الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤ الصفحة 46

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤

لاَ سُجُودَ لِلتِّلاَوَةِ فِي الأَْوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْ صَلاَةِ التَّطَوُّعِ فِيهَا لِعُمُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ صَلاَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ. (١)

وَعِنْدَهُمْ بَعْدَ هَذَا الْقَدْرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ تَفْصِيلٌ: قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ تَلاَ شَخْصٌ آيَةَ السَّجْدَةِ أَوْ سَمِعَهَا فِي وَقْتٍ غَيْرِ مَكْرُوهٍ فَأَدَّاهَا فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ لاَ تُجْزِئُهُ؛ لأَِنَّهَا وَجَبَتْ كَامِلَةً فَلاَ تَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ كَالصَّلاَةِ، وَلَوْ تَلاَهَا فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ وَسَجَدَهَا فِيهِ أَجْزَأَهُ؛ لأَِنَّهُ أَدَّاهَا كَمَا وَجَبَتْ، وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَسَجَدَهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ مَكْرُوهٍ جَازَ أَيْضًا؛ لأَِنَّهُ أَدَّاهَا كَمَا وَجَبَتْ لأَِنَّهَا وَجَبَتْ نَاقِصَةً وَأَدَّاهَا نَاقِصَةً. (٢)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُجَاوِزُ الْقَارِئُ آيَةَ السَّجْدَةِ إِنْ كَانَ يَقْرَأُ وَقْتَ النَّهْيِ - كَوَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبِهَا أَوْ خُطْبَةِ جُمُعَةٍ - وَلاَ يَسْجُدُ - عَلَى الْخِلاَفِ عِنْدَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ - مَا لَمْ يَكُنْ فِي صَلاَةِ فَرْضٍ، فَإِنْ كَانَ فِي صَلاَةِ فَرْضٍ قَرَأَ وَسَجَدَ قَوْلًا وَاحِدًا بِلاَ خِلاَفٍ عِنْدَهُمْ لأَِنَّ السُّجُودَ تَبَعٌ لِلْفَرْضِ (٣) .

_________

(١) حديث: " لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٦١ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٥٦٧ - ط الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري، والسياق للبخاري.

(٢) بدائع الصنائع ١ / ١٩٢، ٢٩٦ - ٢٩٧.

(٣) جواهر الإكليل ١ / ٧٢، العدوي على كفاية الطالب ١ / ٣٠٩.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَسْجُدُ فِي الأَْوْقَاتِ الَّتِي لاَ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا تَطَوُّعًا، قَال الأَْثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَل عَمَّنْ قَرَأَ سُجُودَ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ أَيَسْجُدُ؟ قَال: لاَ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَسْجُدُ. وَاسْتَدَلُّوا لِلرَّاجِحِ - رِوَايَةِ الأَْثْرَمِ - بِعُمُومِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَبِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ قَال: كُنْتُ أَقُصُّ (أَغَطُّ) بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ فَأَسْجُدُ فَنَهَانِي ابْنُ عُمَرَ، فَلَمْ أَنْتَهِ، ثَلاَثَ مِرَارٍ ثُمَّ عَادَ فَقَال: إِنِّي صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ فَلَمْ يَسْجُدُوا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (١) وَرَوَى الأَْثْرَمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ أَنْ قَاصًّا كَانَ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ فَيَسْجُدُ فَنَهَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَقَال: إِنَّهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ.

وَقَالُوا: لاَ يَنْعَقِدُ السُّجُودُ لِلتِّلاَوَةِ إِنِ ابْتَدَأَهُ مُصَلٍّ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَلَوْ كَانَ جَاهِلًا بِالْحُكْمِ أَوْ بِكَوْنِهِ وَقْتَ نَهْيٍ لأَِنَّ النَّهْيَ فِي الْعِبَادَاتِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ (٢) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ سُجُودُ التِّلاَوَةِ

_________

(١) حديث أبي تميمة الهجيمي: " كنت أقص بعد صلاة الصبح ". أخرجه أبو داود (٢ / ١٢٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وأورده المنذري في مختصره (٢ / ١٢٠ - نشر دار المعرفة) وقال: " في إسناده أبو بحر البكراوي، لا يحتج بحديثه ".

(٢) مطالب أولي النهى ١ / ٥٩٤، المغني ١ / ٦٢٣.

فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ لأَِنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الأَْسْبَابِ، قَال النَّوَوِيُّ: مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ سُجُودُ التِّلاَوَةِ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاَةِ. (١)

تِلاَوَةُ آيَةِ السَّجْدَةِ فِي الْخُطْبَةِ:

٢١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ تَلاَ الإِْمَامُ آيَةَ السَّجْدَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَجَدَهَا وَسَجَدَ مَعَهُ مَنْ سَمِعَهَا (٢) . لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلاَ سَجْدَةً عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَل وَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ. (٣)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ قَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ فِي خُطْبَةِ جُمُعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لاَ يَسْجُدُ، وَهَل يُكْرَهُ السُّجُودُ أَوْ يَحْرُمُ، خِلاَفٌ عِنْدَهُمْ وَالظَّاهِرُ الْكَرَاهَةُ. (٤)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَحَبُّ تَرْكُهَا لِلْخَطِيبِ إِذَا قَرَأَ آيَتَهَا عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ السُّجُودُ مَكَانَهُ لِكُلْفَةِ النُّزُول وَالصُّعُودِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ سَجَدَ مَكَانَهُ إِنْ خَشِيَ طُول الْفَصْل، وَإِلاَّ نَزَل وَسَجَدَ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ كُلْفَةٌ (٥) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ قَرَأَ سَجْدَةً فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ، فَإِنْ شَاءَ نَزَل عَنِ الْمِنْبَرِ فَسَجَدَ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ السُّجُودُ عَلَى الْمِنْبَرِ سَجَدَ عَلَيْهِ

_________

(١) روضة الطالبين ١ / ١٩٣، والمجموع ٤ / ٧٢.

(٢) رد المحتار ١ / ٥٢٥، بدائع الصنائع ١ / ٢٧٧

(٣) الحديث تقدم (ف / ٩) .

(٤) جواهر الإكليل ١ / ٧٢.

(٥) روضة الطالبين ١ / ٣٢٤، أسنى المطالب ١ / ١٩٨.

اسْتِحْبَابًا، وَإِنْ تَرَكَ السُّجُودَ فَلاَ حَرَجَ لأَِنَّهُ سُنَّةٌ لاَ وَاجِبٌ (١) .

قِرَاءَةُ الإِْمَامِ آيَةَ السَّجْدَةِ فِي صَلاَةِ السِّرِّ:

٢٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَقْرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ فِي صَلاَةٍ يُخَافِتُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، لأَِنَّ هَذَا لاَ يَنْفَكُّ عَنْ أَمْرٍ مَكْرُوهٍ، لأَِنَّهُ إِذَا تَلاَ آيَةَ السَّجْدَةِ وَلَمْ يَسْجُدْ فَقَدْ تَرَكَ الْوَاجِبَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالسُّنَّةَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَإِنْ سَجَدَ فَقَدْ لَبَّسَ عَلَى الْقَوْمِ لأَِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ سَهَا عَنِ الرُّكُوعِ وَاشْتَغَل بِالسَّجْدَةِ الصُّلْبِيَّةِ فَيُسَبِّحُونَ وَلاَ يُتَابِعُونَهُ، وَذَا مَكْرُوهٌ، وَمَا لاَ يَنْفَكُّ عَنْ مَكْرُوهٍ كَانَ مَكْرُوهًا، وَتَرْكُ السَّبَبِ الْمُفْضِي إِلَى ذَلِكَ أَوْلَى، وَفِعْل النَّبِيِّ ﷺ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ فَلَمْ يَكُنْ مَكْرُوهًا. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ تَلاَهَا مَعَ ذَلِكَ سَجَدَ بِهَا لِتَقَرُّرِ السَّبَبِ فِي حَقِّهِ وَهُوَ التِّلاَوَةُ، وَسَجَدَ الْقَوْمُ مَعَهُ لِوُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ عَلَيْهِمْ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُكْرَهُ لِلإِْمَامِ سُجُودٌ لِقِرَاءَةِ سَجْدَةٍ فِي صَلاَةِ سِرٍّ؛ لأَِنَّهُ يَخْلِطُ عَلَى الْمَأْمُومِينَ فَإِنْ سَجَدَ خُيِّرَ الْمَأْمُومُونَ بَيْنَ الْمُتَابَعَةِ لِلإِْمَامِ فِي سُجُودِهِ وَتَرْكِهَا لأَِنَّهُمْ لَيْسُوا تَالِينَ وَلاَ مُسْتَمِعِينَ، وَالأَْوْلَى السُّجُودُ مُتَابَعَةً لِلإِْمَامِ، (٢) لِعُمُومِ

_________

(١) كشاف القناع ٢ / ٣٧.

(٢) بدائع الصنائع ١ / ١٩٢، كشاف القناع ١ / ٤٤٩، مطالب أولي النهى ١ / ٥٨٨.

الْحَدِيثِ:. . . وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا. (١)

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْمَامَ إِنْ قَرَأَ سُورَةَ سَجْدَةٍ فِي صَلاَةٍ سِرِّيَّةٍ اسْتُحِبَّ لَهُ تَرْكُ قِرَاءَةِ آيَةِ السَّجْدَةِ، فَإِنْ قَرَأَهَا جَهَرَ بِهَا نَدْبًا، فَيَعْلَمُ الْمَأْمُومُونَ سَبَبَ سُجُودِهِ وَيَتْبَعُونَهُ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَجْهَرْ بِقِرَاءَةِ آيَةِ السَّجْدَةِ وَسَجَدَ لِلتِّلاَوَةِ اتَّبَعَ الْمَأْمُومُونَ الإِْمَامَ فِي سُجُودِهِ وُجُوبًا غَيْرَ شَرْطٍ. . عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ سَهْوِ الإِْمَامِ، وَعِنْدَ سَحْنُونٍ: يُمْتَنَعُ أَنْ يَتْبَعُوهُ لاِحْتِمَال سَهْوِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتْبَعُوهُ صَحَّتْ صَلاَتُهُمْ؛ لأَِنَّ سُجُودَ التِّلاَوَةِ لَيْسَ مِنَ الأَْفْعَال الْمُقْتَدَى بِهِ فِيهَا أَصَالَةً، وَتَرْكُ الْوَاجِبِ الَّذِي لَيْسَ شَرْطًا لاَ يَقْتَضِي الْبُطْلاَنَ (٢) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ لِلإِْمَامِ قِرَاءَةُ آيَةِ السَّجْدَةِ وَلَوْ فِي صَلاَةٍ سِرِّيَّةٍ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَأْخِيرُ السُّجُودِ لِلتِّلاَوَةِ إِلَى الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاَةِ السِّرِّيَّةِ لِئَلاَّ يُشَوِّشَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، وَمَحَلُّهُ إِنْ قَصُرَ الْفَصْل. قَال الرَّمْلِيُّ: وَيُؤْخَذُ مِنَ التَّعْلِيل أَنَّ الْجَهْرِيَّةَ كَذَلِكَ إِذَا بَعُدَ بَعْضُ الْمَأْمُومِينَ عَنِ الإِْمَامِ بِحَيْثُ لاَ يَسْمَعُونَ قِرَاءَتَهُ وَلاَ يُشَاهِدُونَ أَفْعَالَهُ، أَوْ أَخْفَى جَهْرَهُ، أَوْ وُجِدَ حَائِلٌ أَوْ صَمَمٌ

_________

(١) حديث: ". . . وإذا سجد فاسجدوا ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢١٦ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٣٠٨ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك.

(٢) شرح الزرقاني ١ / ٢٧٧، جواهر الإكليل ١ / ٧٢، ومواهب الجليل ٢ / ٦٥.

أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، وَلَوْ تَرَكَ الإِْمَامُ السُّجُودَ لِلتِّلاَوَةِ سُنَّ لِلْمَأْمُومِ السُّجُودُ بَعْدَ السَّلاَمِ إِنْ قَصُرَ الْفَصْل، وَمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَجَدَ فِي صَلاَةِ الظُّهْرِ لِلتِّلاَوَةِ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُسْمِعُهُمْ أَحْيَانًا الآْيَةَ، فَلَعَلَّهُ أَسْمَعَهُمْ آيَتَهَا مَعَ قِلَّتِهِمْ فَأَمِنَ عَلَيْهِمُ التَّشْوِيشَ، أَوْ قَصَدَ بَيَانَ جَوَازِ ذَلِكَ (١) .

وَقْتُ أَدَاءِ سُجُودِ التِّلاَوَةِ:

٢٣ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: سَجْدَةُ التِّلاَوَةِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ خَارِجَ الصَّلاَةِ أَوْ فِي الصَّلاَةِ: فَإِنْ كَانَتْ خَارِجَ الصَّلاَةِ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى سَبِيل التَّرَاخِي عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّ دَلاَئِل الْوُجُوبِ - أَيْ وُجُوبِ السَّجْدَةِ - مُطْلَقَةٌ عَنْ تَعْيِينِ الْوَقْتِ فَتَجِبُ فِي جُزْءٍ مِنَ الْوَقْتِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بِتَعْيِينِهِ فِعْلًا، وَإِنَّمَا يَتَضَيَّقُ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ كَمَا فِي سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ الْمُوَسَّعَةِ، وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا تَنْزِيهًا، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْوَقْتُ مَكْرُوهًا، لأَِنَّهُ بِطُول الزَّمَانِ قَدْ يَنْسَاهَا، وَعِنْدَمَا يُؤَدِّيهَا بَعْدَ وَقْتِ الْقِرَاءَةِ يَكْفِيهِ أَنْ يَسْجُدَ عَدَدَ مَا عَلَيْهِ دُونَ تَعْيِينٍ وَيَكُونُ مُؤَدِّيًا.

أَمَّا إِنْ كَانَتْ فِي الصَّلاَةِ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى سَبِيل التَّضْيِيقِ - أَيْ عَلَى الْفَوْرِ - لِقِيَامِ دَلِيلِهِ وَهُوَ أَنَّهَا وَجَبَتْ بِمَا هُوَ مِنْ أَفْعَال الصَّلاَةِ وَهُوَ الْقِرَاءَةُ

_________

(١) المجموع ٤ / ٧٢، نهاية المحتاج ٢ / ٩٥.

فَالْتَحَقَتْ بِأَفْعَال الصَّلاَةِ وَصَارَتْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهَا، وَلِذَا يَجِبُ أَدَاؤُهَا فِي الصَّلاَةِ مُضَيَّقًا كَسَائِرِ أَفْعَال الصَّلاَةِ، وَمُقْتَضَى التَّضْيِيقِ فِي أَدَائِهَا حَال كَوْنِهَا فِي الصَّلاَةِ أَلاَّ تَطُول الْمُدَّةُ بَيْنَ التِّلاَوَةِ وَالسَّجْدَةِ، فَإِذَا مَا طَالَتْ فَقَدْ دَخَلَتْ فِي حَيِّزِ الْقَضَاءِ وَصَارَ آثِمًا بِالتَّفْوِيتِ عَنِ الْوَقْتِ.

وَكُل سَجْدَةٍ وَجَبَتْ فِي الصَّلاَةِ وَلَمْ تُؤَدَّ فِيهَا سَقَطَتْ وَلَمْ يَبْقَ السُّجُودُ لَهَا مَشْرُوعًا لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، وَأَثِمَ مَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَتَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ، وَذَلِكَ إِذَا تَرَكَهَا عَمْدًا حَتَّى سَلَّمَ وَخَرَجَ مِنْ حُرْمَةِ الصَّلاَةِ، أَمَّا لَوْ تَرَكَهَا سَهْوًا وَتَذَكَّرَهَا وَلَوْ بَعْدَ السَّلاَمِ قَبْل أَنْ يَفْعَل مُنَافِيًا فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. (١)

قَال الزَّرْقَانِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُتَطَهِّرَ وَقْتَ جَوَازٍ إِذَا قَرَأَهَا وَلَمْ يَسْجُدْهَا يُطَالَبُ بِسُجُودِهَا مَا دَامَ عَلَى طَهَارَتِهِ وَفِي وَقْتِ الْجَوَازِ، وَإِلاَّ لَمْ يُطَالَبْ بِقَضَائِهَا لأَِنَّهُ مِنْ شَعَائِرِ الْفَرَائِضِ. (٢)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدَ عَقِبَ قِرَاءَةِ آيَةِ السَّجْدَةِ أَوِ اسْتِمَاعِهَا، فَإِنْ أَخَّرَ وَقَصُرَ الْفَصْل سَجَدَ، وَإِنْ طَال فَاتَتْ، وَهَل تُقْضَى؟ قَوْلاَنِ: أَظْهَرُهُمَا لاَ تُقْضَى؛ لأَِنَّهَا تُفْعَل لِعَارِضٍ فَأَشْبَهَتْ صَلاَةَ الْكُسُوفِ، وَضَبْطُ طُول الْفَصْل أَوْ قِصَرِهِ

_________

(١) بدائع الصنائع ١ / ١٨٠ - ١٩٢، الدر المختار ورد المحتار ١ / ٥١٧ - ٥١٨.

(٢) شرح الزرقاني ١ / ٢٧٦.

بِالْعُرْفِ. وَلَوْ قَرَأَ سَجْدَةً فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا سَجَدَ بَعْدَ سَلاَمِهِ إِنْ قَصُرَ الْفَصْل، فَإِنْ طَال فَفِيهِ الْخِلاَفُ، وَلَوْ كَانَ الْقَارِئُ أَوِ الْمُسْتَمِعُ مُحْدِثًا حَال الْقِرَاءَةِ فَإِنْ تَطَهَّرَ عَنْ قُرْبٍ سَجَدَ، وَإِلاَّ فَالْقَضَاءُ عَلَى الْخِلاَفِ، وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي فَقَرَأَ قَارِئٌ السَّجْدَةَ وَسَمِعَهُ فَلاَ يَسْجُدُ، فَإِنْ سَجَدَ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ وَفَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي سُجُودِهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لاَ يَسْجُدُ لأَِنَّ قِرَاءَةَ غَيْرِ إِمَامِهِ لاَ تَقْتَضِي سُجُودَهُ، وَإِذَا لَمْ يَحْصُل مَا يَقْتَضِي السُّجُودَ أَدَاءً فَالْقَضَاءُ بَعِيدٌ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسَنُّ السُّجُودُ لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ لَهُ وَلَوْ كَانَ السُّجُودُ بَعْدَ التِّلاَوَةِ وَالاِسْتِمَاعِ مَعَ قِصَرِ فَصْلٍ بَيْنَ السُّجُودِ وَسَبَبِهِ، فَإِنْ طَال الْفَصْل لَمْ يَسْجُدْ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، وَيَتَيَمَّمُ مُحْدِثٌ وَيَسْجُدُ مَعَ قِصَرِ الْفَصْل (٢) .

تَكْرَارُ سُجُودِ التِّلاَوَةِ:

٢٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَكْرَارِ سُجُودِ التِّلاَوَةِ بِتَكْرَارِ التِّلاَوَةِ أَوِ الاِسْتِمَاعِ أَوْ عَدَمِ تَكْرَارِهِ بِتَكْرَارِهِمَا. . وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (تَدَاخُلٍ) ف ١١ ج ١١ / ٨٦

_________

(١) المجموع ٤ / ٧١ - ٧٢، روضة الطالبين ١ / ٣٢٣.

(٢) كشاف القناع ١ / ٤٤٥.

سُجُودُ السَّهْوِ

.

التَّعْرِيفُ:

١ - السَّهْوُ لُغَةً: نِسْيَانُ الشَّيْءِ وَالْغَفْلَةُ عَنْهُ. (١) وَسُجُودُ السَّهْوِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: هُوَ مَا يَكُونُ فِي آخِرِ الصَّلاَةِ أَوْ بَعْدَهَا لِجَبْرِ خَلَلٍ، بِتَرْكِ بَعْضِ مَأْمُورٍ بِهِ أَوْ فِعْل بَعْضِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ دُونَ تَعَمُّدٍ (٢) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ إِلَى وُجُوبِ سُجُودِ السَّهْوِ.

قَال الْحَنَابِلَةُ: سُجُودُ السَّهْوِ لِمَا يُبْطِل عَمْدُهُ الصَّلاَةَ وَاجِبٌ، وَدَلِيلُهُمْ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَال: صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ خَمْسًا، فَلَمَّا انْفَتَل تَوَشْوَشَ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ فَقَال: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ هَل زِيدَ فِي الصَّلاَةِ؟ قَال: لاَ، قَالُوا: فَإِنَّك قَدْ

_________

(١) لسان العرب مادة: (سها) .

(٢) الإقناع للشربيني الخطيب ٢ / ٨٩.

صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَانْفَتَل ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَال: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِذَا زَادَ الرَّجُل أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ (١) وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى، أَثَلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْل أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلاَتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لأَِرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ. (٢)

وَجْهُ الدَّلاَلَةِ فِي الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُمَا اشْتَمَلاَ عَلَى الأَْمْرِ الْمُقْتَضِي لِلْوُجُوبِ.

وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ سُنَّةٌ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلِيًّا أَمْ بَعْدِيًّا وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَقِيل: بِوُجُوبِ الْقَبْلِيِّ، قَال صَاحِبُ الشَّامِل: وَهُوَ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ.

وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ (٣) . لِقَوْلِهِ ﷺ: كَانَتِ الرَّكْعَةُ نَافِلَةً

_________

(١) حديث: " إنما أنا بشر مثلكم ". أخرجه مسلم (١ / ٤٠٢ - ٤٠٣ - ط الحلبي) .

(٢) حديث: " إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ". أخرجه مسلم (١ / ٤٠٢ - ط الحلبي) .

(٣) الفتاوى الهندية ١ / ١٢٥، حاشية الدسوقي ١ / ٢٧٣، نهاية المحتاج ٢ / ٦٢، المغني ٢ / ٣٦، وكشاف القناع ١ / ٤٠٨.