الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤
وَالسَّجْدَتَانِ (١) .
أَسْبَابُ سُجُودِ السَّهْوِ:
أ - الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ:
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَعَمَّدَ الْمُصَلِّي أَنْ يَزِيدَ فِي صَلاَتِهِ قِيَامًا أَوْ قُعُودًا أَوْ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا، أَوْ يَنْقُصَ مِنْ أَرْكَانِهَا شَيْئًا، بَطَلَتْ صَلاَتُهُ. لأَِنَّ السُّجُودَ يُضَافُ إِلَى السَّهْوِ فَيَدُل عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ، وَالشَّرْعُ إِنَّمَا وَرَدَ بِهِ فِي السَّهْوِ قَال ﷺ: إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ. (٢)
فَإِذَا زَادَ الْمُصَلِّي أَوْ نَقَصَ لِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ قَضَائِهِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ يَأْتِي فِي ثَنَايَا الْبَحْثِ. (٣)
_________
(١) حديث: " كانت الركعة نافلة والسجدتان " جزء من حديث طويل أخرجه أبو داود (١ / ٦٢١ - ٦٢٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) بلفظ " إذا شك أحدكم في صلاته فليلق الشك وليبن على اليقين، فإذا استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان، وإن ك وأصله في مسلم كما تقدم.
(٢) حديث: " إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين ". أخرجه مسلم (١ / ٤٠٢ - ط الحلبي) من حديث ابن مسعود.
(٣) الفتاوى الهندية ١ / ١٢٦، نهاية المحتاج ٢ / ٦٧، المغني لابن قدامة ٢ / ٣٤، حاشية الدسوقي ١ / ٢٨٨ - ٢٨٩.
ب - الشَّكُّ:
٤ - إِذَا شَكَّ الْمُصَلِّي فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا، أَوْ شَكَّ فِي سَجْدَةٍ فَلَمْ يَدْرِ أَسَجَدَهَا أَمْ لاَ، فَإِنَّ الْجُمْهُورَ (الْمَالِكِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ وَرِوَايَةً لِلْحَنَابِلَةِ) ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ وَهُوَ الأَْقَل، وَيَأْتِي بِمَا شَكَّ فِيهِ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. وَدَلِيلُهُمْ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ وَاحِدَةً صَلَّى أَوْ ثِنْتَيْنِ فَلْيَبْنِ عَلَى وَاحِدَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ ثِنْتَيْنِ صَلَّى أَوْ ثَلاَثًا فَلْيَبْنِ عَلَى ثِنْتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ ثَلاَثًا صَلَّى أَوْ أَرْبَعًا فَلْيَبْنِ عَلَى ثَلاَثٍ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْل أَنْ يُسَلِّمَ (١) وَلِحَدِيثِ إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلْيُلْقِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ، فَإِذَا اسْتَيْقَنَ التَّمَامَ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ صَلاَتُهُ تَامَّةً كَانَتِ الرَّكْعَةُ نَافِلَةً وَالسَّجْدَتَانِ، وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً كَانَتِ الرَّكْعَةُ تَمَامًا لِصَلاَتِهِ، وَكَانَتِ السَّجْدَتَانِ مُرْغِمَتَيِ الشَّيْطَانِ.
(٢) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا شَكَّ فِي صَلاَتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ أَثَلاَثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا وَذَلِكَ
_________
(١) حديث: " إذا سها أحدكم في صلاته ". أخرجه الترمذي (٢ / ٢٤٥ - ط الحلبي) من حديث عبد الرحمن بن عوف، وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) حديث: " إذا شك أحدكم في صلاته ". تقدم تخريجه ف / ٢.
أَوَّل مَا عَرَضَ لَهُ اسْتَأْنَفَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ أَنَّهُ كَمْ صَلَّى فَلْيَسْتَقْبِل الصَّلاَةَ. (١) وَإِنْ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ كَثِيرًا بَنَى عَلَى أَكْبَرِ رَأْيِهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ (٢) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، لِقَوْلِهِ ﵊: إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فَلَمْ يَدْرِ وَاحِدَةً صَلَّى أَوْ ثِنْتَيْنِ فَلْيَبْنِ عَلَى وَاحِدَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ ثِنْتَيْنِ صَلَّى أَوْ ثَلاَثًا فَلْيَبْنِ عَلَى ثِنْتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ ثَلاَثًا صَلَّى أَوْ أَرْبَعًا فَلْيَبْنِ عَلَى ثَلاَثٍ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْل أَنْ يُسَلِّمَ. (٣)
وَالاِسْتِقْبَال لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلاَةِ وَذَلِكَ بِالسَّلاَمِ أَوِ الْكَلاَمِ أَوْ عَمَلٍ آخَرَ مِمَّا يُنَافِي الصَّلاَةَ، وَالْخُرُوجُ بِالسَّلاَمِ قَاعِدًا أَوْلَى؛ لأَِنَّ السَّلاَمَ عُرِفَ مُحَلِّلًا دُونَ الْكَلاَمِ، وَلاَ يَصِحُّ الْخُرُوجُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ بَل يَلْغُو، وَلاَ يَخْرُجُ بِذَلِكَ
_________
(١) حديث: " إذا شك أحدكم في صلاته أنه كم صلى فليستقبل الصلاة " قال الزيلعي في نصب الراية (٢ / ١٧٣ - ط المجلس العلمي): حديث غريب، يعني أنه لا أصل له كما نص في مقدمة كتابه، ثم قال: وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عمر قال في الذي لا يدري كم صلى أثلاثًا أو أربعًا؟ قال: يعيد حتى يحفظ.
(٢) حديث: " إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٥٠٤ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٤٠١ - ط الحلبي) من حديث ابن مسعود.
(٣) الحديث تقدم تخريجه في نفس الفقرة.
مِنَ الصَّلاَةِ، وَعِنْدَ الْبِنَاءِ عَلَى الأَْقَل يَقْعُدُ فِي كُل مَوْضِعٍ يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ آخِرَ الصَّلاَةِ تَحَرُّزًا عَنْ تَرْكِ فَرْضِ الْقَعْدَةِ الأَْخِيرَةِ وَهِيَ رُكْنٌ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى الْبِنَاءِ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ، وَيُتِمُّ صَلاَتَهُ، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلاَمِ، وَدَلِيلُهُمْ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ السَّابِقُ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ (١) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَاخْتَارَ الْخِرَقِيُّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ. فَجَعَل الإِْمَامُ يَبْنِي عَلَى الظَّنِّ وَالْمُنْفَرِدُ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ. وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي الْمَذْهَبِ نَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ وَالأَْثْرَمِ وَغَيْرِهِ. وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ: الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ؛ لأَِنَّ الإِْمَامَ لَهُ مَنْ يُنَبِّهُهُ وَيُذَكِّرُهُ إِذَا أَخْطَأَ الصَّوَابَ، فَلْيَعْمَل بِالأَْظْهَرِ عِنْدَهُ، فَإِنْ أَصَابَ أَقَرَّهُ الْمَأْمُومُونَ، فَيَتَأَكَّدُ عِنْدَهُ صَوَابُ نَفْسِهِ، وَإِنْ أَخْطَأَ سَبَّحُوا بِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ فَيَحْصُل لَهُ الصَّوَابُ عَلَى كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُنْفَرِدُ، إِذْ لَيْسَ لَهُ مَنْ يُذَكِّرُهُ فَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، لِيَحْصُل لَهُ إِتْمَامُ صَلاَتِهِ وَلاَ يَكُونُ مَغْرُورًا
_________
(١) حديث: " إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٥٠٤ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٤٠١ - ط الحلبي) من حديث ابن مسعود، واللفظ للبخاري.
بِهَا (١) . وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: لاَ غِرَارَ فِي الصَّلاَةِ. (٢) فَإِنِ اسْتَوَى الأَْمْرَانِ عِنْدَ الإِْمَامِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ أَيْضًا.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِسُجُودِ السَّهْوِ:
٥ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ نَقْلًا عَنِ التتارخانية الأَْصْل أَنَّ الْمَتْرُوكَ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ: فَرْضٌ، وَسُنَّةٌ، وَوَاجِبٌ، فَفِي الْفَرْضِ إِنْ أَمْكَنَهُ التَّدَارُكُ بِالْقَضَاءِ يَقْضِي وَإِلاَّ فَسَدَتْ صَلاَتُهُ، وَفِي السُّنَّةِ لاَ تَفْسُدُ، لأَِنَّ قِيَامَ الصَّلاَةِ بِأَرْكَانِهَا وَقَدْ وُجِدَتْ، وَلاَ يُجْبَرُ تَرْكُ السُّنَّةِ بِسَجْدَتَيِ السَّهْوِ، وَفِي الْوَاجِبِ إِنْ تَرَكَ سَاهِيًا يُجْبَرُ بِسَجْدَتَيِ السَّهْوِ، وَإِنْ تَرَكَ عَامِدًا لاَ. وَنُقِل عَنِ الْبَحْرِ الرَّائِقِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ رَكْعَةٍ فَتَذَكَّرَهَا فِي آخِرِ الصَّلاَةِ سَجَدَهَا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ لِتَرْكِ التَّرْتِيبِ فِيهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَةُ مَا قَبْلَهَا، وَلَوْ قَدَّمَ الرُّكُوعَ عَلَى الْقِرَاءَةِ لَزِمَهُ السُّجُودُ لَكِنْ لاَ يُعْتَدُّ بِالرُّكُوعِ فَيُفْرَضُ إِعَادَتُهُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ.
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ١٣٠، البناية ٣ / ٦٨٠، وشرح الزرقاني ١ / ٢٣٦ - ٢٣٧، الشرح الصغير ١ / ٣٨٠، الجمل على شرح المنهج ١ / ٤٥٤، المجموع للنووي ٤ / ١٠٦، كشاف القناع ١ / ٤٠٦، الكافي ١ / ١٦٧ - ١٦٨.
(٢) حديث: " لا غرار في الصلاة ". أخرجه أحمد (٢ / ٤٦١ - ط الميمنية) والحاكم (١ / ٢٦٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي هريرة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، واللفظ لأحمد.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَرْكَ الرُّكْنِ إِنْ أَمْكَنَهُ تَدَارُكَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّدَارُكُ مَعَ سُجُودِ السَّهْوِ وَذَلِكَ إِذَا أَتَى بِهِ فِي الرَّكْعَةِ نَفْسِهَا إِلَى مَا قَبْل عَقْدِ رَكْعَةٍ أُخْرَى بِالرُّكُوعِ لَهَا، فَإِنْ كَانَ تَرَكَ الرُّكْنَ فِي الرَّكْعَةِ الأَْخِيرَةِ ثُمَّ سَلَّمَ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّدَارُكُ بِأَدَاءِ الْمَتْرُوكِ بَل عَلَيْهِ الإِْتْيَانُ بِرَكْعَةٍ أُخْرَى مَا لَمْ يَطُل الْفَصْل أَوْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ فَعَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الصَّلاَةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ تَرَكَ رُكْنًا سَهْوًا لَمْ يُعْتَدَّ بِمَا فَعَلَهُ بَعْدَ الْمَتْرُوكِ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا تَرَكَهُ، فَإِنْ تَذَكَّرَ السَّهْوَ قَبْل فِعْل مِثْل الْمَتْرُوكِ اشْتَغَل عِنْدَ الذِّكْرِ بِالْمَتْرُوكِ، وَإِنْ تَذَكَّرَ بَعْدَ فِعْل مِثْلِهِ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى تَمَّتِ الرَّكْعَةُ السَّابِقَةُ بِهِ وَلَغَا مَا بَيْنَهُمَا. فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ عَيْنَ الْمَتْرُوكِ أَخَذَ بِأَدْنَى الْمُمْكِنِ وَأَتَى بِالْبَاقِي. وَفِي الأَْحْوَال كُلِّهَا سَجَدَ لِلسَّهْوِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مَنْ نَسِيَ رُكْنًا غَيْرَ التَّحْرِيمَةِ فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الَّتِي بَعْدَهَا بَطَلَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا فَقَطْ؛ لأَِنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا وَلَمْ يُمْكِنِ اسْتِدْرَاكُهُ فَصَارَتِ الَّتِي شَرَعَ فِيهَا عِوَضًا عَنْهَا، وَإِنْ ذَكَرَ الرُّكْنَ الْمَنْسِيَّ قَبْل شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الَّتِي بَعْدَهَا عَادَ لُزُومًا فَأَتَى بِهِ وَبِمَا بَعْدَهُ. (١)
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ١٢٦، بدائع الصنائع ١ / ٤٤٩، المبسوط ١ / ١٨٩، الدسوقي ١ / ٢٩٣، الشرح الصغير ١ / ١٦٠، الروضة ١ / ٣٠٠، المجموع للنووي ٤ / ١١٦، كشاف القناع ١ / ٤٠٢، المغني لابن قدامة ٢ / ٦.
الْوَاجِبَاتُ وَالسُّنَنُ الَّتِي يَجِبُ بِتَرْكِهَا سُجُودُ السَّهْوِ:
٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي: فِيمَا يُطْلَبُ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ سُجُودِ السَّهْوِ بِتَرْكِ وَاجِبٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلاَةِ سَهْوًا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ إِذَا لَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لاَ تَفْسُدُ بِتَرْكِهَا وَتُعَادُ وُجُوبًا فِي الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ إِنْ لَمْ يَسْجُدْ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْهَا يَكُونُ فَاسِقًا آثِمًا.
وَمِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلاَةِ عِنْدَهُمُ: الْقَعْدَةُ الأُْولَى مِنَ الصَّلاَةِ الرُّبَاعِيَّةِ، وَدُعَاءُ الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ، وَتَكْبِيرَاتُ الْعِيدَيْنِ وَغَيْرِهَا. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ قَسَّمُوا الصَّلاَةَ إِلَى فَرَائِضَ وَسُنَنٍ. فَالْمَالِكِيَّةُ يُسْجَدُ عِنْدَهُمْ لِسُجُودِ السَّهْوِ لِثَمَانِيَةٍ مِنَ السُّنَنِ وَهِيَ: السُّورَةُ، وَالْجَهْرُ، وَالإِْسْرَارُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَالتَّحْمِيدُ، وَالتَّشَهُّدَانِ، وَالْجُلُوسُ لَهُمَا.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَالسُّنَّةُ عِنْدَهُمْ نَوْعَانِ: أَبْعَاضٌ وَهَيْئَاتٌ، وَالأَْبْعَاضُ هِيَ الَّتِي يُجْبَرُ تَرْكُهَا بِسُجُودِ السَّهْوِ، فَمِنْهَا التَّشَهُّدُ الأَْوَّل وَالْقُعُودُ لَهُ، وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ الأَْوَّل، وَالصَّلاَةُ عَلَى الآْل فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ، وَالْقُنُوتُ الرَّاتِبُ فِي الصُّبْحِ، وَوِتْرُ النِّصْفِ الأَْخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيَامُهُ، وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقُنُوتِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَا لَيْسَ بِرُكْنٍ نَوْعَانِ: وَاجِبَاتٌ وَسُنَنٌ، فَالْوَاجِبَاتُ تَبْطُل الصَّلاَةُ بِتَرْكِهَا عَمْدًا، وَتَسْقُطُ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا، وَيُجْبَرُ تَرْكُهَا سَهْوًا بِسُجُودِ السَّهْوِ كَالتَّكْبِيرِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ كَذَلِكَ، وَقَال ﷺ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي. (١) وَالتَّسْمِيعُ لِلإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ دُونَ الْمَأْمُومِ، وَالتَّحْمِيدُ وَغَيْرُهَا. (٢)
مَوْضِعُ سُجُودِ السَّهْوِ:
٧ - لَمْ يَتَّفِقِ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَوْضِعِ سُجُودِ السَّهْوِ: فَقَدْ رَأَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مَوْضِعَ سُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ فِي الزِّيَادَةِ أَوِ النُّقْصَانِ، أَيْ أَنَّهُ يَتَشَهَّدُ ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَلَى الأَْصَحِّ ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ ثُمَّ يُسَلِّمُ كَذَلِكَ، فَإِنْ سَلَّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ سَقَطَ السُّجُودُ لِحَدِيثِ ثَوْبَانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لِكُل سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ. (٣)
_________
(١) حديث: " صلوا كما رأيتموني أصلي ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١١١ - ط السلفية) من حديث مالك بن الحويرث.
(٢) الفتاوى الهندية (١ / ٧١ - ٧٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٠٦، الشرح الصغير (١ / ٣٠٣ - ٣٢٢ ط. دار المعارف)، القوانين الفقهية ص ٥٥ - ٥٨، كشاف القناع ١ / ٤٠٨ - ٤١٠، مغني المحتاج ١ / ١٤٨ وما بعدها.
(٣) حديث: " لكل سهو سجدتان بعدما يسلم ". أخرجه أبو داود (١ / ٦٣٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، والبيهقي (٢ / ٣٣٧ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ثوبان، وأعله البيهقي.
وَيُرْوَى نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَمَّارٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَنَسٍ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فَإِنْ وَقَعَ السَّهْوُ بِالنَّقْصِ فِي الصَّلاَةِ فَالسُّجُودُ يَكُونُ قَبْل السَّلاَمِ. وَدَلِيلُهُمْ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَامَ مِنَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَلَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. (١) وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلاَمِ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ خَمْسًا فَقُلْنَا: يَا رَسُول اللَّهِ، أَزِيدَ فِي الصَّلاَةِ؟ قَال: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا! " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ، وَأَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ "، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ (٢) وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَال: كُل شَيْءٍ شَكَكْتَ فِيهِ مِنْ صَلاَتِكَ مِنْ نُقْصَانٍ مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَاسْتَقْبِل أَكْثَرَ ظَنِّكَ، وَاجْعَل سَجْدَتَيِ السَّهْوِ مِنْ
_________
(١) حديث عبد الله بن مالك بن بحينة: " أن رسول الله ﷺ قام من اثنتين من الظهر ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٩٢ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٣٩٩ - ط الحلبي) والسياق للبخاري.
(٢) حديث عبد الله بن مسعود: " صلى بنا رسول الله ﷺ خمسًا ". أخرجه مسلم (١ / ٤٠٢ - ط الحلبي) .
هَذَا النَّحْوِ قَبْل التَّسْلِيمِ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ السَّهْوِ فَاجْعَلْهُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ. وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ فَيَسْجُدُ قَبْل السَّلاَمِ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ النَّقْصِ.
وَالْجَدِيدُ وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَبْل السَّلاَمِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَكْحُولٍ وَالزُّهْرِيِّ وَيَحْيَى الأَْنْصَارِيِّ. وَدَلِيلُهُمْ حَدِيثُ ابْنِ بُحَيْنَةَ وَأُبَيٍّ ﵁ أَنَّهُ ﵊ سَجَدَ قَبْل السَّلاَمِ. كَمَا سَبَقَ؛ وَلأَِنَّهُ يُفْعَل لإِصْلاَحِ الصَّلاَةِ، فَكَانَ قَبْل السَّلاَمِ كَمَا لَوْ نَسِيَ سَجْدَةً مِنَ الصَّلاَةِ.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَذَهَبُوا فِي الْمُعْتَمَدِ إِلَى أَنَّ السُّجُودَ كُلَّهُ قَبْل السَّلاَمِ، إِلاَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ اللَّذَيْنِ وَرَدَ النَّصُّ بِسُجُودِهِمَا بَعْدَ السَّلاَمِ. وَهُمَا إِذَا سَلَّمَ مِنْ نَقْصِ رَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ، كَمَا فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّهُ ﷺ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَسَجَدَ بَعْدَ السَّلاَمِ. (١) وَحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ ثَلاَثٍ فَسَجَدَ بَعْدَ السَّلاَمِ. (٢)
وَالثَّانِي إِذَا تَحَرَّى الإِْمَامُ فَبَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَمَا تَحَرَّى فَسَجَدَ بَعْدَ السَّلاَمِ.
_________
(١) حديث ذي اليدين: " أنه سلم من ركعتين فسجد بعد السلام ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٩٨ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
(٢) حديث عمران بن حصين: " أنه سلم من ثلاث فسجد بعد السلام ". أخرجه مسلم (١ / ٤٠٥ - ط الحلبي) .