الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢
رُطُوبَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الرُّطُوبَةُ لُغَةً: مَصْدَرُ رَطُبَ، تَقُول رَطُبَ الشَّيْءُ بِالضَّمِّ إِذَا نَدِيَ، وَهُوَ خِلاَفُ الْيَابِسِ الْجَافِّ، وَالرُّطُوبَةُ بِمَعْنَى الْبَلَل وَالنَّدَاوَةِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَى الرُّطُوبَةِ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ فَرَّقُوا فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الرُّطُوبَةِ وَالْبَلَل. قَال فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ:. . . لَوْ قَطَعَ بِالسَّيْفِ الْمُتَنَجِّسِ وَنَحْوِهِ بَعْدَ مَسْحِهِ قَبْل غَسْلِهِ فَمَا فِيهِ بَلَلٌ كَبِطِّيخٍ وَنَحْوِهِ نَجَّسَهُ لِمُلاَقَاةِ الْبَلَل لِلنَّجَاسَةِ، فَإِنْ كَانَ مَا قَطَعَهُ بِهِ رَطْبًا لاَ بَلَل فِيهِ كَجُبْنٍ وَنَحْوِهِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ كَمَا لَوْ قَطَعَ بِهِ يَابِسًا؛ لِعَدَمِ تَعَدِّي النَّجَاسَةِ إِلَيْهِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أ - رُطُوبَةُ فَرْجِ الْمَرْأَةِ:
٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي طَهَارَةِ رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ
_________
(١) القاموس المحيط، ولسان العرب، والمصباح المنير مادة: " رطب ".
(٢) كشاف القناع ١ / ١٨٤، ١٨٥
وَهِيَ مَاءٌ أَبْيَضُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْمَذْيِ وَالْعَرَقِ (١) .
فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى طَهَارَتِهَا، وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ رُطُوبَةَ الْوَلَدِ عِنْدَ الْوِلاَدَةِ طَاهِرَةٌ.
وَمَحَل الطَّهَارَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ دَمٌ، وَلَمْ يُخَالِطْ رُطُوبَةَ الْفَرْجِ مَذْيٌ أَوْ مَنِيٌّ مِنَ الرَّجُل، أَوِ الْمَرْأَةِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى نَجَاسَةِ رُطُوبَةِ الْفَرْجِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى نَجَاسَةِ رُطُوبَةِ الْفَرْجِ تَنْجِيسُ ذَكَرِ الْوَاطِئِ أَوْ مَا يَدْخُل مِنْ خِرْقَةٍ أَوْ أُصْبُعٍ.
وَقَسَّمَ الشَّافِعِيَّةُ رُطُوبَةَ الْفَرْجِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: طَاهِرَةٍ قَطْعًا، وَهِيَ مَا تَكُونُ فِي الْمَحَل الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدَ جُلُوسِ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْغُسْل وَالاِسْتِنْجَاءِ، وَنَجِسَةٍ قَطْعًا وَهِيَ الرُّطُوبَةُ الْخَارِجَةُ مِنْ بَاطِنِ الْفَرْجِ، وَهُوَ مَا وَرَاءَ ذَكَرِ الْمُجَامِعِ، وَطَاهِرَةٍ عَلَى الأَْصَحِّ وَهِيَ مَا يَصِلُهُ ذَكَرُ الْمُجَامِعِ (٢) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (فَرْج) .
ب - رُطُوبَةُ فَرْجِ الْحَيَوَانِ:
٣ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى طَهَارَةِ رُطُوبَةِ فَرْجِ
_________
(١) نهاية المحتاج ١ / ٢٢٩.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٢٣، حاشية الدسوقي ١ / ٥٧، مواهب الجليل ١ / ١٠٥)، نهاية المحتاج ١ / ٢٤٦، ٢٤٧، تحفة المحتاج مع حاشية الشرواني ١ / ٣١٥، ٣١٦، المطبعة الأميرية - الطبعة الأولى، مغني المحتاج ١ / ٨١، كشاف القناع ١ / ١٩٥، الفروع ١ / ٢٤٨.
الْحَيَوَانِ الطَّاهِرِ، وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى طَهَارَةِ رُطُوبَةِ السَّخْلَةِ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ أُمِّهَا وَكَذَا الْبَيْضَةُ، فَلاَ يَتَنَجَّسُ بِهَا الثَّوْبُ وَلاَ الْمَاءُ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ، وَإِنْ كَرِهُوا التَّوَضُّؤَ بِهِ لِلاِخْتِلاَفِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ رُطُوبَةُ الْفَرْجِ طَاهِرَةٌ مِنْ كُل حَيَوَانٍ طَاهِرٍ وَلَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ.
وَخَصَّ الْمَالِكِيَّةُ طَهَارَةَ رُطُوبَةِ فَرْجِ الْحَيَوَانِ بِالْمُبَاحِ الأَْكْل فَقَطْ، وَقَيَّدُوهُ بِقَيْدَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَلاَّ يَتَغَذَّى عَلَى نَجَسٍ، وَثَانِيهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا لاَ يَحِيضُ كَالإِْبِل، وَإِلاَّ كَانَتْ نَجِسَةً عَقِبَ حَيْضِهِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَطَاهِرَةٌ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (فَرْج، نَجَاسَة) .
ج - مُلاَقِي رُطُوبَةِ النَّجَاسَةِ:
٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ مُلاَقِيَ رُطُوبَةِ النَّجَاسَةِ لاَ يَنْجُسُ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِذَا لُفَّ طَاهِرٌ جَافٌّ فِي نَجَسٍ مُبْتَلٍّ وَاكْتَسَبَ الطَّاهِرُ مِنْهُ الرُّطُوبَةَ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ فَقِيل: يَتَنَجَّسُ الطَّاهِرُ، وَاخْتَارَ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ إِنْ كَانَ الطَّاهِرُ بِحَيْثُ لاَ يَسِيل مِنْهُ شَيْءٌ وَلاَ يَتَقَاطَرُ لَوْ عُصِرَ، وَهُوَ الأَْصَحُّ، وَاشْتَرَطَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ النَّجِسُ الرَّطْبُ هُوَ الَّذِي لاَ يَتَقَاطَرُ بِعَصْرِهِ.
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٣١، حاشية الدسوقي ١ / ٥٧، مواهب الجليل ١ / ١٠٥، نهاية المحتاج ١ / ٢٤٦، ٢٤٧، تحفة المحتاج مع حاشية الشرواني ١ / ٣١٥، ٣١٦، المطبعة الأميرية الطبعة الأولى، مغني المحتاج ١ / ٨١.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى نَجَاسَةِ مُلاَقِي رُطُوبَةِ النَّجَاسَةِ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (نَجَاسَة) .
د - مَسَائِل فِي الاِسْتِجْمَارِ:
٥ - اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُسْتَجْمَرُ بِهِ أَنْ يَكُونَ جَافًّا لاَ رُطُوبَةَ فِيهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ غَيْرَ الْجَافِّ لاَ يَحْصُل بِهِ الإِْنْقَاءُ (٢) .
كَمَا شَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِجَوَازِ الاِسْتِجْمَارِ بِالْحَجَرِ أَلاَّ يَجِفَّ الْغَائِطُ بِأَنْ يَكُونَ رَطْبًا، فَإِنْ جَفَّ تَعَيَّنَ الْمَاءُ وَلاَ يُجْزِيهِ الْحَجَرُ (٣) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِنْجَاء) .
هـ - الْمَنِيُّ الرَّطْبُ:
٦ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْمَنِيِّ الرَّطْبِ عَنِ الْمَنِيِّ الْيَابِسِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَحَل الْمَنِيِّ الْيَابِسِ يَطْهُرُ بِفَرْكِهِ، وَلاَ يَضُرُّ بَقَاءُ أَثَرِهِ، فَإِنْ كَانَ رَطْبًا فَلاَ بُدَّ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٣١، والطحطاوي على مراقي الفلاح ٨٥ المطبعة الأميرية الطبعة الثالثة، وحاشية الدسوقي ١ / ٨٠، ومواهب الجليل ١ / ١٦٥، والقليوبي وعميرة ١ / ١٨١، والإنصاف ١ / ٣١٩ ط. مطبعة السنة المحمدية الطبعة الأولى، وكشاف القناع ١ / ١٨٤.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٢٧، حاشية الدسوقي ١ / ١١٣، حاشية الجمل ١ / ٩٤، كشاف القناع ١ / ٦٩.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٢٤، مغني المحتاج ١ / ٤٤، كشاف القناع ١ / ٦٧.
مِنْ غَسْلِهِ وَلاَ يُجْزِئُ الْفَرْكُ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ تَطْهُرُ النَّجَاسَةُ إِلاَّ بِالْغَسْل فِيمَا لاَ يَفْسُدُ بِالْغَسْل. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُسَنُّ غَسْل الْمَنِيِّ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ رَطْبًا أَوْ جَافًّا. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُسَنُّ غَسْلُهُ رَطْبًا وَفَرْكُهُ جَافًّا؛ لِقَوْل عَائِشَةَ ﵂ فِي الْمَنِيِّ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَرْكًا، فَيُصَلِّي فِيهِ (١) عِلْمًا بِأَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْمَالِكِيَّةَ يَقُولُونَ بِنَجَاسَةِ الْمَنِيِّ خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِطَهَارَتِهِ (٢) .
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (نَجَاسَة، وَمَنِيّ) .
_________
(١) حديث عائشة ﵂: " لقد رأيتني أفركه من ثوب. . . . " أخرجه مسلم (١ / ٢٣٨ - ط الحلبي) .
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٠٧، ٢٠٨، القوانين الفقهية ٤٠ ط دار الكتاب العربي، نهاية المحتاج ١ / ٢٤٤ ط مصطفى البابي الحلبي)، المبدع في شرح المقنع ١ / ٢٥٤ ط المكتب الإسلامي.
رُعَافٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الرُّعَافُ لُغَةً: اسْمٌ مِنْ رَعَفَ رَعْفًا، وَهُوَ خُرُوجُ الدَّمِ مِنَ الأَْنْفِ، وَقِيل: الرُّعَافُ الدَّمُ نَفْسُهُ، وَأَصْلُهُ السَّبْقُ وَالتَّقَدُّمُ، وَفَرَسٌ رَاعِفٌ أَيْ سَابِقٌ، وَسُمِّيَ الرُّعَافُ بِذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ يَسْبِقُ عِلْمَ الشَّخْصِ الرَّاعِفِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالرُّعَافِ:
انْتِقَاضُ الْوُضُوءِ بِالرُّعَافِ:
٢ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لاَ يُنْتَقَضُ بِخُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ كَدَمِ الْفَصْدِ، وَالْحِجَامَةِ، وَالْقَيْءِ، وَالرُّعَافِ، سَوَاءٌ قَل ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَلَمْ يَزِدْ
_________
(١) المصباح المنير مادة (رعف)، والحطاب ١ / ٤٧٠، ٤٧١
(٢) حاشية الدسوقي ١ / ٢٠١، وجواهر الإكليل ١ / ٣٨، وفتح القدير ١ / ٣٥.
عَلَى غَسْل مَحَاجِمِهِ. (١) وَبِهَذَا قَال عُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ أَبِي أَوْفَى، وَجَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَطَاوُسٌ، وَعَطَاءٌ، وَمَكْحُولٌ وَرَبِيعَةُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. قَال الْبَغَوِيُّ: وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ (٢) .
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الرُّعَافَ لاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إِلاَّ إِذَا كَانَ فَاحِشًا كَثِيرًا (٣) . أَمَّا كَوْنُ الْكَثِيرِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَلِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ عَنْ دَمِ الاِسْتِحَاضَةِ: إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ: تَوَضَّئِي لِكُل صَلاَةٍ. (٤)
وَلأَِنَّهُ نَجَاسَةٌ خَارِجَةٌ مِنَ الْبَدَنِ أَشْبَهَتِ الْخَارِجَ مِنَ السَّبِيل. وَأَمَّا كَوْنُ الْقَلِيل لاَ يَنْقُضُ فَلِمَفْهُومِ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الدَّمِ إِذَا كَانَ فَاحِشًا
_________
(١) حديث أنس أن النبي ﷺ " احتجم فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه " أخرجه الدارقطني (١ / ١٥١ - ١٥٢ - ط دار المحاسن)، والبيهقي (١ / ١٤١ - ط دائرة المعارف العثمانية)، وضعفه.
(٢) المجموع ٢ / ٥٤، وموهب الجليل ١ / ٤٧١، والمنتقى ١ / ٨٣.
(٣) المراد بالكثير ما فحش في نفس كل أحد بحسبه (كشاف القناع ١ / ١٢٤)
(٤) حديث عائشة: " إنما ذلك عرق " أخرجه الترمذي (١ / ٢١٧، ٢١٨ - ط الحلبي) وقال: " حديث حسن صحيح ".
فَعَلَيْهِ الإِْعَادَةُ. قَال أَحْمَدُ: عِدَّةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ تَكَلَّمُوا فِيهِ، وَابْنُ عُمَرَ عَصَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ الدَّمُ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَابْنُ أَبِي أَوْفَى عَصَرَ دُمَّلًا، وَذَكَرَ أَحْمَدُ غَيْرَهُمَا، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَكَانَ إِجْمَاعًا (١) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ الْقَائِلُونَ بِنَقْضِ الْوُضُوءِ بِسَيَلاَنِ الدَّمِ عَنْ مَوْضِعِهِ أَنَّ الرُّعَافَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَكَذَا لَوْ نَزَل الدَّمُ مِنَ الرَّأْسِ إِلَى مَا لاَنَ مِنَ الأَْنْفِ وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَى الأَْرْنَبَةِ نَقَضَ الْوُضُوءَ. وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، قَال الْخَطَّابِيُّ: وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَحَكَاهُ غَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيٍّ ﵄، وَعَنْ عَطَاءٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ الْوُضُوءُ مِنْ كُل دَمٍ سَائِلٍ (٣)
وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّ مِثْل هَذَا التَّرْكِيبِ يُفْهَمُ مِنْهُ الْوُجُوبُ (٤) .
كَمَا احْتَجُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ أَوْ قَلَسٌ أَوْ مَذْيٌ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ
_________
(١) كشاف القناع ١ / ١٢٤، والمغني ٢ / ١٨٤.
(٢) الفتاوى الخانية بهامش الهندية ١ / ٣٦، والمجموع ٢ / ٥٤.
(٣) حديث: " الوضوء من كل دم سائل " أخرجه الدارقطني (١ / ١٥٧ - ط دار المحاسن) من حديث تميم الداري، وأعله الدارقطني بالانقطاع في سنده، وبجهالة راويين فيه.
(٤) البناية ١ / ٢٠٠، وفتح القدير والعناية ١ / ٣٥ نشر دار إحياء التراث العربي.
لْيَبْنِ عَلَى صَلاَتِهِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ لاَ يَتَكَلَّمُ. (١)
وَنَقَل الْعَيْنِيُّ أَنَّ وَجْهَ الاِسْتِدْلاَل بِالْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ:
الأَْوَّل: أَنَّهُ أَمَرَ بِالْبِنَاءِ وَأَدْنَى دَرَجَاتِ الأَْمْرِ الإِْبَاحَةُ وَالْجَوَازُ، وَلاَ جَوَازَ لِلْبِنَاءِ إِلاَّ بَعْدَ الاِنْتِقَاضِ، فَدَل بِعِبَارَتِهِ عَلَى الْبِنَاءِ وَعَلَى الاِنْتِقَاضِ بِمُقْتَضَاهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ وَمُطْلَقُ الأَْمْرِ لِلْوُجُوبِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ أَبَاحَ الاِنْصِرَافَ، وَهُوَ لاَ يُبَاحُ بَعْدَ الشُّرُوعِ إِلاَّ بِهِ (٢) .
هَذَا وَمَنْ يَرَى أَنَّ الرُّعَافَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ يَعْتَبِرُ الرُّعَافَ الدَّائِمَ عُذْرًا مِنَ الأَْعْذَارِ الَّتِي تُبِيحُ الْعِبَادَةَ مَعَ وُجُودِ الْعُذْرِ (٣) .
٣ - وَشَرْطُ اعْتِبَارِ الرُّعَافِ عُذْرًا ابْتِدَاءً عِنْدَ هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ اسْتِمْرَارُهُ وَقْتَ الصَّلاَةِ كَامِلًا. بِمَعْنَى أَنَّ مَنْ حَصَل لَهُ الرُّعَافُ وَاسْتَمَرَّ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ أَوَّل صَلاَةٍ إِلاَّ فِي آخِرِ
_________
(١) حديث: " من أصابه قيء، أو رعاف، أو قلس، أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم " أخرجه ابن ماجه (١ / ٣٨٥ - ٣٨٩ - ط الحلبي) من حديث عائشة، وقال البوصيري في " مصباح الزجاجة " (١ / ٢٢٣ - ط دار الجنان): " هذا إسناد ضعيف ".
(٢) البناية ١ / ٢٠٢، فتح القدير ١ / ٣٥.
(٣) الاختيار ١ / ٢٩، وكشاف القناع ١ / ٢١٧، ومطالب أولي النهى ١ / ٢٦٣.
وَقْتِهَا؛ لِعَدَمِ ثُبُوتِ حُكْمِ دَائِمِ الْحَدَثِ لَهُ، وَاحْتِمَال انْقِطَاعِهِ، فَإِنِ اسْتَمَرَّ الْحَدَثُ إِلَى آخِرِ وَقْتِ الصَّلاَةِ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ دَائِمِ الْحَدَثِ، فَيَصِحُّ أَنْ يُصَلِّيَ الثَّانِيَةَ أَوْ مَا بَعْدَهَا فِي أَوَّل وَقْتِهَا (١) .
كَمَا يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَمْضِيَ عَلَى الرَّاعِفِ وَقْتُ صَلاَةٍ إِلاَّ وَالرُّعَافُ فِيهِ مَوْجُودٌ، حَتَّى لَوِ انْقَطَعَ الرُّعَافُ وَقْتًا كَامِلًا خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ عُذْرٍ مِنْ وَقْتِ الاِنْقِطَاعِ (٢) .
٤ - وَمَنْ بِهِ رُعَافٌ دَائِمٌ يَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُل صَلاَةٍ، وَيُصَلِّي بِهِ مَا شَاءَ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِل، هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِنْ خَرَجَ مِنْهُ الدَّمُ، أَمَّا إِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ فَلاَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَهُمْ (٣) .
وَيُنْتَقَضُ وُضُوءُ الرَّاعِفِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ يُنْتَقَضُ بِدُخُول الْوَقْتِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِأَيِّهِمَا كَانَ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يَعْلَى (٤) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَنْ رَعَفَ قَبْل الدُّخُول فِي الصَّلاَةِ فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُ الصَّلاَةَ لآِخِرِ الْوَقْتِ الاِخْتِيَارِيِّ إِذَا كَانَ يَرْجُو انْقِطَاعَ الرُّعَافِ، أَمَّا إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لاَ يَنْقَطِعُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِهِ عَلَى تِلْكَ الْحَال فِي أَوَّل الْوَقْتِ، إِذْ لاَ فَائِدَةَ فِي
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ٤٠، ومطالب أولي النهى ١ / ٢٦٢.
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٤١، والاختيار ١ / ٣٠.
(٣) الفتاوى الهندية ١ / ٤١، ومطالب أولي النهى ١ / ٢٦٤.
(٤) الاختيار ١ / ٢٩، والمغني ١ / ٣٤١، وكشاف القناع ١ / ٢١٦، ومطالب أولي النهى ١ / ٢٦٤.