الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢ الصفحة 59

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢

فَقَال: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَال لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُل وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ. (١)

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (خِدْمَة) .

الرِّفْقُ بِالْحَيَوَانِ:

١٠ - مِمَّا وَرَدَ فِي الرِّفْقِ بِالْحَيَوَانَاتِ النَّهْيُ عَنْ صَبْرِهَا وَتَعْذِيبِهَا، وَبَيَانُ فَضْل سَاقِيهَا وَالإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنَ الأَْنْعَامِ أَمْ مِنْ غَيْرِهَا. فَمِمَّا وَرَدَ فِي النَّهْيِ عَنْ صَبْرِ الْبَهَائِمِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ مَرَّ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْرًا وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُل خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا، فَقَال ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَل هَذَا؟ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَعَل هَذَا، إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا (٢) . وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ

_________

(١) حديث أبي ذر: " إني ساببت رجلًا. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٨٤ - ط السلفية) . وانظر فتح الباري ٥ - ١٧٤ ط. الرياض.

(٢) ٢) حديث ابن عمر: " مر بفتيان من قريش. . . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٥٥٠ - ط الحلبي) .

يُقْتَل شَيْءٌ مِنَ الدَّوَابِّ صَبْرًا (١) .

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا (٢) . وَمَعْنَى صَبْرِ الْبَهَائِمِ كَمَا قَال الْعُلَمَاءُ أَنْ تُحْبَسَ وَهِيَ حَيَّةٌ لِتُقْتَل بِالرَّمْيِ وَنَحْوِهِ وَهُوَ مَعْنَى لاَ تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا، أَيْ لاَ تَتَّخِذُوا الْحَيَوَانَ غَرَضًا تَرْمُونَ إِلَيْهِ كَالْغَرَضِ (أَيِ الْهَدَفِ) مِنَ الْجُلُودِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ وَلِهَذَا قَال ﷺ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَعَل هَذَا؛ وَلأَِنَّهُ تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ، وَتَضْيِيعٌ لِمَالِيَّتِهِ، وَتَفْوِيتٌ لِذَكَاتِهِ إِنْ كَانَ مُذَكًّى، وَلِمَنْفَعَتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُذَكًّى (٣) . حَتَّى مَا يُذْبَحُ مِنَ الْحَيَوَانِ لأَِكْلِهِ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالرِّفْقِ بِهِ، بِإِحْدَادِ الشَّفْرَةِ وَإِرَاحَةِ الذَّبِيحَةِ. قَال ﷺ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِْحْسَانَ عَلَى كُل شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ (٤) .

وَمِمَّا وَرَدَ فِي فَضْل مَنْ سَقَى حَيَوَانًا رِفْقًا بِهِ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

_________

(١) حديث جابر: " نهى أن يقتل شيء من الدواب صبرًا. . . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٥٥٠ ط الحلبي) .

(٢) حديث ابن عباس: " لا تتخذوا شيئًا فيه الروح غرضًا. . . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٥٤٩ ط الحلبي) .

(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ١٣ / ١٠٧ - ١٠٨ ط - الأولى.

(٤) حديث: " إن الله كتب الإحسان. . . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٥٤٨ - ط الحلبي) من حديث شداد بن أوس.

﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَل فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُل الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَال الرَّجُل: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِنَ الْعَطَشِ مِثْل الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي، فَنَزَل الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهَ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ فَقَال: فِي كُل ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ (١) .

وَأَمَّا النَّفَقَةُ عَلَى الْحَيَوَانِ رِفْقًا وَرَحْمَةً بِهِ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الإِْنْفَاقِ عَلَى الْمَمْلُوكِ مِنْهُ دِيَانَةً، وَاخْتَلَفُوا فِي الإِْجْبَارِ عَلَيْهَا وَالْقَضَاءِ بِهَا عَلَى مَنْ عِنْدَهُ بَهِيمَةٌ لاَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ جَمِيعًا عَلَى وُجُوبِهَا وَلُزُومِهَا عَلَيْهِ، فَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّ الْجَبْرَ عَلَى الْحَقِّ يَكُونُ عِنْدَ الطَّلَبِ وَالْخُصُومَةِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلاَ خَصْمَ، فَلاَ يُجْبَرُ، وَلَكِنْ تَجِبُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّ فِي تَرْكِهِ جَائِعًا تَعْذِيبَ الْحَيَوَانِ بِلاَ فَائِدَةٍ وَتَضْيِيعَ الْمَال، وَقَدْ نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ وَلأَِنَّهُ سَفَهٌ لِخُلُوِّهِ عَنِ الْعَاقِبَةِ الْحَمِيدَةِ، وَالسَّفَهُ حَرَامٌ عَقْلًا (٢) .

_________

(١) حديث: " بينما رجل يمشي بطريق. . . . . . . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٤٣٨ - ط السلفية) .

(٢) بدائع الصنائع ٤ / ٤٠ ط. الجمالية، ابن عابدين ٢ / ٦٨٨ - ٦٨٩ - ط. بولاق، فتح القدير ٣ / ٣٥٥ - ٣٥٦ ط. الأميرية، الاختيار ٤ / ١٤ ط. المعرفة، الفتاوى الهندية ١ / ٥٧٣ - ٥٧٤ ط. المكتبة الإسلامية.

وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ نَفَقَةَ الدَّابَّةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَرْعًى وَاجِبَةٌ، وَيَقْضِي بِهَا، لأَِنَّ تَرْكَهُ مُنْكَرٌ، وَإِزَالَتُهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ بِهِ، خِلاَفًا لِقَوْل ابْنِ رُشْدٍ يُؤْمَرُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ، وَدَخَل فِي الدَّابَّةِ هِرَّةٌ عَمِيَتْ فَتَجِبُ نَفَقَتُهَا عَلَى مَنِ انْقَطَعَتْ عِنْدَهُ حَيْثُ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى الاِنْصِرَافِ، فَإِنْ قَدَرَتْ عَلَيْهِ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا؛ لأَِنَّ لَهُ طَرْدَهَا (١) .

وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ مَنْ مَلَكَ دَابَّةً لَزِمَهُ عَلَفُهَا وَسَقْيُهَا، وَيَقُومُ مَقَامَ الْعَلَفِ وَالسَّقْيِ تَخْلِيَتُهَا لِتَرْعَى وَتَرِدَ الْمَاءَ، إِنْ كَانَتْ مِمَّا يَرْعَى وَيَكْتَفِي بِهِ لِخِصْبِ الأَْرْضِ وَنَحْوِهِ وَلَمْ يَكُنْ مَانِعُ ثَلْجٍ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ أَجْدَبَتِ الأَْرْضُ وَلَمْ يَكْفِهَا الرَّعْيُ لَزِمَهُ أَنْ يُضِيفَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَلَفِ مَا يَكْفِيهَا، وَيَطَّرِدُ هَذَا فِي كُل حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ (يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ)، وَإِذَا امْتَنَعَ الْمَالِكُ مِنْ ذَلِكَ أَجْبَرَهُ السُّلْطَانُ فِي الْمَأْكُولَةِ عَلَى بَيْعِهَا أَوْ صِيَانَتِهَا عَنِ الْهَلاَكِ بِالْعَلَفِ أَوِ التَّخْلِيَةِ لِلرَّعْيِ أَوْ ذَبْحِهَا. وَفِي غَيْرِ الْمَأْكُولَةِ عَلَى الْبَيْعِ أَوِ

_________

(١) حاشية الدسوقي ٢ / ٥٢٢ ط. الفكر، جواهر الإكليل ١ / ٤٠٧ط. المعرفة، الخرشي ٤ / ٢٠١ - ٢٠٢ ط. بولاق، الزرقاني ٤ / ٢٥٨ - ٢٥٩ ط. الفكر، التاج والإكليل مع مواهب الجليل ٤ / ٢٠٦ - ٢٠٧ ط. النجاح.

الصِّيَانَةِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَل نَابَ الْحَاكِمُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا يَرَاهُ وَيَقْتَضِيهِ الْحَال، وَعَنِ ابْنِ الْقَطَّانِ أَنَّهُ لاَ يُخَلِّيهَا لِخَوْفِ الذِّئْبِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ بَاعَ الْحَاكِمُ الدَّابَّةَ أَوْ جُزْءًا مِنْهَا أَوْ أَكْرَاهَا، فَإِنْ لَمْ يَرْغَبْ فِيهَا لِعَمًى أَوْ زَمَانَةٍ (مَرَضٌ مُزْمِنٌ) أَنْفَقَ عَلَيْهَا بَيْتُ الْمَال (١) .

وَقَوْل الْحَنَابِلَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَقَوْل الشَّافِعِيَّةِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْكَافِي أَنَّ مَنْ مَلَكَ بَهِيمَةً لَزِمَهُ الْقِيَامُ بِعَلَفِهَا لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلاَ هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُل مِنْ خَشَاشِ الأَْرْضِ (٢) . فَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا، فَإِنْ أَبَى أُكْرِيَتْ وَأُنْفِقَ عَلَيْهَا، فَإِنْ أَمْكَنَ وَإِلاَّ بِيعَتْ، كَمَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ إِذَا أَعْسَرَ بِنَفَقَتِهَا (٣) .

وَتَذْكُرُ كُتُبُ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى مَالِكِ الدَّابَّةِ أَنْ يُحَمِّلَهَا مَا لاَ تُطِيقُ حَمْلَهُ؛ لأَِنَّ

_________

(١) روضة الطالبين ٩ / ١٢٠ ط. المكتب الإسلامي، حاشية القليوبي ٤ / ٩٤ ط. الحلبي، نهاية المحتاج ٧ / ٢٢٩ - ٢٣١ - ط. المكتبة الإسلامية، الشرواني ٨ / ٣٧٠ - ٣٧٤ ط. دار صادر، الجمل على المنهج ٤ / ٥٢٧ - ٥٢٩ ط. التراث، المهذب ٢ / ١٦٩ - ١٧٠ط. الحلبي.

(٢) حديث: " عذبت امرأة في هرة. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٥١٥ - ط السلفية)، ومسلم (٤ / ٢٠٢٢ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم.

(٣) الكافي ٣ / ٣٩٠ ط. المكتب الإسلامي.

الشَّارِعَ مَنَعَ تَكْلِيفَ الإِْنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ مَا لاَ يُطِيقُ؛ وَلأَِنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لِلْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ حُرْمَةٌ فِي نَفْسِهِ وَإِضْرَارًا بِهِ. وَيَحْرُمُ أَنْ يَحْلُبَ مِنْ لَبَنِهَا مَا يَضُرُّ بِوَلَدِهَا؛ لأَِنَّ كِفَايَتَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى مَالِكِهِ، وَسُنَّ لِلْحَالِبِ أَنْ يَقُصَّ أَظْفَارَهُ لِئَلاَّ يَجْرَحَ الضَّرْعَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي هَذَا الْبَابِ (١) .

_________

(١) كشاف القناع ٥ / ٤٩٣ - ٩٥ ط. النصر، الإنصاف ٩ / ٤١٤ - ٤١٥ ط. التراث، القواعد لابن رجب ٣٢ ق ٢٣، ص ١٣٨ ق ٧٥، المبدع ٨ / ٢٢٨ - ٢٢٩ ط. المكتب الإسلامي، المغني ٧ / ٦٣٤ - ٦٣٥ ط. الرياض.

رُفْقَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الرُّفْقَةُ فِي اللُّغَةِ: الصُّحْبَةُ، وَالرُّفْقَةُ أَيْضًا اسْمُ جَمْعٍ وَمُفْرَدُهُ رَفِيقٌ، وَالْجَمْعُ مِنْهُ رِفَاقٌ وَرُفَقَاءُ، وَهُمُ الْجَمَاعَةُ الَّتِي تُرَافِقُ الرَّجُل فِي السَّفَرِ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ الشَّرْعِيِّ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الصَّحْبُ:

٢ - الصَّحْبُ اسْمُ جَمْعٍ لِصَاحِبٍ، وَهُوَ مِنْ صَحِبَهُ أَصْحَبُهُ صُحْبَةً، وَالأَْصْل فِي هَذَا الإِْطْلاَقِ لِمَنْ حَصَل لَهُ رَوِيَّةٌ وَمُجَالَسَةٌ (٢) .

ب - الرَّكْبُ:

٣ - الرَّكْبُ فِي الأَْصْل: جَمَاعَةُ رُكْبَانِ الإِْبِل فِي السَّفَرِ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ وَأُطْلِقَ عَلَى رُكْبَانِ أَيِّ وَسِيلَةٍ مِنْ وَسَائِل السَّفَرِ (٣) .

_________

(١) تاج العروس.

(٢) المصباح المنير.

(٣) تاج العروس ولسان العرب والمصباح المنير.

ج - النَّفَرُ:

٤ - النَّفَرُ وَالنَّفِيرُ فِي اللُّغَةِ: الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ. وَالْجَمْعُ أَنْفَارٌ. وَيُطْلَقُ عَلَى عَشِيرَةِ الرَّجُل وَقَوْمِهِ، قَال الْفَرَّاءُ: نَفَرُ الرَّجُل رَهْطُهُ (١) ".

د - الرَّهْطُ:

٥ - الرَّهْطُ فِي اللُّغَةِ: قَوْمُ الرَّجُل وَعَشِيرَتُهُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ (٢)﴾ وَيُطْلَقُ عَلَى الْجَمَاعَةِ مِنَ الرِّجَال مِنْ ثَلاَثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ كَالنَّفَرِ (٣) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٦ - يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُسَافِرُ أَنْ يُسَافِرَ مَعَ رُفْقَةٍ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُسَافِرَ الرَّجُل مُنْفَرِدًا، وَلاَ تُزَال الْكَرَاهَةُ إِلاَّ بِثَلاَثَةٍ (٤)، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوِحْدَةِ مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ (٥) وَلِخَبَرِ: الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلاَثَةُ رَكْبٌ (٦) فَيَنْبَغِي أَنْ يَسِيرَ مَعَ النَّاسِ

_________

(١) تاج العروس ولسان العرب والمصباح المنير.

(٢) سورة هود / ١٩.

(٣) لسان العرب والمصباح المنير وتاج العروس.

(٤) المجموع ٤ / ٣٨٩.

(٥) حديث: " لو يعلم الناس ما في الوحدة " أخرجه البخاري الفتح (٦ / ١٣٨ - ط السلفية)

(٦) حديث: " الراكب شيطان " أخرجه الترمذي (٤ / ١٩٣ - ط الحلبي) . وقال: " حديث حسن ".

وَلاَ يَنْفَرِدَ بِطَرِيقٍ، وَلاَ يَرْكَبَ اثْنَانِ الطَّرِيقَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الرُّفْقَةُ مِنْ أَهْل الصَّلاَحِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ الْخَيْرَ وَيَكْرَهُونَ الشَّرَّ، يُذَكِّرُونَهُ إِنْ نَسِيَ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانُوهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الرُّفْقَةُ مِنَ الأَْصْدِقَاءِ وَالأَْقَارِبِ الْمَوْثُوقِينَ، لأَِنَّهُمْ أَعْوَنُ لَهُ فِي مُهِمَّاتِهِ، وَأَرْفَقُ بِهِ فِي أُمُورِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ عَلَى إِرْضَاءِ رُفَقَائِهِ فِي جَمِيعِ طَرِيقِهِ، وَأَنْ يَحْتَمِل مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ مِنْ هَفَوَاتٍ، وَيَصْبِرَ عَلَى مَا يَقَعُ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ الأَْوْقَاتِ (١) .

٧ - وَيَنْبَغِي لِلرُّفْقَةِ أَنْ يُؤَمِّرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَفْضَلَهُمْ، وَأَجْوَدَهُمْ رَأْيًا، وَأَنْ يُطِيعُوهُ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالاَ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا خَرَجَ ثَلاَثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ (٢) قَال النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ لِلرُّفْقَةِ أَلاَّ يَشْتَرِكُوا فِي الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَالنَّفَقَةِ، لأَِنَّ تَرْكَ الْمُشَارَكَةِ أَسْلَمُ مِنْهُ، لأَِنَّهُ يَمْتَنِعُ بِسَبَبِهَا مِنَ التَّصَرُّفِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ مِنَ الصَّدَاقَةِ، وَغَيْرِهَا، وَلَوْ أَذِنَ شَرِيكُهُ لَمْ يُوثَقْ بِاسْتِمْرَارِهِ، فَإِنْ شَارَكَ جَازَ، وَاسْتُحِبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَا دُونَ حَقِّهِ؛ وَلأَِنَّهُ رُبَّمَا أَفْضَى إِلَى النِّزَاعِ.

أَمَّا اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى طَعَامٍ يَوْمًا بِيَوْمٍ، أَوْ يَأْكُلُوا

_________

(١) المجموع ٤ / ٣٩١.

(٢) حديث: " إذا خرج ثلاثة في سفر " أخرجه أبو داود (٣ / ٨١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وحسنه النووي في رياض الصالحين (ص ٣٧٦ - ط المكتب الإسلامي) .

كُل يَوْمٍ عِنْدَ أَحَدِهِمْ تَنَاوُبًا فَحَسَنٌ (١) .

فَقَدْ رُوِيَ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّا نَأْكُل وَلاَ نَشْبَعُ، فَقَال ﵊: فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ، قَالُوا: نَعَمْ. قَال: فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ يُبَارِكْ لَكُمْ فِيهِ (٢) .

اشْتِرَاطُ وُجُودِ رُفْقَةٍ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ:

٨ - يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ وُجُودُ رُفْقَةٍ يَخْرُجُ مَعَهُمْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي جَرَتْ عَادَةُ بَلَدِهِ بِالْخُرُوجِ فِيهِ، إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا، وَأَنْ يَسِيرُوا السَّيْرَ الْمُعْتَادَ، فَإِنْ خَرَجُوا قَبْل الْوَقْتِ الْمُعْتَادِ، أَوْ أَخَّرُوا الْخُرُوجَ بِحَيْثُ لاَ يَصِلُونَ إِلَى مَكَّةَ إِلاَّ بِالسَّيْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ مَرْحَلَةٍ فِي كُل يَوْمٍ، أَوْ كَانُوا يَسِيرُونَ فَوْقَ الْعَادَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ، أَمَّا إِنْ كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا بِحَيْثُ لاَ يَخَافُ الْوَاحِدُ فِيهِ لَزِمَهُ الْحَجُّ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ رُفْقَةً وَلاَ غَيْرَهُ لِلْوَحْشَةِ. وَالتَّفْصِيل فِي (حَجّ) .

هَذَا فِي حَقِّ الرَّجُل.

٩ - أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ وَلاَ يَجُوزُ لَهَا

_________

(١) كشاف القناع ٢ / ٣٨٧، المجموع للنووي ٤ / ٣٨٦، وانظر القوانين الفقهية ص ٢٩٠

(٢) حديث: " فلعلكم تفترقون. . . . " أخرجه أبو داود (٤ / ١٣٨ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وأعله ابن حجر كما في فيض القدير للمناوي (١ / ١٥٢ - ط. المكتبة التجارية) .