الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢
وَلِلرَّسُول فِي الاِصْطِلاَحِ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا الشَّخْصُ الْمُرْسَل مِنْ إِنْسَانٍ إِلَى آخَرَ بِمَالٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَيُنْظَرُ حُكْمُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي مُصْطَلَحِ (إِرْسَال) .
وَالثَّانِي: الْوَاحِدُ مِنْ رُسُل اللَّهِ.
وَيُرَادُ بِرُسُل اللَّهِ تَارَةً الْمَلاَئِكَةُ مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُل رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ (١)﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٢)﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ (٣)﴾، وَتَارَةً يُرَادُ بِهِمُ الأَْنْبِيَاءُ مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل (٤)﴾ .
وَالرَّسُول مِنَ الْبَشَرِ هُوَ ذَكَرٌ حُرٌّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ وَأَمَرَهُ بِتَبْلِيغِهِ، فَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ فَنَبِيٌّ فَحَسْبُ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - يَجِبُ عَلَى الرَّسُول مِنْ قِبَل اللَّهِ تَبْلِيغُ الدَّعْوَةِ إِلَى الْمُرْسَل إِلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُول بَلِّغْ مَا أُنْزِل إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَل فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ (٥)﴾ .
_________
(١) سورة هود / ٨.
(٢) سورة الزخرف / ٨٠.
(٣) سورة هود / ٧٧.
(٤) سورة آل عمران / ١٤٤.
(٥) سورة المائدة / ٦٧.
وَيَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الرُّسُل الإِْيمَانُ بِهِمْ وَتَصْدِيقُهُمْ فِيمَا جَاءُوا بِهِ وَمُتَابَعَتُهُمْ وَطَاعَتُهُمْ.
حُكْمُ مَنْ سَبَّ رَسُولًا مِنَ الرُّسُل عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:
٣ - أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى كُفْرِ مَنْ أَنْكَرَ نُبُوَّةَ نَبِيٍّ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ، أَوْ رِسَالَةَ أَحَدٍ مِنَ الرُّسُل عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَوْ كَذَّبَهُ، أَوْ سَبَّهُ، أَوِ اسْتَخَفَّ بِهِ، أَوْ سَخِرَ مِنْهُ، أَوِ اسْتَهْزَأَ بِسُنَّةِ رَسُولِنَا ﵊ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (١)﴾ الآْيَةَ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٢)﴾ .
كَمَا أَنَّ مَنْ سَبَّ الرَّسُول يُقْتَل (٣) .
وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (رِدَّة، وَتَوْبَة) .
وَيُمَاثِل الرَّسُول ﷺ فِي ذَلِكَ بَقِيَّةُ الرُّسُل وَالأَْنْبِيَاءُ وَالْمَلاَئِكَةُ، فَمَنْ سَبَّهُمْ أَوْ لَعَنَهُمْ، أَوْ عَابَهُمْ أَوْ قَذَفَهُمْ أَوِ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِمْ، أَوْ أَلْحَقَ بِهِمْ نَقْصًا، أَوْ غَضَّ مِنْ مَرْتَبَتِهِمْ أَوْ نَسَبَ إِلَيْهِمْ
_________
(١) سورة التوبة / ٦٥ - ٦٦
(٢) سورة الأحزاب / ٥٧.
(٣) ابن عابدين ٣ / ٣٩٠، الشفاء للقاضي عياض ٢ / ٩٥٢، المغني لابن قدامة ٨ / ١٢٣، ١٥٠، مغني المحتاج ٤ / ١٣٥، جواهر الإكليل ٢ / ٢٨٠.
مَا لاَ يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِمْ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ قُتِل (١) . وَالتَّفْصِيل فِي: (تَوْبَة، رِدَّة) .
الذَّبْحُ بِاسْمِ رَسُول اللَّهِ:
٤ - لاَ يَجُوزُ الذَّبْحُ بِاسْمِ رَسُول اللَّهِ، وَلاَ بِاسْمِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ رَسُول اللَّهِ - بِالْجَرِّ - حَيْثُ يَجِبُ تَجْرِيدُ اسْمِ اللَّهِ ﷾ عَنِ اسْمِ غَيْرِهِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُهِل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ (٢)﴾ الآْيَةَ، وَقَوْل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: جَرِّدُوا التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الذَّبْحِ؛ وَلأَِنَّ هَذَا إِشْرَاكُ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ وَاسْمِ غَيْرِهِ (٣) .
وَالتَّفْصِيل فِي: (ذَبَائِح) .
حِمَى الرَّسُول ﷺ:
٥ - كَانَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْمِيَ لِخَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ ﷺ وَإِنَّمَا " حَمَى النَّقِيعَ لِخَيْل الْمُسْلِمِينَ (٤) " وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: حَمَى النَّبِيُّ ﷺ الرَّبَذَةَ لإِبِل الصَّدَقَةِ وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ وَخَيْل الْمُجَاهِدِينَ (٥) .
_________
(١) المصادر السابقة نفسها.
(٢) سورة المائدة / ٣.
(٣) البدائع ٥ / ٤٨، وروضة الطالبين ٣ / ٢٠٥، ومواهب الجليل ١ / ١٨
(٤) حديث: " حمى رسول الله ﷺ النقيع لخيل المسلمين " أخرجه البيهقي (٦ / ١٤٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عمر، وضعفه ابن حجر في الفتح (٥ / ٤٥ - ط السلفية) .
(٥) حديث: " حمى الربذة لإبل الصدقة " أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ / ١٥٨ - ط القدسي)، وقال: " رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح ".
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَقْضِ مَا حَمَاهُ الرَّسُول ﷺ.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَا حَمَاهُ ﷺ نَصٌّ لاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ أَنْ يَنْقُضَهُ، وَأَنْ يُغَيَّرَ بِحَالٍ، سَوَاءٌ بَقِيَتِ الْحَاجَةُ الَّتِي حَمَى لَهَا أَمْ زَالَتْ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُعَارَضَ حُكْمُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِنَقْضٍ وَلاَ إِبْطَالٍ؛ وَلأَِنَّ هَذَا تَغْيِيرُ الْمَقْطُوعِ بِصِحَّتِهِ بِاجْتِهَادٍ بِخِلاَفِ حِمَى غَيْرِهِ مِنَ الأَْئِمَّةِ وَالْخُلَفَاءِ فَيَجُوزُ نَقْضُهُ لِلْحَاجَةِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى جَوَازِ نَقْضِ مَا حَمَاهُ الرَّسُول ﷺ إِذَا زَالَتِ الْحَاجَةُ الَّتِي حَمَى مِنْ أَجْلِهَا (١) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ، وَحِمَى) .
رُسُل أَهْل الْحَرْبِ وَالْمُوَادَعَةِ:
٦ - أَهْل الْحَرْبِ وَالْمُوَادَعَةِ إِذَا أَرْسَلُوا أَحَدًا إِلَى دِيَارِ الإِْسْلاَمِ لِتَبْلِيغِ رِسَالَةٍ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يُؤَدِّيَ الرِّسَالَةَ إِلَى الإِْمَامِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُؤَمِّنُ رُسُل الْمُشْرِكِينَ، وَلَمَّا جَاءَهُ رَسُولاَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ قَال لَهُمَا: لَوْلاَ أَنَّ الرُّسُل لاَ تُقْتَل
_________
(١) الأحكام السلطانية ص ١٨٥، روضة الطالبين ٥ / ٢٩٢، جواهر الإكليل ١ / ٢٧٤، ٢ / ٢٠٢، نهاية المحتاج ٥ / ٣٣٨.
لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا (١)؛ وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى عَقْدِ الأَْمَانِ لِلرُّسُل، فَإِنَّنَا لَوْ قَتَلْنَا رُسُلَهُمْ لَقَتَلُوا رُسُلَنَا، فَتَفُوتُ مَصْلَحَةُ الْمُرَاسَلَةِ.
وَعَقْدُ الأَْمَانِ لِلرَّسُول يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُقَيَّدَ بِمُدَّةٍ حَسَبَ الْمَصْلَحَةِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِْمَامُ مَوْجُودًا فِي الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ، فَإِنْ كَانَ الإِْمَامُ فِي الْحَرَمِ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الدُّخُول (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (أَمَان، حَرَم) .
_________
(١) حديث: " لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما " أخرجه أبو داود (٣ / ١٩٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وأحمد (٣ / ٤٨٨ - ط الميمنية) من حديث نعيم بن مسعود الأشجعي وإسناده حسن.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٢٧، القوانين الفقهية ص ١٥٩، روضة الطالبين ١٠ / ٢٨٠، ٣٠٩، ٢٤٤، حاشية الجمل ٥ / ٢١٢، المغني لابن قدامة ٨ / ٥٣١، تفسير القرطبي ٨ / ١٠٤، مغني المحتاج ٤ / ٢٢٧، ٢٤٣، أحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٩٠١.
رُشْدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الرُّشْدُ فِي اللُّغَةِ: الصَّلاَحُ وَإِصَابَةُ الصَّوَابِ وَالاِسْتِقَامَةُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ مَعَ تَصَلُّبٍ فِيهِ، وَهُوَ خِلاَفُ الْغَيِّ وَالضَّلاَل، قَال فِي الْمِصْبَاحِ: رَشِدَ رُشْدًا مِنْ بَابِ تَعِبَ، وَرَشَدَ يَرْشُدُ مِنْ بَابِ قَتَل، فَهُوَ رَاشِدٌ، وَالاِسْمُ الرَّشَادُ.
وَالرَّشِيدُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الْهَادِي إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، وَالَّذِي حَسُنَ تَقْدِيرُهُ، قَال فِي اللِّسَانِ: وَمِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الرَّشِيدُ: هُوَ الَّذِي أَرْشَدَ الْخَلْقَ إِلَى مَصَالِحِهِمْ أَيْ هَدَاهُمْ، وَدَلَّهُمْ عَلَيْهَا، فَهُوَ رَشِيدٌ بِمَعْنَى مُرْشِدٍ، وَقِيل: هُوَ الَّذِي تَنْسَاقُ تَدْبِيرَاتُهُ إِلَى غَايَاتِهَا عَلَى سَبِيل السَّدَادِ مِنْ غَيْرِ إِشَارَةِ مُشِيرٍ وَلاَ تَسْدِيدِ مُسَدِّدٍ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ تَعْرِيفُهُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَالرَّشَدُ أَخَصُّ مِنَ الرُّشْدِ فَإِنَّهُ يُقَال فِي الأُْمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالأُْخْرَوِيَّةِ، وَالرَّشَدُ مُحَرَّكَةٌ فِي
_________
(١) الصحاح والقاموس واللسان والمصباح مادة: " رشد ".
الأُْمُورِ الأُْخْرَوِيَّةِ لاَ غَيْرَ (١) .
وَالرُّشْدُ الْمُشْتَرَطُ لِتَسْلِيمِ الْيَتِيمِ مَالَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُشْتَرَطُ لَهُ الرُّشْدُ هُوَ صَلاَحُ الْمَال عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَصَلاَحُ الْمَال وَالدِّينِ مَعًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ.
وَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ بِرَفْعِ الْحَجْرِ لِلرُّشْدِ ابْتِدَاءً، فَلَوْ فَسَقَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٢) .
وَالْمُرَادُ بِالصَّلاَحِ فِي الدِّينِ أَنْ لاَ يَرْتَكِبَ مُحَرَّمًا يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ. وَفِي الْمَال: أَنْ لاَ يُبَذِّرَ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الأَْهْلِيَّةُ:
٢ - الأَْهْلِيَّةُ لُغَةً: الصَّلاَحِيَةُ، وَهِيَ نَوْعَانِ: أَهْلِيَّةُ وُجُوبٍ، وَأَهْلِيَّةُ أَدَاءٍ.
فَأَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ هِيَ: صَلاَحِيَةُ الإِْنْسَانِ لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ الْمَشْرُوعَةِ لَهُ وَعَلَيْهِ.
وَأَهْلِيَّةُ الأَْدَاءِ هِيَ: صَلاَحِيَةُ الإِْنْسَانِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٩٥ ط النصر، المغني ٤ / ٥١٦ط. الرياض، حاشية القليوبي ٢ / ٣٠١ ط. الحلبي، حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٣ / ٣٨٣ ط. المعارف، الإنصاف ٥ / ٣٢٢ ط. التراث.
(٣) تفسير الفخر الرازي ٩ / ١٨٩ ط. الأولى، روضة الطالبين ٤ / ١٨٠ ط. المكتب الإسلامي، المهذب ١ / ٣٣٨ ط. الحلبي، بداية المجتهد ٢ / ٣٠٥ ط. الكليات الأزهرية.
لِصُدُورِ الْفِعْل مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ يُعْتَدُّ بِهِ شَرْعًا.
هَذَا وَالرُّشْدُ هُوَ الْمَرْحَلَةُ الأَْخِيرَةُ مِنْ مَرَاحِل الأَْهْلِيَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ الشَّخْصُ رَشِيدًا كَمُلَتْ أَهْلِيَّتُهُ وَارْتَفَعَتْ عَنْهُ الْوِلاَيَةُ وَسُلِّمَتْ إِلَيْهِ أَمْوَالُهُ بِلاَ خِلاَفٍ (١) .
ب - الْبُلُوغُ:
٣ - مِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: الاِحْتِلاَمُ وَالإِْدْرَاكُ. وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ قُوَّةٌ تَحْدُثُ لِلشَّخْصِ تَنْقُلُهُ مِنْ حَال الطُّفُولَةِ إِلَى حَال الرُّجُولَةِ، وَهُوَ يَحْصُل بِظُهُورِ عَلاَمَةٍ مِنْ عَلاَمَاتِهِ الطَّبِيعِيَّةِ كَالاِحْتِلاَمِ، وَكَالْحَبَل وَالْحَيْضِ فِي الأُْنْثَى، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْعَلاَمَاتِ كَانَ الْبُلُوغُ بِالسِّنِّ، وَالرُّشْدُ وَالْبُلُوغُ قَدْ يَحْصُلاَنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ يَتَأَخَّرُ الرُّشْدُ عَنِ الْبُلُوغِ تَبَعًا لِتَرْبِيَةِ الشَّخْصِ وَاسْتِعْدَادِهِ (٢) .
ج - التَّبْذِيرُ:
٤ - وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: مُشْتَقٌّ مِنْ بَذْرِ الْحَبِّ فِي الأَْرْضِ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَفْرِيقُ الْمَال عَلَى وَجْهِ الإِْسْرَافِ.
وَالتَّبْذِيرُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَدَمُ الصَّلاَحِ فِي الْمَال، فَمَنْ كَانَ مُبَذِّرًا كَانَ سَفِيهًا أَيْ غَيْرَ رَشِيدٍ (٣) .
_________
(١) الموسوعة ٧ / ١٥١ مصطلح (أهلية) .
(٢) الموسوعة الفقهية ٧ / ١٦٠ مصطلح (أهلية)، ٨ / ١٨٦ مصطلح (بلوغ) .
(٣) المصباح مادة: " بذر "، التعريفات للجرجاني / ٧٢ ط. الكتاب العربي، تحفة المحتاج ٥ / ١٦٨ ط. دار صادر.
د - الْحَجْرُ:
٥ - وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ مِنَ التَّصَرُّفِ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ مَنْعَ مَوْصُوفِهَا مِنْ نُفُوذِ تَصَرُّفِهِ فِي الزَّائِدِ عَلَى قُوتِهِ أَوْ تَبَرُّعِهِ بِمَالِهِ، أَوِ الْمَنْعِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْحَجْرِ وَالرُّشْدِ أَنَّ الْحَجْرَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ فِقْدَانِ الرُّشْدِ (١) .
هـ - السَّفَهُ:
٦ - وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: نَقْصٌ فِي الْعَقْل وَأَصْلُهُ الْخِفَّةُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: خِفَّةٌ تَعْتَرِي الإِْنْسَانَ فَتَبْعَثُهُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ بِخِلاَفِ مُقْتَضَى الْعَقْل، مَعَ عَدَمِ الاِخْتِلاَل فِي الْعَقْل، وَالسَّفَهُ نَقِيضُ الرُّشْدِ (٢) .
وَقْتُ الرُّشْدِ وَكَيْفِيَّةُ مَعْرِفَتِهِ:
٧ - ذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الرُّشْدَ الْمُعْتَدَّ بِهِ
_________
(١) المصباح مادة: " حجر "، حاشية ابن عابدين ٥ / ٨٩ ط. المصرية، جواهر الإكليل ٢ / ٩٧ ط. المعرفة، حاشية القليوبي ٢ / ٢٩٩ ط. الحلبي، المغني ٤ / ٥٠٥ ط. الرياض.
(٢) المصباح مادة: " سفه " التلويح على التوضيح ٢ / ١٩١ ط. صبيح، التقرير والتحبير ٢ / ٢٠١ ط. الأميرية، كشف الأسرار على أصول البزدوي ٤ / ٣٦٩ ط. دار الكتاب العربي، البحر الرائق ٨ / ٩١ ط. العلمية.
لِتَسْلِيمِ الْمَال لِلْيَتِيمِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَإِنْ لَمْ يَرْشُدْ بَعْدَ بُلُوغِهِ اسْتَمَرَّ الْحَجْرُ عَلَيْهِ حَتَّى وَلَوْ صَارَ شَيْخًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ (١) .
وَهَذَا الرُّشْدُ قَدْ يَأْتِي مَعَ الْبُلُوغِ، وَقَدْ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، تَبَعًا لِتَرْبِيَةِ الشَّخْصِ وَاسْتِعْدَادِهِ وَتَعَقُّدِ الْحَيَاةِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ أَوْ بَسَاطَتِهَا، فَإِذَا بَلَغَ الشَّخْصُ رَشِيدًا كَمُلَتْ أَهْلِيَّتُهُ، وَارْتَفَعَتِ الْوِلاَيَةُ عَنْهُ وَسُلِّمَتْ إِلَيْهِ أَمْوَالُهُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ (٢)﴾ .
وَإِذَا بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ وَكَانَ عَاقِلًا كَمُلَتْ أَهْلِيَّتُهُ، وَارْتَفَعَتِ الْوِلاَيَةُ عَنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ تُسَلَّمُ إِلَيْهِ أَمْوَالُهُ، بَل تَبْقَى فِي يَدِ وَلِيِّهِ أَوْ وَصِيِّهِ حَتَّى يَثْبُتَ رُشْدُهُ بِالْفِعْل، أَوْ يَبْلُغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَإِذَا بَلَغَ هَذِهِ السِّنَّ سُلِّمَتْ إِلَيْهِ أَمْوَالُهُ، وَلَوْ كَانَ مُبَذِّرًا لاَ يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ؛ لأَِنَّ مَنْعَ الْمَال عَنْهُ كَانَ عَلَى سَبِيل الاِحْتِيَاطِ وَالتَّأْدِيبِ، وَلَيْسَ عَلَى سَبِيل الْحَجْرِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لاَ يَرَى الْحَجْرَ عَلَى السَّفِيهِ، وَالإِْنْسَانُ بَعْدَ بُلُوغِهِ هَذِهِ السِّنَّ وَصَلاَحِيَتِهِ لأَنْ يَكُونَ جَدًّا لاَ يَكُونُ أَهْلًا لِلتَّأْدِيبِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْل
_________
(١) تفسير القرطبي ٥ / ٣٧ ط. دار الكتب المصرية.
(٢) سورة النساء / ٥، ٦