الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١
فَحَدَّدَهُ بِاجْتِهَادِهِ، فَوَافَقَ النَّصَّ (١) .
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِثُبُوتِهِ بِالاِجْتِهَادِ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ (أَيِ الْبَصْرَةُ وَالْكُوفَةُ) أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَدَّ لأَِهْل نَجْدٍ قَرْنًا وَهُوَ جَوْرٌ (أَيْ مَيْلٌ) عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا قَال: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ، فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ (٢) .
هَذَا وَالأَْحْكَامُ الْخَاصَّةُ بِذَاتِ عِرْقٍ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَوَاقِيتِ الْمَكَانِيَّةِ يَذْكُرُهَا الْفُقَهَاءُ فِي الْحَجِّ وَيُبْحَثُ عَنْهَا أَيْضًا فِي مُصْطَلَحِ: (إِحْرَام، وَمِيقَات) .
_________
(١) شرح صحيح مسلم للنووي ٨ / ٨٦ ط. المصرية، المجموع ٧ / ١٩٤، ١٩٧ ط. السلفية، المغني ٣ / ٢٥٨ ط. الرياض.
(٢) فتح الباري ٣ / ٣٨٩ ط. الرياض، المجموع ٧ / ١٩٧ ط. السلفية. وحديث ابن عمر: " لما فتح هذان المصران. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٨٩ - ط السلفية) .
ذُؤَابَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الذُّؤَابَةِ فِي اللُّغَةِ: الضَّفِيرَةُ مِنَ الشَّعْرِ إِذَا كَانَتْ مُرْسَلَةً، وَطَرَفُ الْعِمَامَةِ، وَالْجَمْعُ الذُّؤَابَاتُ وَالذَّوَائِبُ (١) .
وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ الذُّؤَابَةَ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعَقِيصَةُ:
٢ - الْعَقِيصَةُ هِيَ الضَّفِيرَةُ مِنَ الشَّعْرِ إِذَا كَانَتْ مَلْوِيَّةً. وَتَخْتَلِفُ الْعَقِيصَةُ عَنِ الذُّؤَابَةِ فِي أَنَّ الذُّؤَابَةَ هِيَ الضَّفِيرَةُ مِنَ الشَّعْرِ إِذَا كَانَتْ مُرْسَلَةً (٣) .
ب - الضَّفِيرَةُ وَالضَّمِيرَةُ وَالْغَدِيرَةُ:
٣ - قَال النَّوَوِيُّ نَقْلًا عَنِ الأَْزْهَرِيِّ: الضَّفَائِرُ
_________
(١) المصباح المنير.
(٢) كشاف القناع ١ / ٥٧، ١١٩.
(٣) النهاية في غريب الحديث وكشاف القناع ١ / ٧٥، والمختصر في الشمائل المحمدية (ص٦٥) .
وَالضَّمَائِرُ وَالْغَدَائِرُ هِيَ الذَّوَائِبُ إِذَا أُدْخِل بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ نَسْجًا (١) .
الْعَذَبَةُ:
٤ - قَال الْقَسْطَلاَّنِيُّ: الْعَذَبَةُ الطَّرَفُ، كَعَذَبَةِ السَّوْطِ وَاللِّسَانِ أَيْ: طَرَفِهِمَا.
فَالطَّرَفُ الأَْعْلَى يُسَمَّى عَذَبَةً مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلاِصْطِلاَحِ الْعُرْفِيِّ الآْنَ (٢) .
وَالذُّؤَابَةُ شَرْعًا: هِيَ طَرَفُ الْعِمَامَةِ الْمُرْسَل عَلَى الْعُنُقِ فَأَسْفَل، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرْسَل الطَّرَفَ الأَْعْلَى أَوِ الأَْسْفَل (٣) .
فَالْعَذَبَةُ بِالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيِّ وَالذُّؤَابَةُ لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، إِذِ الذُّؤَابَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هِيَ طَرَفُ الْعِمَامَةِ الْمُرْخَى (٤) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالذُّؤَابَةِ:
أَوَّلًا: بِمَعْنَى الضَّفِيرَةِ:
١ - جَعْل الشَّعْرِ ذُؤَابَةً:
٥ - اتِّخَاذُ شَعْرِ الرَّأْسِ أَفْضَل مِنْ إِزَالَتِهِ (٥)، إِلاَّ أَنْ يَشُقَّ إِكْرَامُهُ، وَيَنْتَهِي لِرَجُلٍ إِلَى أُذُنَيْهِ، أَوْ
_________
(١) لسان العرب والمصباح مادة: " ضفر "، و" غدر "، و" ضمر "، والمجموع للنووي ٢ / ١٨٧، وانظر الشمائل المحمدية ص ٦٥.
(٢) إرشاد الساري ٨ / ٤٢٨.
(٣) الدين الخالص لمحمود السبكي ٦ / ٢٢٧، وانظر روضة الطالبين ٢ / ٦٩، والحطاب ١ / ٥٤١.
(٤) كشاف القناع ١ / ١١٩.
(٥) المغني ١ / ٨٨ ط الرياض، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٣٥٠، ونيل الأوطار ١ / ١٢٢ ط. العثمانية، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٨ / ٢٩٤ ط. ملتان.
إِلَى مَنْكِبَيْهِ كَشَعْرِهِ ﷺ (١) وَلاَ بَأْسَ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْمَنْكِبَيْنِ وَجَعْلِهِ ذُؤَابَةً (٢) . فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ قَدْمَةً وَلَهُ أَرْبَعُ غَدَائِرَ. (٣)
قَال صَاحِبُ الْمِرْقَاةِ: الْغَدَائِرُ جَمْعُ غَدِيرَةٍ بِمَعْنَى ضَفِيرَةٍ، وَيُقَال لَهَا ذُؤَابَةٌ أَيْضًا (٤) .
٢ - نَقْضُ الذَّوَائِبِ عِنْدَ الْغُسْل:
٦ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُنْقَضَ ضَفَائِرُهَا وَتُبَل ذَوَائِبُهَا عِنْدَ الْغُسْل إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ أُصُول شَعْرِهَا؛ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ: إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْل الْجَنَابَةِ؟ قَال: لاَ، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَفَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضَةِ وَالْجَنَابَةِ فَقَال: لاَ (٥) وَلأَِنَّ
_________
(١) حديث: ورد من حديث أنس: " كان يضرب شعر رأس النبي ﷺ منكبيه " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٥٦ - ط. السلفية)، ومسلم (٤ / ١٨١٩ - ط. الحلبي) .
(٢) مطالب أولي النهى (١ / ٨٥، ٨٦)، وكشاف القناع ١ / ٧٥.
(٣) حديث أم هانئ: " قدم رسول الله ﷺ مكة. . . " أخرجه الترمذي (٤ / ٢٤٦ - ط. الحلبي)، وأعله الترمذي بالانقطاع بين مجاهد وأم هانئ.
(٤) مرقاة المفاتيح شرح المشكاة ٨ / ٣٠١.
(٥) حديث أم سلمة: " إني امرأة أشد ضفر رأسي. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٢٥٩ - ٢٦٠ ط. الحلبي) بروايتيه.
فِي النَّقْضِ عَلَيْهَا حَرَجًا، وَفِي الْحَلْقِ مُثْلَةً فَسَقَطَ (١) .
وَيَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ لِسُقُوطِ وُجُوبِ نَقْضِ الشَّعْرِ الْمَضْفُورِ بِجَانِبِ كَوْنِ الشَّعْرِ رَخْوًا بِحَيْثُ يَدْخُل الْمَاءُ وَسْطَهُ أَنْ يَكُونَ مَضْفُورًا بِنَفْسِهِ أَوَبِخَيْطٍ أَوْ خَيْطَيْنِ (٢) .
أَمَّا مَا ضُفِرَ مِنَ الشَّعْرِ بِخُيُوطٍ كَثِيرَةٍ فَيَجِبُ نَقْضُهَا فِي الْوُضُوءِ، وَكَذَا فِي الْغُسْل اشْتَدَّتْ أَمْ لاَ، كَمَا أَنَّهُ يَجِبُ نَقْضُ الضَّفْرِ إِذَا اشْتَدَّ بِنَفْسِهِ فِي الْغُسْل خَاصَّةً، وَأَمَّا الْخَيْطُ وَالْخَيْطَانِ فَلاَ يَضُرَّانِ فِي وُضُوءٍ وَلاَ غُسْلٍ إِلاَّ أَنْ يَشْتَدَّا (٣) .
قَال الْحَنَابِلَةُ: تَنْقُضُ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا لِغُسْلِهَا مِنَ الْحَيْضِ وَلَيْسَ عَلَيْهَا نَقْضُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ إِذَا أَرْوَتْ أُصُولَهُ، وَهَذَا مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الْحَسَنِ وَطَاوُوسٍ.
قَال مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنِ الْمَرْأَةِ تَنْقُضُ شَعْرَهَا إِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الْجَنَابَةِ؟ فَقَال: لاَ، فَقُلْتُ لَهُ: فِي هَذَا شَيْءٌ؟ قَال: نَعَمْ - حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ (٤) . قُلْتُ: فَتَنْقُضُ
_________
(١) البناية ١ / ٢٦٢، ٢٦٣، والزيلعي ١ / ١٤، فتح القدير ١ / ٤٠ ط. الأميرية، والفتاوى الخانية بهامش الهندية ١ / ٣٣، ٣٤، المجموع ٢ / ١٨٦، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ١٨٨، ١٨٩ نشر دار المعرفة.
(٢) حاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ١٨٩ م.
(٣) الزرقاني ١ / ٥٩.
(٤) الحديث تقدم ف / ٥.
شَعْرَهَا مِنَ الْحَيْضِ؟ قَال: نَعَمْ، قُلْتُ لَهُ: وَكَيْفَ تَنْقُضُهُ مِنَ الْحَيْضَةِ وَلاَ تَنْقُضُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ؟ فَقَال: حَدِيثُ أَسْمَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لاَ تَنْقُضُهُ ".
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّهُ لاَ يَجِبُ نَقْضُ الشَّعْرِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَأَمَّا نَقْضُهُ لِلْغُسْل مِنَ الْحَيْضِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ وَهُوَ قَوْل الْحَسَنِ وَطَاوُوسٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لَهَا، إِذَا كَانَتْ حَائِضًا: انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي (١) وَلاَ يَكُونُ الْمُشْطُ إِلاَّ فِي شَعْرٍ غَيْرِ مَضْفُورٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: انْقُضِي شَعْرَكِ وَاغْتَسِلِي؛ وَلأَِنَّ الأَْصْل وُجُوبُ نَقْضِ الشَّعْرِ لِيَتَحَقَّقَ وُصُول الْمَاءِ إِلَى مَا يَجِبُ غَسْلُهُ فَعُفِيَ عَنْهُ فِي غُسْل الْجَنَابَةِ؛ لأَِنَّهُ يَكْثُرُ فَيَشُقُّ ذَلِكَ فِيهِ وَالْحَيْضُ بِخِلاَفِهِ فَبَقِيَ عَلَى مُقْتَضَى الأَْصْل فِي الْوُجُوبِ، وَقَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: هَذَا مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٢) .
_________
(١) حديث: " انقضى رأسك وامتشطي " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤١٧ - ط. السلفية)، ومسلم (٢ / ٨٧٠ - ط الحلبي) من حديث عائشة، والرواية الأخرى: " انقضي شعرك واغتسلي " في سنن ابن ماجه (١ / ٢١٠ - ط الحلبي) .
(٢) المغني ١ / ٢٢٥ - ٢٢٧، وكشاف القناع ١ / ١٥٤، والمجموع ٢ / ١٨٧.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - فِيمَا هُوَ مُقَابِلٌ لِلصَّحِيحِ - أَنَّهُ قَال: إِنَّ الْمَرْأَةَ تُسْبِل ذَوَائِبَهَا ثَلاَثًا مَعَ كُل بِلَّةٍ عَصْرَةٌ لِيَبْلُغَ الْمَاءُ شُعَبَ قُرُونِهَا (١) .
وَقَال ابْنُ الْهُمَامِ وَالْعَيْنِيُّ: وَالأَْصَحُّ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ لِلْحَصْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ (٢) . قَال النَّخَعِيُّ: يَجِبُ نَقْضُ الضَّفَائِرِ بِكُل حَالٍ (٣) .
هَذَا، وَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ شَعْرٌ مَضْفُورٌ فَهُوَ كَالْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ نَقْضُ شَعْرِهِ إِذَا كَانَ رَخْوًا بِحَيْثُ يَدْخُل الْمَاءُ وَسْطَهُ (٤) . وَقَال الصَّدْرُ الشَّهِيدُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِذَا أَضْفَرَ الرَّجُل شَعْرَهُ يَجِبُ إِيصَال الْمَاءِ إِلَى انْتِهَاءِ الشَّعْرِ قَال الْعَيْنِيُّ: وَالاِحْتِيَاطُ إِيصَال الْمَاءِ (٥) .
ثَانِيًا - بِمَعْنَى طَرَفِ الْعِمَامَةِ:
١ - إِرْخَاءُ الذُّؤَابَةِ
٧ - إِرْخَاءُ الذُّؤَابَةِ مِنَ السُّنَّةِ (٦)، فَقَدْ جَاءَ فِي
_________
(١) البناية ١ / ٢٦٣، والعناية بهامش فتح القدير ١ / ٤٠.
(٢) البناية ١ / ٢٦٢، وفتح القدير ١ / ٤٠، ٤١.
(٣) البناية ١ / ٢٦٢، والمجموع ٢ / ١٨٧.
(٤) حاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ١٨٩، والمجموع ٢ / ١٨٧، والمغني ١ / ٢٢٦، والبناية ١ / ٢٦٢.
(٥) البناية ١ / ٢٦٢.
(٦) الآداب الشرعية ٣ / ٥٣٦، وكشاف القناع ١ / ١١٩، وابن عابدين ٥ / ٤٨١، والاختيار ٤ / ١٧٨، ومواهب الجليل ١ / ٥٤١، وحاشية الجمل ٢ / ٨٩.
إِرْخَاءِ الذُّؤَابَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا صَحِيحٌ وَمِنْهَا حَسَنٌ، نَاصَّةٌ عَلَى فِعْلِهِ ﷺ لإِرْخَاءِ الذُّؤَابَةِ لِنَفْسِهِ وَلِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَعَلَى أَمْرِهِ بِهِ (١) .
فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اعْتَمَّ سَدَل عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ (٢) .
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَال: عَمَّمَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ فَسَدَلَهَا مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي (٣) .
قَال ابْنُ رَسْلاَنَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَهِيَ الَّتِي صَارَتْ شِعَارَ الصَّالِحِينَ الْمُتَمَسِّكِينَ بِالسُّنَّةِ، يَعْنِي إِرْسَال الْعِمَامَةِ عَلَى الصَّدْرِ. وَقَال: وَفِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ الْعِمَامَةِ الْمُقَعَّطَةِ (٤) . قَال أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُقَعَّطَةُ:
_________
(١) حاشية الجمل ٢ / ٨٩.
(٢) حديث: " كان إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه " أخرجه الترمذي (٤ / ٢٣٥ - ط الحلبي)، وقال: " حديث حسن غريب ".
(٣) حديث عبد الرحمن بن عوف: " عممني رسول الله ﷺ. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٣٤١ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وذكر المنذري في مختصره أنَّ في إسناده جهالة. مختصر السنن (٦ / ٤٥ - نشر دار المعرفة) .
(٤) قوله: وفي الحديث النهي عن العمامة المقعطة. ورد فيه ما ذكره أبو عبيد في غريب الحديث (٣ / ١٢٠ - ط دائرة المعارف العثمانية): " في حديثه ﵊ أنه أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط " ولم يذكر له إسنادًا.
الَّتِي لاَ ذُؤَابَةَ لَهَا وَلاَ حَنَكَ (١) .
قَال النَّوَوِيُّ: يَجُوزُ لُبْسُ الْعِمَامَةِ بِإِرْسَال طَرَفِهَا وَبِغَيْرِ إِرْسَالِهِ، وَلاَ كَرَاهَةَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَصِحَّ فِي النَّهْيِ عَنْ تَرْكِ إِرْسَالِهَا شَيْءٌ (٢) .
وَقَدِ اسْتَدَل عَلَى جَوَازِ تَرْكِ الْعَذَبَةِ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ دَخَل مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ (٣) بِدُونِ ذِكْرِ الذُّؤَابَةِ، قَال: فَدَل عَلَى أَنَّ الذُّؤَابَةَ لَمْ يَكُنْ يُرْخِيهَا دَائِمًا بَيْنَ كَتِفَيْهِ (٤) .
كَيْفِيَّةُ إِرْخَاءِ الذُّؤَابَةِ
٨ - لَقَدْ وَرَدَتْ عِدَّةُ أَحَادِيثَ فِي كَيْفِيَّةِ إِرْخَاءِ الذُّؤَابَةِ:
فَمِنْهَا مَا يَدُل عَلَى إِرْخَائِهَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ وَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى إِنَّ جَبْرَائِيل نَزَل عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ قَدْ أَرْخَى ذُؤَابَتَهُ مِنْ وَرَائِهِ (٥) .
_________
(١) نيل الأوطار ٢ / ١٠٨، ١٠٩ ط. العثمانية.
(٢) روضة الطالبين ٢ / ٦٩، ونيل الأوطار ٢ / ١١٠، وتحفة الأحوذي ٥ / ٤١٤.
(٣) حديث جابر: " أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء " أخرجه مسلم (٢ / ٩٩٠ - ط. الحلبي) .
(٤) نيل الأوطار ٢ / ١٠٩، وتحفة الأحوذي ٥ / ٤١٣.
(٥) تحفة الأحوذي ٥ / ٤١١، ٤١٢. وحديث أبي موسى: أن جبريل نزل على النبي ﷺ وعليه عمامة سوداء. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٥ / ١٢٠ - ط القدسي) وقال: " رواه الطبراني، وفيه عبيد الله بن تمام، وهو ضعيف ".
وَبِاسْتِحْبَابِ إِرْخَاءِ الذُّؤَابَةِ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ يَقُول الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (١) .
وَمِنَ الأَْحَادِيثِ مَا يَدُل عَلَى إِرْخَاءِ الذُّؤَابَةِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعْتَمِّ وَمِنْ خَلْفِهِ كَحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَال: عَمَّمَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ فَسَدَلَهَا مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي (٢) .
وَسُئِل مَالِكٌ عَنْ إِرْخَاءِ الْعِمَامَةِ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ قَال: لَمْ أَرَ أَحَدًا مِمَّنْ أَدْرَكْتُهُ يُرْخِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ إِلاَّ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَرَامٍ وَلَكِنْ يُرْسِلُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ أَكْمَل (٣) .
كَمَا أَنَّ هُنَاكَ أَحَادِيثَ تَدُل عَلَى إِرْخَاءِ الذُّؤَابَةِ مِنَ الْجَانِبِ الأَْيْمَنِ كَحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لاَ يُوَلِّي وَالِيًا حَتَّى يُعَمِّمَهُ وَيُرْخِيَ لَهَا مِنْ جَانِبِهِ الأَْيْمَنِ نَحْوَ الأُْذُنِ (٤) .
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٤٨١، والزيلعي ٦ / ٢٢٩، وحاشية الجمل ٢ / ٨٩، وكشاف القناع ١ / ١١٩، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٥٣٦، وصحيح الترمذي بشرح ابن العربي المالكي ٧ / ٢٤٣.
(٢) الحديث تقدم ف ٧.
(٣) عمدة القاري ٢١ / ٣٠٧.
(٤) حديث أبي أمامة: " كان لا يولي واليًا حتى يعممه ". أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (٨ / ١٧٠ - ط وزارة الأوقاف العراقية)، وأورده الهيثمي في المجمع (٥ / ١٢٠ - ط القدسي)، وقال: رواه الطبراني، وفيه جميع بن ثوب، وهو متروك.