الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤ الصفحة 33

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤

تُرَابُ الصَّاغَةِ:

٣ - عَرَّفَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ هُوَ الرَّمَادُ الَّذِي يُوجَدُ فِي حَوَانِيتِ الصَّاغَةِ وَلاَ يُدْرَى مَا فِيهِ. انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (تُرَابِ الصَّاغَةِ: ف ١) (١١ / ١٤٥) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسَّبَائِكِ:

أ - الزَّكَاةُ فِي سَبَائِكِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:

٤ - الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا مَضْرُوبَيْنِ أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبَيْنِ إِذَا بَلَغَ كُلٌّ مِنْهُمَا نِصَابًا، وَحَال عَلَيْهِ الْحَوْل (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاةٍ) .

وَأَمَّا السَّبَائِكُ الْمُسْتَخْرَجَةُ مِنَ الأَْرْضِ فَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِيهَا أَيْضًا، وَفِي مِقْدَارِ الْوَاجِبِ إِخْرَاجُهُ مِنْهَا خِلاَفٌ فِي كَوْنِهِ الْخُمُسَ أَوْ رُبُعَ الْعُشْرِ. (٢)

انْظُرْ: (رِكَازٌ، وَمَعْدِنٌ، وَزَكَاةٌ) .

_________

(١) فتح الباري ٣ / ٢١٠، وانظر تفسير القرطبي والطبري، وأحكام القرآن للجصاص كلهم في تفسير الآيتين ٣٤، ٣٥ من سورة التوبة.

(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٤٤ - ٤٦ - ط المصرية، جواهر الإكليل ١ / ١٣٧ ط المعرفة، شرح الزرقاني ٢ / ١٦٩ - ١٧١ - ط الفكر، حاشية القليوبي ٢ / ٢٥ - ٢٦ - ط الحلبي، ونيل الأوطار ٤ / ١٤٧ - ١٤٨ - ط / ٣، والمغني ٣ / ١٨ - ٢٣ - ط الرياض.

ب - تَحْرِيمُ الرِّبَا فِي سَبَائِكِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:

٥ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ. (١)

وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَصُوغِ مِنْهُمَا وَغَيْرِهِ. (٢)

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (رِبًا) .

ج - جَعْل السَّبِيكَةِ رَأْسَ مَالٍ فِي الشَّرِكَةِ:

٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَال الشَّرِكَةِ سَبَائِكَ. وَيَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ جَعْل السَّبَائِكِ رَأْسَ مَالٍ فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ إِنْ جَرَى التَّعَامُل بِهَا، فَيَنْزِل التَّعَامُل

_________

(١) حديث أبي سعيد الخدري: " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٣٨٠ - ط السلفية) .

(٢) فتح الباري ٤ / ٣٨٠ - ط السلفية، صحيح مسلم ٣ / ١٢٠٨، ١٢١٠، ١٢١٢ - ط الحلبي، سنن أبي داود ٣ / ٦٤٤ - ٦٤٦، والاختيار ٢ / ٣٩ - ط المعرفة، بداية المجتهد ٢ / ١٣٨ - ١٣٩، شرح روض الطالب ٢ / ١٢٢ - ط الريان، المغني ٤ / ١٠ - ١١ ط الرياض.

حِينَئِذٍ مَنْزِلَةَ الضَّرْبِ، فَيَكُونُ ثَمَنًا، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالٍ. (١)

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (شَرِكَةٍ) .

أَمَّا التِّبْرُ وَالْحُلِيُّ وَالسَّبَائِكُ فَأَطْلَقُوا مَنْعَ الشَّرِكَةِ فِيهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُبْنَى عَلَى أَنَّ التِّبْرَ مِثْلِيٌّ أَمْ لاَ؟ وَفِيهِ خِلاَفٌ. (٢)

د - قَطْعُ يَدِ سَارِقِ السَّبِيكَةِ:

٧ - تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِذَا كَانَ مُكَلَّفًا، وَأَخَذَ مَالًا خِلْسَةً لاَ شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزِهِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَال نِصَابًا.

وَالْقَوْل الرَّاجِحُ فِي قَدْرِ ذَلِكَ النِّصَابِ هُوَ رُبْعُ دِينَارٍ، وَفِي الاِعْتِبَارِ بِذَلِكَ بِالذَّهَبِ الْمَضْرُوبِ أَوْ بِغَيْرِهِ خِلاَفٌ.

فَعَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الاِعْتِبَارَ بِالذَّهَبِ الْمَضْرُوبِ فَإِنَّهُ لاَ قَطْعَ بِسَرِقَةِ سَبِيكَةٍ أَوْ حُلِيٍّ لاَ تَبْلُغُ قِيمَتُهُمَا رُبُعَ دِينَارٍ عَلَى وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

وَالتَّفْصِيل فِي: (سَرِقَةٍ) .

_________

(١) الاختيار ٣ / ١٥ - ط المعرفة، تبيين الحقائق ٣ / ٣١٦ - ط الأميرية، فتح القدير ٥ / ١٤ - ١٦ ط الأميرية.

(٢) روضة الطالبين ٤ / ٢٧٦ - ط المكتب الإسلامي، الإقناع ٢ / ٤١ - ط الحلبي.

سَبِيل اللَّهِ

التَّعْرِيفُ:

١ - السَّبِيل هُوَ الطَّرِيقُ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُل هَذِهِ سَبِيلِي﴾ . (١)

وَسَبِيل اللَّهِ فِي أَصْل الْوَضْعِ هُوَ: الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَيْهِ تَعَالَى، فَيَدْخُل فِيهِ كُل سَعْيٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيل الْخَيْرِ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ الْجِهَادُ (٢) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٢ - قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَعَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ: سَبِيل اللَّهِ وَضْعًا هُوَ الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى اللَّهِ، وَيَشْمَل جَمِيعَ الْقُرَبِ إِلَى اللَّهِ، إِلاَّ أَنَّهُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْجِهَادِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ فِي الْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيل اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (٣) وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ

_________

(١) سورة يوسف / ١٠٨.

(٢) مختار الصحاح وبدائع الصنائع ٢ / ٤٥ - ٤٦، وفتح القدير ٢ / ٢٥٠، وابن عابدين ٢ / ٦٠، ونهاية المحتاج ٦ / ١٥٨، والقليوبي ٣ / ١٩٨، وروض الطالب ٢ / ٣٩٨، والمغني ٦ / ٤٣٥، وكشاف القناع ٢ / ٢٨٣.

(٣) سورة البقرة / ١٩٠.

الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ . (١)

وَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ " سَبِيل اللَّهِ " إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْجِهَادُ إِلاَّ الْيَسِيرَ مِنْهُ فَيُحْمَل عَلَيْهِ.

وَلأَِنَّ الْجِهَادَ هُوَ سَبَبُ الشَّهَادَةِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى اللَّهِ، (وَسَبِيل اللَّهِ) فِي مَصَارِفِ الزَّكَاةِ يُعْطَى لِلْغُزَاةِ الْمُتَطَوِّعِينَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ سَهْمٌ فِي دِيوَانِ الْجُنْدِ لِفَضْلِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ جَاهَدُوا مِنْ غَيْرِ أَرْزَاقٍ مُرَتَّبَةٍ لَهُمْ. (٢) فَيُعْطُونَ مَا يَشْتَرُونَ بِهِ الدَّوَابَّ وَالسِّلاَحَ، وَمَا يُنْفِقُونَ بِهِ عَلَى الْعَدُوِّ إِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ، وَبِهَذَا قَال مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لاَ تَحِل الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلاَّ لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيل اللَّهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ. (٣)

وَقَالُوا: وَلأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَل الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ صِنْفَيْنِ، وَعَدَّ بَعْدَهُمَا سِتَّةَ أَصْنَافٍ فَلاَ يَلْزَمُ وُجُودُ صِفَةِ الصِّنْفَيْنِ فِي بَقِيَّةِ الأَْصْنَافِ كَمَا

_________

(١) سورة الصف / ٤.

(٢) المصادر السابقة.

(٣) حديث: " لا تحل الصدقة إلا لخمسة. . . " أخرجه أحمد (٣ / ٥٦ - ط الميمنية) وأخرج شطرًا منه الحاكم (١ / ٤٠٧ - ٤٠٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.

لاَ يَلْزَمُ صِفَةُ الأَْصْنَافِ فِيهِمَا. (١)

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ تُدْفَعُ إِلاَّ لِمَنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ بَعْثِ الرَّسُول ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ وَفِيهِ: أَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ. (٢)

فَقَدْ جَعَل النَّاسَ قِسْمَيْنِ: قِسْمًا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ، وَقِسْمًا يُصْرَفُ إِلَيْهِمْ، فَلَوْ جَازَ صَرْفُ الصَّدَقَةِ إِلَى الْغَنِيِّ لَبَطَل الْقِسْمَةُ، وَهَذَا لاَ يَجُوزُ. (٣)

وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي سَبِيل اللَّهِ﴾ الْحَاجُّ الْمُنْقَطِعُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَعَل بَعِيرًا لَهُ فِي سَبِيل اللَّهِ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ: أَنْ يَحْمِل عَلَيْهِ الْحُجَّاجَ (٤) وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ رَجُلًا جَعَل جَمَلًا لَهُ فِي سَبِيل اللَّهِ فَأَرَادَتِ امْرَأَتُهُ الْحَجَّ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: فَهَلاَّ

_________

(١) المصادر السابقة.

(٢) حديث ابن عباس: " أخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٥٧ - ط السلفية) .

(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٤٦، وابن عابدين ٢ / ٦٠، وفتح القدير ٢ / ٢٠٥.

(٤) حديث: " أن رجلًا جعل بعيرًا له في سبيل الله ". استشهد به الكاساني في بدائع الصنائع (٢ / ٤٦ - نشر دار الكتاب العربي)، وذكره الزيلعي في نصب الراية (٢ / ٣٩٥ - ط المجلس العلمي) ولم يعزه إلى أي مصدر حديثي، وإنما أشار إلى الحديث الذي يليه في هذا البحث.

خَرَجَتْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْحَجَّ فِي سَبِيل اللَّهِ. (١) وَعَنْ أَبِي طَلِيقٍ: قَال: طَلَبَتْ مِنِّي أُمُّ طَلِيقٍ جَمَلًا تَحُجُّ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: قَدْ جَعَلْتُهُ فِي سَبِيل اللَّهِ، فَسَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: صَدَقْتَ، لَوْ أَعْطَيْتَهَا كَانَ فِي سَبِيل اللَّهِ. (٢)

وَيُؤْثَرُ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ أَنَّهُمَا قَالاَ: سَبِيل اللَّهِ: الْحَجُّ، وَقَال ابْنُ عُمَرَ ﵄: سَبِيل اللَّهِ الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ.

وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: سَبِيل اللَّهِ طَلَبَةُ الْعِلْمِ. وَقَال الْفَخْرُ الرَّازِيَّ فِي تَفْسِيرِهِ: " ظَاهِرُ اللَّفْظِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي سَبِيل اللَّهِ﴾ لاَ يُوجِبُ الْقَصْرَ عَلَى الْغُزَاةِ، فَلِهَذَا نَقَل الْقَفَّال فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ أَجَازُوا صَرْفَ الصَّدَقَاتِ إِلَى جَمِيعِ وُجُوهِ الْخَيْرِ مِنْ تَكْفِينِ الْمَوْتَى، وَبِنَاءِ الْحُصُونِ، وَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ؛ لأَِنَّ سَبِيل اللَّهِ عَامٌّ فِي الْكُل. (٣)

وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ عَنْ مَصْرِفِ سَبِيل اللَّهِ فِي (زَكَاةٍ: ف ١٧٢)

_________

(١) حديث: " فهلا خرجت عليه، فإن الحج في سبيل الله ". أخرجه أبو داود (٢ / ٥٠٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وأعله الشوكاني بجهالة راو فيه، وبالاضطراب في سنده. كذا في نيل الأوطار (٤ / ١٩١ - ط الحلبي) .

(٢) حديث: " أبي طليق قال: طلبت. . . " أخرجه البزار (كشف الأستار ٢ / ٣٨ - ٣٩ - ط الرسالة) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد (٣ / ٢٨٠ - ط القدسي) .

(٣) ابن عابدين ٢ / ٦٠، وتفسير الرازي.

سَتْرٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - السَّتْرُ لُغَةً: تَغْطِيَةُ الشَّيْءِ، وَسَتَرَ الشَّيْءَ يَسْتُرُهُ سَتْرًا أَيْ أَخْفَاهُ، وَتَسَتَّرَ أَيْ تَغَطَّى، وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ. (١) أَيْ مِنْ شَأْنِهِ وَإِرَادَتِهِ حُبُّ السَّتْرِ وَالصَّوْنِ لِعِبَادِهِ.

وَيُقَال: رَجُلٌ سُتُورٌ وَسِتِّيرٌ، أَيْ عَفِيفٌ.

وَالسَّتْرُ مَا يُسْتَتَرُ بِهِ، وَالاِسْتِتَارُ: الاِخْتِفَاءُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ﴾ (٢) وَالسُّتْرَةُ مَا اسْتَتَرْتَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ كَائِنًا مَا كَانَ. (٣)

وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ.

_________

(١) حديث: " إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر ". أخرجه أبو داود (٤ / ٣٠٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث يعلى بن أمية وإسناده صحيح.

(٢) سورة فصلت / ٢٢.

(٣) لسان العرب، غريب القرآن للأصفهاني.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسَّتْرِ:

أ - سَتْرُ عُيُوبِ الْمُؤْمِنِ:

٢ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ أَوْ ذَنْبٍ أَوْ فُجُورٍ لِمُؤْمِنٍ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ أَوْ نَحْوِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالشَّرِّ وَالأَْذَى وَلَمْ يُشْتَهَرْ بِالْفَسَادِ، وَلَمْ يَكُنْ دَاعِيًا إِلَيْهِ، كَأَنْ يَشْرَبَ مُسْكِرًا أَوْ يَزْنِيَ أَوْ يَفْجُرَ مُتَخَوِّفًا مُتَخَفِّيًا غَيْرَ مُتَهَتِّكٍ وَلاَ مُجَاهِرٍ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَسْتُرَهُ، وَلاَ يَكْشِفَهُ لِلْعَامَّةِ أَوِ الْخَاصَّةِ، وَلاَ لِلْحَاكِمِ أَوْ غَيْرِ الْحَاكِمِ، لِلأَْحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْحَثِّ عَلَى سَتْرِ عَوْرَةِ الْمُسْلِمِ وَالْحَذَرِ مِنْ تَتَبُّعِ زَلاَّتِهِ، وَمِنْ هَذِهِ الأَْحَادِيثِ: قَوْلُهُ ﷺ: مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي رِوَايَةٍ سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ (١) " وَقَوْلُهُ ﷺ: أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ. (٢)

وَقَوْلُهُ ﷺ: مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَشَفَ عَوْرَةَ أَخِيهِ

_________

(١) حديث: " من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة " وفي رواية: " ستره الله في. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٩٧ - ط السلفية)، ومسلم (٤ / ١٩٩٦ - ط الحلبي) في حديث ابن عمر. والرواية الأخرى أخرجها الترمذي (٥ / ١٩٥ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

(٢) حديث: " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم ". أخرجه أبو داود (٤ / ٥٤٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عائشة: وضعف المنذري أحد رواته، ونقل عن ابن عدي أنه استنكر الحديث بهذا الإسناد. وقال: روي هذا الحديث من أوجه أخرى، ليس منها شيء يثبت. كذا في مختصر السنن (٦ / ٢١٣ - نشر دار المعرفة) .

الْمُسْلِمِ كَشَفَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ بِهَا فِي بَيْتِهِ. (١)

وَلأَِنَّ كَشْفَ هَذِهِ الْعَوْرَاتِ، وَالْعُيُوبِ وَالتَّحَدُّثَ بِمَا وَقَعَ مِنْهُ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى غِيبَةٍ مُحَرَّمَةٍ وَإِشَاعَةٍ لِلْفَاحِشَةِ.

قَال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: اجْتَهِدْ أَنْ تَسْتُرَ الْعُصَاةَ، فَإِنَّ ظُهُورَ مَعَاصِيهِمْ عَيْبٌ فِي أَهْل الإِْسْلاَمِ، وَأَوْلَى الأُْمُورِ سَتْرُ الْعُيُوبِ. قَال الْفُضَيْل بْنُ عِيَاضٍ: الْمُؤْمِنُ يَسْتُرُ وَيَنْصَحُ، وَالْفَاجِرُ يَهْتِكُ وَيُعَيِّرُ.

أَمَّا مَنْ عُرِفَ بِالأَْذَى وَالْفَسَادِ وَالْمُجَاهَرَةِ بِالْفِسْقِ وَعَدَمِ الْمُبَالاَةِ بِمَا يَرْتَكِبُ، وَلاَ يَكْتَرِثُ لِمَا يُقَال عَنْهُ فَيُنْدَبُ كَشْفُ حَالِهِ لِلنَّاسِ وَإِشَاعَةُ أَمْرِهِ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَتَوَقَّوْهُ وَيَحْذَرُوا شَرَّهُ، بَل تُرْفَعُ قِصَّتُهُ إِلَى وَلِيِّ الأَْمْرِ إِنْ لَمْ يَخَفْ مَفْسَدَةً أَكْبَرَ؛ لأَِنَّ السَّتْرَ عَلَى هَذَا يُطْمِعُهُ فِي الإِْيذَاءِ وَالْفَسَادِ وَانْتِهَاكِ الْحُرُمَاتِ وَجَسَارَةِ غَيْرِهِ عَلَى مِثْل فِعْلِهِ. فَإِنِ اشْتَدَّ فِسْقُهُ وَلَمْ يَرْتَدِعْ مِنَ النَّاسِ فَيَجِبُ أَنْ لاَ يَسْتُرَ عَلَيْهِ بَل يَرْفَعَ إِلَى وَلِيِّ الأَْمْرِ حَتَّى يُؤَدِّبَهُ وَيُقِيمَ عَلَيْهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فَسَادِهِ شَرْعًا مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ مَا لَمْ يَخْشَ مَفْسَدَةً أَكْبَرَ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي سَتْرِ مَعْصِيَةٍ وَقَعَتْ فِي الْمَاضِي

_________

(١) حديث: " من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨٥٠ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٢ / ٧٠ - ط دار الجنان) .