الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤
يُوجَدْ شُبْهَةٌ فِي الْوُجُوبِ، (فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْحَدِّ)، وَلَوْ كَانَ حُدُوثُ الْمِلْكِ - بَعْدَ الْقَضَاءِ - يُسْقِطُ الْحَدَّ، لَمَا قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ سَارِقَ رِدَاءِ صَفْوَانَ، بَعْدَ أَنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، بَل قَال لَهُ: فَهَلاَّ قَبْل أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ (١) .
٦ - تَقَادُمُ الْحَدِّ:
٧٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَزُفَرَ إِلَى أَنَّ الْحَدَّ لاَ يَسْقُطُ بِالتَّقَادُمِ؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَصْدُرْ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَتِ السَّرِقَةُ، فَوَجَبَ تَنْفِيذُهُ مَهْمَا طَال الزَّمَنُ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُرُوبُ الْجَانِي أَوْ تَرَاخِي التَّنْفِيذِ مِنْ أَسْبَابِ سُقُوطِ الْحَدِّ، وَإِلاَّ كَانَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى تَعْطِيل حُدُودِ اللَّهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا زُفَرَ - إِلَى أَنَّ تَقَادُمَ التَّنْفِيذِ بَعْدَ الْقَضَاءِ، يُسْقِطُ الْقَطْعَ، لأَِنَّ الْقَضَاءَ فِي بَابِ الْحُدُودِ إِمْضَاؤُهَا، فَمَا لَمْ تَمْضِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْضِ، وَلأَِنَّ التَّقَادُمَ فِي التَّنْفِيذِ كَالتَّقَادُمِ فِي الإِْثْبَاتِ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِذَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ بِشُهُودٍ فِي السَّرِقَةِ، ثُمَّ انْفَلَتَ، فَأُخِذَ بَعْدَ زَمَانٍ، لَمْ يُقْطَعْ؛ لأَِنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ لاَ يُقَامُ بِحُجَّةِ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ تَقَادُمِ الْعَهْدِ، وَالْعَارِضُ فِي الْحُدُودِ بَعْدَ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٨٨ - ٨٩، المبسوط ٩ / ١٨٧، شرح الزرقاني ٨ / ٨٩، المهذب ٢ / ٢٦٤ - ٢٨٢، والمغني والشرح الكبير ١٠ / ٢٧٧، معالم السنن ٣ / ٣٠٠.
الْقَضَاءِ قَبْل الاِسْتِيفَاءِ كَالْعَارِضِ قَبْل الْقَضَاءِ (١) .
التَّعْزِيرُ:
٧٨ - تَجُوزُ الْعُقُوبَةُ بِالتَّعْزِيرِ عَلَى كُل سَرِقَةٍ لَمْ تَكْتَمِل أَرْكَانُهَا، أَوْ لَمْ تَسْتَوْفِ شُرُوطُهَا؛ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ فِيهَا. وَعَلَى كُل سَرِقَةٍ دَرْءُ الْحَدِّ فِيهَا لِوُجُودِ شُبْهَةٍ. وَكَذَلِكَ تَجُوزُ الْعُقُوبَةُ بِالتَّعْزِيرِ عَلَى السَّرِقَةِ الَّتِي سَقَطَ فِيهَا الْقَطْعُ، عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي سَبَقَ بَيَانُهُ (٢) .
الضَّمَانُ:
٧٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ رَدِّ الْمَسْرُوقِ إِنْ كَانَ قَائِمًا، إِلَى مَنْ سُرِقَ مِنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ السَّارِقُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا، وَسَوَاءٌ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَوْ لَمْ يُقَمْ، وَسَوَاءٌ وُجِدَ الْمَسْرُوقُ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ الرَّسُول ﷺ رَدَّ عَلَى صَفْوَانَ رِدَاءَهُ، وَقَطَعَ سَارِقَهُ، وَقَدْ قَال ﷺ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٨٩، المبسوط ٩ / ١٧٦، فتح القدير ٤ / ١٦٤، تبصرة الحكام ٢ / ٣٥٢، مغني المحتاج ٤ / ١٥١، المغني والشرح الكبير ١٠ / ٢٠٥ - ٢٠٦.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٣٦، معالم السنن ٣ / ٣١٣، المغني ١٠ / ٢٧١، وانظر مصطلح: (تعزير) .
تُؤَدِّيَ (١)، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ كَذَلِكَ فِي وُجُوبِ ضَمَانِ الْمَسْرُوقِ إِذَا تَلِفَ، وَلَمْ يُقَمِ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ، لِسَبَبٍ يَمْنَعُ الْقَطْعَ، كَأَخْذِ الْمَال مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، أَوْ كَانَ دُونَ النِّصَابِ، أَوْ قَامَتْ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَى السَّارِقِ أَنْ يَرُدَّ مِثْل الْمَسْرُوقِ - إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا - وَقِيمَتَهُ إِنْ كَانَ قِيَمِيًّا (٢) .
٨٠ - وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ، إِذَا تَلِفَ الْمَسْرُوقُ وَقَدْ قُطِعَ فِيهِ سَارِقُهُ، عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الضَّمَانِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ تَلِفَ الْمَسْرُوقُ بِهَلاَكٍ أَوْ بِاسْتِهْلاَكٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبِهِ قَال عَطَاءٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَغَيْرُهُمْ (٣) .
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا
_________
(١) حديث: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي. ". أخرجه أبو داود (٣ / ٨٢٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث الحسن عن سمرة، وقال ابن حجر في التلخيص (٣ / ٥٣ - ط شركة الطباعة الفنية): والحسن مختلف في سماعه من سمرة.
(٢) المبسوط ٩ / ١٥٦، بداية المجتهد ٢ / ٤٤٢، أسنى المطالب ٤ / ١٥٢، المغني والشرح الكبير ١٠ / ٢٧٩، البيهقي ٨ / ٢٧٧.
(٣) بدائع الصنائع ٧ / ٨٤ - ٨٥، فتح القدير ٥ / ٤١٣، أحكام القرآن للجصاص ٤ / ٨٤، بداية المجتهد ٢ / ٤٤٢.
أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ (١) فَقَدْ سَمَّى " الْقَطْعَ " جَزَاءً، وَالْجَزَاءُ يُبْنَى عَلَى الْكِفَايَةِ، فَلَوْ ضُمَّ إِلَيْهِ الضَّمَانُ لَمْ يَكُنِ الْقَطْعُ كَافِيًا، فَلَمْ يَكُنْ جَزَاءً، وَقَدْ جَعَل الْقَطْعَ كُل الْجَزَاءِ، لأَِنَّهُ - عَزَّ شَأْنُهُ - ذَكَرَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ، فَلَوْ أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ لَصَارَ الْقَطْعُ بَعْضَ الْجَزَاءِ. وَقَوْلُهُ ﷺ: لاَ يُغَرَّمُ صَاحِبُ سَرِقَةٍ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ (٢)، فَالْحَدِيثُ يَنُصُّ صَرَاحَةً عَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ إِذَا قَطَعَ السَّارِقُ. وَمِنْ هُنَا قَالُوا: لاَ يَجْتَمِعُ حَدٌّ وَضَمَانٌ؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ بِالضَّمَانِ يَجْعَل الْمَسْرُوقَ مَمْلُوكًا لِلسَّارِقِ، مُسْتَنِدًا إِلَى وَقْتِ الأَْخْذِ، فَلاَ يَجُوزُ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَقْطَعُ أَحَدٌ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ (٣) .
وَالثَّانِي: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى ضَمَانِ الْمَسْرُوقِ - إِنْ تَلِفَ - بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ السَّارِقُ مُوسِرًا، مِنْ وَقْتِ السَّرِقَةِ إِلَى وَقْتِ الْقَطْعِ، لأَِنَّ الْيَسَارَ الْمُتَّصِل كَالْمَال الْقَائِمِ بِعَيْنِهِ، فَلاَ تَجْتَمِعُ عَلَى السَّارِقِ عُقُوبَتَانِ. فَإِنْ كَانَ السَّارِقُ مُوسِرًا وَقْتَ السَّرِقَةِ، ثُمَّ أَعْسَرَ بَعْدَهَا، أَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَقْتَ السَّرِقَةِ، ثُمَّ أَيْسَرَ بَعْدَهَا، فَلاَ ضَمَانَ؛ لِئَلاَّ
_________
(١) سورة المائدة / ٣٨.
(٢) حديث: " لا يغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد ". أخرجه النسائي (٨ / ٩٣ - ط المكتبة التجارية) وقال: هذا مرسل، وليس بثابت.
(٣) أحكام القرآن للجصاص ٤ / ٨٤، فتح القدير ٥ / ٤١٤، وبدائع الصنائع ٧ / ٨٤، والمبسوط ٩ / ١٥٧.
تَجْتَمِعَ عَلَيْهِ عُقُوبَتَانِ: قَطْعُ يَدِهِ وَإِتْبَاعُ ذِمَّتِهِ (١) .
وَالثَّالِثُ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَالْبَتِّيُّ وَاللَّيْثُ، وَبِهِ قَال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَإِسْحَاقُ (٢) إِلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ السَّارِقُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا، وَسَوَاءٌ تَلِفَ الْمَسْرُوقُ بِهَلاَكٍ أَوِ اسْتِهْلاَكٍ، وَسَوَاءٌ أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ أَوْ لَمْ يُقَمْ، فَالْقَطْعُ وَالضَّمَانُ يَجْتَمِعَانِ؛ لأَِنَّ الْقَطْعَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالضَّمَانَ لِحَقِّ الْعَبْدِ، وَقَدْ قَال ﷺ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ (٣) .
أَمَّا وَقْتُ تَقْدِيرِ الْقِيمَةِ - إِذَا حَكَمَ بِضَمَانِ الْمَسْرُوقِ - فَيُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (ضَمَان) .
سِرْقِينٌ
انْظُرْ: زِبْل.
_________
(١) بداية المجتهد ٢ / ٤٤٢، تبصرة الحكام ٢ / ٣٥٣، شرح الزرقاني ٨ / ١٠٧ - ١٠٨، القوانين الفقهية ص ٣٦١.
(٢) القليوبي وعميرة ٤ / ١٩٨، المهذب ٢ / ٢٨٤، كشاف القناع ٦ / ١٤٩، المغني والشرح الكبير ١٠ / ٢٧٩، الجامع لأحكام القرآن ٦ / ١٦٥، أحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٦٠٩.
(٣) حديث: " على اليد ما أخذت. . . " سبق تخريجه ف ٧٩.
سَرِيَّةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - فِي اللُّغَةِ: السَّرِيَّةُ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ -: قِطْعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ.
فَعَيْلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ. مِنْ سَرَى فِي اللَّيْل وَأَسْرَى: إِذَا ذَهَبَ فِيهِ.
وَالْجَمْعُ سَرَايَا، وَسَرِيَّاتٌ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: فِرْقَةٌ مِنَ الْجَيْشِ أَقْصَاهَا أَرْبَعُمِائَةٍ، يَبْعَثُهَا الأَْمِيرُ لِقِتَال الْعَدُوِّ، أَوِ التَّجَسُّسِ عَلَى الأَْعْدَاءِ، وَسُمِّيَتْ سَرِيَّةً لأَِنَّهُمْ يُسِرُّونَ بِاللَّيْل وَيَكْمُنُونَ بِالنَّهَارِ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْجَيْشُ، وَنَحْوُهُ:
٢ - الْجَيْشُ مَا زَادَ عَلَى ثَمَانِمِائَةٍ، وَالْجَحْفَل: مَا زَادَ
_________
(١) المصباح المنير.
(٢» نهاية المحتاج ٨ / ٦١، حاشية الجمل ٥ / ٢٩٢، حاشية القليوبي ٤ / ٢١٧، السير الكبير ١ / ٦٨.
عَلَى أَرْبَعَةِ آلاَفٍ، وَالْخَمِيسُ: هُوَ الْجَيْشُ الْعَظِيمُ، وَالْبَعْثُ: هُوَ مَا تَفَرَّعَ عَنِ السَّرِيَّةِ، وَالْكَتِيبَةُ: هِيَ مَا اجْتَمَعَ، وَلَمْ يَنْتَشِرْ (١) .
الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ:
٣ - خُرُوجُ الْمُجَاهِدِينَ لإِعْزَازِ الدِّينِ، وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنِ الْعِبَادِ وَحِمَايَةِ الْبَيْضَةِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَمِنْ أَفْضَل الْقُرُبَاتِ إِلَى اللَّهِ. وَقَدْ حَثَّ الْقُرْآنُ عَلَى الْخُرُوجِ فِي سَبِيل اللَّهِ، فَقَال عَزَّ مَنْ قَائِلٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيل لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيل اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَْرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآْخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآْخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِل قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) .
وَقَال جَل شَأْنُهُ: ﴿مَا كَانَ لأَِهْل الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَْعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُول اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيل اللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) . وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ.
_________
(١) نهاية المحتاج ٨ / ٦١، أسنى المطالب ٤ / ١٩٢، حاشية القليوبي ٤ / ٢١٧، مطالب أولي النهى ٢ / ٥٣٧.
(٢) سورة التوبة / ٣٨ - ٣٩.
(٣) سورة التوبة / ١٢٠.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِلَيْلَةٍ أَفْضَل مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ: حَارِسٌ حَرَسَ فِي أَرْضِ خَوْفٍ لَعَلَّهُ أَنْ لاَ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ (١) وَدَاوَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْثِ السَّرَايَا حَتَّى بَلَغَتْ سَرَايَاهُ الَّتِي بَعَثَهَا سَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَرِيَّةً (٢) .
وَأَمْرُ بَعْثِ السَّرَايَا مَوْكُولٌ إِلَى اجْتِهَادِ الإِْمَامِ، وَإِلَى مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ مِنْ أُمَرَاءِ الْجَيْشِ.
أَقَل السَّرِيَّةِ وَأَكْثَرُهَا:
٤ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ أَكْثَرَ السَّرِيَّةِ: أَرْبَعُمِائَةٍ، أَوْ خَمْسُمِائَةٍ، وَأَقَلُّهَا مِائَةٌ (٣) .
وَاسْتَدَلُّوا: بِحَدِيثِ: خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلاَفٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ (٤) .
وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إِنَّهُ لاَ بَأْسَ أَنْ يَبْعَثَ
_________
(١) حديث: " ألا أنبئكم بليلة أفضل من ليلة القدر؟ ". أخرجه الحاكم (٢ / ٨١ - ط دائرة المعارف العثمانية) .
(٢) يراجع في ذلك كتب السيرة كابن هشام وجزء المغازي من تاريخ الإسلام للذهبي.
(٣» نهاية المحتاج ٨ / ١٦١، أسنى المطالب ٤ / ١٩٢، حاشية القليوبي ٤ / ٢١٧.
(٤) حديث: " خير الصحابة أربعة. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٨٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (١ / ٤٤٣ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
الإِْمَامُ الرَّجُل الْوَاحِدَ سَرِيَّةً، أَوِ الاِثْنَيْنِ أَوِ الثَّلاَثَةَ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، وَقَال: لَمْ يُرِدِ النَّبِيُّ ﷺ بِالأَْرْبَعِمِائَةِ أَنَّ مَا دُونَهَا لاَ يَكُونُ سَرِيَّةً، إِنَّمَا كَانَ مُرَادُهُ ﷺ: أَنَّهُمْ إِذَا بَلَغُوا هَذَا الْعَدَدَ فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِمْ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ مِنْ بِلاَدِ الْعَدُوِّ قَبْل نَيْل الْمُرَادِ (١) . بِدَلِيل أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فِي أَيَّامِ الْخَنْدَقِ سَرِيَّةً وَحْدَهُ (٢) . وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ سَرِيَّةً وَحْدَهُ (٣)، وَبَعَثَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ سَرِيَّةً وَحْدَهُ (٤) . وَبَعَثَ ابْنَ مَسْعُودٍ وَخَبَّابًا سَرِيَّةً (٥) .
قَال السَّرَخْسِيُّ: أَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ
_________
(١) شرح السير الكبير ١ / ٦٧ - ٧٠.
(٢) حديث: " بعث النبي ﷺ حذيفة بن اليمان في أيام الخندق سرية وحده ". ذكره ابن جرير الطبري في تاريخه (٢ / ٥٧٩ - ط المعارف) .
(٣) حديث: " بعث عبد الله بن أنيس سرية وحده ". أخرجه أحمد (٣ / ٤٩٦ - ط الميمنية) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦ / ٢٠٣ - ط القدسي) وعزاه إلى أحمد وأبي يعلى وقال: " فيه راو لم يسم، وهو ابن عبد الله بن أنيس، وبقية رجاله ثقات ".
(٤) حديث: " بعث دحية الكلبي سرية وحده ". أخرجه أحمد (٣ / ٤٤١ ط. الميمنية) من حديث التنوخي رسول هرقل. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨ / ٢٣٦ ط القدسي) وعزاه إلى أحمد وأبي يعلى وقال: رجاله ثقات.
(٥) حديث: " بعث ابن مسعود وخبابًا سرية " ذكره محمد بن الحسن الشيباني في السير الكبير (١ / ٦٧ - ٧٠) ولم نعثر عليه في المصادر الحديثية، وكتب السير.