الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤ الصفحة 43

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤

وَلاَ يُشْرَعُ فِيهِ تَحْرِيمٌ وَلاَ تَحْلِيلٌ. هَذَا هُوَ السُّنَّةُ الْمَعْرُوفَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهَا عَامَّةُ السَّلَفِ. وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ هُوَ صَلاَةً، فَلاَ يُشْتَرَطُ لَهُ شُرُوطُ الصَّلاَةِ، بَل يَجُوزُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْجُدُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. وَاخْتَارَهَا الْبُخَارِيُّ. لَكِنَّ السُّجُودَ بِشُرُوطِ الصَّلاَةِ أَفْضَل، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُخِل بِذَلِكَ إِلاَّ لِعُذْرٍ. فَالسُّجُودُ بِلاَ طَهَارَةٍ خَيْرٌ مِنَ الإِْخْلاَل بِهِ، لَكِنْ قَدْ يُقَال: إِنَّهُ لاَ يَجِبُ فِي هَذِهِ الْحَال كَمَا لاَ يَجِبُ عَلَى السَّامِعِ إِذَا لَمْ يَسْجُدْ قَارِئُ السُّجُودِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ السُّجُودُ جَائِزًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.

وَأَمَّا سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ وَالنِّيَّةُ فَهِيَ شُرُوطٌ لِصِحَّةِ سُجُودِ التِّلاَوَةِ عَلَى التَّفْصِيل الْمُبَيَّنِ فِي مُصْطَلَحِ: " صَلاَةٍ " وَ" عَوْرَةٍ " عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ اعْتَبَرُوا النِّيَّةَ رُكْنًا.

دُخُول الْوَقْتِ:

٤ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ سُجُودِ التِّلاَوَةِ دُخُول وَقْتِ السُّجُودِ، وَيَحْصُل ذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ بِقِرَاءَةِ جَمِيعِ آيَةِ السَّجْدَةِ أَوْ سَمَاعِهَا، فَلَوْ سَجَدَ قَبْل الاِنْتِهَاءِ إِلَى آخِرِ الآْيَةِ وَلَوْ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ لَمْ يَصِحَّ السُّجُودُ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ قَدْ سَجَدَ قَبْل دُخُول وَقْتِ السُّجُودِ فَلاَ يَصِحُّ، كَمَا لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ قَبْل دُخُول وَقْتِهَا.

وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِيمَا يَجِبُ بِهِ سُجُودُ التِّلاَوَةِ، فَقَال الْحَصْكَفِيُّ: يَجِبُ سُجُودُ التِّلاَوَةِ بِسَبَبِ تِلاَوَةِ آيَةٍ، أَيْ أَكْثَرِهَا مَعَ حَرْفِ السَّجْدَةِ.

وَعَقَّبَ ابْنُ عَابِدِينَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: هَذَا خِلاَفُ الصَّحِيحِ الَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي نُورِ الإِْيضَاحِ.

الْكَفُّ عَنْ مُفْسِدَاتِ الصَّلاَةِ:

٥ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ سُجُودِ التِّلاَوَةِ الْكَفُّ عَنْ كُل مَا يُفْسِدُ الصَّلاَةَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ؛ لأَِنَّ سُجُودَ التِّلاَوَةِ صَلاَةٌ أَوْ فِي مَعْنَى الصَّلاَةِ.

وَاشْتَرَطَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ شُرُوطًا أُخْرَى لِصِحَّةِ سُجُودِ التِّلاَوَةِ، مِنْهَا: مَا اشْتَرَطَهُ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ كَوْنِ الْقِرَاءَةِ مَقْصُودَةً وَمَشْرُوعَةً، وَعَدَمِ الْفَصْل الطَّوِيل بَيْنَ قِرَاءَةِ آخِرِ آيَةِ السَّجْدَةِ وَالسُّجُودِ.

وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ مِنْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِسُجُودِ الْمُسْتَمِعِ أَنْ يَكُونَ التَّالِي مِمَّنْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا لَهُ، وَأَنْ يَسْجُدَ التَّالِي.

مُوَاضِعُ سُجُودِ التِّلاَوَةِ:

٦ - مَوَاضِعُ سُجُودِ التِّلاَوَةِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

خَمْسَةَ عَشْرَ، بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَقِيل سِتَّ عَشْرَةَ بِزِيَادَةِ سَجْدَةٍ عِنْدَ آيَةِ الْحِجْرِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ . خِلاَفًا لِجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ.

مَوَاضِعُ السُّجُودِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا:

٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى سُجُودِ التِّلاَوَةِ فِي عَشْرَةِ مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.

١ - سُورَةُ الأَْعْرَافِ: وَهِيَ آخِرُ آيَةٍ فِيهَا ". . . ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ .

٢ - سُورَةُ الرَّعْدِ: عِنْدَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى:. . . ﴿وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآْصَال﴾ مِنَ الآْيَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَ.

٣ - سُورَةُ النَّحْل عِنْدَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى:. . . ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ مِنَ الآْيَةِ الْخَمْسِينَ.

٤ - سُورَةُ الإِْسْرَاءِ: عِنْدَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى:. . . ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ مِنَ الآْيَةِ التَّاسِعَةِ بَعْدَ الْمِائَةِ.

٥ - سُورَةُ مَرْيَمَ: عِنْدَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى:. . . ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ مِنَ الآْيَةِ الثَّامِنَةِ وَالْخَمْسِينَ.

٦ - سُورَةُ الْحَجِّ: عِنْدَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى:. . . ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَل مَا يَشَاءُ﴾ مِنَ الآْيَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَ.

٧ - سُورَةُ النَّمْل: عِنْدَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى:. . . ﴿رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ مِنَ الآْيَةِ السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ.

٨ - سُورَةُ السَّجْدَةِ ﴿الم تَنْزِيل﴾ . . . عِنْدَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ مِنَ الآْيَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَ.

٩ - سُورَةُ الْفُرْقَانِ: عِنْدَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى:. . . ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ مِنَ الآْيَةِ السِّتِّينَ.

١٠ - سُورَةُ حم السَّجْدَةُ " فُصِّلَتْ ". عِنْدَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى:. . ﴿وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ﴾ مِنَ الآْيَةِ الثَّامِنَةِ وَالثَّلاَثِينَ.

هَذَا عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ لِفِعْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَقِيل: إِنَّ السُّجُودَ يَكُونُ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ عِنْدَ تَمَّامِ الآْيَةِ السَّابِعَةِ وَالثَّلاَثِينَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.

مَوَاضِعُ السُّجُودِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا:

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سُجُودِ التِّلاَوَةِ عِنْدَ خَمْسَةِ مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ هِيَ:

١ - السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ فِي سُورَةِ الْحَجِّ:

٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي السُّجُودِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ . . . إِلَخْ.

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ فِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَالأُْخْرَى عِنْدَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وَهِيَ الآْيَةُ السَّابِعَةُ وَالسَّبْعُونَ.

لِمَا رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ: فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ؟ قَال: نَعَمْ، مَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلاَ يَقْرَأْهُمَا (١) وَلأَِنَّهُ قَوْل عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي مُوسَى ﵃، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ، وَقَدْ قَال أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ التَّابِعِيُّ الْكَبِيرُ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَسْجُدُونَ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ، وَقَال ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: لَوْ كُنْتُ تَارِكًا إِحْدَاهُمَا لَتَرَكْتُ الأُْولَى، وَذَلِكَ لأَِنَّهَا إِخْبَارٌ، وَالثَّانِيَةُ أَمْرٌ (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ سُجُودَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ

_________

(١) حديث عقبة بن عامر: " فضلت سورة الحج ". أخرجه الترمذي (٢ / ٤٧١ - ط الحلبي) وقال: " هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي ".

(٢) المجموع ٤ / ٦٢، والقليوبي ١ / ٢٠٦، والمغني ١ / ٦١٨ - ٦١٩.

كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ عَدَّ السَّجَدَاتِ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَعَدَّ فِي الْحَجِّ سَجْدَةً وَاحِدَةً. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ قَالاَ: سَجْدَةُ التِّلاَوَةِ فِي الْحَجِّ هِيَ الأُْولَى، وَالثَّانِيَةُ سَجْدَةُ الصَّلاَةِ؛ وَلأَِنَّ السَّجْدَةَ مَتَى قُرِنَتْ بِالرُّكُوعِ كَانَتْ عِبَارَةً عَنْ سَجْدَةِ الصَّلاَةِ كَمَا فِي قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (١) وَلِعَدَمِ سُجُودِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَقُرَّائِهِمْ فِيهَا. (٢)

٢ - سَجْدَةُ سُورَةِ (ص):

٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ السُّجُودِ لِلتِّلاَوَةِ فِي سُورَةِ (ص)، لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ: إِنَّ السُّجُودَ عِنْدَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ . (٣)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: السُّجُودُ عِنْدَ قَوْل اللَّهِ ﷿:. . . ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٤) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ خِلاَفًا لِمَنْ قَال السُّجُودُ عِنْدَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى:

_________

(١) الآية ٤٣ من سورة آل عمران.

(٢) بدائع الصنائع ١ / ١٩٣، وفتح القدير ١ / ٣٨١، وجواهر الإكليل ١ / ٧١

(٣) الآية ٢٥ من سورة (ص) .

(٤) من الآية ٢٤ من سورة (ص) .

﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾، وَمِنَ الْمَالِكِيَّةِ مَنِ اخْتَارَ السُّجُودَ فِي الأَْخِيرِ فِي كُل مَوْضِعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لِيَخْرُجَ مِنَ الْخِلاَفِ.

وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ لِمَذْهَبِهِمْ، بِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي ص (١) . وَبِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَال: رَأَيْتُ رُؤْيَا وَأَنَا أَكْتُبُ سُورَةَ ص فَلَمَّا بَلَغْتُ السَّجْدَةَ رَأَيْتُ الدَّوَاةَ وَالْقَلَمَ وَكُل شَيْءٍ بِحَضْرَتِي انْقَلَبَ سَاجِدًا، فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَزَل يَسْجُدُ بِهَا. (٢) قَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ فِي الاِسْتِدْلاَل بِالْحَدِيثِ: فَأَفَادَ أَنَّ الأَْمْرَ صَارَ إِلَى الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا كَغَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ.

وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الصَّلاَةِ سُورَةَ (ص) وَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَلَوْ لَمْ تَكُنِ السَّجْدَةُ وَاجِبَةً لَمَا جَازَ إِدْخَالُهَا فِي الصَّلاَةِ.

وَقَالُوا: كَوْنُ سَبَبِ السُّجُودِ فِي حَقِّنَا الشُّكْرَ لاَ يُنَافِي الْوُجُوبَ، فَكُل الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ إِنَّمَا وَجَبَتْ

_________

(١) حديث ابن عباس: " أن النبي ﷺ سجد في (ص) ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٥٥٢ - ط السلفية) .

(٢) حديث أبي سعيد: " رأيت رؤيا ". أخرجه أحمد (٣ / ٧٦، ٨٤ - ط الميمنية) وأورده الهيثمي في المجمع (٢ / ٢٨٤ - ط القدسي) وقال: رجاله رجال الصحيح.

شُكْرًا لِتَوَالِي النِّعَمِ، وَنَحْنُ نَسْجُدُ شُكْرًا. (١)

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَنْصُوصِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ جُمْهُورُهُمْ - وَالْحَنَابِلَةُ - فِي الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ - إِلَى أَنَّ سَجْدَةَ (ص) لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، أَيْ لَيْسَتْ مِنْ مُتَأَكِّدَاتِهِ - فَلَيْسَتْ سَجْدَةَ تِلاَوَةٍ وَلَكِنَّهَا سَجْدَةُ شُكْرٍ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَرَأَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ (ص)، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَل فَسَجَدَ، وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزَّنَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ - أَيْ تَأَهَّبُوا لَهُ - فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَشَزَّنْتُمْ لِلسُّجُودِ فَنَزَل فَسَجَدَ وَسَجَدُوا، (٢) وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي (ص) وَقَال: سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا. (٣)

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَال: (ص) لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ. (٤)

_________

(١) بدائع الصنائع ١ / ١٩٣، وفتح القدير ١ / ٣٨١، وجواهر الإكليل ١ / ٧١

(٢) حديث: " إنما هي توبة نبي ". أخرجه أبو داود (٢ / ١٢٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وإسناده حسن.

(٣) حديث: " سجدها داود توبة، ونسجدها شكرًا ". أخرجه النسائي (٢ / ١٥٩ - ط المكتبة التجارية) .

(٤) حديث ابن عباس: " (ص) ليست من عزائم السجود ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٥٥٢ - ط السلفية) .

وَقَالُوا: إِذَا قَرَأَ (ص) مِنْ غَيْرِ الصَّلاَةِ اسْتُحِبَّ أَنْ يَسْجُدَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَإِنْ قَرَأَهَا فِي الصَّلاَةِ يَنْبَغِي أَلاَّ يَسْجُدَ، فَإِنْ خَالَفَ وَسَجَدَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ سَجَدَهَا عَامِدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهَا فِي الصَّلاَةِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ عَلَى الأَْصَحِّ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، لأَِنَّهَا سَجْدَةُ شُكْرٍ، فَبَطَلَتْ بِهَا الصَّلاَةُ كَالسُّجُودِ فِي الصَّلاَةِ عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: لاَ تَبْطُل لأَِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالتِّلاَوَةِ فَهِيَ كَسَائِرِ سَجَدَاتِ التِّلاَوَةِ، وَلَوْ سَجَدَ إِمَامُهُ فِي (ص) لِكَوْنِهِ يَعْتَقِدُهَا فَثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا: لاَ يُتَابِعُهُ بَل إِنْ شَاءَ نَوَى مُفَارَقَتَهُ لأَِنَّهُ مَعْذُورٌ، وَإِنْ شَاءَ يَنْتَظِرُهُ قَائِمًا كَمَا لَوْ قَامَ إِلَى خَامِسَةٍ، فَإِنِ انْتَظَرَهُ لَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ لأَِنَّ الْمَأْمُومَ لاَ سَهْوَ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: لاَ يُتَابِعُهُ أَيْضًا، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْمُفَارَقَةِ وَالاِنْتِظَارِ، فَإِنِ انْتَظَرَهُ سَجَدَ لِلسَّهْوِ بَعْدَ سَلاَمِ الإِْمَامِ؛ لأَِنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ إِمَامَهُ زَادَ فِي صَلاَتِهِ جَاهِلًا، وَإِنَّ لِسُجُودِ السَّهْوِ تَوَجُّهًا عَلَيْهِمَا فَإِذَا أَخَل بِهِ الإِْمَامُ سَجَدَ الْمَأْمُومُ، وَالثَّالِثُ: يُتَابِعُهُ فِي سُجُودِهِ فِي (ص) لِتَأَكُّدِ مُتَابَعَةِ الإِْمَامِ.

وَمُقَابِل الْمَنْصُوصِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ سَجْدَةَ (ص) سَجْدَةُ تِلاَوَةٍ مِنْ عَزَائِمِ

السُّجُودِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ، يَسْجُدُ مَنْ تَلاَهَا أَوْ سَمِعَهَا (١) وَذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ أَبُو مُوسَى وَأَبُو سَعِيدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِيهَا. (٢)

وَيُنْظَرُ حُكْمُ السُّجُودِ فِي الصَّلاَةِ مِنْ آيَةِ السَّجْدَةِ فِي سُورَةِ (ص) فِي بَحْثِ: (سُجُودِ الشُّكْرِ) .

٣ - سَجَدَاتُ الْمُفَصَّل:

١٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ فِي الْمُفَصَّل ثَلاَثَ سَجَدَاتٍ - الْمُفَصَّل مِنْ أَوَّل سُورَةِ (ق) إِلَى آخِرِ الْمُصْحَفِ - أَحَدُهَا فِي آخِرِ النَّجْمِ، وَالثَّانِيَةُ فِي الآْيَةِ الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ سُورَةِ الاِنْشِقَاقِ، وَالثَّالِثَةُ فِي آخِرِ سُورَةِ الْعَلَقِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً مِنْهَا ثَلاَثٌ فِي الْمُفَصَّل. (٣) وَلِمَا رَوَى

_________

(١) المجموع ٤ / ٦٠ - ٦١، نهاية المحتاج ٢ / ٨٨، المغني ١ / ٦١٨.

(٢) حديث أبي سعيد وابن عباس تقدم تخريجهما آنفًا. وأما حديث أبي موسى فأورده ابن الهمام في فتح القدير (١ / ٣٨١ - ط بولاق) وعزاه إلى مسند أبي حنيفة للحارثي.

(٣) حديث عمرو بن العاص: " أن رسول الله أقرأه خمس عشرة سجدة ". أخرجه أبو داود (٢ / ١٢٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وضعفه عبد الحق الأشبيلي وابن القطان، كذا في التلخيص لابن حجر (٢ / ٩ - ط شركة الطباعة الفنية) .