الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢
فَأَجَازَ أَكْل الطَّعَامِ قَبْل الْقَسْمِ لِمَنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا يَرْجِعُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ (١) .
حَيْثُ قَال بَعْدَ ذِكْرِهِ: وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ وَلاَ أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهِ " إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمَجْلِسَ مَجْهُول الْمُدَّةِ، وَلَوْ شَرَطَ أَحَدٌ الْخِيَارَ مُدَّةً مَجْهُولَةً لَبَطَل إِجْمَاعًا، فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِالشَّرْعِ حُكْمٌ لاَ يَجُوزُ شَرْطًا بِالشَّرْعِ؟ فَقَدْ رَجَعَ إِلَى أَصْلٍ إِجْمَاعِيٍّ، وَأَيْضًا فَإِنَّ قَاعِدَةَ الضَّرَرِ وَالْجَهَالَةِ قَطْعِيَّةٌ، وَهِيَ تُعَارِضُ هَذَا الْحَدِيثَ الظَّنِّيَّ (٢) .
قَوَاعِدُ الأَْدِلَّةِ الأُْصُولِيَّةِ وَالْقَوَاعِدُ الْفِقْهِيَّةُ الْمُرَاعَى فِيهَا رَفْعُ الْحَرَجِ:
١٣ - لَمَّا كَانَ رَفْعُ الْحَرَجِ مَقْصِدًا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَأَصْلًا مِنْ أُصُولِهَا، فَقَدْ ظَهَرَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَْدِلَّةِ الأُْصُولِيَّةِ وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ.
فَمِنَ الأَْدِلَّةِ الأُْصُولِيَّةِ الْمُرَاعَى فِيهَا رَفْعُ الْحَرَجِ الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ. قَال الشَّاطِبِيُّ: إِنَّ حَاصِل الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ يَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ أَمْرٍ ضَرُورِيٍّ،
_________
(١) حديث خيار المجلس نصه: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٣٢٨ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١١٦٤ - ط الحلبي) من حديث حكيم بن حزام.
(٢) الموافقات ٣ / ١٧ وما بعدها، المبسوط للسرخسي ٤ / ١٠٥ دار المعرفة الطبعة الثانية، الأشباه والنظائر لابن نجيم ٨٣ دار مكتبة الهلال ١٩٨٠ م
وَرَفْعِ حَرَجٍ لاَزِمٍ فِي الدِّينِ (١) .
وَكَذَا الاِسْتِحْسَانُ، قَال السَّرْخَسِيُّ: كَانَ شَيْخُنَا الإِْمَامُ يَقُول: الاِسْتِحْسَانُ تَرْكُ الْقِيَاسِ وَالأَْخْذُ بِمَا هُوَ أَوْفَقُ لِلنَّاسِ، وَقِيل: الاِسْتِحْسَانُ طَلَبُ السُّهُولَةِ فِي الأَْحْكَامِ فِيمَا يُبْتَلَى فِيهِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، وَقِيل: الأَْخْذُ بِالسِّعَةِ وَابْتِغَاءُ الدَّعَةِ، ثُمَّ قَال: وَحَاصِل هَذِهِ الْعِبَارَاتِ أَنَّهُ تَرْكُ الْعُسْرِ لِلْيُسْرِ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي الدِّينِ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) . وَقَال ﷺ لِعَلِيٍّ وَمُعَاذٍ ﵄ حِينَ وَجَّهَهُمَا إِلَى الْيَمَنِ: يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا (٣) .
وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ فِي ذَلِكَ قَاعِدَةُ: الْمَشَقَّةُ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ. وَقَال الْعُلَمَاءُ: يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ جَمِيعُ رُخَصِ الشَّرْعِ وَتَخْفِيفَاتِهِ. وَبِمَعْنَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَوْل الشَّافِعِيِّ: إِذَا ضَاقَ الأَْمْرُ اتَّسَعَ. قَال ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: وُضِعَتِ الأَْشْيَاءُ فِي الأُْصُول عَلَى أَنَّهَا إِذَا ضَاقَتِ اتَّسَعَتْ، وَإِذَا اتَّسَعَتْ ضَاقَتْ.
وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الرُّخَصُ، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ لِدَفْعِ الْحَرَجِ وَنَفْيِهِ عَنِ الأُْمَّةِ.
_________
(١) الاعتصام ٢ / ١١٤ المكتبة التجارية.
(٢) سورة البقرة / ١٨٥.
(٣) حديث: " يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٥٢٤ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٣٥٩ - ط الحلبي) من حديث أبي موسى الأشعري.
وَكَذَا قَاعِدَةُ الضَّرَرُ يُزَال، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ مِنْ قَوَاعِدَ، كَالضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ وَالْحَاجَةُ تَنْزِل مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ.
وَمِنَ الأُْمُورِ الَّتِي تَنْفِي الْحَرَجَ النَّفْسِيَّ لَدَى الْمُذْنِبِ التَّوْبَةُ، وَالإِْسْلاَمُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَالْكَفَّارَاتُ بِأَنْوَاعِهَا الْمُخْتَلِفَةِ، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) إِنَّمَا ذَلِكَ سِعَةُ الإِْسْلاَمِ مَا جَعَل اللَّهُ مِنَ التَّوْبَةِ وَالْكَفَّارَاتِ (٢) .
_________
(١) سورة الحج / ٧٨.
(٢) المبسوط ١٠ / ١٤٥، الأشباه والنظائر للسيوطي ٧٦ وما بعدها و٨٣ وما بعدها، دار الكتب العلمية ١٩٨٣ م، والأشباه والنظائر لابن نجيم ٧٥ و٨٥ وما بعدها، دار الهلال ١٩٨٠ م. والموافقات ٢ / ١٥٨ المكتبة التجارية الكبرى.
رِفْقٌ
التَّعْرِيفُ
١ - الرِّفْقُ فِي اللُّغَةِ: لِينُ الْجَانِبِ، وَلَطَافَةُ الْفِعْل، وَإِحْكَامُ الْعَمَل، وَالْقَصْدُ فِي السَّيْرِ (١) .
وَالرِّفْقُ يُرَادِفُهُ الرَّحْمَةُ، وَالشَّفَقَةُ، وَاللُّطْفُ، وَالْعَطْفُ، وَيُقَابِلُهُ الشِّدَّةُ، وَالْعُنْفُ، وَالْقَسْوَةُ وَالْفَظَاظَةُ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلرِّفْقِ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (٢) .
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - حُكْمُ الرِّفْقِ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ الاِسْتِحْبَابُ، فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ فِي كُل شَيْءٍ (٣)، لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَْمْرِ كُلِّهِ (٤) .
_________
(١) الصحاح واللسان والمصباح مادة: (رفق)، المغرب وأساس البلاغة مادة: (رفق) .
(٢) فتح الباري ١٠ / ٤٤٩ ط الرياض.
(٣) فتح الباري ١٠ / ٤٤٩ ط الرياض.
(٤) حديث: " إن الله يحب الرفق في الأمر كله " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٤٤٩ - ط السلفية) .
وَلِقَوْلِهِ ﷺ أَيْضًا: إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لاَ يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ (١) . وَلِقَوْلِهِ: إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ (٢) .
وَلِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ. (٣) وَلِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ يُحْرَمُ الرِّفْقَ يُحْرَمُ الْخَيْرَ. (٤) وَقَدْ يَخْرُجُ عَنِ الاِسْتِحْبَابِ كَالرِّفْقِ بِالْوَالِدَيْنِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ، وَالرِّفْقِ بِالْكُفَّارِ الْحَرْبِيِّينَ فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٥) .
وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ الرِّفْقَ فِي عَدَدٍ مِنَ الْمَسَائِل.
رِفْقُ اللَّهِ ﷾ بِالْمُكَلَّفِينَ:
٣ - يَتَّضِحُ رِفْقُ اللَّهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ الْمُكَلَّفِينَ فِيمَا
_________
(١) حديث: " إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف " أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٠ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
(٢) حديث: " إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه " أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٠٤ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
(٣) حديث: " من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير ". أخرجه الترمذي (٤ ٣٦٧ - ط الحلبي) من حديث أبي الدرداء، وقال: " حديث حسن صحيح "
(٤) حديث: " من يحرم الرفق يحرم الخير " أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٠٣ - ط الحلبي) من حديث جرير بن عبد الله.
(٥) سورة الفتح / ٢٩.
شَرَعَهُ لَهُمْ مِنَ الأَْحْكَامِ، فَإِنَّهُ ﷾ لَمْ يُكَلِّفْهُمْ إِلاَّ بِمَا يَدْخُل تَحْتَ قُدْرَتِهِمْ وَطَاقَتِهِمْ بِلاَ مَشَقَّةٍ، فَقَدْ أَمَرَهُمْ بِالصَّلاَةِ وَبِصَوْمِ رَمَضَانَ إِلاَّ أَنَّهُ شَرَعَ لَهُمُ الرُّخَصَ الَّتِي تُخَفِّفُ عَنْهُمُ الْمَشَقَّةَ الْحَاصِلَةَ مِنْ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ، فَرَخَّصَ لَهُمُ الْفِطْرَ وَالْقَصْرَ وَالْجَمْعَ فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ، وَأَبَاحَ لَهُمُ الْمَحْظُورَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إِنْ كَانَتْ تِلْكَ الضَّرُورَةُ مُسَاوِيَةً لِلْمَحْظُورِ أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهِ، كَإِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِبَادَاتِ إِلاَّ مَا هُوَ يَسِيرٌ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنَ النَّوَافِل مَا يُطِيقُونَ، وَأَلاَّ يَتَحَمَّلُوا مِنْهَا مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ زَائِدَةٌ عَلَيْهِمْ رِفْقًا بِهِمْ؛ لأَِنَّ تِلْكَ الْمَشَقَّةَ تُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى تِلْكَ الأَْعْمَال، وَقَدْ نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّنَطُّعِ وَالتَّكَلُّفِ وَقَال: خُذُوا مِنَ الأَْعْمَال مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَمَل حَتَّى تَمَلُّوا (١) . وَقَال أَيْضًا: الْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا (٢) فَإِنَّ الشَّارِعَ الْحَكِيمَ لَمْ يَقْصِدْ مِنَ التَّكَالِيفِ الَّتِي فَرَضَهَا عَلَى عِبَادِهِ الْعَنَتَ وَالْمَشَقَّةَ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ فِي مُصْطَلَحِ (تَيْسِير) (وَرُخْصَة) (وَرَفْعُ الْحَرَجِ) .
_________
(١) حديث: " خذوا من الأعمال ما تطيقون " أخرجه مسلم (٢ / ٨١١ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
(٢) حديث: " القصد القصدَ تبلغوا " أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٣٩٤ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
الرِّفْقُ بِالْوَالِدَيْنِ:
٤ - أَمَرَ اللَّهُ ﷾ بِالرِّفْقِ بِالْوَالِدَيْنِ وَالإِْحْسَانِ إِلَيْهِمَا وَبِرِّهِمَا فِي عَدَدٍ مِنَ الآْيَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل تَعَالَوْا أَتْلُو مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١) قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّل مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (بِرُّ الْوَالِدَيْنِ) .
الرِّفْقُ بِالْجَارِ:
٥ - أَمَرَ اللَّهُ ﷾ بِالرِّفْقِ بِالْجَارِ، وَالإِْحْسَانِ إِلَيْهِ، وَحِفْظِهِ وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ (٣) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (جِوَار (٤» .
رِفْقُ الإِْمَامِ بِالْمَأْمُومِينَ:
٦ - يُسَنُّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَرْفُقَ بِالْمَأْمُومِينَ وَذَلِكَ
_________
(١) سورة الأنعام / ١٥١.
(٢) سورة الإسراء ٢٣ - ٢٤، وانظر الموسوعة الفقهية ٨ / ٦٣.
(٣) سورة النساء / ٣٦.
(٤) الموسوعة الفقهية ١٦ / ٢١٦.
بِالتَّخْفِيفِ بِالْقِرَاءَةِ وَالأَْذْكَارِ، وَفِعْل الأَْبْعَاضِ وَالْهَيْئَاتِ، وَيَأْتِي بِأَدْنَى الْكَمَال مُرَاعَاةً لِلْمَرِيضِ وَالضَّعِيفِ وَصَاحِبِ الْحَاجَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِمَامَةُ الصَّلاَةِ (٢» .
الرِّفْقُ بِالْغَيْرِ وَتَجَنُّبُ إِيذَائِهِ فِي مَوَاطِنِ الاِزْدِحَامِ لِلْعِبَادَةِ:
٧ - مِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ اسْتِلاَمُ الْحَجَرِ وَتَقْبِيلُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، اكْتَفَى بِالإِْشَارَةِ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَوْ بِعُودٍ، وَعِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ يُقَبِّل مَا أَشَارَ بِهِ إِلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ، وَلاَ يُؤْذِي غَيْرَهُ لأَِجْل أَنْ يَصِل إِلَيْهِ وَيُقَبِّلَهُ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال لِعُمَرَ ﵁: يَا عُمَرُ: إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ لاَ تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِي الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلاَّ فَاسْتَقْبِلْهُ فَهَلِّل وَكَبِّرْ (٣) . وَهَذَا كُلُّهُ
_________
(١) حديث: " إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١٩٩ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
(٢) الموسوعة الفقهية ٦ / ٢١٣ ف ٢٧ - ٢٨
(٣) حديث: " يا عمر، إنك رجل قوي. . . . " أخرجه أحمد (١ / ٢٨ - ط الميمنية)، وقال الهيثمي في المجمع (٣ / ٢٤١ - ط القدسي) " رواه أحمد، وفيه راو لم يسم ".
مُسْتَحَبٌّ، وَمَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي بَحْثِ (الْحَجَرُ الأَْسْوَدُ) مِنَ الْمَوْسُوعَةِ ح ١٧ ١٠٧
الرِّفْقُ فِي تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ:
٨ - يَنْبَغِي لِمَنْ يَتَصَدَّى لِتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ أَنْ يَأْخُذَ نَفْسَهُ بِمَا يُحْمَدُ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَأَنْ يَتَحَلَّى بِمَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ حَتَّى يَكُونَ عَمَلُهُ مَقْبُولًا، وَقَوْلُهُ مَسْمُوعًا، قَال تَعَالَى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٢) .
وَمِنْ وَسَائِل تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ التَّعْرِيفُ بِاللُّطْفِ وَالرِّفْقِ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ. (٣)
وَخُصُوصًا مَعَ مَنْ يُخَافُ شَرُّهُ كَالظَّالِمِ الْمُتَسَلِّطِ (٤) . وَالْجَاهِل إِذَا لَمْ يَكُنْ مُعَانِدًا.
وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ بَوْل الأَْعْرَابِيِّ فِي
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٦٥ - ١٦٦ ط المصرية، جواهر الإكليل ١ / ٣٧٨ - ط المعرفة، روضة الطالبين ٣ / ٨٥ - ط. المكتب الإسلامي، كشاف القناع ٢ / ٤٥٨ ط. النصر، المغني ٣ / ٣٧١ ط. الرياض.
(٢) سورة آل عمران / ١٥٩.
(٣) حديث: " من رأى منكم منكرًا. . . " أخرجه مسلم (١ / ٦٩ - ط الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٤) الموسوعة الفقهية ٦ / ٢٥٠ فقرة ٥، ٧ / ٢٤٤ فقرة ١٩
الْمَسْجِدِ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَال فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَال لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ (١) . وَفِيهِ الرِّفْقُ بِالْجَاهِل وَتَعْلِيمُهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْنِيفٍ وَلاَ إِيذَاءٍ إِذَا لَمْ يَأْتِ بِالْمُخَالَفَةِ اسْتِخْفَافًا أَوْ عِنَادًا (٢) .
الرِّفْقُ بِالْخَدَمِ:
٩ - الرِّفْقُ بِالْخَدَمِ وَحُسْنُ مُعَامَلَتِهِمْ مِنَ الأُْمُورِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الرَّسُول ﷺ وَاَلَّتِي جَرَى عَلَيْهَا عَمَل الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، فَقَدْ أَمَرَ الرَّسُول ﷺ بِأَنْ نُحْسِنَ مُعَامَلَتَهُمْ، وَنَرْفُقَ بِهِمْ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ وَالْعَمَل، فَنُطْعِمَهُمْ مِنْ طَعَامِنَا وَنُلْبِسَهُمْ مِنْ لِبَاسِنَا وَلاَ نُكَلِّفَهُمْ بِالأَْعْمَال الَّتِي يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الْقِيَامُ بِهَا، فَإِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ فَعَلَيْنَا أَنْ نُعِينَهُمْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الْمَعْرُورِ قَال: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبْذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ، عَنْ ذَلِكَ
_________
(١) حديث: " أن أعرابيًا بال في المسجد. . . . . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٣٢٣ - ط السلفية) .
(٢) فتح الباري ١ / ٣٢٢ - ٣٢٥ ط. الرياض، صحيح مسلم بشرح النووي ٣ / ١٩٠ - ١٩١ ط. المصرية، تحفة الأحوذي ١ / ٤٥٧ - ٤٥٩ ط. المدني، سنن أبي داود ٣ / ٢٦٣ - ٢٦٥ ط. التركية، سنن ابن ماجه ١ / ١٧٥ - ١٧٦ ط. التركية.