الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣
لاِنْقِطَاعِ الْحَوْل الأَْوَّل بِمَا فَعَلَهُ، (١) لَكِنْ إِنْ فَعَل ذَلِكَ حِيلَةً فَفِي انْقِطَاعِ الْحَوْل خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مَا سَبَقَ تَحْتَ عِنْوَانِ (الْحِيَل لإِسْقَاطِهَا) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَحُول الْحَوْل عَلَى مِلْكِ النِّصَابِ أَوْ مِلْكِ أَصْلِهِ، فَالأَْوَّل كَمَا لَوْ كَانَ يَمْلِكُ أَرْبَعِينَ شَاةً تَمَامَ الْحَوْل، وَالثَّانِي كَمَا لَوْ مَلَكَ عِشْرِينَ شَاةً مِنْ أَوَّل الْحَوْل فَحَمَلَتْ وَوَلَدَتْ فَتَمَّتْ بِذَلِكَ أَرْبَعِينَ قَبْل تَمَامِ الْحَوْل، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي النَّوْعَيْنِ عِنْدَ حَوْل الأَْصْل.
وَمِثَالُهُ أَيْضًا، أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ دِينَارُ ذَهَبٍ فَيَشْتَرِي بِهِ سِلْعَةً لِلتِّجَارَةِ فَيَبِيعُهَا بِعِشْرِينَ دِينَارًا قَبْل تَمَامِ الْحَوْل، فَفِيهَا الزَّكَاةُ عِنْدَمَا يَحُول الْحَوْل عَلَى مِلْكِهِ لِلدِّينَارِ، وَاَلَّذِي يُضَمُّ إِلَى أَصْلِهِ فَيَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ هُوَ نِتَاجُ السَّائِمَةِ وَرِبْحُ التِّجَارَةِ، بِخِلاَفِ الْمَال الْمُسْتَفَادِ بِطَرِيقٍ آخَرَ كَالْعَطِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِل بِهَا حَوْلَهَا (٢)
. الشَّرْطُ السَّابِعُ: الْفَرَاغُ مِنَ الدَّيْنِ:
٣٣ - وَهَذَا الشَّرْطُ مُعْتَبَرٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ فِي قَدِيمِ قَوْلَيْهِ، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الدَّيْنَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ.
فَإِنْ زَادَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الْمَالِكِ عَمَّا بِيَدِهِ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَبْقَ بِيَدِهِ بَعْدَمَا يَسُدُّ بِهِ
_________
(١) شرح المنهاج ٢ / ١٤.
(٢) الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤٣١، ٤٦١، ٤٦٢.
دَيْنَهُ نِصَابٌ فَأَكْثَرُ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ (١) .
وَقَوْلِهِ: أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ فَأَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ (٢) . وَمَنْ عَلَيْهِ أَلْفٌ وَمَعَهُ أَلْفٌ فَلَيْسَ غَنِيًّا، وَلِقَوْل عُثْمَانَ ﵁: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ وَلْيُزَكِّ بَقِيَّةَ مَالِهِ.
وَلاَ يُعْتَبَرُ الدَّيْنُ مَانِعًا إِلاَّ إِنِ اسْتَقَرَّ فِي الذِّمَّةِ قَبْل وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَأَمَّا إِنْ وَجَبَ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ لَمْ تَسْقُطْ؛ لأَِنَّهَا وَجَبَتْ فِي ذِمَّتِهِ، فَلاَ يُسْقِطُهَا مَا لَحِقَهُ مِنَ الدَّيْنِ بَعْدَ ثُبُوتِهَا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ، وَحَمَّادٌ، وَرَبِيعَةُ إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ لاَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ أَصْلًا؛ لأَِنَّ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ إِذَا مَلَكَ نِصَابًا حَوْلًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيهِ لإِطْلاَقِ الأَْدِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلزَّكَاةِ فِي الْمَال الْمَمْلُوكِ (٣) .
_________
(١) حديث: " إذا كان لرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه " ذكره ابن قدامة في المغني (٣ / ٤١ - ط الرياض) ولم يعزه إلى أي من المصادر الحديثية.
(٢) حديث: " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها على فقرائكم ". لم نره في المصادر الحديثية التي بين أيدينا بهذا اللفظ، وإنما المعروف هو ما أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٢٦١ - ط السلفية) وغيره من حديث ابن عباس " وأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ".
(٣) المغني ٣ / ٤١، والدسوقي ١ / ٤٣١، وابن عابدين ٢ / ٤، ٧، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي ٢ / ٤٠.
الأَْمْوَال الَّتِي يَمْنَعُ الدَّيْنُ زَكَاتَهَا وَاَلَّتِي لاَ يَمْنَعُ:
٣٤ - أَمَّا الأَْمْوَال الْبَاطِنَةُ وَهِيَ النُّقُودُ وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ فَإِنَّ الْجُمْهُورَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فِيهَا، وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ.
وَأَمَّا الأَْمْوَال الظَّاهِرَةُ وَهِيَ السَّائِمَةُ وَالْحُبُوبُ وَالثِّمَارُ وَالْمَعَادِنُ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى قَوْلٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعْتَمَدَةِ فِي الْمَذْهَبِ) إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيهَا، رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَال: لأَِنَّ الْمُصَدِّقَ إِذَا جَاءَ فَوَجَدَ إِبِلًا أَوْ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا لَمْ يَسْأَل: أَيُّ شَيْءٍ عَلَى صَاحِبِهَا مِنَ الدَّيْنِ، وَلَيْسَ الْمَال - يَعْنِي الأَْثْمَانَ - هَكَذَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ أَنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بِالظَّاهِرَةِ آكَدُ؛ لِظُهُورِهَا وَتَعَلُّقِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ بِهَا؛ وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى حِفْظِهَا أَوْفَرُ، فَتَكُونُ الزَّكَاةُ فِيهَا آكُدُ.
وَاسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ الدَّيْنَ الَّذِي اسْتَدَانَهُ الْمُزَكِّي لِلإِْنْفَاقِ عَلَى الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُهُ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: يُخْرِجُ مَا اسْتَدَانَ أَوْ أَنْفَقَ عَلَى ثَمَرَتِهِ وَأَهْلِهِ يُزَكِّي مَا بَقِيَ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فِي الأَْمْوَال الْبَاطِنَةِ وَفِي السَّوَائِمِ، أَمَّا مَا وَجَبَ فِي الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ فَلاَ يَمْنَعُهُ الدَّيْنُ، كَمَا لاَ يَمْنَعُ الْخَرَاجَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْعُشْرَ وَالْخَرَاجَ مُؤْنَةُ
الأَْرْضِ، وَلِذَا يَجِبَانِ فِي الأَْرْضِ الْمَوْقُوفَةِ وَأَرْضِ الْمُكَاتَبِ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ فِيهِمَا الزَّكَاةُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فِي الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَاللَّيْثِ وَالنَّخَعِيِّ (١) .
الدُّيُونُ الَّتِي تَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ:
٣٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ هُوَ مَا كَانَ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ سَوَاءٌ كَانَ دَيْنًا لِلَّهِ كَزَكَاةٍ وَخَرَاجٍ، أَوْ كَانَ لِلْعِبَادِ، وَسَوَاءٌ كَانَ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا، وَلَوْ صَدَاقَ زَوْجَتِهِ الْمُؤَجَّل لِلْفِرَاقِ، أَوْ نَفَقَةً لِزَوْجَتِهِ، أَوْ لِقَرِيبٍ لَزِمَتْهُ بِقَضَاءٍ أَوْ تَرَاضٍ، وَكَذَا عِنْدَهُمْ دَيْنُ الْكَفَالَةِ، قَالُوا: لأَِنَّ الْكَفِيل مُحْتَاجٌ إِلَى مَا بِيَدِهِ لِيَقْضِيَ عَنْهُ دَفْعًا لِلْمُلاَزَمَةِ أَوِ الْحَبْسِ.
أَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ فَلاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ، قَالُوا: كَدَيْنِ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ وَالْحَجِّ، وَمِثْلُهَا الأُْضْحِيَةُ، وَهَدْيُ الْمُتْعَةِ، وَدَيْنُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ. (٢)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ زَكَاةَ الْمَال الْبَاطِنِ يُسْقِطُهَا الدَّيْنُ وَلَوْ كَانَ دَيْنَ زَكَاةٍ، أَوْ زَكَاةَ فِطْرٍ،
_________
(١) المغني ٣ / ٤٢، والفروع ٢ / ٣٣١، وابن عابدين ٢ / ٦، والدسوقي ١ / ٤٨١، وشرح المنهاج ٢ / ١٤.
(٢) ابن عابدين ٢ / ٥ - ٦.
أَوْ كَانَ لِلْعِبَادِ حَالًّا كَانَ أَوْ مُؤَجَّلًا، أَوْ كَانَ مَهْرَ زَوْجَةٍ أَوْ نَفَقَةَ زَوْجَةٍ مُطْلَقًا، أَوْ نَفَقَةَ وَلَدٍ أَوْ وَالِدٍ إِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ بِهَا الْقَاضِي.
وَاخْتَلَفَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ فِي مِثْل دَيْنِ الْكَفَّارَةِ وَالْهَدْيِ الْوَاجِبِ فَاخْتَارَ مِنْهَا خَلِيلٌ وَابْنُ رَاشِدٍ الْقَفْصِيُّ أَنَّهُ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ لِعَدَمِ الْمُطَالِبِ مِنَ الْعِبَادِ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَتَّابٍ أَنَّهُ يَمْنَعُ لأَِنَّ الإِْمَامَ يُطَالِبُ الْمُمْتَنِعَ بِإِخْرَاجِ مَا عَلَيْهِ مِنْ مِثْل هَذِهِ الدُّيُونِ. (١)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ دَيْنَ الآْدَمِيِّ مُطْلَقًا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ، أَمَّا دَيْنُ اللَّهِ فَفِي قَوْلٍ: يَمْنَعُ وَفِي قَوْلٍ: لاَ (٢) .
شُرُوطُ إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ بِالدَّيْنِ:
٣٦ - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الدَّيْنَ يُسْقِطُ الزَّكَاةَ فِي قَدْرِهِ مِنَ الْمَال الزَّكَوِيِّ، اشْتَرَطَ أَكْثَرُهُمْ أَنْ لاَ يَجِدَ الْمُزَكِّي مَالًا يَقْضِي مِنْهُ الدَّيْنَ سِوَى مَا وَجَبَتْ فِيهِ. فَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ آخَرُ فَائِضٌ عَنْ حَاجَاتِهِ الأَْسَاسِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ، لِكَيْ يَسْلَمَ الْمَال الزَّكَوِيُّ فَيُخْرِجَ زَكَاتَهُ.
ثُمَّ قَدْ قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ يَعْمَل بِذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ مَا يَقْضِي مِنْهُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ أَوْ غَيْرِ جِنْسِهِ. فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَعِنْدَهُ عُرُوضُ قُنْيَةٍ تُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَأَكْثَرَ
_________
(١) الدسوقي على الشرح الكبير ٦ / ٤٨٣.
(٢) المغني ٣ / ٤٥.
وَعِنْدَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، جَعَل الْعُرُوضَ فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ لأَِنَّهُ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ.
وَكَذَا إِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ مَالاَنِ زَكَوِيَّانِ، لَوْ جَعَل أَحَدَهُمَا فِي مُقَابِل الدَّيْنِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، وَلَوْ جَعَل الآْخَرَ فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ كَانَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، فَإِنَّهُ يَجْعَل فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ مَا هُوَ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ، كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَلَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَتِسْعٌ مِنَ الإِْبِل، فَإِذَا جَعَلْنَا فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ الأَْرْبَعَةَ مِنَ الإِْبِل الزَّائِدَةَ عَنِ النِّصَابِ لِكَوْنِ الأَْرْبَعَةِ تُسَاوِي الْمِائَةَ مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا وَجَبَ ذَلِكَ رِعَايَةً لِحَظِّ الْفُقَرَاءِ، لأَِنَّنَا لَوْ جَعَلْنَا مِمَّا مَعَهُ مِنَ الدَّرَاهِمِ مِائَةً فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ سَقَطَتْ زَكَاةُ الدَّرَاهِمِ (١) .
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَل فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ فَيَمْنَعُ سُقُوطَ الزَّكَاةِ: الدَّيْنَ الْحَال الْمَرْجُوَّ، وَالأَْمْوَال الزَّكَوِيَّةَ الأُْخْرَى وَلَوْ جَرَتْ تَزْكِيَتُهَا، وَأَنَّ الْعَرَضَ يُقَوَّمُ وَقْتَ الْوُجُوبِ، وَأَخْرَجُوا مِنْ ذَلِكَ نَحْوَ الْبَعِيرِ الشَّارِدِ، وَالْمَال الضَّائِعِ، وَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّل أَوْ غَيْرِ الْمَرْجُوِّ لِعَدَمِ صَلاَحِيَّةِ جَعْلِهِ فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ (٢) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ - وَمِثْلُهُ حُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَلَى مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ
_________
(١) الدسوقي ١ / ٤٨٣، وفتح القدير ٥ / ٥٠٦، والمغني ٣ / ٤٤.
(٢) الشرح الكبير والدسوقي ١ / ٤٨٤.
أَحْمَدَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ - أَنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ زَكَوِيٌّ وَمَالٌ غَيْرُ زَكَوِيٍّ فَائِضٌ عَنْ حَاجَتِهِ الأَْسَاسِيَّةِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَهُ أَنْ يَجْعَل فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ الْمَال الزَّكَوِيَّ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ نِصَابٌ فَأَكْثَرُ زَكَّاهُ وَإِلاَّ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ، قَالُوا: لأَِنَّ غَيْرَ مَال الزَّكَاةِ يُسْتَحَقُّ لِلْحَوَائِجِ، وَمَال الزَّكَاةِ فَاضِلٌ عَنْهَا، فَكَانَ الصَّرْفُ إِلَيْهِ أَيْسَرَ، وَأَنْظَرَ بِأَرْبَابِ الأَْمْوَال.
قَالُوا: وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالاَنِ زَكَوِيَّانِ مِنْ جِنْسَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ لَهُ أَنْ يَجْعَل أَيًّا مِنْهُمَا أَوْ بَعْضَهُ فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ وَالْخِيَارُ لَهُ. فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ وَعُرُوضُ تِجَارَةٍ وَسَوَائِمُ يَصْرِفُ الدَّيْنَ لأَِيْسَرِهَا قَضَاءً، وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ نِصَابُ بَقَرٍ وَنِصَابُ إِبِلٍ وَعَلَيْهِ شَاةٌ دَيْنًا، جَازَ جَعْلُهَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ مِنَ الْبَقَرِ لِئَلاَّ يَجِبَ عَلَيْهِ التَّبِيعُ؛ لأَِنَّ التَّبِيعَ فَوْقَ الشَّاةِ (١) .
زَكَاةُ الْمَال الْحَرَامِ:
٣٧ - الْمَال الْحَرَامُ كَالْمَأْخُوذِ غَصْبًا أَوْ سَرِقَةً أَوْ رِشْوَةً أَوْ رِبًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لَيْسَ مَمْلُوكًا لِمَنْ هُوَ بِيَدِهِ، فَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ؛ لأَِنَّ الزَّكَاةَ تَمْلِيكٌ، وَغَيْرُ الْمَالِكِ لاَ يَكُونُ مِنْهُ تَمْلِيكٌ؛ وَلأَِنَّ الزَّكَاةَ تُطَهِّرُ الْمُزَكِّيَ وَتُطَهِّرُ الْمَال الْمُزَكَّى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢) وَقَال
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٨، والمغني ٣ / ٤٤، والفروع ٢ / ٣٣٢، وشرح المنتهى ١ / ٣٨٥.
(٢) سورة التوبة / ١٠٣.
النَّبِيُّ ﷺ: لاَ يَقْبَل اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ (١) .
وَالْمَال الْحَرَامُ كُلُّهُ خَبَثٌ لاَ يَطْهُرُ، وَالْوَاجِبُ فِي الْمَال الْحَرَامِ رَدُّهُ إِلَى أَصْحَابِهِ إِنْ أَمْكَنَ مَعْرِفَتُهُمْ وَإِلاَّ وَجَبَ إِخْرَاجُهُ كُلِّهِ عَنْ مِلْكِهِ عَلَى سَبِيل التَّخَلُّصِ مِنْهُ لاَ عَلَى سَبِيل التَّصَدُّقِ بِهِ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ كَانَ الْمَال الْخَبِيثُ نِصَابًا لاَ يَلْزَمُ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ الزَّكَاةُ؛ لأَِنَّهُ يَجِبُ إِخْرَاجُهُ كُلِّهِ فَلاَ يُفِيدُ إِيجَابَ التَّصَدُّقِ بِبَعْضِهِ.
وَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ لِلدَّرْدِيرِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى مَالِكِ النِّصَابِ فَلاَ تَجِبُ عَلَى غَيْرِ مَالِكٍ كَغَاصِبٍ وَمُودَعٍ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الْغَزَالِيِّ وَأَقَرَّهُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ إِلاَّ مَالٌ حَرَامٌ مَحْضٌ فَلاَ حَجَّ عَلَيْهِ وَلاَ زَكَاةَ، وَلاَ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ مَالِيَّةٌ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: التَّصَرُّفَاتُ الْحُكْمِيَّةُ لِلْغَاصِبِ فِي الْمَال الْمَغْصُوبِ تَحْرُمُ وَلاَ تَصِحُّ، وَذَلِكَ كَالْوُضُوءِ مِنْ مَاءٍ مَغْصُوبٍ وَالصَّلاَةِ بِثَوْبٍ مَغْصُوبٍ أَوْ فِي مَكَانٍ مَغْصُوبٍ، وَكَإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْمَال الْمَغْصُوبِ، وَالْحَجِّ مِنْهُ، وَالْعُقُودِ الْوَارِدَةِ عَلَيْهِ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ (٢) .
_________
(١) حديث: " لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غُلول ". أخرجه مسلم (١ / ٢٠٤ - ط الحلبي) من حديث ابن عمر.
(٢) ابن عابدين ٢ / ٢٥، والشرح الصغير للدردير ١ / ٢٠٦، والمجموع للنووي ٩ / ٣٥٣، وكشاف القناع ٤ / ١١٥.
وَعَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْمَال الْمَغْصُوبَ يَدْخُل فِي مِلْكِ الْغَاصِبِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَأَنِ اخْتَلَطَ بِمَالِهِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ لِلْغَاصِبِ مَالًا زَكَوِيًّا، إِلاَّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الدَّيْنُ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ، وَالْغَاصِبُ مَدِينٌ بِمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فِيهِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: مَنْ مَلَكَ أَمْوَالًا غَيْرَ طَيِّبَةٍ أَوْ غَصَبَ أَمْوَالًا وَخَلَطَهَا، مَلَكَهَا بِالْخَلْطِ وَيَصِيرُ ضَامِنًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَاهَا نِصَابٌ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا وَإِنْ بَلَغَتْ نِصَابًا لأَِنَّهُ مَدْيُونٌ وَأَمْوَال الْمَدِينِ لاَ تَنْعَقِدُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَوُجُوبُ الزَّكَاةِ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا كَانَ لَهُ نِصَابٌ سِوَاهَا، وَلاَ يَخْفَى أَنَّ الزَّكَاةَ حِينَئِذٍ إِنَّمَا تَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا لاَ فِيهَا (١) .
ثُمَّ إِنَّ الْمَال الْمَغْصُوبَ الَّذِي لاَ يَقْدِرُ صَاحِبُهُ عَلَى أَخْذِهِ لاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَمَتَى قَدَرَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ فَقِيل: لَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ لِمَا مَضَى مِنَ السِّنِينَ لأَِنَّهُ كَانَ مَحْجُوزًا عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى اسْتِنْمَائِهِ (تَنْمِيَتِهِ) فَكَانَ مِلْكُهُ نَاقِصًا، وَقِيل: عَلَيْهِ زَكَاتُهُ لِمَا مَضَى، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَدِيدِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُخْرِجُ زَكَاتَهُ وَيَعُودُ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مِنْ بَابِ تَزْكِيَةِ الْغَاصِبِ لِلْمَال الْحَرَامِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لأَِنَّهُ نَقْصٌ حَصَل فِي الْمَال وَهُوَ بِيَدِ الْغَاصِبِ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ. (٢)
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٢٥، ٢٦.
(٢) المجموع ٥ / ٣٤١، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٣٦٥.
الْقِسْمُ الثَّانِي
الأَْصْنَافُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ وَأَنْصِبَتُهَا
وَمَقَادِيرُ الزَّكَاةِ فِي كُلٍّ مِنْهَا
أَوَّلًا: زَكَاةُ الْحَيَوَانِ:
٣٨ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْبِل وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ هِيَ مِنَ الأَْصْنَافِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمُ فِي مَسْأَلَةِ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لِلزَّكَاةِ، وَفِي الْخَيْل خِلاَفٌ، وَأَمَّا الْبِغَال وَالْحَمِيرُ وَغَيْرُهَا مِنْ أَصْنَافِ الْحَيَوَانِ فَلَيْسَ فِيهَا زَكَاةٌ مَا لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ (١) .
شُرُوطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَيَوَانِ:
يُشْتَرَطُ فِي الْمَاشِيَةِ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا تَمَامُ الْحَوْل، وَكَوْنُهَا نِصَابًا فَأَكْثَرَ، بِالإِْضَافَةِ إِلَى سَائِرِ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمِ بَيَانُهَا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الأَْمْوَال عَامَّةً عَلَى التَّفْصِيل الْمُتَقَدِّمِ.
وَيُشْتَرَطُ هُنَا شَرْطَانِ آخَرَانِ:
٣٩ - الأَْوَّل: السَّوْمُ: وَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ غِذَاؤُهَا عَلَى الرَّعْيِ مِنْ نَبَاتِ الْبَرِّ، فَلَوْ كَانَتْ مَعْلُوفَةً لَمْ تَجِبْ فِيهَا الزَّكَاةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ فِي الْمَعْلُوفَةِ تَتَرَاكَمُ الْمَئُونَةُ، فَيَنْعَدِمُ النَّمَاءُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا فِي حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ
_________
(١) الهداية على البداية مع فتح القدير ١ / ٥٠٤.