الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢
؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ بِالْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ، وَقَدْ سَقَطَ أَحَدُهُمَا فَتَعَيَّنَ الآْخَرُ، وَيَرْجِعُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِمَا غَرِمَهُ مِنَ الدِّيَةِ عَلَى الشُّهُودِ، وَهُوَ مَا قَال بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا.
وَإِنْ كَانَ الرُّجُوعُ بَعْدَ الْحُكْمِ وَالاِسْتِيفَاءِ مَضَى الْحُكْمُ وَلاَ يُنْقَضُ، وَضَمِنَ الشُّهُودُ الدِّيَةَ فِي الْقِصَاصِ وَالرَّجْمِ، وَيُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ فِي الشَّهَادَةِ بِالزِّنَى وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ - غَيْرَ أَشْهَبَ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَشْهَبُ: عَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ إِنْ قَالُوا تَعَمَّدْنَا، أَوْ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ، وَإِنْ قَالُوا أَخْطَأْنَا فَعَلَيْهِمْ دِيَةٌ مُخَفَّفَةٌ. (١)
وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلاَتٌ تُنْظَرُ فِي (شَهَادَة) .
ب - أَثَرُ الرُّجُوعِ عَنِ الإِْقْرَارِ:
٣٨ - مِنْ آثَارِ الرُّجُوعِ عَنِ الإِْقْرَارِ سُقُوطُ الْحَدِّ، فَمَنْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالزِّنَى وَالشُّرْبِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ؛ لأَِنَّ رُجُوعَهُ يُعْتَبَرُ
_________
(١) الاختيار ٢ / ١٥٣ - ١٥٥، وفتح القدير ٦ / ٥٣٦ وما بعدها، والبدائع ٦ / ٢٨٣ وما بعدها، والفواكه الدواني ٢ / ٣٠٩ - ٣١٠، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٤٥، ومغني المحتاج ٤ / ٤٥٦ - ٤٥٧، وأسنى المطالب ٤ / ٣٨١، والمهذب ٢ / ٣٤١، وكشاف القناع ٦ / ٤٤١، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٥٦٣، والمغني ٩ / ٢٤٥ - ٢٤٧
شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْحَدِّ؛ لاِحْتِمَال صِدْقِهِ وَاحْتِمَال كَذِبِهِ، فَيُوَرِّثُ شُبْهَةً فِي ظُهُورِ الْحَدِّ، وَالْحُدُودُ لاَ تُسْتَوْفَى مَعَ الشُّبُهَاتِ، وَحِينَ أَقَرَّ مَاعِزٌ بِالزِّنَى لَقَّنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ الرُّجُوعَ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْحَدُّ مُحْتَمِلًا لِلسُّقُوطِ بِالرُّجُوعِ مَا كَانَ لِلتَّلْقِينِ مَعْنًى، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَقَال الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو ثَوْرٍ: يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لأَِنَّ مَاعِزًا هَرَبَ فَقَتَلُوهُ، وَلَوْ قُبِل رُجُوعُهُ لَلَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ، وَلأَِنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ بِإِقْرَارِهِ، فَلَمْ يُقْبَل رُجُوعُهُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
أَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لاَ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ مِنَ الأَْمْوَال وَغَيْرِهَا فَلاَ يُقْبَل الرُّجُوعُ فِيهَا.
وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ مَعَ التَّفْصِيل الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ فِيمَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. (١)
وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي بَحْثِ: (إِقْرَار) .
ج - أَثَرُ الرُّجُوعِ عَنِ الإِْسْلاَمِ وَإِلَيْهِ:
٣٩ - مِنْ آثَارِ الرُّجُوعِ عَنِ الإِْسْلاَمِ وَإِلَيْهِ إِهْدَارُ الدَّمِ أَوْ عِصْمَتُهُ، فَمَنْ كَانَ مُسْلِمًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْ
_________
(١) البدائع ٧ / ٦١، ٢٣٢، ٢٣٣، والدسوقي ٤ / ٣١٨، ٣١٩، والقوانين الفقهية ص ٣١٣ ط دار الكتاب العربي في باب الإقرار، والفروق للقرافي ٤ / ٣٨، والمهذب ٢ / ٣٤٦، والمغني ٥ / ١٦٤، ٨ / ١٩٧.
دِينِ الإِْسْلاَمِ اعْتُبِرَ مُرْتَدًّا فَالرِّدَّةُ هِيَ الرُّجُوعُ عَنِ الإِْسْلاَمِ، وَيُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ ثَلاَثًا، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ أُهْدِرَ دَمُهُ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ بَدَّل دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ (١) .
وَإِذَا تَابَ الْمُرْتَدُّ وَرَجَعَ إِلَى الإِْسْلاَمِ فَقَدْ عُصِمَ دَمُهُ وَمَالُهُ، وَمِثْلُهُ الْمُحَارِبُ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَى الإِْسْلاَمِ، (٢) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَمَنْ قَال لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إِلاَّ بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ (٣) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (رِدَّة - جِهَاد) .
رَحِمٌ
انْظُرْ: أَرْحَام
_________
(١) حديث: " من بدل دينه فاقتلوه " أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٢٦٧ - ط السلفية) من حديث ابن عباس.
(٢) البدائع ٧ / ١٣٤ - ١٣٥، ١٤٠، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٧٧، والمهذب ٢ / ٢١٩، ٢٢٢، والمغني ٨ / ١٢٣.
(٣) حديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ١١٢ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٥١ - ٥٢ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
رُخْصَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - تُطْلَقُ كَلِمَةُ رُخْصَةٍ - فِي لِسَانِ الْعَرَبِ - عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَةٍ نُجْمِل أَهَمَّهَا فِيمَا يَلِي:
أ - نُعُومَةُ الْمَلْمَسِ، يُقَال: رَخُصَ الْبَدَنُ رَخَاصَةً إِذَا نَعُمَ مَلْمَسُهُ وَلاَنَ، فَهُوَ رَخْصٌ - بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ - وَرَخِيصٌ، وَهِيَ رَخْصَةٌ وَرَخِيصَةٌ.
ب - انْخِفَاضُ الأَْسْعَارِ، يُقَال: رَخُصَ الشَّيْءُ رُخْصًا - بِضَمٍّ فَسُكُونٍ - فَهُوَ رَخِيصٌ ضِدُّ الْغَلاَءِ. (١)
ج - الإِْذْنُ فِي الأَْمْرِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ: يُقَال: رَخَّصَ لَهُ فِي الأَْمْرِ إِذَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ، وَالاِسْمُ رُخْصَةٌ عَلَى وَزْنِ فُعْلَةٌ مِثْل غُرْفَةٍ، وَهِيَ ضِدُّ التَّشْدِيدِ، أَيْ أَنَّهَا تَعْنِي التَّيْسِيرَ فِي الأُْمُورِ، يُقَال: رَخَّصَ الشَّرْعُ فِي كَذَا تَرْخِيصًا، وَأَرْخَصَ إِرْخَاصًا إِذَا يَسَّرَهُ وَسَهَّلَهُ. (٢) قَال ﵊: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا
_________
(١) لسان العرب، وتاج العروس.
(٢) المصباح المنير.
يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَهَا الْغَزَالِيُّ بِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَمَّا وُسِّعَ لِلْمُكَلَّفِ فِي فِعْلِهِ لِعُذْرٍ عَجَزَ عَنْهُ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُحَرِّمِ. (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعَزِيمَةُ:
٢ - الْعَزِيمَةُ لُغَةً: الْقَصْدُ الْمُؤَكَّدُ. (٣)
وَاصْطِلاَحًا عِبَارَةٌ عَمَّا لَزِمَ الْعِبَادَ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى. (٤)
فَلاَ يُقَال رُخْصَةٌ بِدُونِ عَزِيمَةٍ تُقَابِلُهَا، فَهُمَا يَنْتَمِيَانِ مَعًا إِلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِاتِّفَاقِ أَهْل الذِّكْرِ، وَهُمَا عَلَى الْقَوْل الرَّاجِحِ مِنَ الأَْحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ، وَعَلَى الْمَرْجُوحِ مِنَ الأَْحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ التَّكْلِيفَ (أَوْ الاِقْتِضَاءَ) مَوْجُودٌ فِي الْعَزِيمَةِ كَمَا أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الرُّخْصَةِ إِلاَّ أَنَّهُ فِي الأُْولَى أَصْلِيٌّ كُلِّيٌّ مُطَّرِدٌ وَاضِحٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ طَارِئٌ جُزْئِيٌّ غَيْرُ مُطَّرِدٍ مَعَ خَفَائِهِ وَدِقَّتِهِ. وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا أَنَّ الأُْولَى تُمَثِّل حَقَّ
_________
(١) حديث: " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته " أخرجه أحمد (٢ / ١٠٨ - ط الميمنية) من حديث ابن عمر، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣ / ١٦٢ - ط القدسي)، وقال: " رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح ".
(٢) المستصفى ١ / ٦٣، مطبعة محمد مصطفى سنة ١٣٥٦ هـ.
(٣) المصباح المنير.
(٤) المستصفى ١ / ٩٨
اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ وَأَنَّ الثَّانِيَةَ تُمَثِّل حَظَّ الْعِبَادِ مِنْ لُطْفِهِ.
انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (عَزِيمَة) .
ب - الإِْبَاحَةُ:
٣ - الإِْبَاحَةُ هِيَ: تَخْيِيرُ الْمُكَلَّفِ بَيْنَ الْفِعْل وَالتَّرْكِ. فَالإِْبَاحَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا أَصْلِيٌّ. وَتَتَلاَقَى فِي بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ مَعَ الرُّخَصِ. (١) انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِبَاحَة) .
ج - رَفْعُ الْحَرَجِ:
٤ - رَفْعُ الْحَرَجِ فِي الاِصْطِلاَحِ يَتَمَثَّل فِي إِزَالَةِ كُل مَا يُؤَدِّي إِلَى مَشَقَّةٍ زَائِدَةٍ فِي الْبَدَنِ أَوِ النَّفْسِ أَوِ الْمَال فِي الْبَدْءِ وَالْخِتَامِ، وَالْحَال وَالْمَآل. وَهُوَ أَصْلٌ مِنْ أُصُول الشَّرِيعَةِ ثَبَتَ بِأَدِلَّةٍ قَطْعِيَّةٍ لاَ تَقْبَل الشَّكَّ. (٢)
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الرُّخْصَةِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ مِنْ وُجُوهٍ:
١ - أَنَّ رَفْعَ الْحَرَجِ أَصْلٌ كُلِّيٌّ مِنْ أُصُول الشَّرِيعَةِ وَمَقْصِدٌ مِنْ مَقَاصِدِهَا - كَمَا سَبَقَ - أَمَّا الرُّخَصُ فَهِيَ فَرْعٌ يَنْدَرِجُ ضِمْنَ هَذَا الأَْصْل الْعَامِّ وَجُزْءٌ أُخِذَ مِنْ هَذَا الْكُل، فَرَفْعُ الْحَرَجِ مُؤَدَّاهُ يُسْرُ التَّكَالِيفِ فِي جَمِيعِ أَطْوَارِهَا، وَالرُّخَصُ مُؤَدَّاهَا تَيْسِيرُ مَا شَقَّ عَلَى بَعْضِ النُّفُوسِ عِنْدَ التَّطْبِيقِ
_________
(١) المستصفى ١ / ٦٤
(٢) الموافقات ١ / ١٦٨.
مِنْ تِلْكَ الأَْحْكَامِ الْمُيَسَّرَةِ ابْتِدَاءً (١) .
٢ - أَنَّ الْحَرَجَ مَرْفُوعٌ عَنِ الأَْحْكَامِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً فِي الْحَال وَالْمَآل، بَيْنَمَا الرُّخَصُ تَشْمَل - عَادَةً - أَحْكَامًا مَشْرُوعَةً بِنَاءً عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ تَنْتَهِي بِانْتِهَائِهَا، وَأُخْرَى تُرَاعَى فِيهَا أَسْبَابٌ مُعَيَّنَةٌ تَتْبَعُهَا وُجُودًا وَعَدَمًا.
وَلَيْسَتِ الرُّخَصُ مُرَادِفَةً لِرَفْعِ الْحَرَجِ وَإِلاَّ لَكَانَتْ أَحْكَامُ الشَّرِيعَةِ كُلُّهَا رُخَصًا بِدُونِ عَزَائِمَ. وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (رَفْعُ الْحَرَجِ) .
٣ - إِذَا رَفَعَ الْمُشَرِّعُ الْحَرَجَ عَنْ فِعْلٍ مِنَ الأَْفْعَال فَالَّذِي يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ أَنَّ الْفِعْل إِنْ وَقَعَ مِنَ الْمُكَلَّفِ لاَ إِثْمَ وَلاَ مُؤَاخَذَةَ عَلَيْهِ، وَيَبْقَى الإِْذْنُ فِي الْفِعْل مَسْكُوتًا عَنْهُ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْصُودٍ، إِذْ لَيْسَ كُل مَا لاَ حَرَجَ فِيهِ يُؤْذَنُ فِيهِ، (٢) بِخِلاَفِ التَّرْخِيصِ فِي الْفِعْل فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ - إِلَى جَانِبِ ذَلِكَ - الإِْذْنَ فِيهِ. (٣) انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (رَفْعُ الْحَرَجِ) .
د - النَّسْخُ:
٥ - النَّسْخُ اصْطِلاَحًا بَيَانُ انْتِهَاءِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ مُتَرَاخٍ عَنْهُ. فَإِذَا كَانَ النَّسْخُ مِنَ
_________
(١) الموافقات ١ / ٣١٣.
(٢) المصدر السابق ٤ / ٦١
(٣) نفس المصدر ١ / ١٤٦.
الأَْشَدِّ لِلأَْخَفِّ فَإِنَّهُ يَشْتَرِكُ مَعَ الرُّخْصَةِ فِي الْتِمَاسِ التَّخْفِيفِ، وَلَكِنَّهُ لاَ يُعَدُّ مِنْهَا عَلَى النَّحْوِ الَّذِي سَبَقَ؛ لأَِنَّ الدَّلِيل الأَْصْلِيَّ لَمْ يَعُدْ قَائِمًا. انْظُرْ: (نَسْخ) .
الْحِكْمَةُ مِنْ تَشْرِيعِ الرُّخَصِ:
٦ - تَحْقِيقُ مَبْدَأِ الْيُسْرِ وَالسَّمَاحَةِ فِي الإِْسْلاَمِ تَحْقِيقًا عَمَلِيًّا تَطْبِيقِيًّا. قَال تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١) . وَقَال - جَل ذِكْرُهُ -: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِْنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٢) . وَقَال ﵊: إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ (٣) وَقَال أَيْضًا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا، وَلاَ مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا (٤)
الصِّيَغُ الَّتِي تَدُل عَلَى الرُّخْصَةِ:
٧ - الرُّخْصَةُ تَكُونُ غَالِبًا بِمَا يَلِي:
أ - مَادَّتُهَا: مِثْل رَخَّصَ وَأَرْخَصَ وَرُخْصَةٍ، فَفِي
_________
(١) سورة البقرة / ١٨٥.
(٢) سورة النساء / ٢٨.
(٣) حديث: " إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٩٣ ط السلفية) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) حديث: " إن الله لم يبعثني معنتًا. . . . " أخرجه مسلم (٣ / ١١٠٥ - ط الحلبي) من حديث أبي بكر ﵁.
الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَا بَال أَقْوَامٍ يَرْغَبُونَ عَمَّا رُخِّصَ لِي فِيهِ (١) وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَرَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ. . (٢) وَفِيهِ - أَيْضًا - أَنَّهُ ﵊: رَخَّصَ فِي الْكَفَّارَةِ قَبْل الْحِنْثِ (٣) .
وَرَخَّصَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْجَرِّ غَيْرِ الْمُزَفَّتِ مِنَ الأَْوْعِيَةِ (٤) . وَرَخَّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ قَبْل طَوَافِ الْوَدَاعِ (٥) . وَرَخَّصَ لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا (٦) . ﴿
وَرَخَّصَ فِي الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ. . (٧) وَفِي حَدِيثِ
_________
(١) حديث: " ما بال قوم يرغبون عما رخص لي فيه " أخرجه مسلم (٤ / ١٨٢٩ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
(٢) حديث: " نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في العرية " أخرجه البخاري الفتح (٤ / ٣٨٧ - ط السلفية) من حديث سهل بن أبي حثمة.
(٣) حديث: " رخص في الكفارة قبل الحنث " ورد من حديث أبي موسى الأشعري، أخرجه البخاري الفتح (١٢ / ٦٠٢ - ط السلفية) .
(٤) حديث: " رخص للمسلمين في الجر غير المزفت من الأوعية " أخرجه البخاري الفتح (١٠ / ٥٧ - ط السلفية) من حديث عبد الله بن عمرو.
(٥) حديث: " رخص للحائض أن تنفر قبل طواف الوداع " أخرجه البخاري الفتح (٣ / ٥٨٦ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٩٦٣ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس.
(٦) حديث: " رخص للزبير وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير " أخرجه البخاري (١٠ / ٢٩٥ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٦٤٦ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك.
(٧) حديث: " رخص في الرقية من العين " أخرجه مسلم (٤ / ١٧٢٥ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك.
جَزَاءِ الصَّيْدِ قَال النَّبِيُّ ﷺ: عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ (١) . يَعْنِي عَلَيْكُمْ بِالصَّوْمِ إِذَا كَانَ فِي تَعْوِيضِهِ بِالأَْنْعَامِ عُسْرٌ مَهْمَا كَانَ مَأْتَاهُ.
ب - نَفْيُ الْجُنَاحِ:
وَرَدَ الْجُنَاحُ مَنْفِيًّا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ آيَةً يُسْتَفَادُ مِنْ أَغْلَبِهَا التَّرْخِيصُ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَهْل الْعِلْمِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ﴾ (٢) .
ج - نَفْيُ الإِْثْمِ:
مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵎: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِل بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) .
د - الاِسْتِثْنَاءُ مِنْ حُكْمٍ عَامٍّ:
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: - فِي شَأْنِ الإِْكْرَاهِ -: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٤)
_________
(١) حديث: " عليكم برخصة الله التي رخص لكم " أخرجه مسلم (٢ / ٧٨٦ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله.
(٢) سورة النساء / ١٠١.
(٣) سورة البقرة / ١٧٣.
(٤) سورة النحل / ١٠٦.