من حديث عقبة بن عامر. وقال الترمذي: " حسن صحيح ".

(٢) عون المعبود شرح سنن أبي داود ٧ / ١٨٩ - ١٩١ ط دار الفكر، وسنن الترمذي ١٦٣٧، وسنن ابن ماجه: ٢٨١١، وسنن النسائي ٦ / ٢٢٣، ومسند أحمد بن حنبل ٤ / ٤٦، ١٤٨، والفروسية لابن القيم ص٩

بِالذَّهَبِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَجُوزُ تَزْيِينُ آلاَتِ الْحَرْبِ بِالذَّهَبِ لِلرِّجَال؛ لأَِنَّ الأَْصْل أَنَّ التَّحَلِّيَ بِالذَّهَبِ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَال، لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي (١) إِلاَّ مَا خَصَّهُ الدَّلِيل، وَلَمْ يَثْبُتْ مَا يَدُل عَلَى الْجَوَازِ؛ وَلأَِنَّ فِيهِ زِيَادَةَ إِسْرَافٍ وَخُيَلاَءَ (٢) .

وَقِيل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يُبَاحُ الذَّهَبُ فِي السِّلاَحِ، وَاخْتَارَهُ الآْمِدِيُّ مِنْهُمْ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ (٣) . وَأَمَّا تَحْلِيَةُ آلاَتِ الْحَرْبِ بِالْفِضَّةِ فَيَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.

قَال النَّوَوِيُّ: يَحِل لِلرَّجُل مِنَ الْفِضَّةِ الْخَاتَمُ وَحِلْيَةُ آلاَتِ الْحَرْبِ، كَالسَّيْفِ وَالرُّمْحِ

_________

(١) حديث: " إن هذين حرام على ذكور أمتي ". أخرجه أبو داود (٤ / ٣٣٠ - تحقيق عزت عبيد الدعاس)، والنسائي (٨ / ١٦٠ - ط البشائر) من حديث علي بن أبي طالب وأخرجه الترمذي (٤ / ٢١٧ - ط الحلبي) من حديث أبي موسى الأشعري بنحوه، وقال: حسن صحيح.

(٢) بدائع الصنائع ٥ / ١٣٢ - ١٣٣ ط دار الكتاب العربي، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٢٩ ط بولاق، واللباب شرح الكتاب ٣ / ٢٨٥ ط دار الفكر، والخرشي ١ / ٩٩، والدسوقي ١ / ٦٣ ط دار الفكر، والمحلي على المنهاج مع القليوبي وعميرة ٢ / ٢٤ ط عيسى الحلبي، والإنصاف ٣ / ١٤٩ ط دار إحياء التراث العربي، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٤٠٦ ط دار الفكر، وكشاف القناع ٢ / ٢٣٧ ط عالم الكتب.

(٣) الإنصاف ٣ / ١٤٩ ط دار إحياء التراث العربي.

وَالْمِنْطَقَةِ وَالدِّرْعِ وَالْخُفِّ وَأَطْرَافِ السِّهَامِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَغِيظُ الْكُفَّارَ (١) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ التَّحْلِيَةُ بِالْفِضَّةِ؛ لأَِنَّهَا فِي مَعْنَى التَّحْلِيَةِ بِالذَّهَبِ (٢) . وَأَمَّا السَّيْفُ فَيَجُوزُ تَزْيِينُهُ بِالْفِضَّةِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ؛ لِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ قَال: كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ النَّبِيِّ ﷺ فِضَّةً (٣)، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْمَسْعُودِيِّ قَال: " رَأَيْتُ فِي بَيْتِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَيْفًا قَبِيعَتُهُ فِضَّةٌ، فَقُلْتُ: سَيْفُ مَنْ هَذَا؟ قَال: سَيْفُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁.

وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ سَيْفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ كَانَا مُحَلَّيَيْنِ بِالْفِضَّةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ تَحْلِيَةُ السَّيْفِ بِالْفِضَّةِ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ الْفِضَّةِ. وَأَمَّا تَحْلِيَتُهُ بِالذَّهَبِ فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ؛ لِحُرْمَةِ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ

_________

(١) القليوبي وعميرة ٢ / ٢٤، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٤٠٦، وكشاف القناع ٢ / ٢٣٧، والمبدع ٢ / ٣٧١.

(٢) البناية شرح الهداية ٩ / ٢٣٨ ط دار الفكر، والخرشي ١ / ٩٩، والدسوقي ١ / ٦٣.

(٣) حديث: " كانت قبيعة سيف النبي ﷺ فضة ". أخرجه الترمذي (٤ / ٢٠١ - ط الحلبي) . من حديث أنس بن مالك. وحسنه.

لِلرِّجَال؛ وَلأَِنَّ فِيهِ زِيَادَةَ إِسْرَافٍ وَخُيَلاَءَ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ تَحْلِيَةُ السَّيْفِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، سَوَاءٌ اتَّصَلَتِ الْحِلْيَةُ بِهِ كَقَبْضَتِهِ، أَوِ انْفَصَلَتْ كَغِمْدِهِ، وَذَلِكَ لِلرِّجَال، أَمَّا سَيْفُ الْمَرْأَةِ فَلاَ يَجُوزُ تَحْلِيَتُهُ عِنْدَهُمْ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (٢) .

حَمْل السِّلاَحِ فِي صَلاَةِ الْخَوْفِ:

٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى اسْتِحْبَابِ حَمْل السِّلاَحِ لِلْخَائِفِ فِي الصَّلاَةِ يَدْفَعُ بِهِ الْعَدُوَّ عَنْ نَفْسِهِ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (٣)؛ وَلأَِنَّهُمْ لاَ يَأْمَنُونَ أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوُّهُمْ، فَيَمِيلُوا عَلَيْهِمْ. كَمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ (٤) . وَالْمُسْتَحَبُّ مِنْ ذَلِكَ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ، وَلاَ

_________

(١) البناية شرح الهداية ٩ / ٢٢٨ - ٢٣٠، والخرشي ١ / ٩٩. وحاشية الدسوقي ١ / ٦٣، والأم للإمام الشافعي ٢ / ٣٥، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٤٠٦، وكشاف القناع ٢ / ٢٣٧، والمغني ٣ / ١٥.

(٢) الخرشي ١ / ٩٩، وحاشية الدسوقي ١ / ٦٣، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٤٠٦، وكشاف القناع ٢ / ٢٣٧ - ٢٣٨.

(٣) سورة النساء / ١٠٢.

(٤) سورة النساء / ١٠٢.