الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٤
وَفِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ نِسَاءَ الْكُفَّارِ وَصِبْيَانَهُمْ إِذَا أُسِرُوا رُقُّوا، وَأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ فِدَاؤُهُمْ أَوِ الْمَنُّ عَلَيْهِمْ. (١) لَكِنْ قَال الْمَاوَرْدِيُّ: إِنْ أَرَادَ الإِْمَامُ الْمَنَّ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ إِلاَّ بِاسْتِطَابَةِ نُفُوسِ الْغَانِمِينَ عَنْهُمْ، إِمَّا بِالْعَفْوِ عَنْ حُقُوقِهِمْ مِنْهُمْ، وَإِمَّا بِمَالٍ يُعَوِّضُهُمْ عَنْهُمْ، فَإِنْ كَانَ الْمَنُّ عَلَيْهِمْ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ جَازَ أَنْ يُعَوِّضَهُمْ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ، وَإِنْ كَانَ لأَِمْرٍ يَخُصُّهُ عَاوَضَ عَنْهُمْ مِنْ مَال نَفْسِهِ. وَمَنِ امْتَنَعَ مِنَ الْغَانِمِينَ لَمْ يَسْتَنْزِل عَنْهُ إِجْبَارًا حَتَّى يَرْضَى، وَخَالَفَ ذَلِكَ حُكْمُ الأَْسْرَى فَفِيهِمْ لاَ يَلْزَمُهُ اسْتِطَابَةُ نُفُوسِ الْغَانِمِينَ لأَِنَّ قَتْل الرِّجَال مُبَاحٌ وَقَتْل السَّبْيِ مَحْظُورٌ، فَصَارَ السَّبْيُ مَالًا مَغْنُومًا لاَ يَسْتَنْزِلُونَ عَنْهُ إِلاَّ بِاسْتِطَابَةِ النُّفُوسِ. (٢) فَإِنَّ هَوَازِنَ لَمَّا سُبِيَتْ وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهَا بِحُنَيْنٍ اسْتَعْطَفَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَأَتَاهُ وُفُودُهَا وَقَدْ فَرَّقَ الأَْمْوَال وَقَسَّمَ السَّبْيَ فَذَكَّرُوهُ حُرْمَةَ رَضَاعِهِ فِيهِمْ مِنْ لَبَنِ حَلِيمَةَ وَطَلَبُوا أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ وَرَدَّتْ قُرَيْشٌ وَالأَْنْصَارُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُمْ وَأَبَى غَيْرُهُمْ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: أَمَّا مَنْ تَمَسَّكَ بِحَقِّهِ مِنْ هَذَا السَّبْيِ
_________
(١) مغني المحتاج ٤ / ٢٢٧ - ٢٢٨، ونهاية المحتاج ٨ / ٦٥، وأسنى المطالب ٤ / ١٩٣.
(٢) الأحكام السلطانية / ١٣٤ - ١٣٥، والمهذب ٢ / ٢٣٦.
فَلَهُ بِكُل إِنْسَانٍ سِتُّ فَرَائِضَ ﴿(١) . فَرُدُّوا إِلَى النَّاسِ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ فَرَدُّوا. (٢)
وَفِي كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ كَذَلِكَ مَا يُفِيدُ عَدَمَ جَوَازِ الْمَنِّ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: الإِْمَامُ لاَ يَمْلِكُ الْمَنَّ عَلَى الذُّرِّيَّةِ إِذَا سُبُوا، وَمَنْ سُبِيَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ وَمِثْل ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ.
لَكِنْ قَال أَبُو يَعْلَى: إِنْ أَرَادَ الإِْمَامُ الْمَنَّ عَلَى السَّبْيِ لَمْ يَجُزْ إِلاَّ بِاسْتِطَابَةِ نُفُوسِ الْغَانِمِينَ بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ أَوْ بِمَالٍ يُعَوِّضُهُمْ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ، وَمَنِ امْتَنَعَ مِنَ الْغَانِمِينَ عَنْ تَرْكِ حَقِّهِ لَمْ يُجْبَرْ. (٣)
د - الاِسْتِرْقَاقُ:
٢٠ - إِذَا سُبِيَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ صَارُوا رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْمَامَ فِي السَّبْيِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْمُفَادَاةِ أَوِ الاِسْتِرْقَاقِ. وَيُعْرَفُ ذَلِكَ
_________
(١) الفرائض: جمع فريضة، وهو البعير المأخوذ في الزكاة، وسمي فريضة لأنه فرض واجب على رب المال، ثم اتسع فيه حتى سُمِّي البعير فريضة في غير الزكاة. النهاية لابن الأثير (٣ / ٤٣٢ ط دار الفكر) .
(٢) حديث: " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ". أخرجه ابن إسحاق في السيرة كما في السيرة النبوية لابن كثير (٣ / ٦٦٧ - ٦٦٩ - نشر دار إحياء التراث العربي) وإسناده حسن.
(٣) المغني ٨ / ٤٨١، وكشاف القناع ٣ / ٥٤، والأحكام السلطانية لأبي يعلى / ١٤٤.
بِالْقَوْل أَوْ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِمْ كَمَا يَتَصَرَّفُ فِي الرَّقِيقِ أَوْ بِدَلاَلَةِ الْحَال. (١)
التَّصَرُّفُ فِي السَّبْيِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ:
٢١ - السَّبْيُ يُعْتَبَرُ مِنَ الْغَنَائِمِ وَالإِْمَامُ مُخَيَّرٌ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ مِنْ جَوَازِ الْمَنِّ أَوِ الْفِدَاءِ أَوِ الاِسْتِرْقَاقِ عَلَى الْخِلاَفِ الَّذِي سَبَقَ. وَالسَّبْيُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ يَكُونُ مِلْكًا لِمَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ.
أَمَّا قَبْل الْقِسْمَةِ فَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ لِلإِْمَامِ، وَالإِْمَامُ مَنُوطٌ بِهِ التَّصَرُّفُ بِمَا فِيهِ الأَْصْلَحُ لِلْغَانِمِينَ. (٢) وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (غُنَيْمَةٍ) .
التَّفْرِيقُ بَيْنَ الأُْمِّ وَوَلِيدِهَا الْمَسْبِيَّيْنِ:
٢٢ - لاَ يَجُوزُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الأُْمِّ وَوَلِيدِهَا الْمَسْبِيَّيْنِ فِي الْبَيْعِ أَوْ فِي قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ، وَالأَْصْل فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ تُولَهُ وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا. (٣) وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا تَوْلِيهٌ فَكَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَرَوَى أَبُو أَيُّوبَ قَال: سَمِعْتُ
_________
(١) البدائع ٧ / ١١٩، وابن عابدين ٣ / ٢٣٠، والفتاوى الهندية ٢ / ٢٠٦ - ٢٠٧، والدسوقي ٢ / ١٨٤، ومغني المحتاج ٤ / ٢٢٨، والمغني ٨ / ٣٧٦، ٤٨١.
(٢) المغني ٨ / ٤٤٥، ٤٤٦، ٤٤٧، والاختيار ٤ / ١٢٦، ومنح الجليل ١ / ٧٤٥ - ٧٤٩.
(٣) حديث: " لا توله والدة عن ولدها ". أخرجه البيهقي (٨ / ٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي بكر، وضعف إسناده ابن حجر في التلخيص (٣ / ١٥ - ط شركة الطباعة الفنية) .
رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (١) وَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ امْرَأَةً وَالِهَةً فِي السَّبْيِ فَسَأَل عَنْ شَأْنِهَا فَقِيل قَدْ بِيعَ وَلَدُهَا فَأَمَرَ بِالرَّدِّ. (٢) وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. (٣) وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ مِنْ حَيْثُ شُمُول التَّفْرِيقِ لِغَيْرِ الأُْمِّ مِنْ ذَوِي الأَْرْحَامِ، أَوْ لاَ، وَهَل يَخْتَصُّ التَّفْرِيقُ بِكَوْنِ الْوَلَدِ صَغِيرًا أَوْ يَشْمَل ذَلِكَ حَالَةَ الْكِبَرِ أَيْضًا.
وَيُنْظَرُ هَذَا التَّفْصِيل فِي: (بَيْعٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ) (ف ١٠١) (وَرِقٌّ ف ٣٩) .
أَثَرُ السَّبْيِ فِي الْحُكْمِ بِإِسْلاَمِ الْمَسْبِيِّ:
٢٣ - إِذَا سُبِيَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ أَوْلاَدِ الْكُفَّارِ صَارَ رَقِيقًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، أَمَّا الْحُكْمُ بِإِسْلاَمِ الصَّغِيرِ الْمَسْبِيِّ فَلَهُ ثَلاَثَةُ أَحْوَالٍ:
الأَْوَّل: أَنْ يُسْبَى مُنْفَرِدًا عَنْ أَبَوَيْهِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا؛ لأَِنَّ الدِّينَ إِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ تَبَعًا، وَقَدِ انْقَطَعَتْ تَبَعِيَّتُهُ لأَِبَوَيْهِ لاِنْقِطَاعِهِ عَنْهُمَا وَإِخْرَاجِهِ
_________
(١) حديث: " من فرق بين الوالدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة ". أخرجه الترمذي (٣ / ٥١١ - ط الحلبي) وقال: " حديث حسن غريب ".
(٢) حديث: " رأى في السبي امرأة والهة ". أورد الزيلعي في نصب الراية (٤ / ٢٤ - ط المجلس العلمي) حديثًا بمعناه. وعزاه إلى البيهقي في المعرفة.
(٣) البدائع ٥ / ٢٢٨، والقوانين الفقهية / ١٤٥، ١٤٦، والمهذب ٢ / ٢٤٠، والمغني ٨ / ٤٢٢.
عَنْ دَارِهِمَا، وَمَصِيرِهِ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ تَبَعًا لِسَابِيهِ الْمُسْلِمِ فَكَانَ تَابِعًا لَهُ فِي دِينِهِ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَرِوَايَةُ أَهْل الْمَدِينَةِ عَنْ مَالِكٍ، وَمُقَابِل ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى كُفْرِهِ تَبَعًا لأَِبِيهِ، وَلاَ يَتْبَعُ السَّابِي فِي الإِْسْلاَمِ؛ لأَِنَّ يَدَ السَّابِي يَدُ مِلْكٍ فَلاَ تُوجِبُ إِسْلاَمَهُ كَيَدِ الْمُشْتَرِي.
الثَّانِي: أَنْ يُسْبَى مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، فَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - يُعْتَبَرُ كَافِرًا تَبَعًا لأَِبِيهِ أَوْ أُمِّهِ فِي الْكُفْرِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ عَنْ أَحَدِ أَبَوَيْهِ فَلَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلاَمِهِ وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: كُل مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ. (١)
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِ، وَبِهَذَا قَال الأَْوْزَاعِيُّ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: كُل مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، الْحَدِيثُ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لاَ يَتْبَعُ أَحَدَهُمَا؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ مَتَى عُلِّقَ بِشَيْئَيْنِ لاَ يَثْبُتُ بِأَحَدِهِمَا؛ وَلأَِنَّهُ يَتْبَعُ سَابِيهِ مُنْفَرِدًا فَيَتْبَعُهُ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ الأَْبَوَيْنِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُسْبَى مَعَ أَبَوَيْهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى دِينِهِمَا لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ
_________
(١) حديث: " كل مولود يولد على الفطرة ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٢٤٦ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، وَهُمَا مَعَهُ وَمِلْكُ السَّابِي لَهُ لاَ يَمْنَعُ اتِّبَاعَهُ لأَِبَوَيْهِ بِدَلِيل مَا لَوْ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ مِنْ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ الْكَافِرَيْنِ.
وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُ الأَْبَوَيْنِ فَهُوَ مُسْلِمٌ تَبَعًا لَهُ لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ أَعْلَى، فَكَانَ إِلْحَاقُهُ بِالْمُسْلِمِ مِنْهُمَا أَوْلَى.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ عَلَى دِينِ أَبِيهِ وَلاَ عِبْرَةَ بِإِسْلاَمِ أُمِّهِ أَوْ جَدِّهِ. (١)
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي بَحْثِ: (إِسْلاَمٍ ف ٢٥) (٤ ٢٧٠)
أَثَرُ السَّبْيِ فِي النِّكَاحِ:
سَبْيُ الْمُتَزَوِّجَاتِ مِنَ الْكُفَّارِ لاَ يَخْلُو مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ:
٢٤ - أَحَدُهَا: أَنْ يُسْبَى الزَّوْجَانِ مَعًا، فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُمَا، وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَأَبِي ثَوْرٍ، كَمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: أَصَابُوا سَبْيًا يَوْمَ أَوْطَاسٍ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ فَتَخَوَّفُوا فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢) فَحَرَّمَ الْمُتَزَوِّجَاتِ إِلاَّ الْمَمْلُوكَاتِ
_________
(١) البدائع ٧ / ١٠٤، والكافي لابن عبد البر ١ / ٤٦٧ - ٤٦٨، الدسوقي ٤ / ٣٠٥، والمهذب ٢ / ٢٤٠، والمغني ٨ / ٤٢٦.
(٢) سورة النساء / ٢٤. وحديث أبي سعيد: " أصابوا سبيًا يوم أوطاس ". أخرجه مسلم (٢ / ١٠٨٠ - ط الحلبي) .
بِالسَّبْيِ فَدَل عَلَى ارْتِفَاعِ النِّكَاحِ، قَال الشَّافِعِيُّ: سَبَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَوْطَاسَ وَبَنِيَّ الْمُصْطَلِقِ وَقَسَّمَ الْفَيْءَ، وَأَمَرَ أَلاَّ تُوطَأَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلاَ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ، وَلَمْ يَسْأَل عَنْ ذَاتِ زَوْجٍ وَلاَ غَيْرِهَا (١) قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَإِنْ كَانَ الزَّوْجَانِ مَمْلُوكَيْنِ فَسُبِيَا فَلاَ نَصَّ فِيهِ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ لاَ يَنْفَسِخَ النِّكَاحُ، لأَِنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ بِالسَّبْيِ رِقٌّ، وَإِنَّمَا حَدَثَ انْتِقَال الْمِلْكِ فَلَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ كَمَا لَوِ انْتَقَل الْمِلْكُ فِيهِمَا بِالْبَيْعِ، قَال أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَال: يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ؛ لأَِنَّهُ حَدَثَ سَبْيٌ يُوجِبُ الاِسْتِرْقَاقَ وَإِنْ صَادَفَ رِقًّا كَمَا أَنَّ الزِّنَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَإِنْ صَادَفَ حَدًّا. (٢)
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُمَا بِالسَّبْيِ مَعًا. قَال الْحَنَفِيَّةُ: لِعَدَمِ اخْتِلاَفِ الدَّارَيْنِ، فَسَبَبُ الْبَيْنُونَةِ هُوَ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ دُونَ السَّبْيِ؛ لأَِنَّ مَصَالِحَ النِّكَاحِ لاَ تَحْصُل مَعَ التَّبَايُنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا؛ لأَِنَّ مَصَالِحَهُ إِنَّمَا تَحْصُل بِالاِجْتِمَاعِ، وَالتَّبَايُنُ مَانِعٌ مِنْهُ، أَمَّا السَّبْيُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي مِلْكَ الرَّقَبَةِ وَذَلِكَ لاَ يُنَافِي النِّكَاحَ ابْتِدَاءً
_________
(١) حديث: " أمر ألا توطأ حامل حتى تضع. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٦١٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي سعيد الخدري، وحسنه ابن حجر في التلخيص (١ / ١٧٢ - ط شركة الطباعة الفنية) .
(٢) الدسوقي ٢ / ٢٠٠، والمهذب ٢ / ٢٤١.
فَكَذَا بَقَاءً. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الرِّقَّ مَعْنًى لاَ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ فَلاَ يَقْطَعُ اسْتِدَامَتَهُ كَالْعِتْقِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، (١) نَزَلَتْ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ، وَكَانُوا أَخَذُوا النِّسَاءَ دُونَ أَزْوَاجِهِنَّ، وَعُمُومُ الآْيَةِ مَخْصُوصٌ بِالْمَمْلُوكَةِ الْمُزَوَّجَةِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ فَيَخُصُّ مِنْهُ مَحَل النِّزَاعِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ. (٢)
٢٥ - الثَّانِي: أَنْ تُسْبَى الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا فَيَنْفَسِخَ النِّكَاحُ بِلاَ خِلاَفٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَالآْيَةُ دَالَّةٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَهُوَ الْحَدِيثُ السَّابِقُ، وَتَعْلِيل الْفَسْخِ وَسَبَبُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ هُوَ السَّبْيُ، أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَهُوَ اخْتِلاَفُ الدَّارِ. (٣)
٢٦ - الثَّالِثُ: أَنْ يُسْبَى الرَّجُل وَحْدَهُ فَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَبِي الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ - يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ لاِخْتِلاَفِ الدَّارِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلِلسَّبْيِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - غَيْرِ أَبِي الْخَطَّابِ - لاَ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ لأَِنَّهُ لاَ نَصَّ فِيهِ، وَلاَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ. وَقَدْ سَبَى النَّبِيُّ ﷺ سَبْعِينَ مِنَ الْكُفَّارِ يَوْمَ بَدْرٍ فَمَنَّ عَلَى بَعْضِهِمْ وَفَادَى بَعْضًا. (٤) وَلَمْ يَحْكُمْ
_________
(١) سورة النساء / ٢٤.
(٢) الاختيار ٣ / ١١٣، والبدائع ٢ / ٣٣٩، والمغني ٨ / ٤٢٧.
(٣) الاختيار ٣ / ١١٣، والبدائع ٢ / ٣٣٩، والدسوقي ٢ / ٢٠٠، والمهذب ٢ / ٢٤١، والمغني ٨ / ٤٢٧.
(٤) حديث: " سبى النبي ﷺ سبعين من الكفار يوم بدر " أخرجه البخاري (الفتح ٧ / ٣٠٧ - ط السلفية) من حديث البراء بن عازب. وأما فداء بعضهم فقد ورد من حديث ابن عباس. أخرجه أبو داود (٣ / ١٣٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس) .
عَلَيْهِمْ بِفَسْخِ أَنْكِحَتِهِمْ، وَلأَِنَّنَا إِذَا لَمْ نَحْكُمْ بِفَسْخِ النِّكَاحِ فِيمَا إِذَا سُبِيَا مَعًا مَعَ الاِسْتِيلاَءِ عَلَى مَحَل حَقِّهِ، فَلأَنْ لاَ يَنْفَسِخَ نِكَاحُهُ مَعَ عَدَمِ الاِسْتِيلاَءِ أَوْلَى (١) . (ر: نِكَاحٌ) .
الزَّوَاجُ بِالْمَسْبِيَّةِ:
٢٧ - السَّبَايَا مِنَ النِّسَاءِ يُعْتَبَرْنَ مِنَ الْغَنَائِمِ إِلَى أَنْ تَتِمَّ قِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ، فَإِذَا قُسِّمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ فَكُل مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ سَبِيَّةٌ مَلَكَهَا وَصَارَتْ أَمَةً لَهُ، وَيَحِل لَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ . (٢) وَقَدْ نَزَلَتْ فِي سَبَايَا أَوْطَاسَ عَلَى مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ (٣) .
أَمَّا حِل نِكَاحِهَا فَهُوَ مَحَل اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ نِكَاحِ الأَْمَةِ، وَمَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي بَحْثِ: (رِقٍّ: ف ٧٤ وَمَا بَعْدَهَا) .
_________
(١) المراجع السابقة.
(٢) سورة النساء / ٢٤.
(٣) ينظر البدائع ٢ / ٢٧١، ٣٣٩، والمغني ٦ / ٥٩٦ - ٥٩٧، ٨ / ٤٢٧، والأحكام السلطانية للماوردي / ٥٤.
سَبِيكَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - السَّبِيكَةُ الْقِطْعَةُ الْمُسْتَطِيلَةُ مِنَ الذَّهَبِ، وَالْجَمْعُ سَبَائِكُ، وَرُبَّمَا أُطْلِقَتْ عَلَى كُل قِطْعَةٍ مُتَطَاوِلَةٍ مِنْ أَيِّ مَعْدِنٍ كَانَ، وَرُبَّمَا أُطْلِقَتْ عَلَى الْقِطْعَةِ الْمَذُوبَةْ مِنَ الْمَعْدِنِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مُتَطَاوِلَةً، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ سَبَكْتُ الذَّهَبَ أَوِ الْفِضَّةَ سَبْكًا مِنْ بَابِ قَتَل إِذَا أَذَبْتُهُ وَخَلَّصْتُهُ مِنْ خَبَثِهِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التِّبْرُ:
٢ - مِنْ مَعَانِي التِّبْرِ فِي اللُّغَةِ مَا كَانَ مِنَ الذَّهَبِ غَيْرَ مَضْرُوبٍ، فَإِذَا ضُرِبَ دَنَانِيرَ فَهُوَ عَيْنٌ، وَلاَ يُقَال تِبْرٌ إِلاَّ لِلذَّهَبِ. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُهُ لِلْفِضَّةِ أَيْضًا. وَقَدْ يُطْلَقُ التِّبْرُ عَلَى غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنَ الْمَعَادِنِ.
وَعَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ اسْمٌ لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قَبْل ضَرْبِهِمَا، أَوْ لِلذَّهَبِ فَقَطْ، وَهُوَ تَعْرِيفٌ لِلْمَالِكِيَّةِ (٢) .
_________
(١) المصباح والمغرب مادة: (سبك) .
(٢) الصحاح واللسان والمصباح مادة: (تبر)، وابن عابدين ٢ / ٤٤ - ط المصرية، وجواهر الإكليل ٢ / ١٧١ - ط دار المعرفة، وحاشية القليوبي ٣ / ٥٢ - ط الحلبي.