الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤ الصفحة 68

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤

الْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ فِي عُنُقِ السَّارِقِ، رَدْعًا لِلنَّاسِ، اسْتِنَادًا إِلَى مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ (١) . وَقَدْ حَدَّدَ الشَّافِعِيَّةُ مُدَّةَ التَّعْلِيقِ بِسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَلَمْ يُحَدِّدُوا مُدَّةَ التَّعْلِيقِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَعْلِيقَ الْيَدِ لاَ يُسَنُّ، بَل يُتْرَكُ الأَْمْرُ لِلإِْمَامِ، إِنْ رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً فَعَلَهُ، وَإِلاَّ فَلاَ (٢) . وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَالِكِيَّةُ شَيْئًا عَنْ تَعْلِيقِ الْيَدِ.

٤ - تَكَرُّرُ الْقَطْعِ بِتَكَرُّرِ السَّرِقَةِ:

تَدَاخُل الْحَدِّ:

٦٩ - مِنَ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ الَّتِي اسْتَقَرَّتْ فِي الْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ عَلَى اخْتِلاَفِ مَذَاهِبِهِ: أَنَّ مَبْنَى الْحُدُودِ عَلَى التَّدَاخُل، إِذَا اتَّحَدَ مُوجِبُهَا وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْحَدِّ حَقٌّ لآِدَمِيٍّ. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ: إِذَا تَكَرَّرَتِ السَّرِقَةُ، قَبْل إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَكَانَتْ فِي كُل مَرَّةٍ تُوجِبُ الْقَطْعَ، قُطِعَ السَّارِقُ لِجَمِيعِهَا قَطْعًا وَاحِدًا؛ لأَِنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ فَيَتَدَاخَل بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ؛ وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الرَّدْعُ

_________

(١) حديث: " أن النبي ﷺ أتي بسارق فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه ". أخرجه النسائي (٨ / ٩٢ - ط. المكتبة التجارية) من حديث فضالة بن عبيد، ثم ذكر تضعيف أحد رواته.

(٢) ابن عابدين ٣ / ٢٨٥، ابن نجيم ٥ / ٦٦، أسنى المطالب ٤ / ١٥٣، المهذب ٢ / ٣٠١، كشاف القناع ٦ / ١١٩، المغني ١٠ / ٢٦٧.

وَالزَّجْرُ، وَذَلِكَ يَحْصُل بِإِقَامَةِ الْحَدِّ الْوَاحِدِ (١) .

السَّرِقَةُ بَعْدَ الْقَطْعِ:

٧٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ السَّارِقِ، إِذَا قُطِعَتْ يَمِينُهُ ثُمَّ عَادَ لِلسَّرِقَةِ، عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

ذَهَبَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ إِلَى أَنَّ: مَنْ قُطِعَتْ يَمِينُهُ فِي السَّرِقَةِ الأُْولَى، ثُمَّ سَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ، إِذْ لاَ قَطْعَ إِلاَّ فِي السَّرِقَةِ الأُْولَى. لِقَوْل اللَّهِ ﵎: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢) أَيِ الْيَدَ الْيُمْنَى، كَمَا جَاءَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَمَرَ بِقَطْعِ الرِّجْل ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٣)

وَذَهَبَ رَبِيعَةُ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ: مَنْ قُطِعَتْ يَمِينُهُ فِي السَّرِقَةِ الأُْولَى، ثُمَّ سَرَقَ مَرَّةً ثَانِيَةً، تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَادَ إِلَى السَّرِقَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ، بَل يُعَزَّرُ، وَذَلِكَ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقَطْعِ الأَْيْدِي، وَهِيَ تَشْمَل الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى، وَإِدْخَال الأَْرْجُل فِي الْقَطْعِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ (٤) .

_________

(١) المبسوط ٩ / ١٧٧، شرح الزرقاني ٨ / ١٠٨، نهاية المحتاج ٧ / ٤٦٧، المغني والشرح الكبير ١٠ / ٢٦٨.

(٢) سورة المائدة / ٣٨.

(٣) سورة مريم / ٦٤.

(٤» أحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٦١٣، المحلى ١١ / ٣٥٤، المغني ١٠ / ٢٦٥، فتح الباري ١٥ / ١٠٥ - ١٠٦.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهِيَ الْمَذْهَبُ إِلَى أَنَّ مَنْ سَرَقَ بَعْدَ أَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى، تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى. فَإِنْ عَادَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ، بَل يُحْبَسُ وَيُضْرَبُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ أَوْ يَمُوتَ. وَنُقِل هَذَا عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ وَالشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَحَمَّادٍ (١) لِمَا رُوِيَ مِنْ قَوْل عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: إِذَا سَرَقَ الرَّجُل قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى، فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَادَ ضَمَّنْتُهُ السِّجْنَ حَتَّى يُحْدِثَ خَيْرًا. إِنِّي لأَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَدَعَهُ لَيْسَ لَهُ يَدٌ يَأْكُل بِهَا وَيَسْتَنْجِيَ بِهَا، وَرِجْلٌ يَمْشِي عَلَيْهَا (٢) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى: إِلَى أَنَّ مَنْ سَرَقَ، بَعْدَ أَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى فِي السَّرِقَةِ الأُْولَى، تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَادَ لِلْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ سَرَقَ مَرَّةً رَابِعَةً قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى، فَإِنْ عَادَ بَعْدَ ذَلِكَ حُبِسَ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ أَوْ يَمُوتَ، لِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ،

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٢٨٥، بدائع الصنائع ٧ / ١٠٨٦، المبسوط ٩ / ١٦، كشاف القناع ٦ / ١١٩، المغني والشرح الكبير ١٠ / ٢٧١، فتح الباري ١٥ / ١٠٥ - ١٠٦، المحلى ١١ / ٣٥٤.

(٢) سنن البيهقي ٨ / ٢٧٣، سنن الدارقطني ٣ / ١٠٣.

فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ (١) .

وَقَدْ فَعَل ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، وَقَال بِهِ إِسْحَاقُ وَقَتَادَةُ وَأَبُو ثَوْرٍ (٢) .

رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ: أَنَّ مَنْ سَرَقَ - بَعْدَ قَطْعِ أَطْرَافِهِ الأَْرْبَعَةِ - يُقْتَل حَدًّا، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْل سَارِقٍ - فِي الْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ - قَال جَابِرٌ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ، ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ، فَأَلْقَيْنَاهُ فِي بِئْرٍ، وَرَمَيْنَا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ (٣) .

_________

(١) حديث: " إذا سرق السارق فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله ". أخرجه الدارقطني (٣ / ١٨١ ط دار المحاسن) وضعف إسناده ابن حجر في التلخيص (٤ / ٦٨ - ط شركة الطباعة الفنية) وأورد له ما يقويه.

(٢) الخرشي على خليل ٨ / ٩٣، القوانين الفقهية ص ٣٦١، أسنى المطالب ٤ / ١٥٢، القليوبي وعميرة ٤ / ١٩٨، المهذب ٢ / ٣٠٠، شرح الزرقاني على الموطأ ٨ / ٩٢ - ٩٣، فتح الباري ١٥ / ١٠٦، الجامع لأحكام القرآن ٦ / ١٦٠، سنن الدارقطني ٢ / ٣٦٤، بداية المجتهد ٢ / ٤١٣ - ٤١٤، فتح الباري ١٥ / ١٠٥ - ١٠٦، المحلى ١١ / ٣٥٦، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٦٦.

(٣) حديث: " أن النبي ﷺ أمر بقتل سارق في المرة الخامسة ". أخرجه الدارقطني (٣ / ١٨١ - ط دار المحاسن) من حديث جابر بن عبد الله، وضعف إسناده ابن حجر في التلخيص (٤ / ٦٨ - ط شركة الطباعة الفنية) ولكن ذكر الدارقطني أسانيد أخرى له يتقوى بها.

قَال الْخَطَّابِيُّ: وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ وَقَدْ عَارَضَهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ يَحِل دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ وَزِنًى بَعْدَ إِحْصَانٍ أَوْ قَتْل نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ (١) . قَال: وَلاَ أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ يُبِيحُ دَمَ السَّارِقِ (٢) .

سُقُوطُ الْحَدِّ.

٧١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ مَا يُسْقِطُ الْحَدَّ، سَوَاءٌ مَا يَتَّصِل بِالْمَسْرُوقِ مِنْهُ أَمْ بِغَيْرِهِ: كَالْعَفْوِ وَالشَّفَاعَةِ. وَمِنْهَا مَا يَتَّصِل بِالسَّارِقِ: كَالتَّوْبَةِ، وَالرُّجُوعِ عَنِ الإِْقْرَارِ، وَاشْتِرَاكِهِ مَعَ مَنْ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْرُوقِ: كَطُرُوءِ مِلْكِ السَّارِقِ عَلَى مَا سَرَقَ. وَقَدْ يَسْقُطُ الْحَدُّ نَتِيجَةً لِلتَّقَادُمِ.

١ - الشَّفَاعَةُ وَالْعَفْوُ:

٧٢ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى إِجَازَةِ الشَّفَاعَةِ بَعْدَ السَّرِقَةِ وَقَبْل أَنْ يَصِل الأَْمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ، إِذَا كَانَ

_________

(١) حديث: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ". أخرجه الترمذي (٤ / ٤٦٠ - ٤٦١ ط الحلبي) من حديث عثمان بن عفان بلفظ مقارب، وقال: حديث حسن.

(٢) فتح القدير ٥ / ٥٩٦، المغني والشرح الكبير ١٠ / ٢٧١، تبصرة الحكام ٢ / ٣٥٣، ومعالم السنن ٣ / ٣١٣ - ٣١٤، مغني المحتاج ٤ / ١٧٨، النهاية في شرح الغاية ٣ / ٥٧.

السَّارِقُ لَمْ يُعْرَفْ بِشَرٍّ، سِتْرًا لَهُ وَإِعَانَةً عَلَى التَّوْبَةِ (١) . فَأَمَّا إِذَا وَصَل الأَْمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ، فَالشَّفَاعَةُ فِيهِ حَرَامٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ لأُِسَامَةَ - حِينَمَا شَفَعَ فِي الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ -: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ (٢) وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ﵁ لَقِيَ رَجُلًا قَدْ أَخَذَ سَارِقًا، فَشَفَعَ فِيهِ، فَقَال: لاَ، حَتَّى أَبْلُغَ بِهِ الإِْمَامُ، فَقَال الزُّبَيْرُ: إِذَا بَلَغَ الإِْمَامَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفِّعَ (٣) .

وَيَنْطَبِقُ نَفْسُ الْحُكْمِ عَلَى الْعَفْوِ عَنِ السَّارِقِ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ إِذَا لَمْ يُرْفَعِ الأَْمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ، فَإِنْ رُفِعَ إِلَيْهِ، لاَ يُقْبَل فِيهِ الْعَفْوُ. وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ: تَعَافُوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ (٤) .

وَقَال ﷺ لِصَفْوَانَ - لَمَّا تَصَدَّقَ بِرِدَائِهِ عَلَى سَارِقِهِ -: فَهَلاَّ قَبْل أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ (٥) .

_________

(١) الجامع لأحكام القرآن ٥ / ٢٩٥، نيل الأوطار ٧ / ٣١١.

(٢) حديث: " أتشفع في حد من حدود الله ". أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٨٧ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣١٥ - ط الحلبي) من حديث عائشة.

(٣) المنتقى شرح الموطأ ٧ / ١٦٣.

(٤) حديث: " تعافوا الحدود فيما بينكم ". أخرجه النسائي (٨ / ٧٠ - ط المكتبة التجارية) من حديث عبد الله بن عمرو، وإسناده حسن.

(٥) المبسوط ٧ / ١١١، المنتقى ٧ / ١٦٢ وما بعدها، تكملة المجموع ١٨ / ٣٣٣، المغني والشرح الكبير ١٠ / ٢٩٤، نيل الأوطار ٧ / ١٥٣. والحديث: " فهلا قبل أن تأتيني به ". أخرجه الحاكم (٤ / ٣٨٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عباس، وصححه ووافقه الذهبي.

التَّوْبَةُ:

٧٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ، أَيِ النَّدَمَ الَّذِي يُورِثُ عَزْمًا عَلَى إِرَادَةِ التَّرْكِ تُسْقِطُ عَذَابَ الآْخِرَةِ عَنِ السَّارِقِ (١)، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي أَثَرِ التَّوْبَةِ عَلَى إِقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَعَطَاءٌ، وَجَمَاعَةٌ: إِلَى أَنَّ التَّوْبَةَ لاَ تُسْقِطُ حَدَّ السَّرِقَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ (٢) مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ تَائِبٍ وَغَيْرِهِ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى عَمْرِو بْنِ سَمُرَةَ، حِينَ أَتَاهُ تَائِبًا يَطْلُبُ التَّطْهِيرَ مِنْ سَرِقَتِهِ جَمَلًا (٣) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ - وَالْحَنَابِلَةُ - فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى - إِلَى أَنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ حَدَّ السَّرِقَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى - بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ جَزَاءَ السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ -: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ

_________

(١) إحياء علوم الدين ٤ / ٢٠، معالم السنن ٣ / ٣٠١.

(٢» سورة المائدة / ٣٨.

(٣) حديث: " أن النبي ﷺ أقام الحد على عمرو بن سمرة ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨٦٣ - ط الحلبي) من حديث ثعلبة الأنصاري، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٢ / ٧٥ - ط دار الجنان) .

فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) وَهُوَ يَدُل عَلَى أَنَّ التَّائِبَ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، إِذْ لَوْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بَعْدَ التَّوْبَةِ لَمَا كَانَ لِذِكْرِهَا فَائِدَةٌ (٢) .

٣ - الرُّجُوعُ عَنِ الإِْقْرَارِ:

٧٤ - اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّ السَّارِقَ إِذَا رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ، قَبْل الْقَطْعِ، سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ؛ لأَِنَّ الرُّجُوعَ عَنِ الإِْقْرَارِ يُورِثُ شُبْهَةً (٣) .

وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ رُجُوعَ السَّارِقِ فِي إِقْرَارِهِ لاَ يُقْبَل مِنْهُ، وَلاَ يُسْقِطُ عَنْهُ الْحَدَّ؛ لأَِنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لآِدَمِيٍّ بِقِصَاصٍ أَوْ بِحَقٍّ لَمْ يُقْبَل رُجُوعُهُ عَنْهُمَا، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ (٤) .

٤ - الاِشْتِرَاكُ مَعَ مَنْ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ:

٧٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - إِلاَّ أَبَا يُوسُفَ - وَالْحَنَابِلَةُ فِي

_________

(١) سورة المائدة / ٣٩.

(٢) فتح القدير ٥ / ٤٢٩، الخرشي والعدوي ٨ / ١٠٣، المهذب ٢ / ٢٨٥، المغني ٨ / ٢٨١، ٢٩٦ ط. مكتبة القاهرة، المحلى ١١ / ١٢٩، القليوبي وعميرة ٤ / ٢٠١، نيل الأوطار ٧ / ١٠٦، فتح الباري ١٥ / ١١٧.

(٣) ابن عابدين ٣ / ٢٩٠، حاشية الدسوقي ٤ / ٣٤٥، القليوبي وعميرة ٤ / ١٩٦، كشاف القناع ٦ / ١١٧ - ١١٨، الخراج ص ١٩١.

(٤) نهاية المحتاج ٧ / ٤٤١، المغني والشرح الكبير ١٠ / ٢٩٣.

أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ إِلَى أَنَّهُ: إِذَا اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي سَرِقَةٍ وَكَانَ بَيْنَهُمْ مَنْ لاَ يَتَعَلَّقُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ، كَصَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ، فَإِنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ عَنِ الشُّرَكَاءِ كُلِّهِمْ؛ لأَِنَّ السَّرِقَةَ وَاحِدَةٌ، وَقَدْ حَصَلَتْ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ وَمِمَّنْ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ، فَيَسْقُطُ الْقَطْعُ عَنِ الْجَمِيعِ، قِيَاسًا عَلَى اشْتَرَاكِ الْعَامِدِ مَعَ الْمُخْطِئِ فِي الْقَتْل، فَإِنَّ الْقِصَاصَ يَسْقُطُ عَنْهُمَا.

وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ الْحَدَّ لاَ يَسْقُطُ إِلاَّ إِذَا كَانَ الصَّبِيُّ أَوِ الْمَجْنُونُ هُوَ الَّذِي وَلِيَ الأَْخْذَ وَالإِْخْرَاجَ؛ لأَِنَّ الإِْخْرَاجَ أَصْلٌ وَالإِْعَانَةَ كَالتَّابِعِ، فَإِذَا سَقَطَ الْقَطْعُ عَنِ الأَْصْل وَجَبَ سُقُوطُهُ عَنِ التَّابِعِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الآْخِذُ وَالْمُخْرِجُ مُكَلَّفًا فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدْ قَامَ بِالأَْصْل، فَلاَ يَسْقُطُ الْقَطْعُ عَنْهُ، وَإِنْ سَقَطَ عَنِ الصَّبِيِّ أَوِ الْمَجْنُونِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي الْوَجْهِ الآْخَرِ - إِلَى أَنَّ اشْتِرَاكَ مَنْ لاَ يَجِبُ قَطْعُهُ فِي السَّرِقَةِ لاَ يَسْقُطُ عَنْ سَائِرِ الشُّرَكَاءِ لأَِنَّ سَبَبَ امْتِنَاعِ قَطْعِهِ خَاصٌّ بِهِ، فَلاَ يَتَعَدَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ (١) .

_________

(١» بدائع الصنائع ٧ / ٦٧، المبسوط ٩ / ١٥١، تبصرة الحكام ٢ / ٣٥٢، شرح الزرقاني ٨ / ٩٥، أسنى المطالب ٤ / ١٣٨ - ١٣٩، مغني المحتاج ٤ / ١٦٠، المغني والشرح الكبير ١٠ / ٢٩٦ - ٢٩٧.

٥ - طُرُوءُ الْمِلْكِ قَبْل الْحُكْمِ:

٧٦ - إِذَا تَمَلَّكَ السَّارِقُ الْمَسْرُوقَ قَبْل الْقَضَاءِ بِأَنِ اشْتَرَاهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْقَطْعَ يَسْقُطُ عَنْهُ - عِنْدَ الْجُمْهُورِ - لأَِنَّ الْمُطَالَبَةَ شَرْطٌ لِلْحُكْمِ بِالْقَطْعِ، فَإِذَا تَمَلَّكَهُ السَّارِقُ قَبْل الْقَضَاءِ امْتَنَعَتِ الْمُطَالَبَةُ، وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِمْ الْمُطَالَبَةَ، فَالْعِبْرَةُ بِوُجُوبِ الْحَدِّ أَوْ سُقُوطِهِ بِحَال السَّرِقَةِ، دُونَ انْتِقَال الْمِلْكِ بَعْدَهَا.

فَأَمَّا إِذَا حَدَثَ الْمِلْكُ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَقَبْل الْقَطْعِ، فَإِنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - مَا عَدَا أَبَا يُوسُفَ وَزُفَرَ -: (لأَِنَّ الْقَضَاءَ فِي بَابِ الْحُدُودِ إِمْضَاؤُهَا فَمَا لَمْ تَمْضِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْضِ)، وَلأَِنَّ (الْمُعْتَرِضَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، قَبْل الاِسْتِيفَاءِ، كَالْمُقْتَرِنِ بِأَصْل السَّبَبِ)؛ وَلأَِنَّ (التَّمَلُّكَ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ حَقًّا وَقْتَ السَّرِقَةِ، إِلاَّ أَنَّهُ أَوْجَدَ شُبْهَةً عِنْدَ التَّنْفِيذِ وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ تَمْنَعُ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ) .

وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّهُ لاَ أَثَرَ لِتَمَلُّكِ الْمَسْرُوقِ بَعْدَ الْقَضَاءِ عَلَى وُجُوبِ الْقَطْعِ، (لأَِنَّ وُجُوبَ الْقَطْعِ حُكْمٌ مُعَلَّقٌ بِوُجُودِ السَّرِقَةِ، وَقَدْ تَمَّتِ السَّرِقَةُ، وَوَقَعَتْ مُوجِبَةً لِلْقَطْعِ لاِسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، فَطُرُوءُ الْمِلْكِ بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يُوجِبُ خَلَلًا فِي السَّرِقَةِ الْمَوْجُودَةِ، فَبَقِيَ الْقَطْعُ وَاجِبًا)، وَلأَِنَّ مَا حَدَثَ - بَعْدَ وُجُوبِ الْحَدِّ - لَمْ