الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢ الصفحة 22

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢

صَرِيحٌ فِي الرَّجْعَةِ، وَكَذَا إِذَا قَال: رَدَدْتُكِ أَوْ أَمْسَكْتُكِ ".

وَقَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الأَْلْفَاظَ الَّتِي تَصِحُّ بِهَا الرَّجْعَةُ إِلَى قِسْمَيْنِ:

الْقِسْمُ الأَْوَّل: اللَّفْظُ الصَّرِيحُ مِثْل رَاجَعْتُكِ وَارْتَجَعْتُكِ إِلَى نِكَاحِي، وَهَذَا الْقِسْمُ تَصِحُّ بِهِ الرَّجْعَةُ وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: الْكِنَايَةُ: وَهِيَ الأَْلْفَاظُ الَّتِي تَحْتَمِل مَعْنَى الرَّجْعَةِ وَمَعْنًى آخَرَ غَيْرَهَا، كَأَنْ يَقُول: أَنْتِ عِنْدِي كَمَا كُنْتِ، أَوْ أَنْتِ امْرَأَتِي وَنَوَى بِهِ الرَّجْعَةَ.

فَأَلْفَاظُ الْكِنَايَةِ تَحْتَمِل الرَّجْعَةَ وَغَيْرَهَا مِثْل أَنْتِ عِنْدِي كَمَا كُنْتِ، فَإِنَّهَا تَحْتَمِل كَمَا كُنْتِ زَوْجَةً، وَكَمَا كُنْتِ مَكْرُوهَةً، وَلِذَلِكَ قَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ وَيُسْأَل عَنْهَا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ الأَْلْفَاظِ مِثْل رَدَدْتُكِ وَأَمْسَكْتُكِ هَل هِيَ مِنَ الصَّرِيحِ أَوِ الْكِنَايَةِ، فَذَهَبَ فَرِيقٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهَا مِنْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ وَتَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ.

وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ " رَدَدْتُكِ " يَحْتَمِل الرَّدَّ إِلَى الزَّوْجِيَّةِ أَوْ إِلَى بَيْتِ أَبِيهَا، " وَأَمْسَكْتُكِ " يَحْتَمِل الإِْمْسَاكَ بِالزَّوْجِيَّةِ أَوِ الإِْمْسَاكَ عَنِ الْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهَا فِي عِدَّتِهَا.

وَذَهَبَ فَرِيقٌ آخَرُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَمَعَهُمْ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ هَذَيْنِ

اللَّفْظَيْنِ مِنْ صَرِيحِ الرَّجْعَةِ فَلاَ يَحْتَاجَانِ إِلَى نِيَّةٍ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهَا أَحْكَامُ الرَّجْعَةِ دَلَّتْ عَلَيْهَا بِلَفْظَيِ الرَّدِّ وَالإِْمْسَاكِ (١) . قَال تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (٢) وَقَال تَعَالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٣) .

ثَانِيًا: الرَّجْعَةُ بِالْفِعْل:

١٣ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْجِمَاعَ وَمُقَدِّمَاتِهِ تَصِحُّ بِهِمَا الرَّجْعَةُ، جَاءَ فِي الْهِدَايَةِ " قَال: أَوْ يَطَؤُهَا، أَوْ يَلْمَسُهَا بِشَهْوَةٍ، أَوْ يَنْظُرُ إِلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ، وَهَذَا عِنْدَنَا (٤) "، وَقَوْلُهُمْ هَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَهُمْ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَطَاوُسٌ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّعْبِيُّ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَكُونُ النَّظَرُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ جَسَدِ الزَّوْجَةِ سِوَى الْفَرْجِ رَجْعَةً.

وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الرَّجْعَةَ تُعْتَبَرُ اسْتِدَامَةً لِلنِّكَاحِ

_________

(١) البناية على الهداية ٤ / ٥٩٢ - ٥٩٣، وبدائع الصنائع ٣ / ١٨١ - ١٨٢، والخرشي ٤ / ٨٠، ومغني المحتاج ٣ / ٣٣٧، وكشاف القناع ٥ / ٣٤٢.

(٢) سورة البقرة / ٢٢٨.

(٣) سورة الطلاق / ٢.

(٤) الهداية مع حاشية البناية ٤ / ٥٩٣.

وَاسْتِمْرَارًا لِجَمِيعِ آثَارِهِ، وَمِنْ آثَارِ النِّكَاحِ حِل الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، لِذَلِكَ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ بِالْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ مَا زَال مَوْجُودًا إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ.

كَمَا أَنَّ الأَْفْعَال صَرِيحَهَا وَدَلاَلَتَهَا تَدُل عَلَى نِيَّةِ الْفَاعِل، فَإِذَا وَطِئَ الزَّوْجُ مُطَلَّقَتَهُ الرَّجْعِيَّةَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، أَوْ قَبَّلَهَا بِشَهْوَةٍ، أَوْ لاَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ، اعْتُبِرَ هَذَا الْفِعْل رَجْعَةً بِالدَّلاَلَةِ، فَكَأَنَّهُ بِوَطْئِهَا قَدْ رَضِيَ أَنْ تَعُودَ إِلَى عِصْمَتِهِ.

وَقَدْ قَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ الْقُبْلَةَ وَالنَّظَرَ إِلَى الْفَرْجِ وَاللَّمْسِ بِالشَّهْوَةِ. أَمَّا إِذَا حَصَل لَمْسٌ أَوْ نَظَرٌ إِلَى الْفَرْجِ، أَوْ تَقْبِيلٌ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فَلاَ تَتَحَقَّقُ الرَّجْعَةُ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الأَْشْيَاءَ الْمَذْكُورَةَ، إِذَا كَانَتْ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَإِنَّهَا تَحْصُل مِنَ الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ كَالْمُسَاكِنِينَ لَهَا، أَوِ الْمُتَحَدِّثِينَ مَعَهَا، أَوِ الطَّبِيبِ وَالْقَابِلَةِ (الْمُوَلِّدَةِ) أَمَّا وُجُودُ الشَّهْوَةِ مَعَ هَذِهِ الأَْفْعَال فَإِنَّهَا لاَ تَحْصُل إِلاَّ مِنَ الزَّوْجِ فَقَطْ.

فَإِذَا صَحَّتِ الرَّجْعَةُ مَعَ هَذِهِ الأَْفْعَال بِغَيْرِ شَهْوَةٍ احْتَاجَ الزَّوْجُ إِلَى طَلاَقِهَا، فَتَطُول عَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَتَقَعُ الْمَرْأَةُ فِي حَرَجٍ شَدِيدٍ (١) .

وَإِذَا حَدَثَتْ هَذِهِ الأَْشْيَاءُ مِنَ الْمَرْأَةِ كَأَنْ قَبَّلَتْ زَوْجَهَا، أَوْ نَظَرَتْ إِلَيْهِ، أَوْ لَمَسَتْهُ بِشَهْوَةٍ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ. وَاسْتَدَلاَّ عَلَى

_________

(١) البناية على الهداية ٤ / ٥٩٤، وبدائع الصنائع ٣ / ١٨١ - ١٨٢، والمبسوط للسرخسي ٦ / ٢١.

ذَلِكَ بِأَنَّ حِل الْمُعَاشَرَةِ الزَّوْجِيَّةِ قَدْ ثَبَتَ لَهُمَا مَعًا، فَتَصِحُّ الرَّجْعَةُ مِنْهَا إِذَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِشَهْوَةٍ، كَمَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْهُ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ تَثْبُتُ مِنْ جِهَتِهَا، كَأَنْ عَاشَرَتِ ابْنَ زَوْجِهَا أَوْ أَبَاهُ، كَمَا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ أَيْضًا، لِذَلِكَ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ مِنْ جِهَتِهَا إِذَا لَمَسَتْهُ أَوْ قَبَّلَتْهُ بِشَهْوَةٍ، أَوْ رَأَتْ فَرْجَهُ بِشَهْوَةٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لاَ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ مِنْ جِهَتِهَا إِذَا لَمَسَتْهُ أَوْ قَبَّلَتْهُ بِشَهْوَةٍ أَوْ نَظَرَتْ إِلَى فَرْجِهِ بِشَهْوَةٍ، وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الرَّجْعَةَ حَقٌّ لِلزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ حَتَّى إِنَّهُ يُرَاجِعُهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا، وَلَيْسَ لَهَا حَقُّ مُرَاجَعَةِ زَوْجِهَا لاَ بِالْقَوْل وَلاَ بِالْفِعْل، فَسَوَاءٌ نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا لاَ تَثْبُتُ لَهَا الرَّجْعَةُ (١) .

١٤ - وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ صِحَّةَ الرَّجْعَةِ بِالْفِعْل كَالْوَطْءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَنْوِيَ الزَّوْجُ بِهَذِهِ الأَْفْعَال الرَّجْعَةَ، فَإِذَا قَبَّلَهَا أَوْ لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ، أَوْ نَظَرَ إِلَى مَوْضِعِ الْجِمَاعِ بِشَهْوَةٍ، أَوْ وَطِئَهَا وَلَمْ يَنْوِ الرَّجْعَةَ فَلاَ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ بِفِعْل هَذِهِ الأَْشْيَاءِ، جَاءَ فِي الْخَرَشِيِّ مَا نَصُّهُ: أَنَّ الرَّجْعَةَ لاَ تَحْصُل بِفِعْلٍ مُجَرَّدٍ عَنْ نِيَّةِ الرَّجْعَةِ وَلَوْ بِأَقْوَى الأَْفْعَال كَوَطْءٍ وَقُبْلَةٍ وَلَمْسٍ، وَالدُّخُول عَلَيْهَا مِنَ الْفِعْل فَإِذَا نَوَى بِهِ الرَّجْعَةَ كَفَى (٢) .

_________

(١) المبسوط ٦ / ٢٢، وما بعدها، والبناية للعيني ٤ / ٥٩٥ - ٥٩٦

(٢) الخرشي ٤ / ٨١، والدسوقي ٢ / ٣٧٠.

١٥ - وَالرَّجْعَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ تَصِحُّ بِالْفِعْل مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ بِوَطْءٍ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْفِعْل مَصْحُوبًا بِنِيَّةِ الزَّوْجِ فِي الرَّجْعَةِ أَوْ لاَ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ فِي الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ تُعْتَبَرُ أَجْنَبِيَّةً عَنِ الزَّوْجِ فَلاَ يَحِل لَهُ وَطْؤُهَا، وَالرَّجْعَةُ فِي الْعِدَّةِ تُعْتَبَرُ إِعَادَةً لِعَقْدِ الزَّوَاجِ، وَكَمَا أَنَّ عَقْدَ الزَّوَاجِ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِالْقَوْل الدَّال عَلَيْهِ، فَكَذَا الرَّجْعَةُ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ بِالْقَوْل الدَّال عَلَيْهَا أَيْضًا، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا وَطِئَ امْرَأَةً قَبْل عَقْدِ النِّكَاحِ فَوَطْؤُهُ حَرَامٌ، فَكَذَا الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ لَوْ وَطِئَهَا الزَّوْجُ فِي الْعِدَّةِ فَوَطْؤُهُ هَذَا حَرَامٌ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ فِي الأُْمِّ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ أَنَّ الرَّجْعَةَ حَقٌّ لِلأَْزْوَاجِ، وَأَنَّ الرَّدَّ ثَابِتٌ لَهُمْ دُونَ رِضَى الْمَرْأَةِ قَال: وَالرَّدُّ يَكُونُ بِالْكَلاَمِ دُونَ الْفِعْل مِنْ جِمَاعٍ وَغَيْرِهِ؛ لأَِنَّهُ رَدٌّ بِلاَ كَلاَمٍ، فَلاَ تَثْبُتُ رَجْعَةٌ لِرَجُلٍ عَلَى امْرَأَتِهِ حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِالرَّجْعَةِ، كَمَا لاَ يَكُونُ نِكَاحٌ وَلاَ طَلاَقٌ حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِهِمَا، فَإِذَا تَكَلَّمَ بِهَا فِي الْعِدَّةِ ثَبَتَتْ لَهُ الرَّجْعَةُ (١) . "

١٦ - وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ فِي صِحَّةِ الرَّجْعَةِ بَيْنَ الْوَطْءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، فَإِنَّ الرَّجْعَةَ عِنْدَهُمْ تَصِحُّ بِالْوَطْءِ وَلاَ تَصِحُّ بِمُقَدِّمَاتِهِ وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ ذَلِكَ:

أَوَّلًا: صِحَّةُ الرَّجْعَةِ بِالْوَطْءِ:

١٧ - تَصِحُّ الرَّجْعَةُ عِنْدَهُمْ بِالْوَطْءِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ

_________

(١) الأم ٦ / ٢٤٤، وروضة الطالبين للنووي ٨ / ٢١٧ ط - المكتب الإسلامي.

نَوَى الزَّوْجُ الرَّجْعَةَ أَوْ لَمْ يَنْوِهَا وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَى ذَلِكَ (١) .

وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ: أَنَّ فَتْرَةَ الْعِدَّةِ تُؤَدِّي إِلَى بَيْنُونَةِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الرَّجْعَةِ، فَإِذَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ وَوَطِئَهَا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَقَدْ عَادَتْ إِلَيْهِ، وَيَكُونُ هَذَا مِثْل حُكْمِ الإِْيلاَءِ، فَإِذَا آلَى الزَّوْجُ مِنْ زَوْجَتِهِ ثُمَّ وَطِئَهَا فَقَدِ ارْتَفَعَ حُكْمُ الإِْيلاَءِ، فَكَذَا الْحَال فِي الرَّجْعَةِ إِذَا وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ فَقَدْ عَادَتْ إِلَيْهِ. .

ثُمَّ ذَكَرُوا دَلِيلًا آخَرَ يُؤَكِّدُ صِحَّةَ الرَّجْعَةِ بِالْوَطْءِ، جَاءَ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ عَلَى الْمُقْنِعِ " أَنَّ الطَّلاَقَ سَبَبٌ لِزَوَال الْمِلْكِ وَمَعَهُ خِيَارٌ، فَتَصَرُّفُ الْمَالِكِ بِالْوَطْءِ يَمْنَعُ عَمَلَهُ كَمَا يَنْقَطِعُ بِهِ التَّوْكِيل فِي طَلاَقِهَا (٢) "، هَذَا مَا اسْتَدَل بِهِ الْحَنَابِلَةُ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ.

ثَانِيًا: مُقَدِّمَاتُ الْوَطْءِ:

١٨ - اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ فِي صِحَّةِ الرَّجْعَةِ بِمُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ، فَالرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ أَحْمَدَ عَدَمُ صِحَّةِ الرَّجْعَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَوْضِعِ الْجِمَاعِ وَاللَّمْسِ وَالتَّقْبِيل بِشَهْوَةٍ، وَحُجَّةُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا يَأْتِي:

١ - أَنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ الْمَذْكُورَةَ إِذَا حَدَثَتْ لاَ

_________

(١) كشاف القناع ٥ / ٣٤٣.

(٢) الشرح الكبير لابن قدامة المقدسي مع المغني ٨ / ٤٧٥.

يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا عِدَّةٌ وَلاَ يَجِبُ بِهَا مَهْرٌ فَلاَ تَصِحُّ بِهَا الرَّجْعَةُ.

٢ - أَنَّ النَّظَرَ إِلَى مَوْضِعِ الْجِمَاعِ أَوِ اللَّمْسَ قَدْ يَحْدُثُ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ لِلْحَاجَةِ، فَلاَ تَكُونُ رَجْعَةً مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ.

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى هِيَ: تَصِحُّ الرَّجْعَةُ بِفِعْل هَذِهِ الأَْشْيَاءِ لأَِنَّهَا لاَ تَخْلُو مِنَ اسْتِمْتَاعٍ يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. وَالرِّوَايَةُ الأُْولَى: هِيَ الْمُعْتَمَدَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهَا أَحْمَدُ ﵁.

وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ هَل تَصِحُّ مَعَهَا الرَّجْعَةُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: تَصِحُّ الرَّجْعَةُ مَعَ الْخَلْوَةِ لأَِنَّ أَحْكَامَ النِّكَاحِ تَتَقَرَّرُ بِالْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ بِالإِْضَافَةِ إِلَى إِمْكَانِ الاِسْتِمْتَاعِ فِي الْخَلْوَةِ.

الْقَوْل الثَّانِي: لاَ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ مَعَ الْخَلْوَةِ لأَِنَّ الْخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ فِي حَالَةِ الطَّلاَقِ لاَ يَتَأَتَّى فِيهَا الاِسْتِمْتَاعُ فَلاَ تَصِحُّ مَعَهَا الرَّجْعَةُ (١) . .

أَحْكَامُ الرَّجْعَةِ:

الإِْشْهَادُ عَلَى الرَّجْعَةِ:

١٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْجَدِيدُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ الإِْشْهَادَ عَلَى الرَّجْعَةِ مُسْتَحَبٌّ، وَهَذَا

_________

(١) الشرح الكبير ٨ / ٤٧٤، وكشاف القناع ٥ / ٣٤٣، وما بعدها.

الْقَوْل مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄، فَمَنْ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يُشْهِدْ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ؛ لأَِنَّ الإِْشْهَادَ مُسْتَحَبٌّ.

وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ مَا يَأْتِي:

١ - الرَّجْعَةُ مِثْل النِّكَاحِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا امْتِدَادًا لَهُ، وَمِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّ اسْتِدَامَةَ النِّكَاحِ لاَ تَلْزَمُهَا شَهَادَةٌ، فَكَذَا الرَّجْعَةُ لاَ تَجِبُ فِيهَا الشَّهَادَةُ.

٢ - الرَّجْعَةُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِ وَهِيَ لاَ تَحْتَاجُ لِقَبُول الْمَرْأَةِ، لِذَلِكَ لاَ تُشْتَرَطُ الشَّهَادَةُ لِصِحَّتِهَا؛ لأَِنَّ الزَّوْجَ قَدِ اسْتَعْمَل خَالِصَ حَقِّهِ، وَالْحَقُّ إِذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى قَبُولٍ أَوْ وَلِيٍّ فَلاَ تَكُونُ الشَّهَادَةُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ.

قَالُوا: وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١) هَذَا أَمْرٌ، وَالأَْمْرُ فِي هَذِهِ الآْيَةِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ لاَ عَلَى الْوُجُوبِ، مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٢) وَاتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ بِلاَ إِشْهَادٍ، فَكَذَا اسْتُحِبَّ الإِْشْهَادُ عَلَى الرَّجْعَةِ لِلأَْمْنِ مِنَ الْجُحُودِ، وَقَطْعِ النِّزَاعِ، وَسَدِّ بَابِ الْخِلاَفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. وَيُلاَحَظُ أَنَّ تَأْكِيدَ الْحَقِّ فِي الْبَيْعِ فِي حَاجَةٍ إِلَى إِشْهَادٍ أَكْثَرَ مِنَ الرَّجْعَةِ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ إِنْشَاءٌ لِتَصَرُّفٍ شَرْعِيٍّ، أَمَّا الرَّجْعَةُ فَهِيَ

_________

(١) سورة الطلاق / ٢.

(٢) سورة البقرة / ٢٨٢.

اسْتِدَامَةُ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ إِعَادَتُهَا، فَلَمَّا صَحَّ الْبَيْعُ بِلاَ إِشْهَادٍ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ بِلاَ إِشْهَادٍ مِنْ بَابِ أَوْلَى.

وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَوْ مَنَعَتْ زَوْجَهَا مِنْ وَطْئِهَا حَتَّى يُشْهِدَ عَلَى الرَّجْعَةِ كَانَ فِعْلُهَا هَذَا حَسَنًا وَتُؤْجَرُ عَلَيْهِ، وَلاَ تَكُونُ عَاصِيَةً لِزَوْجِهَا (١) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ بِأَنَّ الإِْشْهَادَ عَلَى الرَّجْعَةِ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ . وَبِالأَْثَرِ الْمَرْوِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَمَّنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلاَقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ وَقَعَ بِهَا وَلَمْ يُشْهِدْ، فَقَال: طَلَّقْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ وَرَاجَعْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، أَشْهِدْ عَلَى ذَلِكَ وَلاَ تَعُدْ؛ وَلأَِنَّ الرَّجْعَةَ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مُحَرَّمٍ فَيَلْزَمُهُ الإِْشْهَادُ.

وَقَال النَّوَوِيُّ: إِنَّ الإِْشْهَادَ عَلَى الرَّجْعَةِ لَيْسَ شَرْطًا وَلاَ وَاجِبًا فِي الأَْظْهَرِ (٢) .

_________

(١) البناية على الهداية ٤ / ٥٩٥، بدائع الصنائع ٣ / ١٨١، والمبسوط للسرخسي ٦ / ٢٢، الخرشي ٤ / ٨٧، حاشية الدسوقي ٢ / ٣٧٧، والشرح الكبير للدردير ٢ / ٣٧٧، وكشاف القناع ٥ / ٣٤٢ - ٣٤٣، الشرح الكبير لابن قدامة ٨ / ٤٧٢ - ٤٧٣

(٢) روضة الطالبين ٨ / ٢١٦، ومغني المحتاج ٣ / ٣٣٦، والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي ٨ / ٤٧٢ - ٤٧٣، وكشاف القناع ٥ / ٣٤٢، والمغني لابن قدامة ٨ / ٤٨١.

إعْلاَمُ الزَّوْجَةِ بِالرَّجْعَةِ:

٢٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ إِعْلاَمَ الزَّوْجَةِ بِالرَّجْعَةِ مُسْتَحَبٌّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ الْمُنَازَعَةِ الَّتِي قَدْ تَنْشَأُ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ.

قَال الْعَيْنِيُّ مَا نَصُّهُ: " وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعْلِمَهَا " أَيْ يُعْلِمَ الْمَرْأَةَ بِالرَّجْعَةِ، فَرُبَّمَا تَتَزَوَّجُ عَلَى زَعْمِهَا أَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يُرَاجِعْهَا وَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَيَطَؤُهَا الزَّوْجُ، فَكَانَتْ عَاصِيَةً بِتَرْكِ سُؤَال زَوْجِهَا وَهُوَ يَكُونُ مُسِيئًا بِتَرْكِ الإِْعْلاَمِ، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا لَوْ لَمْ يُعْلِمْهَا صَحَّتِ الرَّجْعَةُ؛ لأَِنَّهَا اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ الْقَائِمِ وَلَيْسَتْ بِإِنْشَاءٍ، فَكَانَ الزَّوْجُ مُتَصَرِّفًا فِي خَالِصِ حَقِّهِ، وَتَصَرُّفُ الإِْنْسَانِ فِي خَالِصِ حَقِّهِ لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ الْغَيْرِ (١) .

سَفَرُ الزَّوْجِ بِالْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ:

٢١ - ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ السَّفَرَ بِمُطَلَّقَتِهِ الرَّجْعِيَّةِ، أَمَّا الْجُمْهُورُ فَلاَ يُجِيزُونَ السَّفَرَ بِهَا؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً مِنْ كُل وَجْهٍ؛ وَلأَِنَّ الزَّوْجَ مَأْمُورٌ بِعَدَمِ إِخْرَاجِهَا مِنَ الْبَيْتِ فِي الْعِدَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (٢) .

وَلأَِنَّ الْعِدَّةَ قَدْ تَنْقَضِي وَهِيَ فِي السَّفَرِ مَعَهُ

_________

(١) البناية على الهداية ٤ / ٥٩٧، والمحلى لابن حزم الظاهري ١٠ / ٢٥١، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٨ / ١٥٩، والخرشي ٤ / ٨٧.

(٢) سورة الطلاق / ١.