الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤ الصفحة 42

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤

التَّكْبِيرُ لِلسُّجُودِ وَالتَّسْبِيحُ فِيهِ:

٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ وَالتَّسْبِيحَ وَسَائِرَ الأَْذْكَارِ وَالأَْدْعِيَةَ الْوَارِدَةَ فِي السُّجُودِ سُنَّةٌ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، فَلَوْ تَرَكَهَا الْمُصَلِّي عَمْدًا لَمْ يَأْثَمْ وَصَلاَتُهُ صَحِيحَةٌ، سَوَاءٌ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَلَكِنْ يُكْرَهُ تَرْكُهَا عَمْدًا لِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلاَتِهِ حَيْثُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَمَا عَلَّمَهُ فُرُوضَ الصَّلاَةِ لَمْ يُعَلِّمْهُ هَذِهِ الأَْذْكَارَ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَعَلَّمَهُ إِيَّاهَا، وَتُحْمَل الأَْحَادِيثُ الْوَارِدَةُ بِهَذِهِ الأَْذْكَارِ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَإِسْحَاقُ إِلَى وُجُوبِ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ فِي السُّجُودِ فَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، وَإِنْ تَرَكَ نِسْيَانًا لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ بَل يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ وَأَمَرَ بِهِ. وَأَمْرُهُ لِلْوُجُوبِ، وَقَال ﷺ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ قَال: لاَ تَتِمُّ صَلاَةٌ لأَِحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ - إِلَى أَنْ قَال -: ثُمَّ يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدُ، حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ

وَقَدْ جَرَى خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي زِيَادَةِ لَفْظِ " وَبِحَمْدِهِ " بَعْدَ قَوْلِهِ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَْعْلَى "، وَهَل قَوْل: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَْعْلَى " هُوَ الْمُتَعَيَّنُ أَمْ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَخْتَارَ مَا شَاءَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّسْبِيحِ؟ وَهَل مِنَ الْمُسْتَحَبِّ أَنْ يُكَرِّرَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَوْ أَكْثَرَ مَعَ اعْتِبَارِ حَال الْمُصَلِّي إِذَا كَانَ مُنْفَرِدًا، أَوْ إِمَامًا، أَوْ مَأْمُومًا؟ وَيُنْظَرُ مِثْل هَذِهِ التَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: " رُكُوعٍ " حَيْثُ إِنَّ التَّكْبِيرَ وَالتَّسْبِيحَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حُكْمُهَا وَاحِدٌ لاَ يَخْتَلِفُ.

قَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُول فِي سُجُودِهِ بَعْدَ التَّسْبِيحِ: " اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ "، كَمَا يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ فِيهِ. وَمِنْ بَيْنِ الأَْدْعِيَةِ الْوَارِدَةِ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلاَنِيَتَهُ وَسِرَّهُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ".

قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي السُّجُودِ:

١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي السُّجُودِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ قَال: نَهَانِي رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَأَنَا رَاكِعٌ

أَوْ سَاجِدٌ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَلاَ وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ.

فَإِنْ قَرَأَ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ فِي السُّجُودِ لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ، وَإِنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لاَ تَبْطُل كَذَلِكَ.

وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا تَبْطُل؛ لأَِنَّهُ نَقَل رُكْنًا إِلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَمَا لَوْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

وَسُجُودُ التِّلاَوَةِ، وَسُجُودُ السَّهْوِ، وَسُجُودُ الشُّكْرِ تَفَاصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحَاتِهَا.

ثَانِيًا: السُّجُودُ لِغَيْرِ اللَّهِ:

١١ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ لِلصَّنَمِ أَوْ لِلشَّمْسِ أَوْ نَحْوِهِمَا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ كُفْرٌ يَخْرُجُ السَّاجِدُ بِهِ عَنِ الْمِلَّةِ إِذَا كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا مُخْتَارًا،

سَوَاءٌ كَانَ عَامِدًا أَوْ هَازِلًا.

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَسْجُدْ لِلصَّنَمِ أَوْ لِلشَّمْسِ عَلَى سَبِيل التَّعْظِيمِ وَاعْتِقَادِ الأُْلُوهِيَّةِ، بَل سَجَدَ لَهَا وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْكُفَّارِ فِي الظَّاهِرِ، وَلاَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَإِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى عَدَمِ دَلاَلَةِ الْفِعْل عَلَى الاِسْتِخْفَافِ، كَسُجُودِ أَسِيرٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِحَضْرَةِ كَافِرٍ خَشْيَةً مِنْهُ فَلاَ يَكْفُرُ.

١٢ - كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السُّجُودَ لِغَيْرِ صَنَمٍ وَنَحْوِهِ، كَأَحَدِ الْجَبَابِرَةِ أَوِ الْمُلُوكِ أَوْ أَيِّ مَخْلُوقٍ آخَرَ هُوَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَكَبِيرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، فَإِنْ أَرَادَ السَّاجِدُ بِسُجُودِهِ عِبَادَةَ ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ كَفَرَ وَخَرَجَ عَنِ الْمِلَّةِ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهَا عِبَادَةً فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: يَكْفُرُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ لَهُ إِرَادَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ، وَقَال آخَرُونَ مِنْهُمْ: إِذَا أَرَادَ بِهَا التَّحِيَّةَ لَمْ يَكْفُرْ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ كَفَرَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ.

سُجُودُ التِّلاَوَةِ

.

التَّعْرِيفُ:

١ - السُّجُودُ لُغَةً: مَصْدَرُ سَجَدَ، وَأَصْل السُّجُودِ التَّطَامُنُ وَالْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّل.

وَالسُّجُودُ فِي الاِصْطِلاَحِ: وَضْعُ الْجَبْهَةِ أَوْ بَعْضِهَا عَلَى الأَْرْضِ أَوْ مَا اتَّصَل بِهَا مِنْ ثَابِتٍ مُسْتَقِرٍّ عَلَى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ.

وَالتِّلاَوَةُ: مَصْدَرُ تَلاَ يَتْلُو، يُقَال: تَلَوْتُ الْقُرْآنَ تِلاَوَةً إِذَا قَرَأْتُهُ، وَعَمَّ بَعْضُهُمْ بِهِ كُل كَلاَمٍ.

وَسُجُودُ التِّلاَوَةِ: هُوَ الَّذِي سَبَبُ وُجُوبِهِ - أَوْ نَدْبِهِ - تِلاَوَةُ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ السُّجُودِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ سُجُودِ التِّلاَوَةِ، لِلآْيَاتِ وَالأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ مَشْرُوعِيَّتِهِ أَوَاجِبٌ هُوَ أَوْ مَنْدُوبٌ.

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ سُجُودَ التِّلاَوَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَقِبَ تِلاَوَةِ آيَةِ السَّجْدَةِ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَْذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلأَْذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ وَلِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَل الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُول: يَا وَيْلِي، وَفِي رِوَايَةٍ يَا وَيْلَهُ - أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ. وَلِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ.

وَلَيْسَ سُجُودُ التِّلاَوَةِ بِوَاجِبٍ - عِنْدَهُمْ - لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَرَكَهُ، وَقَدْ قُرِئَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ

وَالنَّجْمِ. . .) وَفِيهَا سَجْدَةٌ، رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمْ يَسْجُدْ مِنَّا أَحَدٌ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ سُورَةَ النَّحْل حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَل فَسَجَدَ، فَسَجَدَ النَّاسُ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَال: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَقَال فِيهِ: عَلَى رِسْلِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إِلاَّ أَنْ نَشَاءَ، فَلَمْ يَسْجُدْ، وَمَنَعَهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا، وَكَانَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ فَكَانَ إِجْمَاعًا.

وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الأَْعْرَابِيِّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَال: هَل عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَال: لاَ، إِلاَّ أَنْ تَتَطَوَّعَ. وَبِأَنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْوُجُوبِ حَتَّى

يَثْبُتَ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي الأَْمْرِ بِهِ وَلاَ مُعَارِضَ لَهُ وَلَمْ يَثْبُتْ، وَبِأَنَّهُ يَجُوزُ سُجُودُ التِّلاَوَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِالاِتِّفَاقِ فِي السَّفَرِ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَجُزْ كَسُجُودِ صَلاَةِ الْفَرْضِ.

وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ فِي حُكْمِ سُجُودِ التِّلاَوَةِ، هَل هُوَ سُنَّةٌ غَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ أَوْ فَضِيلَةٌ، وَالْقَوْل بِالسُّنِّيَّةِ شَهَرَهُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ وَابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ وَعَلَيْهِ الأَْكْثَرُ، وَالْقَوْل بِأَنَّهُ فَضِيلَةٌ هُوَ قَوْل الْبَاجِيِّ وَابْنِ الْكَاتِبِ وَصَدَرَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَمِنْ قَاعِدَتِهِ تَشْهِيرُ مَا صَدَرَ بِهِ، وَهَذَا الْخِلاَفُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ. أَمَّا الصَّبِيُّ فَيُنْدَبُ لَهُ فَقَطْ، وَفَائِدَةُ الْخِلاَفِ كَثْرَةُ الثَّوَابِ وَقِلَّتُهُ، وَأَمَّا السُّجُودُ فِي الصَّلاَةِ وَلَوْ فَرْضًا فَمَطْلُوبٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَقَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَسُجُودُ التِّلاَوَةِ وَاجِبٌ وُجُوبَ سُنَّةٍ لاَ يَأْثَمُ مَنْ تَرَكَهُ عَامِدًا.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ سُجُودَ التِّلاَوَةِ أَوْ بَدَلَهُ كَالإِْيمَاءِ وَاجِبٌ لِحَدِيثِ: السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا. . . وَعَلَى لِلْوُجُوبِ، وَلِحَدِيثِ

أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَل الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُول: يَا وَيْلَهُ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ.

شُرُوطُ سُجُودِ التِّلاَوَةِ:

الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ:

٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ سُجُودِ التِّلاَوَةِ الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ؛ لِكَوْنِ سُجُودِ التِّلاَوَةِ صَلاَةً أَوْ جُزْءًا مِنَ الصَّلاَةِ أَوْ فِي مَعْنَى الصَّلاَةِ، فَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ الطَّهَارَةُ الَّتِي شُرِطَتْ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ،

وَالَّتِي لاَ تُقْبَل الصَّلاَةُ إِلاَّ بِهَا، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تُقْبَل صَلاَةٌ بِغَيْرِ طَهُورٍ فَيَدْخُل فِي عُمُومِهِ سُجُودُ التِّلاَوَةِ.

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: يُشْتَرَطُ لِسُجُودِ التِّلاَوَةِ

مَا يُشْتَرَطُ لِصَلاَةِ النَّافِلَةِ مِنَ الطَّهَارَتَيْنِ مِنَ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ. . . وَلاَ نَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي الْحَائِضِ تَسْمَعُ السَّجْدَةَ: تُومِئُ بِرَأْسِهَا، وَبِهِ قَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قَال: وَيَقُول: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ فِيمَنْ سَمِعَ السَّجْدَةَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ: يَسْجُدُ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ.

وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ سُجُودَ الْقُرْآنِ يَحْتَاجُ إِلَى مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الصَّلاَةُ مِنْ طَهَارَةِ حَدَثٍ وَنَجَسٍ. . إِلاَّ مَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. وَذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لِسُجُودِ التِّلاَوَةِ خِلاَفُهُ لِلنَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ.

قَال أَبُو الْعَبَّاسِ: وَالَّذِي تَبَيَّنَ لِي أَنَّ سُجُودَ التِّلاَوَةِ وَاجِبٌ مُطْلَقًا فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَمَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ،