الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١ الصفحة 32

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١

مُعْتَبَرٌ بِنُفُوذِ الأَْمْرِ وَجَوَازِ النَّظَرِ، وَهَذَا يَكُونُ مِنْ أَحَدِ ثَلاَثَةٍ: السُّلْطَانِ الْمُسْتَوْلِي عَلَى كُل الأُْمُورِ، أَوْ وَزِيرِ التَّفْوِيضِ، أَوْ عَامِل عَامِّ الْوِلاَيَةِ كَعَامِل إِقْلِيمٍ أَوْ مِصْرٍ عَظِيمٍ يُقَلَّدُ فِي خُصُوصِ الأَْعْمَال عَامِلًا.

أَمَّا وَزِيرُ التَّنْفِيذِ فَلاَ يَصِحُّ مِنْهُ تَقْلِيدُ عَامِلٍ إِلاَّ بَعْدَ الْمُطَالَعَةِ وَالاِسْتِئْمَارِ.

الثَّانِي: ذِكْرُ مَنْ يَصِحُّ أَنْ يَتَقَلَّدَ الْعِمَالَةَ، وَهُوَ مَنِ اسْتَقَل بِكِفَايَتِهِ وَوُثِقَ بِأَمَانَتِهِ، فَإِنْ كَانَتْ عِمَالَةُ تَفْوِيضٍ تَفْتَقِرُ إِلَى اجْتِهَادٍ رُوعِيَ فِيهَا الْحُرِّيَّةُ وَالإِْسْلاَمُ، وَإِنْ كَانَتْ عِمَالَةُ تَنْفِيذٍ لاَ اجْتِهَادَ لِلْعَامِل فِيهَا، لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى الْحُرِّيَّةِ وَالإِْسْلاَمِ.

الثَّالِثُ: ذِكْرُ الْعَمَل الَّذِي يَتَقَلَّدُهُ، وَهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهِ ثَلاَثَةُ شُرُوطٍ:

أ - تَحْدِيدُ النَّاحِيَةِ بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهَا.

ب - تَعْيِينُ الْعَمَل الَّذِي يَخْتَصُّ بِنَظَرِهِ فِيهَا مِنْ جِبَايَةٍ أَوْ خَرَاجٍ أَوْ عُشْرٍ.

ج - الْعِلْمُ بِرُسُومِ الْعَمَل وَحُقُوقِهِ عَلَى تَفْصِيلٍ يَنْفِي عَنْهُ الْجَهَالَةَ. فَإِذَا اسْتُكْمِلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فِي عَمَلٍ عَلِمَ بِهِ الْمُوَلِّي وَالْمُوَلَّى صَحَّ التَّقْلِيدُ وَنَفَذَ.

الرَّابِعُ: بَيَانُ زَمَانِ النَّظَرِ، وَلاَ يَخْلُو مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ:

أ - أَنْ يُقَدَّرَ بِمُدَّةٍ مَحْصُورَةٍ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ بِهَذِهِ الْمُدَّةِ مُجَوِّزًا لِلنَّظَرِ فِيهَا وَمَانِعًا مِنَ النَّظَرِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، وَلاَ يَكُونُ النَّظَرُ فِي الْمُدَّةِ الْمُقَدَّرَةِ لاَزِمًا

مِنْ جِهَةِ الْمُوَلِّي، وَلَهُ صَرْفُهُ وَالاِسْتِبْدَال بِهِ إِنْ رَأَى ذَلِكَ صَلاَحًا.

ب - أَنْ يُقَدَّرَ بِالْعَمَل، فَيَقُول الْمُوَلِّي: قَلَّدْتُكَ خَرَاجَ نَاحِيَةِ كَذَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَوْ قَلَّدْتُكَ صَدَقَاتِ بَلَدِ كَذَا فِي هَذَا الْعَامِ، فَتَكُونُ مُدَّةُ نَظَرِهِ مُقَدَّرَةً بِفَرَاغِهِ عَنْ عَمَلِهِ، فَإِذَا فَرَغَ انْعَزَل عَنْهُ، وَهُوَ قَبْل فَرَاغِهِ يَجُوزُ أَنْ يَعْزِلَهُ الْمُوَلِّي، وَعَزْلُهُ لِنَفْسِهِ مُعْتَبَرٌ بِصِحَّةِ جَارِيهِ (١) وَفَسَادِهِ.

ج - أَنْ يَكُونَ التَّقْلِيدُ مُطْلَقًا فَلاَ يُقَدَّرُ بِمُدَّةٍ وَلاَ عَمَلٍ، فَيَقُول الْمُوَلِّي مَثَلًا: قَلَّدْتُكَ خَرَاجَ الْكُوفَةِ، أَوْ أَعْشَارَ الْبَصْرَةِ، أَوْ حِمَايَةَ بَغْدَادَ، وَهُوَ تَقْلِيدٌ صَحِيحٌ وَإِنْ جُهِلَتْ مُدَّتُهُ.

الْخَامِسُ: فِي جَارِي (مُقَابِل) الْعَامِل عَلَى عَمَلِهِ، وَلاَ يَخْلُو مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ:

أ - أَنْ يُسَمِّيَ مَعْلُومًا فَيَسْتَحِقَّ الْمُسَمَّى إِذَا وَفَّى الْعِمَالَةَ حَقَّهَا، فَإِنْ قَصَّرَ فِيهَا رُوعِيَ تَقْصِيرُهُ، وَإِنْ زَادَ فِي الْعَمَل رُوعِيَتْ الزِّيَادَةُ.

ب - أَنْ يُسَمِّيَ مَجْهُولًا فَيَسْتَحِقَّ جَارِيَ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِل، فَإِنْ كَانَ جَارِي الْعَمَل مُقَدَّرًا فِي الدِّيوَانِ، وَعَمِل بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُمَّال، صَارَ ذَلِكَ الْقَدْرُ هُوَ جَارِيَ الْمِثْل، وَإِنْ لَمْ يَعْمَل بِهِ إِلاَّ وَاحِدًا لَمْ يَصِرْ ذَلِكَ مَأْلُوفًا فِي جَارِي الْمِثْل.

ج - أَنْ لاَ يُسَمَّى بِمَجْهُولٍ وَلاَ بِمَعْلُومٍ، وَفِيمَا

_________

(١) الجاري هو ما يجري عليه من الرزق (المرتب) .

يَسْتَحِقُّهُ خِلاَفٌ: قَال الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ الْجَارِي مِثْلُهُ عَلَى عَمَلِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ قَالَهَا الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ.

فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لاَ جَارِيَ لَهُ عَلَى عَمَلِهِ وَيَكُونُ مُتَطَوِّعًا بِهِ حَتَّى يُسَمِّيَ جَارِيًا مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا لِخُلُوِّ عَمَلِهِ مِنْ عِوَضٍ.

وَقَال الْمُزَنِيُّ: لَهُ جَارِي مِثْلِهِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ، لاِسْتِيفَاءِ عَمَلِهِ عَنْ إِذْنِهِ.

وَقَال ابْنُ سُرَيْجٍ: إِنْ كَانَ مَشْهُورًا بِأَخْذِ الْجَارِي عَلَى عَمَلِهِ فَلَهُ جَارِي مِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يُشْهَرْ بِأَخْذِ الْجَارِي عَلَيْهِ فَلاَ جَارِيَ لَهُ.

وَقَال الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إِنْ دُعِيَ إِلَى الْعَمَل فِي الاِبْتِدَاءِ أَوْ أُمِرَ بِهِ، فَلَهُ جَارِي مِثْلِهِ، فَإِنِ ابْتَدَأَ بِالطَّلَبِ فَأُذِنَ لَهُ فِي الْعَمَل فَلاَ جَارِيَ لَهُ.

وَلَخَّصَ أَبُو يَعْلَى رَأْيَ الْحَنَابِلَةِ فَقَال: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَشْهُورًا بِأَخْذِ الْجَارِي عَلَى عَمَلِهِ فَلَهُ جَارِي مِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ بِأَخْذِ الْجَارِي عَلَيْهِ فَلاَ جَارِيَ لَهُ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْل ابْنِ سُرَيْجٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ.

وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى: إِذَا كَانَ فِي عَمَلِهِ مَالٌ يُجْتَبَى فَجَارِيهِ يُسْتَحَقُّ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَجَارِيهِ فِي بَيْتِ الْمَال مُسْتَحَقٌّ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ.

السَّادِسُ: فِيمَا يَصِحُّ بِهِ التَّقْلِيدُ، فَإِنْ كَانَ نُطْقًا تَلَفَّظَ بِهِ الْمُوَلِّي صَحَّ بِهِ التَّقْلِيدُ كَمَا تَصِحُّ بِهِ سَائِرُ

الْعُقُودِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ تَوْقِيعِ الْمُوَلِّي بِتَقْلِيدِهِ خَطَأً لاَ لَفْظًا صَحَّ التَّقْلِيدُ، وَانْعَقَدَتْ بِهِ الْوِلاَيَاتُ السُّلْطَانِيَّةُ إِذَا اقْتَرَنَتْ بِهِ شَوَاهِدُ الْحَال اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ الْجَارِي فِيهِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ التَّقْلِيدُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ لاَ يَتَعَدَّاهُ إِلَى اسْتِنَابَةِ غَيْرِهِ فِيهِ، وَلاَ يَصِحُّ إِنْ كَانَ عَامًّا مُتَعَدِّيًا (١) .

كَاتِبُ الدِّيوَانِ:

١١ - كَاتِبُ الدِّيوَانِ هُوَ صَاحِبُ ذِمَامِهِ. وَالْمُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ وِلاَيَتِهِ شَرْطَانِ: الْعَدَالَةُ وَالْكِفَايَةُ. أَمَّا الْعَدَالَةُ: فَلأَِنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى حَقِّ بَيْتِ الْمَال وَالرَّعِيَّةِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ فِي الْعَدَالَةِ وَالأَْمَانَةِ عَلَى صِفَةِ الْمُؤْتَمَنِينَ. وَأَمَّا الْكِفَايَةُ: فَلأَِنَّهُ مُبَاشِرٌ لِعَمَلٍ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي الْقِيَامِ بِهِ مُسْتَقِلًّا بِكِفَايَةِ الْمُبَاشِرِينَ.

فَإِذَا صَحَّ تَقْلِيدُ الْكَاتِبِ فَالَّذِي نُدِبَ لَهُ سِتَّةُ أَشْيَاءَ:

١ - حِفْظُ الْقَوَانِينِ عَلَى الرُّسُومِ الْعَادِلَةِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ تَتَحَيَّفُ بِهَا الرَّعِيَّةُ أَوْ نُقْصَانٍ يَنْثَلِمُ بِهِ حَقُّ بَيْتِ الْمَال.

٢ - اسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْعَامِلِينَ، وَمِنَ الْقَابِضِينَ لَهَا مِنَ الْعُمَّال.

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٠٩ - ٢١٣، ولأبي يعلى ص ٢٤٧ - ٢٥١.

٣ - إِثْبَاتُ الرُّفُوعِ (١)، وَيَنْقَسِمُ ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ.

أ - رُفُوعُ الْمِسَاحَةِ وَالْعَمَل. . فَإِنْ كَانَتْ أُصُولُهَا مُقَدَّرَةً فِي الدِّيوَانِ اعْتُبِرَ صِحَّةُ الرَّفْعِ بِمُقَابَلَةِ الأَْصْل، وَأُثْبِتَ فِي الدِّيوَانِ إِنْ وَافَقَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي الدِّيوَانِ أُصُولٌ عَمِل فِي إِثْبَاتِهَا عَلَى قَوْل رَافِعِهَا.

ب - رُفُوعُ قَبْضٍ وَاسْتِيفَاءٍ. . فَيَعْمَل فِي إِثْبَاتِهَا عَلَى قَوْل رَافِعِهَا؛ لأَِنَّهُ يُقِرُّ بِهَا عَلَى نَفْسِهِ لاَ لَهَا.

ج - رُفُوعُ الْخَرَاجِ وَالنَّفَقَةِ. فَرَافِعُهَا مُدَّعٍ لَهَا فَلاَ تُقْبَل دَعْوَاهُ إِلاَّ بِالْحُجَجِ الْبَالِغَةِ.

٤ - مُحَاسَبَةُ الْعُمَّال. . وَيَخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِاخْتِلاَفِ مَا تَقَلَّدُوهُ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ عُمَّال الْخَرَاجِ لَزِمَهُمْ رَفْعُ الْحِسَابِ، وَوَجَبَ عَلَى كَاتِبِ الدِّيوَانِ مُحَاسَبَتُهُمْ عَلَى صِحَّةِ مَا رَفَعُوهُ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ عُمَّال الْعُشْرِ لَمْ يَلْزَمْهُمْ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَفْعُ الْحِسَابِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَى كَاتِبِ الدِّيوَانِ مُحَاسَبَتُهُمْ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْعُشْرَ عِنْدَهُ صَدَقَةٌ لاَ يَقِفُ مَصْرِفُهَا عَلَى اجْتِهَادِ الْوُلاَةِ، وَلَوْ تَفَرَّدَ أَهْلُهَا بِمَصْرِفِهَا أَجْزَأَتْ، وَيَلْزَمُهُمْ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ رَفْعُ الْحِسَابِ، وَيَجِبُ عَلَى كَاتِبِ الدِّيوَانِ مُحَاسَبَتُهُمْ عَلَيْهِ، لأَِنَّ مَصْرِفَ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ عِنْدَهُ مُشْتَرَكٌ.

٥ - إِخْرَاجُ الأَْمْوَال. . وَلاَ يُخْرِجُ مِنْهَا إِلاَّ مَا عَلِمَ صِحَّتَهُ، وَلاَ يَبْتَدِئُ بِذَلِكَ حَتَّى يُسْتَدْعَى مِنْهُ.

_________

(١) الرفوع الزيادات التي ترد على المرتبات والاستحقاقات وغيرها.

٦ - تَصَفُّحُ الظُّلاَمَاتِ. . وَهُوَ مُخْتَلَفٌ بِحَسَبِ اخْتِلاَفِ الْمُتَظَلِّمِ: فَإِنْ كَانَ الْمُتَظَلِّمُ مِنَ الرَّعِيَّةِ تَظَلَّمَ مِنْ عَامِلٍ تَحَيَّفَهُ فِي مُعَامَلَةٍ، كَانَ صَاحِبُ الدِّيوَانِ فِيهَا حَاكِمًا بَيْنَهُمَا، وَجَازَ لَهُ أَنْ يَتَصَفَّحَ الظُّلاَمَةَ وَيُزِيل التَّحَيُّفَ؛ لأَِنَّهُ مَنْدُوبٌ لِحِفْظِ الْقَوَانِينِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ، فَصَارَ بِعَقْدِ الْوِلاَيَةِ مُسْتَحِقًّا لِتَصَفُّحِ الظُّلاَمَاتِ. وَإِنْ كَانَ الْمُتَظَلِّمُ عَامِلًا جُوزِفَ فِي حِسَابِهِ أَوْ غُولِطَ فِي مُعَامَلَتِهِ، صَارَ صَاحِبُ الدِّيوَانِ خَصْمًا فِي الظُّلاَمَةِ، وَكَانَ الْمُتَصَفِّحُ لَهَا وَلِيَّ الأَْمْرِ (١) .

أَهْل الدِّيوَانِ:

١٢ - أَهْل الدِّيوَانِ هُمُ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ مِنَ الدِّيوَانِ عَطَاءً وَيَأْخُذُونَ مِنْهُ رِزْقًا. وَفِي بَيَانِ أَصْنَافِهِمْ وَشُرُوطِ إِثْبَاتِهِمْ فِي الدِّيوَانِ وَالضَّابِطِ لِلْمَصَارِفِ. تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (أَهْل الدِّيوَانِ) .

عَقْل الدِّيوَانِ عَنْ أَهْلِهِ:

١٣ - يَتَحَمَّل الدِّيوَانُ الدِّيَةَ الَّتِي تَجِبُ بِذَاتِ الْقَتْل إِذَا كَانَ الْقَاتِل وَاحِدًا مِنْ أَهْل الدِّيوَانِ. . عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ يُنْظَرُ فِي: (أَهْل الدِّيوَانِ، وَدِيَة، وَعَاقِلَة) .

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢١٠ - ٢١٨، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٥٣ - ٢٥٧.

دِيوَانُ الْقَاضِي:

١٤ - هُوَ مَا فِيهِ وَثَائِقُ النَّاسِ مِنَ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلاَّتِ وَغَيْرِهَا. وَأَوَّل مَا يَبْدَأُ بِهِ الْقَاضِي إِذَا تَقَلَّدَ أَنْ يَطْلُبَ دِيوَانَ الْقَاضِي قَبْلَهُ؛ لأَِنَّ الدِّيوَانَ وُضِعَ لِيَكُونَ حُجَّةً عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَيُجْعَل فِي يَدِ مَنْ لَهُ وِلاَيَةُ الْقَضَاءِ؛ وَلأَِنَّهُ الأَْسَاسُ الَّذِي يَبْنِي عَلَيْهِ الْقَاضِي حُكْمَهُ، وَيَلْزَمُ الْقَاضِيَ السَّابِقَ تَسْلِيمُهُ إِلَى الْقَاضِي الَّذِي خَلَفَهُ، لأَِنَّ الدِّيوَانَ كَانَ فِي يَدِهِ بِحُكْمِ الْوِلاَيَةِ، وَقَدْ صَارَتْ إِلَى الْقَاضِي الْجَدِيدِ (١) . وَلِمَزِيدٍ مِنَ التَّفْصِيل يُنْظَرُ: (قَضَاء) (٢) .

دِيوَانُ الرَّسَائِل:

١٥ - اسْتُحْدِثَ هَذَا الدِّيوَانُ عِنْدَمَا ضَعُفَتِ اللُّغَةُ، وَفَسَدَتِ الأَْلْسُنُ، فَاحْتَاجَ أُولُو الأَْمْرِ إِلَى مَنْ يَكْتُبُ الْكُتُبَ عَنْهُمْ بِأَلْفَاظٍ بَلِيغَةٍ مُؤَثِّرَةٍ تَفِي بِالْمُرَادِ (٣) .

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٣٠٨، أدب القضاء: الدرر المنظومات في الأقضية والحكومات لابن أبي الدم ص ١٢٢، كشاف القناع ٦ / ٣١٢.

(٢) مقدمة ابن خلدون ٢ / ٦١٨ ط لجنة البيان العربي.

(٣) ترى اللجنة أن ترتيب الديوان من الأمور الإجرائية التنظيمية التي قد تتغير بالزمان أو المكان، والشرع لا يمنع ما تقتضيه المصلحة من تطوير في الديوان بحيث لا يخالف نصًّا أو مجمعًا عليه أو قاعدة، وبشرط أن لا يسبب ظلمًا أو فسادًا.

ذَاتُ عِرْقٍ

التَّعْرِيفُ:

١ - ذَاتُ عِرْقٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ، مِيقَاتُ أَهْل الْعِرَاقِ وَمَنْ يَمُرُّ بِهَا مِنْ أَهْل الآْفَاقِ، وَهِيَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

٢ - يَتَّصِل بِذَاتِ عِرْقٍ أَلْفَاظٌ وَهِيَ: جَمِيعُ الْمَوَاقِيتِ الْمَعْرُوفَةِ، وَإِحْرَامٌ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (إِحْرَام، وَحَجّ، وَمِيقَات) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ مِيقَاتٌ لأَِهْل الْعِرَاقِ وَمَنْ يَمُرُّ بِهِ مِنْ أَهْل الآْفَاقِ. كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الإِْحْرَامَ مِنْهَا وَاجِبٌ عَلَى كُل مِنْ مَرَّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، قَاصِدًا مَكَّةَ لأَِدَاءِ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ (الْحَجِّ

_________

(١) تهذيب الأسماء واللغات ٣ / ١١٤ ط. المكتبة العلمية، والمصباح مادة: " عرق ".

وَالْعُمْرَةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ: هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ. (١)

وَأَمَّا مَنْ قَصَدَ مَكَّةَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَفِيهِ خِلاَفٌ (٢) يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي " إِحْرَامٍ ".

وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا فِي أَنَّ الْمَوَاقِيتَ الأَْرْبَعَةَ وَهِيَ ذُو الْحُلَيْفَةِ وَالْجُحْفَةُ، وَقَرْنُ الْمَنَازِل وَيَلَمْلَمُ، ثَابِتٌ تَوْقِيتُهَا بِالنَّصِّ.

وَأَمَّا ذَاتُ عِرْقٍ، فَفِي ثُبُوتِ كَوْنِهَا مِيقَاتًا بِالنَّصِّ أَوْ بِالاِجْتِهَادِ خِلاَفٌ. فَصَحَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَطَّابُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْل عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مِنَ السَّلَفِ.

وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ أَنَّ تَوْقِيتَهَا ثَابِتٌ بِالاِجْتِهَادِ، أَيْ بِاجْتِهَادِ عُمَرَ ﵁، وَهُوَ قَوْل طَاوُوسٍ وَابْنِ سِيرِينَ (٣)

_________

(١) حديث: " هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٨٤ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٨٣٨ - ٨٣٩ ط الحلبي) من حديث ابن عباس.

(٢) فتح الباري ٣ / ٣٨٤ ط الرياض، صحيح مسلم شرح النووي ٨ / ٨٣ ط. المصرية، تبيين الحقائق ٢ / ٦ - ٧ ط. بولاق، الدسوقي ٢ / ٢٣ ط. الفكر، الكافي ١ / ٣٨٨ ط. المكتب الإسلامي.

(٣) بدائع الصنائع ٢ / ١٦٤ ط. الجمالية، حاشية ابن عابدين ٢ / ١٥٢ - ١٥٣ ط. بولاق، فتح القدير ٢ / ١٣١ ط. الأميرية، مواهب الجليل ٣ / ٣٢ ط. النجاح، جواهر الإكليل ١ / ١٦٩ ط. المعرفة، روضة الطالبين ٣ / ٣٩ ط. المكتب الإسلامي، حاشية القليوبي ٢ / ٩٢ - ٩٣ ط. الحلبي، نهاية المحتاج ٣ / ٢٥٢ ط. المكتبة الإسلامية، والمجموع ٧ / ١٩٧ ط. السلفية، الأم ٢ / ١٣٨ ط. المعرفة، كشاف القناع ٢ / ٤٠٠ ط. النصر، الكافي ١ / ٣٨٨ ط. المكتب الإسلامي، المبدع ٣ / ١٠٧ - ١٠٨ ط. المكتب الإسلامي، الإنصاف ٣ / ٤٢٤ - ٢٥ ط. التراث، المغني ٣ / ٢٥٨ ط. الرياض، فتح الباري ٣ / ٣٩٠ ط. الرياض.

احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِثُبُوتِهِ بِالنَّصِّ بِأَحَادِيثَ مِنْهَا، مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، يُسْأَل عَنِ الْمُهَل فَقَال: سَمِعْتُ - أَحْسِبُهُ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: مُهَل أَهْل الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَالطَّرِيقُ الآْخَرُ الْجُحْفَةُ، وَمُهَل أَهْل الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَمُهَل أَهْل نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ، وَمُهَل أَهْل الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ (١) . وَمِنْهَا مَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَِهْل الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ (٢) . قَالُوا: وَالأَْحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ أَسَانِيدُ مُفْرَدَاتِهَا ضَعِيفَةً، فَمَجْمُوعُهَا يُقَوِّي بَعْضُهُ بَعْضَهَا، وَيَصِيرُ الْحَدِيثُ حَسَنًا

، وَيُحْتَجُّ بِهِ، وَيُحْمَل تَحْدِيدُ عُمَرَ ﵁ بِاجْتِهَادِهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ تَحْدِيدُ النَّبِيِّ ﷺ

_________

(١) حديث جابر: " مهل أهل المدينة. . . . " أخرجه مسلم (٢ / ٨٤١ - ط. الحلبي) .

(٢) حديث عائشة: " وقت لأهل العراق ذات عرق. . . " أخرجه النسائي (٥ / ١٢٥ - ط. المكتبة التجارية) .