الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢ الصفحة 29

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢

الإِْنْكَارِ بِقَلْبِهِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ. (١)

وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (مُنْكَر، دَعْوَة) .

ثَالِثًا: امْتِنَاعُ الرُّجُوعِ:

٢٩ - يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ لأَِسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْهَا:

أ - حُكْمُ الشَّرْعِ:

٣٠ - بَعْضُ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَتِمُّ لاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا نُزُولًا عَلَى حُكْمِ الشَّرْعِ، وَذَلِكَ كَالصَّدَقَةِ، فَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا؛ لأَِنَّ الصَّدَقَةَ لإِرَادَةِ الثَّوَابِ مِنَ اللَّهِ ﷿. وَقَدْ قَال عُمَرُ ﵁: مَنْ وَهَبَ هِبَةً عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ فَإِنَّهُ لاَ يَرْجِعُ فِيهَا وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، إِذِ الرَّأْيُ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ عَلَى الْوَلَدِ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا. (٢) وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ لِغَيْرِ الْوَلَدِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ - الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ

_________

(١) الاختيار ٤ / ١٧٦، وابن عابدين ٥ / ٢٢١ - ٢٢٢، والبدائع ٥ / ١٢٨، والدسوقي ٢ / ٣٣٧، والفواكه الدواني ٢ / ٤٢١، ومغني المحتاج ٣ / ٢٤٧، والمغني ٧ / ٥ - ٦، وأعلام الموقعين ٤ / ٢٠٩.

(٢) الهداية ٣ / ٢٣١، والكافي لابن عبد البر ٢ / ١٠٠٨، ونهاية المحتاج ٥ / ٤١٣، والمغني ٥ / ٦٨٤، والمبسوط ١٢ / ٣٤ - ٩٢

وَالْحَنَابِلَةِ - لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يَحِل لِلرَّجُل أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا إِلاَّ الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ (١) . وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ لِذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، وَلاَ فِي هِبَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلآْخَرِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الرَّجُل أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا (٢) أَيْ لَمْ يُعَوَّضْ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ عِوَضٌ مَعْنًى؛ لأَِنَّ التَّوَاصُل سَبَبُ التَّنَاصُرِ وَالتَّعَاوُنِ فِي الدُّنْيَا، فَيَكُونُ وَسِيلَةً إِلَى اسْتِيفَاءِ النُّصْرَةِ، وَسَبَبِ الثَّوَابِ فِي الدَّارِ الآْخِرَةِ، فَكَانَ أَقْوَى مِنَ الْمَال، وَأَمَّا امْتِنَاعُ الرُّجُوعِ بِالنِّسْبَةِ لِهِبَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلآْخَرِ؛ فَلأَِنَّ صِلَةَ الزَّوْجِيَّةِ تَجْرِي مَجْرَى صِلَةِ الْقَرَابَةِ الْكَامِلَةِ، بِدَلِيل أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ التَّوَارُثِ فِي جَمِيعِ الأَْحْوَال.

وَكَذَلِكَ يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ إِلَى الْفَقِيرِ بَعْدَ قَبْضِهَا؛ لأَِنَّ الْهِبَةَ إِلَى الْفَقِيرِ صَدَقَةٌ؛ لأَِنَّهُ يَطْلُبُ بِهَا الثَّوَابَ كَالصَّدَقَةِ وَلاَ رُجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْفَقِيرِ بَعْدَ قَبْضِهَا لِحُصُول الثَّوَابِ

_________

(١) الحطاب ٦ / ٦٤، والمهذب ١ / ٤٥٤، والمغني ٥ / ٦٨٢ - ٦٨٣، وحديث: " لا يحل للرجل أن يعطي عطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده " أخرجه الترمذي (٤ / ٤٤٢ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمرو، وقال: " حديث حسن صحيح ".

(٢) حديث: " الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٩٨ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، وضعفه البوصيري في مصباح الزجاجة (٢ / ٤٠ - ط دار الجنان) .

الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْعِوَضِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى. (١)

وَالْوَقْفُ إِذَا تَمَّ وَلَزِمَ لاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ لأَِنَّهُ مِنَ الصَّدَقَةِ، (٢) وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَال: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تَأْمُرُ بِهِ؟ فَقَال: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا

قَال: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ (٣) .

انْظُرْ: مُصْطَلَحَاتِ: (صَدَقَة، وَقْف، هِبَة)

ب - الْعُقُودُ اللاَّزِمَةُ:

٣١ - الْعُقُودُ اللاَّزِمَةُ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ إِذَا تَمَّتْ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول، وَخَلَتْ مِنَ الْخِيَارَاتِ لاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ - إِلاَّ بِرِضَاهُمَا مَعًا كَمَا فِي الإِْقَالَةِ - وَذَلِكَ أَنَّ الْعَقْدَ إِذَا لَزِمَ وَتَمَّ لاَ يَقْبَل الْفَسْخَ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ بِلاَ مُوجِبٍ؛ لأَِنَّهَا أَوْجَبَتْ حَقًّا لاَزِمًا أَوْ مِلْكًا لاَزِمًا لِلْغَيْرِ، وَقَدْ قَال

_________

(١) البدائع ٦ / ١٣٢ - ١٣٣

(٢) ابن عابدين ٣ / ٣٦١، والكافي لابن عبد البر ٢ / ١٠١٢، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٨٥، والمغني ٥ / ٦٠٠.

(٣) حديث: " أصاب عمر أرضًا بخيبر " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٣٥٥ - ط السلفية) .

عُمَرُ ﵁: الْبَيْعُ صَفْقَةٌ أَوْ خِيَارٌ. (١)

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ (بَيْع، إِجَارَة) .

ج - تَعَذُّرُ الرُّجُوعِ:

٣٢ - تَعَذُّرُ الرُّجُوعِ فِيمَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ قَدْ يَمْنَعُ حَقَّ الرُّجُوعِ وَيُسْقِطُهُ. وَمِنْ ذَلِكَ تَعَذُّرُ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ الَّتِي يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا، وَذَلِكَ كَخُرُوجِ الْمَوْهُوبِ مِنْ مِلْكِ الْوَاهِبِ، وَمَوْتِ الْوَاهِبِ أَوِ الْمَوْهُوبِ لَهُ. وَالزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ، عَلَى مَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، أَوِ الْمُنْفَصِلَةِ كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ. أَوْ كَانَ الاِبْنُ تَزَوَّجَ لأَِجْل الْهِبَةِ كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. (٢) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (هِبَة) .

د - الإِْسْقَاطُ:

٣٣ - مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ السَّاقِطَ يُصْبِحُ كَالْمَعْدُومِ لاَ سَبِيل إِلَى إِعَادَتِهِ إِلاَّ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ يَصِيرُ مِثْلَهُ لاَ عَيْنَهُ.

وَمِنَ الْحُقُوقِ مَا يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ فِيهَا بَعْدَ إِسْقَاطِهَا.

_________

(١) البدائع ٤ / ٢٠١، ٥ / ٢٩٧، ٣٠٦، ٧ / ٢٨، وجواهر الإكليل ٢ / ٢ شرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٧١

(٢) البدائع ٦ / ١٢٩، والهداية ٣ / ٢٢٧، والزيلعي ٥ / ٩٨، ومنح الجليل ٤ / ١٠٦، ومغني المحتاج ٢ / ٤٠٣، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٢٦، والبدائع ٦ / ١٢٨.

وَمِنْ ذَلِكَ: إِذَا أَبْرَأَ الدَّائِنُ الْمَدِينَ فَقَدْ سَقَطَ الدَّيْنُ وَلاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ إِلَى مُطَالَبَةِ الْمَدِينِ إِلاَّ إِذَا وُجِدَ سَبَبٌ جَدِيدٌ، وَمِنْ ذَلِكَ حَقُّ الْقِصَاصِ لَوْ عُفِيَ عَنْهُ فَقَدْ سَقَطَ وَسَلِمَتْ نَفْسُ الْقَاتِل وَلاَ تُسْتَبَاحُ إِلاَّ بِجِنَايَةٍ أُخْرَى وَكَمَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي الشُّفْعَةِ فَلاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ إِلَى الْمُطَالَبَةِ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ قَدْ بَطَل فَلاَ يَعُودُ إِلاَّ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ؛

وَكَذَلِكَ الرِّضَا بِالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ وَالتَّصَرُّفُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُسْقِطُ حَقَّ الْمُشْتَرِي وَلاَ يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ بِالْعَيْبِ أَوْ بِفَسْخِ الْبَيْعِ.

وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ (١) وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي: (إِسْقَاط، شُفْعَة، قِصَاص، خِيَار) .

رَابِعًا: مَا يَكُونُ بِهِ الرُّجُوعُ:

٣٤ - الرُّجُوعُ قَدْ يَكُونُ بِالْقَوْل كَقَوْل الْمُوصِي: رَجَعْتُ فِي الْوَصِيَّةِ أَوْ فَسَخْتُهَا، أَوْ رَدَدْتُهَا، أَوْ أَبْطَلْتُهَا، أَوْ نَقَضْتُهَا.

وَمِثْل ذَلِكَ فِي الْهِبَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُودِ الَّتِي يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا.

وَكَقَوْل الرَّاجِعِ عَنِ الإِْقْرَارِ بِالزِّنَى: كَذَبْتُ، أَوْ رَجَعْتُ عَمَّا أَقْرَرْتُ بِهِ، أَوْ مَا زَنَيْتُ.

وَقَدْ يَكُونُ الرُّجُوعُ بِالتَّصَرُّفِ كَأَنْ يَفْعَل فِي

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٠، وشرح المجلة للأتاسي ١ / ١١٨، مادة ٥١، وجواهر الإكليل ٢ / ١٦٢، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٢٨٨.

الْمُوصَى بِهِ فِعْلًا يُسْتَدَل بِهِ عَلَى الرُّجُوعِ، فَلَوْ أَنَّ الْمُوصِيَ فَعَل فِي الْمُوصَى بِهِ فِعْلًا لَوْ فَعَلَهُ فِي الْمَغْصُوبِ لاَنْقَطَعَ بِهِ مِلْكُ الْمَالِكِ كَانَ رُجُوعًا كَمَا لَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ، وَكَمَا إِذَا أَوْصَى بِثَوْبٍ ثُمَّ قَطَعَهُ وَخَاطَهُ قَمِيصًا، أَوْ بِقُطْنٍ ثُمَّ غَزَلَهُ، أَوْ بِحَدِيدَةٍ ثُمَّ صَنَعَ مِنْهَا إِنَاءً؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأَْفْعَال لَمَّا أَوْجَبَتْ حُكْمَ الثَّابِتِ فِي الْمَحَل وَهُوَ الْمِلْكُ فَلأَنْ تُوجِبَ بُطْلاَنَ مُجَرَّدِ كَلاَمٍ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ أَصْلًا أَوْلَى؛ وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ أَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَْفْعَال تُبَدِّل الْعَيْنَ وَتُصَيِّرُهَا شَيْئًا آخَرَ اسْمًا وَمَعْنًى فَكَانَ اسْتِهْلاَكًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَكَانَ دَلِيل الرُّجُوعِ. (١)

لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْجُحُودِ أَوِ الإِْنْكَارِ هَل يَكُونُ رُجُوعًا؟ .

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْجَحْدَ لاَ يَكُونُ رُجُوعًا.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ رِوَايَتَانِ، جَاءَ فِي بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ: لَوْ أَوْصَى ثُمَّ جَحَدَ الْوَصِيَّةَ ذَكَرَ فِي الأَْصْل أَنَّهُ يَكُونُ رُجُوعًا وَلَمْ يَذْكُرْ خِلاَفًا؛ لأَِنَّ مَعْنَى الرُّجُوعِ عَنِ الْوَصِيَّةِ هُوَ فَسْخُهَا وَإِبْطَالُهَا، وَفَسْخُ الْعَقْدِ كَلاَمٌ يَدُل عَلَى عَدَمِ الرِّضَا بِالْعَقْدِ السَّابِقِ وَبِثُبُوتِ حُكْمِهِ، وَالْجُحُودُ فِي مَعْنَاهُ؛ لأَِنَّ الْجَاحِدَ لِتَصَرُّفٍ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ غَيْرُ رَاضٍ بِهِ

_________

(١) البدائع ٧ / ٦١، ٣٧٨، وجواهر الإكليل ٢ / ٣١٨، ومغني المحتاج ٣ / ٧١ - ٧٢، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٤٥.

وَبِثُبُوتِ حُكْمِهِ، فَيَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى الْفَسْخِ، فَحَصَل مَعْنَى الرُّجُوعِ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ ثُمَّ عُرِضَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْغَدِ فَقَال: لاَ أَعْرِفُ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ، قَال: هَذَا رُجُوعٌ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَال: لَمْ أُوصِ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ.

وَقَال مُحَمَّدٌ: لاَ يَكُونُ الْجَحْدُ رُجُوعًا، وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ: إِذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ ثُمَّ قَال بَعْدَ ذَلِكَ: اشْهَدُوا أَنِّي لَمْ أُوصِ لِفُلاَنٍ بِقَلِيلٍ وَلاَ كَثِيرٍ لَمْ يَكُنْ هَذَا رُجُوعًا مِنْهُ عَنْ وَصِيَّةِ فُلاَنٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلاَفًا؛ لأَِنَّ الرُّجُوعَ عَنِ الْوَصِيَّةِ يَسْتَدْعِي سَابِقِيَّةَ وُجُودِ الْوَصِيَّةِ، وَالْجُحُودُ إِنْكَارُ وُجُودِهَا أَصْلًا، فَلاَ يَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى الرُّجُوعِ، فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَل رُجُوعًا. قَال الْكَاسَانِيُّ: فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا ذُكِرَ فِي الأَْصْل قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ قَوْل مُحَمَّدٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ. (١)

وَمِمَّا يُعْتَبَرُ رُجُوعًا عَنِ الإِْقْرَارِ بِالزِّنَى هُرُوبُ الزَّانِي وَلَوْ فِي أَثْنَاءِ إِقَامَةِ الْحَدِّ؛ لأَِنَّ الْهَرَبَ دَلِيل الرُّجُوعِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا هَرَبَ مَاعِزٌ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: هَلاَّ تَرَكْتُمُوهُ وَجِئْتُمُونِي بِهِ (٢) وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَمَّا

_________

(١) البدائع ٧ / ٣٨٠ - ٣٨١، ومغني المحتاج ٣ / ٧١، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٤٦.

(٢) حديث: " هلا تركتموه وجئتموني به " أخرجه أبو داود ٤ / ٥٧٦ - ٥٧٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث جابر بن عبد الله.

عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَلاَ يُعْتَبَرُ الْهَرَبُ رُجُوعًا، إِلاَّ أَنْ يُصَرِّحَ بِالرُّجُوعِ، وَالْهَرَبُ فَقَطْ لاَ يُعْتَبَرُ رُجُوعًا، وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ؛ لأَِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِالإِْقْرَارِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالرُّجُوعِ، وَلَكِنْ يُكَفُّ عَنْهُ فَإِنْ رَجَعَ فَذَاكَ، وَإِلاَّ حُدَّ. (١)

خَامِسًا: ارْتِجَاعُ الزَّوْجَةِ:

٣٥ - ارْتِجَاعُ الزَّوْجَةِ الْمُطَلَّقَةِ يُسَمَّى رَجْعَةً، وَهِيَ لُغَةً - بِفَتْحِ الرَّاءِ - الْمَرَّةُ مِنَ الرُّجُوعِ، وَشَرْعًا: رَدُّ الْمَرْأَةِ إِلَى النِّكَاحِ مِنْ طَلاَقٍ غَيْرِ بَائِنٍ فِي الْعِدَّةِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٢) أَيْ رَجْعَتِهِنَّ، وَلَمَّا طَلَّقَ النَّبِيُّ حَفْصَةَ ﵂ جَاءَهُ جِبْرِيل فَقَال لَهُ: رَاجِعْ حَفْصَةَ فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ فَرَاجَعَهَا (٣) .، وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ تَمَسُّ إِلَى الرَّجْعَةِ؛ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ قَدْ يُطَلِّقُ ثُمَّ يَنْدَمُ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّدَارُكِ، وَالرَّجْعَةُ تَكُونُ بِالْقَوْل

_________

(١) البدائع ٧ / ٦١، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٨٥، ومغني المحتاج ٤ / ١٥١، ومنتهى الإرادات ٣ / ٣٤٠.

(٢) سورة البقرة / ٢٢٨.

(٣) حديث: " لما طلق النبي ﷺ حفصة جاءه جبريل " أخرجه الحاكم ٤ / ١٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث قيس بن زيد مرسلًا، ولكن الحديث صحيح دون ذكر أمر جبريل، ورد من حديث عمر بن الخطاب، أخرجه أبو داود ٢ / ٧١٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، والحاكم (٢ / ١٩٧ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

بِاتِّفَاقٍ كَقَوْل الزَّوْجِ: رَاجَعْتُ زَوْجَتِي، أَوِ ارْتَجَعْتُهَا، أَوْ رَدَدْتُهَا.

وَتَكُونُ بِالْوَطْءِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ)، وَتَكُونُ بِالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ بِشَهْوَةٍ، وَالنَّظَرِ إِلَى الْفَرْجِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ سَمَّى الرَّجْعَةَ رَدًّا، وَالرَّدُّ لاَ يَخْتَصُّ بِالْقَوْل كَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَرَدِّ الْوَدِيعَةِ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى - لاَ تَحْصُل الرَّجْعَةُ بِالْفِعْل؛ لأَِنَّ الرَّجْعَةَ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ أُمِرَ بِالإِْشْهَادِ فِيهِ فَلَمْ يَحْصُل مِنَ الْقَادِرِ بِغَيْرِ قَوْلٍ كَالنِّكَاحِ. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. (١)

وَفِي بَيَانِ أَرْكَانِ الرَّجْعَةِ وَشُرُوطِهَا يُنْظَرُ: (رَجْعَة) .

سَادِسًا: أَثَرُ الرُّجُوعِ:

٣٦ - لِلرُّجُوعِ آثَارٌ مُتَعَدِّدَةٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ وَإِلَيْهِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَأْتِي:

أ - أَثَرُ الرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَةِ:

٣٧ - الرُّجُوعُ عَنِ الشَّهَادَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْل

_________

(١) البدائع ٣ / ١٨٠ - ١٨١ - ١٨٢ - ١٨٣، وجواهر الإكليل ١ / ٣٦٢، والمهذب ٢ / ١٠٤، ومغني المحتاج ٣ / ٣٣٥، والمغني ٧ / ٢٨٣.

الْحُكْمِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْل اسْتِيفَاءِ الْمَحْكُومِ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الاِسْتِيفَاءِ. فَإِنْ كَانَ الرُّجُوعُ قَبْل الْحُكْمِ امْتَنَعَ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ مَنْ رَجَعَ عَنْ شَهَادَتِهِ لِلتَّنَاقُضِ؛ وَلأَِنَّ الْحَاكِمَ لاَ يَدْرِي، أَصَدَقَ فِي الأَْوَّل أَمْ فِي الثَّانِي؟ فَيَنْتَفِي ظَنُّ الصِّدْقِ، وَكَذِبُهُ ثَابِتٌ لاَ مَحَالَةَ، إِمَّا فِي الشَّهَادَةِ أَوِ الرُّجُوعِ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَى الشُّهُودِ فِي مَالٍ لِعَدَمِ الإِْتْلاَفِ، لَكِنْ لَوْ كَانَ رُجُوعُهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِمْ فِي زِنَى حُدُّوا حَدَّ الْقَذْفِ وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ.

وَإِنْ كَانَ الرُّجُوعُ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْل اسْتِيفَاءِ الْمَحْكُومِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِمَالٍ لاَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ، وَيَضْمَنُ الشُّهُودُ الْمَال، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَشَمْسِ الأَْئِمَّةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفَرَّقَ شَيْخُ الإِْسْلاَمِ خُوَاهَرْ زَادَهْ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَال: إِنْ كَانَ الْمَال عَيْنًا ضَمِنَ الشُّهُودُ، سَوَاءٌ قَبَضَهُ الْمُدَّعِي أَمْ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَإِنْ كَانَ دَيْنًا لاَ يَضْمَنُ الشُّهُودُ إِلاَّ إِذَا قَبَضَهُ الْمُدَّعِي وَهُوَ الْمَشْهُودُ لَهُ فَإِنَّهُمَا يَضْمَنَانِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.

وَإِنْ كَانَ الرُّجُوعُ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْل الاِسْتِيفَاءِ فِي غَيْرِ الْمَال بِأَنْ كَانَ فِي قِصَاصٍ أَوْ حَدٍّ، فَلاَ تُسْتَوْفَى الْعُقُوبَةُ؛ لأَِنَّهَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَالرُّجُوعُ شُبْهَةٌ، وَهَذَا عِنْدَ الْجَمِيعِ إِلاَّ فِي قَوْلٍ لاِبْنِ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، لَكِنْ قِيل: إِنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ وَاسْتَحْسَنَ عَدَمَ الاِسْتِيفَاءِ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ دِيَةُ عَمْدٍ لِلْمَشْهُودِ لَهُ