الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٥
سِكَّة
التَّعْرِيفُ:
١ - تُطْلَقُ السِّكَّةُ (بِالْكَسْرِ) لُغَةً عَلَى الزُّقَاقِ أَوِ الطَّرِيقِ الْمُصْطَفَّةِ مِنَ النَّخِيل، كَمَا تُطْلَقُ عَلَى حَدِيدَةٍ مَنْقُوشَةٍ تُطْبَعُ بِهَا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ.
وَتُطْلَقُ كَذَلِكَ عَلَى سِكَّةِ الْمِحْرَاثِ وَهِيَ الْحَدِيدَةُ الَّتِي تُحْرَثُ بِهَا الأَْرْضُ (١) .
وَاصْطِلاَحًا: اسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ السِّكَّةَ بِمَعْنَى الْحَدِيدَةِ الْمَنْقُوشَةِ الَّتِي تُطْبَعُ بِهَا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ وَاسْتَعْمَلُوهَا أَيْضًا بِمَعْنَى الْمَسْكُوكِ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَاسْتَعْمَلُوهَا كَذَلِكَ فِي الطَّرِيقِ الْمُسْتَوِي وَفِي الزُّقَاقِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - مَا يَتَعَلَّقُ بِالسِّكَّةِ بِمَعْنَى الْمَسْكُوكِ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ قَدْ تَقَدَّمَ بَحْثُ أَحْكَامِهَا فِي مُصْطَلَحَاتِ (دَرَاهِم وَدَنَانِير وَذَهَب) .
_________
(١) المصباح المنير ولسان العرب مادة (سكك) .
وَيُرَاجَعُ كَذَلِكَ مُصْطَلَحَاتُ (فُلُوس) (وَنُقُود) .
٣ - وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالسِّكَّةِ بِمَعْنَى الزُّقَاقِ أَوِ الطَّرِيقِ فَقَدْ بَحَثَهُ الْفُقَهَاءُ فِي مَبَاحِثِ الْجِوَارِ وَالشُّفْعَةِ وَالْقِسْمَةِ، وَيَأْتِي تَفْصِيلًا فِي مُصْطَلَحِ " طَرِيق ".
٤ - أَمَّا السِّكَّةُ بِمَعْنَى الْحَدِيدَةِ الَّتِي تُطْبَعُ بِهَا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ فَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ وِلاَيَةَ ضَرْبِ الْفُلُوسِ وَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِلنَّاسِ فِي دَارِ الضَّرْبِ وَأَنْ تَكُونَ بِقِيمَةِ الْعَدْل فِي مُعَامَلاَتِهِمْ تَسْهِيلًا عَلَيْهِمْ وَتَيْسِيرًا لِمَعَاشِهِمْ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَضْرِبَ الْمَغْشُوشَ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا (١) كَمَا لاَ يَجُوزُ لِغَيْرِ الإِْمَامِ أَنْ يَضْرِبَ لأَِنَّهُ مِنَ الاِفْتِيَاتِ عَلَيْهِ وَلأَِنَّهُ مَظِنَّةٌ لِلْغِشِّ وَالإِْفْسَادِ بِتَغَيُّرِ قِيَمِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَمَقَادِيرِهَا.
وَلاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَتَّجِرَ فِي الْفُلُوسِ بِأَنْ يَشْتَرِيَ نُحَاسًا فَيَضْرِبَهُ فَيَتَّجِرَ فِيهِ، وَيُحَرِّمَ عَلَى النَّاسِ الْفُلُوسَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ وَيَضْرِبَ لَهُمْ غَيْرَهَا لأَِنَّهُ إِضْرَارٌ بِالنَّاسِ وَخُسْرَانٌ عَلَيْهِمْ، بَل
_________
(١) حديث: " من غشنا فليس منا ". أخرجه مسلم (١ / ٩٩ ط. عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا.
يَضْرِبُ النُّحَاسَ فُلُوسًا بِقِيمَتِهَا مِنْ غَيْرِ رِبْحٍ فِيهَا لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ وَيُعْطِي أُجْرَةَ الصُّنَّاعِ مِنْ بَيْتِ الْمَال، فَإِنَّ التِّجَارَةَ فِيهَا مِنْ قَبِيل أَكْل أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِل؛ لأَِنَّهُ إِنْ حَرَّمَ الْمُعَامَلَةَ بِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ صَارَتْ عَرَضًا وَسِلْعَةً وَإِذَا ضَرَبَ لَهُمْ فُلُوسًا أُخْرَى أَفْسَدَ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الأَْمْوَال بِنَقْصِ أَسْعَارِهَا فَيَظْلِمُهُمْ بِمَا ضَرَبَهُ بِإِغْلاَءِ سِعْرِهَا.
وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ النَّافِقَةِ فِي مُعَامَلاَتِهِمْ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ زَائِفَةً أَوْ دَخَلَهَا الْغِشُّ. يَدُل عَلَيْهِ حَدِيثُ: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ تُكْسَرَ سِكَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ مِنْ بَأْسٍ (١) .
وَعِلَّةُ النَّهْيِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرِضُونَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ وَيَأْخُذُونَ أَطْرَافَهَا فَيُخْرِجُونَهَا عَنِ السِّعْرِ الَّذِي يَأْخُذُونَهَا بِهِ وَيَجْمَعُونَ مِنْ تِلْكَ الْقِرَاضَةِ شَيْئًا كَثِيرًا بِالسَّبْكِ فَيَكُونُ كَسْرُهَا بَخْسًا وَتَطْفِيفًا.
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ عَنْ كَسْرِ السِّكَّةِ أَنْ لاَ تُعَادَ تِبْرًا وَلِتَبْقَى عَلَى
_________
(١) حديث: " نهى رسول الله ﷺ أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس ". أخرجه أبو داود (٣ / ٧٣٠ ط. عزت عبيد دعاس) وإسناده ضعيف (جامع الأصول ١١ / ٧٩٢ ط - الملاح) .
حَالِهَا مُرْصَدَةً لِلنَّفَقَةِ. وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَل فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (١) .
فَقَدْ كَانَ قَوْمُ شُعَيْبٍ يَكْسِرُونَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ. يَقُول ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ لِهَذِهِ الآْيَةِ: " وَكَسْرُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ذَنْبٌ عَظِيمٌ لأَِنَّهَا الْوَاسِطَةُ فِي تَقْدِيرِ قِيَمِ الأَْشْيَاءِ وَالسَّبِيل إِلَى مَعْرِفَةِ كَمْيَّةِ الأَْمْوَال وَتَنْزِيلِهَا فِي الْمُعَاوَضَاتِ (٢) ".
_________
(١) سورة هود / ٧٨.
(٢) كشاف القناع ٢ / ٢٣٢ - ٢٣٣، المجموع ٦ / ١٠، ١١، الأحكام السلطانية (الماوردي) ص ١٥٥ - ١٥٦، عون المعبود ٩ / ٣١٨، وأحكام القرآن (ابن العربي) ٣ / ٢٣ ط - الدار العلمية بيروت.
السُّكْنَى
التَّعْرِيفُ:
١ - السُّكْنَى اسْمُ مَصْدَرٍ مِنَ السَّكَنِ، وَهُوَ الْقَرَارُ فِي الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِذَلِكَ، وَالْمَسْكَنُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا، الْمَنْزِل أَوِ الْبَيْتُ، وَالْجَمْعُ مَسَاكِنُ. وَالسُّكُونُ ضِدُّ الْحَرَكَةِ، يُقَال: سَكَنَ بِمَعْنَى هَدَأَ وَسَكَتَ (١) .
وَاصْطِلاَحًا هِيَ الْمُكْثُ فِي مَكَانٍ عَلَى سَبِيل الاِسْتِقْرَارِ وَالدَّوَامِ (٢) .
طَبِيعَةُ حَقِّ السُّكْنَى:
٢ - مِنَ الْمُسَلَّمِ بِهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ السُّكْنَى
_________
(١) القاموس، والمصباح، ولسان العرب.
(٢) المبسوط لشمس الأئمة السرخسي ٨ / ١٦٠ طبع مطبعة دار المعرفة للطباعة والنشر بدائع الصنائع للكاساني ٤ / ١٧٢٨ طبع مطبعة الإمام بمصر، مواهب الجليل شرح مختصر خليل للحطاب ٣ / ٣٠٣ وما بعدها، حاشية البجيرمي على شرح منهج الطلاب ٤ / ٢٩٦ طبع المطبعة الأميرية ببولاق مصر، كشاف القناع على متن الإقناع ٤ ص ٢١٥٤.
مَنْفَعَةٌ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ عَرَضِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِالْعَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَا، وَأَنَّ السُّكْنَى لَهَا وُجُودٌ وَإِنْ كَانَ لاَ يَسْتَمِرُّ زَمَنًا طَوِيلًا.
وَعَلَى ذَلِكَ فَحَقُّ السُّكْنَى - لِكَوْنِهِ حَقَّ مَنْفَعَةٍ - أَعَمُّ وَأَشْمَل مِنْ حَقِّ الاِنْتِفَاعِ، وَأَنَّ الْمِلْكَ فِي حَقِّ السُّكْنَى يَنْشَأُ عَنْ عَقْدٍ مُمَلِّكٍ، كَالْوَقْفِ وَالإِْجَارَةِ وَالإِْعَارَةِ وَالْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ، فَهُوَ حَقٌّ يُمَكِّنُ صَاحِبَهُ مِنْ مُبَاشَرَتِهِ وَالاِنْتِفَاعِ، بِنَفْسِهِ أَوْ تَمْكِينِ غَيْرِهِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِعِوَضٍ. بِخِلاَفِ حَقِّ الاِنْتِفَاعِ، فَإِنَّهُ يَنْشَأُ عَنْ عَقْدٍ، كَهِبَةِ الدَّارِ لِلسُّكْنَى، أَوْ إِذْنٍ وَإِبَاحَةٍ فَقَطْ مِنَ الْمَالِكِ، فَلاَ يَصِحُّ لِصَاحِبِهِ أَنْ يُمَكِّنَ أَحَدًا غَيْرَهُ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِهِ.
حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْعَبْدِ فِي السُّكْنَى:
٣ - يَتَمَثَّل حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي السُّكْنَى فِي كُل مَا لاَ يَكُونُ لِلْعَبْدِ إِسْقَاطُهُ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ:
(١) حَقُّ السُّكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ رَجْعِيًّا، لاَ يَجُوزُ إِسْقَاطُهُ، فَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ إِسْكَانُهَا فِي مَكَانٍ تَقْضِي فِيهِ عِدَّتَهَا، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي وَجَبَتِ الْعِدَّةُ فِيهِ.
وَفِي الْمُطَلَّقَاتِ الْبَائِنَاتِ، وَالْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ يَكُونُ حَقُّ السُّكْنَى حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى عِنْدَ بَعْضِ
الْفُقَهَاءِ، أَوْ حَقًّا لِلْعَبْدِ عِنْدَ فَرِيقٍ آخَرَ مِنْهُمْ، لَكِنِ الْجَمِيعُ يَتَّفِقُونَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْكَنِ الَّذِي أَلْزَمَتْ نَفْسَهَا بِالْقَرَارِ فِيهِ.
(٢) وَفِي الْمُخْتَلِعَاتِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِّ السُّكْنَى، فَيَرَى الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ الْمُخَالِعُ الْبَرَاءَةَ مِنَ السُّكْنَى لَمْ يَجُزِ الشَّرْطُ؛ إِذِ السُّكْنَى فِي بَيْتِ الزَّوْجِ فِي الْعِدَّةِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ إِسْقَاطُهُ، لاَ بِعِوَضٍ وَلاَ غَيْرِهِ
وَخَالَفَ الْحَنَابِلَةُ مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ وَقَالُوا بِجَوَازِ أَنْ يُخَالِعَ الرَّجُل امْرَأَتَهُ الْحَامِل عَلَى سُكْنَاهَا وَنَفَقَتِهَا، وَيَبْرَأَ مِنْهَا (١) .
وَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فِي السُّكْنَى فَيَتَمَثَّل فِي كُل تَصَرُّفٍ يَكُونُ الْقَصْدُ مِنْهُ مَصْلَحَةَ الْعَبْدِ، كَهِبَةِ السُّكْنَى أَوْ بَيْعِهَا أَوْ إجَارَتِهَا، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ جَرَيَانُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مُتَّفِقًا مَعَ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُنَظِّمَةِ لَهَا؛ لأَِنَّ تَنْظِيمَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى.
_________
(١) رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين ٣ / ٦١١، جامع الفصولين لابن قاضي شحاده ١ / ٢٠٠، ٢٠١ شرح الخرشي على مختصر خليل ٣ / ١٥٥، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٦ / ٣٩٨، وإعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزية ٤ / ٣٧.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسُّكْنَى:
أَوَّلًا: السُّكْنَى كَحَقٍّ عَلَى الْغَيْرِ:
سُكْنَى الزَّوْجَةِ:
٤ - السُّكْنَى لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَاجِبَةٌ، وَهَذَا الْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَل لِلْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ السُّكْنَى عَلَى زَوْجِهَا. قَال تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (١) فَوُجُوبُ السُّكْنَى لِلَّتِي هِيَ فِي صُلْبِ النِّكَاحِ أَوْلَى. وَلأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْمُعَاشَرَةَ بَيْنَ الأَْزْوَاجِ بِالْمَعْرُوفِ، قَال تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وَمِنَ الْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَنْ يُسْكِنَهَا فِي مَسْكَنٍ تَأْمَنُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِهَا، كَمَا أَنَّ الزَّوْجَةَ لاَ تَسْتَغْنِي عَنِ الْمَسْكَنِ؛ لِلاِسْتِتَارِ عَنِ الْعُيُونِ وَالاِسْتِمْتَاعِ وَحِفْظِ الْمَتَاعِ. فَلِذَلِكَ كَانَتِ السُّكْنَى حَقًّا لَهَا عَلَى زَوْجِهَا، وَهُوَ حَقٌّ ثَابِتٌ بِإِجْمَاعِ أَهْل الْعِلْمِ (٣) .
الْجَمْعُ بَيْنَ زَوْجَتَيْنِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي دَارٍ لِكُل وَاحِدَةٍ بَيْتٌ فِيهِ:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ
_________
(١) سورة الطلاق / ٦.
(٢) سورة النساء / ١٩.
(٣) بدائع الصنائع ٤ / ١٥، المجموع شرح المهذب ص ٢٥٦، تحفة المحتاج ٧ / ٤٤٣. مع حاشية الشرواني، والشرح الكبير للدردير ٢ / ٥٠٩، الفروع لابن مفلح ٥ / ٥٧٧.
امْرَأَتَيْنِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَلأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْخُصُومَةِ الَّتِي نَهَى الشَّارِعُ عَنْهَا، وَمَنْعُ الْجَمْعِ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ حَقٌّ خَالِصٌ لَهُمَا فَيَسْقُطُ بِرِضَاهُمَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَذَهَبَ ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَقَّ لاَ يَسْقُطُ وَلَوْ رَضِيَتِ الزَّوْجَةُ بِهِ، وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي دَارٍ لِكُل وَاحِدَةٍ مِنَ الزَّوْجَتَيْنِ بَيْتٌ فِيهَا فَذَهَبَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْقَوْل الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَاشْتَرَطَ الْجُمْهُورُ لِصِحَّةِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِكُل بَيْتٍ مَرَافِقُهُ الْخَاصَّةُ بِهِ، وَغَلْقٌ يُغْلَقُ بِهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ رِضَاهُمَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا (١) .
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ (وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي مَذْهَبِهِمْ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلاَّ بِرِضَاهُمَا. فَإِنْ أَبَيْنَ مِنْهُ أَوْ كَرِهَتْهُ إِحْدَاهُمَا فَلاَ يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.
الْجَمْعُ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَأَقَارِبِ الزَّوْجِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ:
٦ - الْمُرَادُ بِأَقَارِبِ الزَّوْجِ هُنَا الْوَالِدَانِ وَوَلَدُ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجَةِ.
_________
(١) مجمع الأنهر ١ / ٤٩٣ فتح القدير ٤ / ٢٠٧، نهاية المحتاج ٧ / ١٨٦، كشاف القناع ٥ / ١٩٦، الفروع ٥ / ٣٢٤، مواهب الجليل ٤ / ١٣، الشرح الكبير ٢ / ٣١٦.
فَالْجَمْعُ بَيْنَ الأَْبَوَيْنِ وَالزَّوْجَةِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ لاَ يَجُوزُ (وَكَذَا غَيْرُهُمَا مِنَ الأَْقَارِبِ) وَلِذَلِكَ يَكُونُ لِلزَّوْجَةِ الاِمْتِنَاعُ عَنِ السُّكْنَى مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لأَِنَّ الاِنْفِرَادَ بِمَسْكَنٍ تَأْمَنُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِهَا حَقُّهَا، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ جَبْرُهَا عَلَى ذَلِكَ. وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَةِ الشَّرِيفَةِ وَالْوَضِيعَةِ، وَقَالُوا بِعَدَمِ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الزَّوْجَةِ الشَّرِيفَةِ وَالْوَالِدَيْنِ، وَبِجَوَازِ ذَلِكَ مَعَ الزَّوْجَةِ الْوَضِيعَةِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْوَضِيعَةِ وَالْوَالِدَيْنِ ضَرَرٌ عَلَيْهَا.
وَإِذَا اشْتَرَطَ الزَّوْجُ عَلَى زَوْجَتِهِ السُّكْنَى مَعَ الأَْبَوَيْنِ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ طَلَبَتْ الاِنْفِرَادَ بِمَسْكَنٍ، فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، إِلاَّ إِذَا أَثْبَتَتِ الضَّرَرَ مِنَ السَّكَنِ مَعَ الْوَالِدَيْنِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ عَاجِزًا لاَ يَلْزَمُهُ إِجَابَةُ طَلَبِهَا، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا يَلْزَمُهُ. وَقِيل: لاَ يَلْزَمُهُ غَيْرُ مَا شَرَطَتْهُ عَلَيْهِ (١) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٢١٣، بستان العارفين للإمام النووي ص ٣٤، كشاف القناع ٣ / ٥٣، الشرح الكبير ٢ / ٤٧٤.