الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 78

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

لَكِنْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الإِْذْنِ أَنْ يَعْقِل أَنَّ الْبَيْعَ سَالِبٌ لِلْمِلْكِ عَنِ الْبَائِعِ، وَالشِّرَاءُ جَالِبٌ لَهُ، وَيَعْرِفُ الْغَبْنَ الْيَسِيرَ مِنَ الْفَاحِشِ (١) .

٥٣ - وَالإِْذْنُ فِي الْعُقُودِ يُفِيدُ ثُبُوتَ وِلاَيَةِ التَّصَرُّفِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ الإِْذْنُ، وَذَلِكَ كَالْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْقِرَاضِ (الْمُضَارَبَةِ)، فَإِنَّهُ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْعُقُودِ يَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنَ الْوَكِيل وَعَامِل الْقِرَاضِ وَالشَّرِيكِ وِلاَيَةُ التَّصَرُّفِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ الإِْذْنُ، كَالْوَكَالَةِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ أَوْ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَهَكَذَا، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ مُبَاشَرَةُ أَيِّ عَقْدٍ يُخَالِفُ نَصَّ الإِْذْنِ.

وَأَمَّا حُقُوقُ مَا يُبَاشِرُونَهُ مِنْ عُقُودٍ مَأْذُونٍ فِيهَا فَبِالنِّسْبَةِ لِلشَّرِيكِ تَرْجِعُ إِلَيْهِمَا، وَبِالنِّسْبَةِ لِعَامِل الْمُضَارَبَةِ تَرْجِعُ إِلَى رَبِّ الْمَال (٢) . أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْوَكِيل فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:

فَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَكُونُ الْعُهْدَةُ عَلَى الْمُوَكِّل، وَيَرْجِعُ بِالْحُقُوقِ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَكِيل الْخَاصِّ.

أَمَّا الْوَكِيل الْمُفَوِّضُ عِنْدَهُمْ فَالطَّلَبُ عَلَيْهِ.

وَيَقُول الْحَنَفِيَّةُ: كُل عَقْدٍ لاَ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى إِضَافَتِهِ إِلَى الْمُوَكِّل، وَيَكْتَفِي الْوَكِيل فِيهِ بِالإِْضَافَةِ إِلَى نَفْسِهِ فَحُقُوقُهُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْعَاقِدِ، كَالْبِيَاعَاتِ وَالأَْشْرِيَةِ وَالإِْجَارَاتِ، فَحُقُوقُ هَذِهِ الْعُقُودِ تَرْجِعُ لِلْوَكِيل وَهِيَ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَيَكُونُ الْوَكِيل فِي هَذِهِ

_________

(١) الحطاب ٥ / ٧٦،١٢١، والاختيار ٢ / ١٠١، ١٠٢ وابن عابدين ٥ / ١١٣، والبدائع ٧ / ١٩٤، ١٩٥، مغني المحتاج ٢ / ٩٩، وما بعدها، ومنتهى الإرادات ٢ / ٢٩٧

(٢) البدائع ٦ / ٦٥، ١١٣، ١١٥، ومنتهى الإرادات ٢ / ٣٢٦، ٣٣٧، وجواهر الإكليل ٢ / ١١٨، ١٧٧، والمهذب ١ / ٣٥٣، ٣٥٤، ٤٠٠ ط دار المعرفة بيروت.

الْحُقُوقِ كَالْمَالِكِ وَالْمَالِكُ كَالأَْجْنَبِيِّ، حَتَّى لاَ يَمْلِكَ الْمُوَكِّل مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي مِنَ الْوَكِيل بِالثَّمَنِ، وَإِذَا اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَكِيل.

وَكُل عَقْدٍ يَحْتَاجُ فِيهِ الْوَكِيل إِلَى إِضَافَتِهِ إِلَى الْمُوَكِّل فَحُقُوقُهُ تَرْجِعُ إِلَى الْمُوَكِّل، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ عَلَى مَالٍ وَالْخُلْعِ، فَحُقُوقُ هَذِهِ الْعُقُودِ تَكُونُ لِلْمُوَكِّل وَهِيَ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَالْوَكِيل فِيهَا سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ مَحْضٌ، حَتَّى إِنَّ وَكِيل الزَّوْجِ فِي النِّكَاحِ لاَ يُطَالَبُ بِالْمَهْرِ وَإِنَّمَا يُطَالَبُ بِهِ الزَّوْجُ إِلاَّ إِذَا ضَمِنَ الْمَهْرَ فَحِينَئِذٍ يُطَالَبُ بِهِ لَكِنْ بِحُكْمِ الضَّمَانِ (١) .

٥٤ - وَقَدْ يَقُومُ إِذْنُ الشَّارِعِ مَقَامَ إِذْنِ الْمَالِكِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنِ الْمَالِكُ، وَذَلِكَ كَمَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَامْتَنَعَ مِنَ الْوَفَاءِ وَالْبَيْعِ، فَإِنْ شَاءَ الْقَاضِي بَاعَ مَالَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ، وَإِنْ شَاءَ عَزَّرَهُ وَحَبَسَهُ إِلَى أَنْ يَبِيعَهُ (٢) .

٥٥ - أَمَّا التَّصَرُّفُ فِي مَال الْغَيْرِ بِدُونِ إِذْنِهِ، وَذَلِكَ كَالْفُضُولِيِّ يَبِيعُ مَال غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الإِْجَازَةِ عِنْدَ غَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ، وَالإِْجَازَةُ اللاَّحِقَةُ كَالْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ، وَالْوَكَالَةُ إِذْنٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَفِي رَأْيٍ لِلْحَنَابِلَةِ الْبَيْعُ بَاطِلٌ (٣) .

٥٦ - وَإِذْنُ الْمَالِكِ فِي الْعُقُودِ الَّتِي يُبَاشِرُهَا بِنَفْسِهِ قَدْ يُفِيدُ تَمْلِيكَ الْعَيْنِ، سَوَاءٌ أَكَانَ عَلَى سَبِيل الْبَدَل

_________

(١) البدائع ٦ / ٣٣، والمهذب ١ / ٣٦٤، ومنتهى الإرادات ٢ / ٣٠٨، والشرح الصغير ٢ / ١٨٤ ط الحلبي، وتبيين الحقائق للزيلعي ٤ / ٢٥٦، ٢٥٧

(٢) مغني المحتاج ٢ / ٨، وجواهر الإكليل ٢ / ٣، والبدائع ٤ / ١٧٧

(٣) المغني ٤ / ٢٢٧، والدسوقي ٣ / ١٢

كَمَا فِي الْقَرْضِ، أَمْ بِدُونِ عِوَضٍ كَمَا فِي الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ بِالْعَيْنِ.

وَقَدْ يُفِيدُ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ أَوِ الاِنْتِفَاعَ كَالإِْجَارَةِ وَالإِْعَارَةِ أَوْ تَمْلِيكَ الاِنْتِفَاعِ بِالْبُضْعِ كَمَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ.

أَثَرُ الإِْذْنِ فِي الاِسْتِهْلاَكِ:

٥٧ - الإِْذْنُ قَدْ يَرِدُ عَلَى اسْتِهْلاَكِ رَقَبَةِ الشَّيْءِ وَمَنَافِعِهِ، وَهُوَ مِنَ الشَّارِعِ يُفِيدُ التَّمَلُّكَ بِالاِسْتِيلاَءِ الْحَقِيقِيِّ، وَذَلِكَ كَالإِْذْنِ بِصَيْدِ الْبَحْرِ وَصَيْدِ الْبَرِّ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَاءُ وَالْكَلأَُ وَالنَّارُ وَهِيَ الْمُشْتَرَكَاتُ الثَّلاَثُ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الْحَدِيثُ: الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثٍ، فِي الْمَاءِ وَالْكَلأَِ وَالنَّارِ. (١)

أَمَّا الإِْذْنُ بِالاِسْتِهْلاَكِ مِنَ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ أَثَرُهُ.

فَقَدْ يُفِيدُ التَّمْلِيكَ عَلَى سَبِيل الْعِوَضِ كَمَا فِي قَرْضِ الْخُبْزِ وَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ (٢) .

وَقَدْ يُفِيدُ الإِْذْنُ التَّمْلِيكَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ كَمَا فِي هِبَةِ الْمَأْكُول وَالْمَشْرُوبِ وَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ (٣) .

وَقَدْ لاَ يَكُونُ الإِْذْنُ بِالاِسْتِهْلاَكِ تَمْلِيكًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ طَرِيقًا إِلَيْهِ، وَذَلِكَ كَمَا فِي الْوَلاَئِمِ وَالْمَنَائِحِ وَالضِّيَافَاتِ (٤) .

_________

(١) البدائع ٦ / ٦٩٣، وحديث: " المسلمون شركاء. . . " رواه أحمد (٥ / ٣٦٤) والبيهقي (٦ / ١٥٠) ط حيدر آباد.

(٢) البدائع ٦ / ٢١٥، ومغني المحتاج ٢ / ١١٩، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام ٢ / ٧٣، ٧٤

(٣) البدائع ٦ / ١١٧

(٤) الحطاب ٤ / ٢٢٣، ومنتهى الإرادات ٣ / ٨٩، وقليوبي ٣ / ٢٩٨

أَثَرُ الإِْذْنِ فِي الْجِنَايَاتِ:

٥٨ - الأَْصْل أَنَّ الدِّمَاءَ لاَ تَجْرِي فِيهَا الإِْبَاحَةُ، وَلاَ تُسْتَبَاحُ بِالإِْذْنِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الإِْذْنُ - إِذَا كَانَ مُعْتَبَرًا - شُبْهَةً تُسْقِطُ الْقِصَاصَ، وَمِنْ ذَلِكَ مَنْ قَال لِغَيْرِهِ: اقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ، فَإِنَّ الْقَوَدَ يَسْقُطُ لِشُبْهَةِ الإِْذْنِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لِلْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يُقْتَل وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ أَنَّهُ يُضْرَبُ مِائَةً وَيُحْبَسُ عَامًا.

وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ، فَتَجِبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (١) .

وَكَذَلِكَ مَنْ قَال لِغَيْرِهِ: اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَ يَدَهُ فَلاَ ضَمَانَ فِيهِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرَجَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا: يُعَاقَبُ وَلاَ قِصَاصَ عَلَيْهِ (٢)، وَتُنْظَرُ التَّفْصِيلاَتُ فِي مُصْطَلَحِ: (جِنَايَةٌ) .

٥٩ - وَمَنْ أَمَرَ إِنْسَانًا بِقَتْل غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ بِلاَ إِكْرَاهٍ فَفِيهِ الْقِصَاصُ عَلَى الْمَأْمُورِ وَاخْتُلِفَ فِي الآْمِرِ.

أَمَّا إِذَا كَانَ الأَْمْرُ بِإِكْرَاهٍ مُلْجِئٍ فَإِنَّ الْقِصَاصَ عَلَى الآْمِرِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمَأْمُورِ، فَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْل زُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، أَنَّهُ يُقْتَل لِمُبَاشَرَتِهِ الْقَتْل، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْمَأْمُورَ لاَ يُقْتَل (٣) .

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٣٦٣ ط بولاق الثالثة، ومغني المحتاج ٤ / ١١، ٥٠، ومنتهى الإرادات ٣ / ٢٧٥، ومنح الجليل ٤ / ٣٤٦، ٣٤٧، والحطاب ٦ / ٢٣٥، ٢٣٦

(٢) المراجع السابقة.

(٣) الاختيار ٢ / ١٠٨، ومنتهى الإرادات ٣ / ٢٧٤، والمهذب ٢ / ١٧٨، والمواق بهامش الحطاب ٦ / ٢٤٢

وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ (ر: إِكْرَاهٌ - قَتْلٌ - جِنَايَةٌ) .

٦٠ - وَلاَ قِصَاصَ عَلَى مَنْ قَتَل غَيْرَهُ دِفَاعًا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ؛ لأَِنَّ الدِّفَاعَ عَنْ ذَلِكَ مَأْذُونٌ فِيهِ لَكِنْ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِمَا إِذَا كَانَ الدَّفْعُ لاَ يَتَأَتَّى إِلاَّ بِالْقَتْل (١) .

أَثَرُ الإِْذْنِ فِي الاِنْتِفَاعِ:

٦١ - الاِنْتِفَاعُ إِذَا كَانَ بِإِذْنٍ مِنَ الشَّارِعِ فَإِنَّهُ قَدْ يُفِيدُ التَّمْلِيكَ بِالاِسْتِيلاَءِ الْحَقِيقِيِّ كَمَا فِي تَمَلُّكِ الْحَيَوَانِ الْمُبَاحِ بِالصَّيْدِ، وَكَمَا فِي تَمَلُّكِ الأَْرْضِ الْمَوَاتِ بِالإِْحْيَاءِ.

وَقَدْ يُفِيدُ اخْتِصَاصًا لِمَنْ سَبَقَ، كَالسَّبْقِ إِلَى مَقَاعِدِ الْمَسَاجِدِ لِلصَّلاَةِ وَالاِعْتِكَافِ، وَالسَّبْقِ إِلَى الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَمَقَاعِدِ الأَْسْوَاقِ.

وَقَدْ يُفِيدُ ثُبُوتَ حَقِّ الاِنْتِفَاعِ الْمُجَرَّدِ، كَالاِنْتِفَاعِ بِالطَّرِيقِ الْعَامِّ وَالْمَسِيل الْعَامِّ، وَالاِنْتِفَاعُ بِذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِسَلاَمَةِ الْعَاقِبَةِ (٢) .

٦٢ - وَإِذَا كَانَ الاِنْتِفَاعُ بِإِذْنٍ مِنَ الْعِبَادِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، فَإِنْ كَانَ الإِْذْنُ بِدُونِ عَقْدٍ كَإِذْنِ صَاحِبِ الطَّرِيقِ الْخَاصِّ وَالْمَجْرَى الْخَاصِّ لِغَيْرِهِ بِالاِنْتِفَاعِ فَإِنَّهُ لاَ يُفِيدُ تَمْلِيكًا، وَإِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ بِسُوءِ الاِسْتِعْمَال.

٦٣ - أَمَّا إِذَا كَانَ مَنْشَأُ الاِنْتِفَاعِ عَنْ عَقْدٍ كَالإِْجَارَةِ وَالإِْعَارَةِ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ يَتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ عَقْدَ

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ١٩٤، وابن عابدين ٥ / ٣٦٢، والمغني ٨ / ٣٢٩، وما بعدها والتبصرة ٢ / ٣٥٧

(٢) مغني المحتاج ٢ / ٣٧٠

الإِْجَارَةِ يُفِيدُ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ، فَيَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ بِنَفْسِهِ، وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ فَيُمَلِّكَ الْمَنْفَعَةَ لِغَيْرِهِ.

أَمَّا عَقْدُ الإِْعَارَةِ فَإِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي إِفَادَتِهِ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ. فَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ لاَ تُفِيدُ ذَلِكَ إِلاَّ بِإِذْنٍ مِنَ الْمَالِكِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يَجُوزُ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَ غَيْرَهُ وَإِنَّمَا يَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَةَ بِنَفْسِهِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ تُفِيدُ الإِْعَارَةُ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ فَيَجُوزُ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَ غَيْرَهُ.

٦٤ - وَيَتَرَتَّبُ الضَّمَانُ عَلَى الاِنْتِفَاعِ النَّاشِئِ عَنْ مِثْل هَذِهِ الْعُقُودِ بِمُجَاوَزَةِ الاِنْتِفَاعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ أَوْ بِالتَّفْرِيطِ (١) . عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ، يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (ضَمَانٌ) .

انْتِهَاءُ الإِْذْنِ:

٦٥ - الإِْذْنُ إِذَا كَانَ مِنَ الشَّارِعِ فَلَيْسَ فِيهِ إِنْهَاءٌ لَهُ وَلاَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ إِذْنَ الشَّارِعِ فِي الأَْمْوَال الْمُبَاحَةِ يُفِيدُ تَمَلُّكَهَا مِلْكِيَّةً مُسْتَقِرَّةً بِالاِسْتِيلاَءِ.

أَمَّا إِذْنُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَإِنْ كَانَ إِذْنًا بِالاِنْتِفَاعِ، وَكَانَ مَنْشَأُ الاِنْتِفَاعِ عَقْدًا لاَزِمًا كَالإِْجَارَةِ فَإِنَّهُ يَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ، أَوْ بِانْتِهَاءِ الْعَمَل وَفْقَ الإِْذْنِ الصَّادِرِ لَهُ وَمُدَّةِ قِيَامِ الإِْذْنِ.

وَإِنْ كَانَ مَنْشَأُ الاِنْتِفَاعِ عَقْدًا جَائِزًا كَالإِْعَارَةِ فَإِنَّ الإِْذْنَ يَنْتَهِي بِرُجُوعِ الْمُعِيرِ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْعَارِيَّةُ مُطْلَقَةً أَمْ مُؤَقَّتَةً؛ لأَِنَّهَا إِبَاحَةٌ، وَهَذَا

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٢٦٤، ومنتهى الإرادات ٢ / ٣٩٦، والمغني ٥ / ٤٧٨، وبدائع الصنائع ٦ / ٢١٤، والشرح الصغير ٢ / ٢٠٥ ط الحلبي.

عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَقُولُونَ: إِنْ كَانَتِ الإِْعَارَةُ مُؤَقَّتَةً وَفِي الأَْرْضِ غَرْسٌ أَوْ بِنَاءٌ فَلاَ يَجُوزُ رُجُوعُهُ قَبْل الْوَقْتِ.

وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ فَعَلَيْهِ الإِْبْقَاءُ إِلَى الْحَصَادِ.

وَإِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِيَدْفِنَ فِيهَا فَلاَ يَرْجِعُ حَتَّى يَنْدَرِسَ أَثَرُ الْمَدْفُونِ، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ لاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْعَارِيَّةِ الْمُؤَقَّتَةِ قَبْل انْتِهَاءِ وَقْتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً لَزِمَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ مُدَّةً مُعْتَادَةً يَنْتَفِعُ بِهَا فِي مِثْلِهَا (١) .

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٢٧٠، ٢٧٣، ٣٥٩، والمغني ٥ / ٢٢٩، والبدائع ٦ / ٢١٦، والجواهر ٢ / ١٤٦

وَإِنْ كَانَ إِذْنًا بِالتَّصَرُّفِ كَالْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ فَإِنَّ الإِْذْنَ يَنْتَهِي بِالْعَزْل، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ الْمَأْذُونُ بِذَلِكَ، وَأَنْ لاَ يَتَعَلَّقَ بِالْوَكَالَةِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ.

وَيَنْتَهِي الإِْذْنُ كَذَلِكَ بِالْمَوْتِ، وَبِالْجُنُونِ الْمُطْبَقِ وَبِالْحَجْرِ عَلَى الْمُوَكِّل، وَبِهَلاَكِ مَا وُكِّل فِيهِ، وَبِتَصَرُّفِ الْمُوَكَّل بِنَفْسِهِ فِيمَا وُكِّل فِيهِ، وَبِاللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا.

وَمِثْل ذَلِكَ نَاظِرُ الْوَقْفِ وَالْوَصِيُّ فَإِنَّهُمَا يَنْعَزِلاَنِ بِالرُّجُوعِ وَبِالْخِيَانَةِ وَبِالْعَجْزِ (١) .

_________

(١) البدائع ٦ / ٣٧، ٧٨، ١١٢، ٢١٦ و٧ / ٣٨٥، وابن عابدين ٣ / ٣٩٦ و٥ / ١٠٨، ١٠٩، ومغني المحتاج ٢ / ١٠٠، ١٠١، ٢١٥، ٢٣١، ٣١٩، والدسوقي ٣ / ٣٩٦، ومنتهى الإرادات ٢ / ٣٩٨، ٣٠٥، ٣٠٧، وجواهر الإكليل ٢ / ١٣٢

أ

إبراهيم النخعي: تقدمت ترجمته في ج ١ ص ٣٢٥.

إبراهيم الوائلي (- ١١٨٩ هـ)

هو إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم بن سيف الوائلي النجدي، الحنبلي، عالم، فقيه أصله من نجد وسكن الحجاز، وانتهت إليه رئاسة المذهب فيه. ولد وتوفي بالمدينة.

من تصانيفه: " العذب الفائض شرح عمدة كل فارض " المعروفة بألفية الفرائض للشيخ صالح بن حسن المتوفى سنة ١١٢١ هـ.

[معجم المؤلفين ١ / ٥٠؛ وإيضاح المكنون ٤ / ١٤٣] .

ابن أبان (؟ - ٢٢١ هـ)

هو عيسى بن أبان بن صدقة، أبو موسى. من أهل بغداد. فقيه وأصولي حنفي. تفقه على محمد بن الحسن، ولزمه لزومًا شديدًا. وتفقه عليه القاضي عبد الحميد أستاذ الطحاوي. كان حسن الحفظ للحديث. ولي القضاء فلم يزل عليه حتى مات. شهد له هلال بن يحيى بالفضل قائلًا: ما ولي البصرة منذ كان الإسلام إلى وقتنا هذا قاض أفقه من عيسى بن أبان.

من تصانيفه " كتاب العلل " في الفقه؛ و" كتاب الشهادات " و" كتاب الحج ".

[الجواهر المضية ١ / ٤٠١؛ والفوائد البهية ص ١٥١؛ وكشف الظنون ١٤٣١، ١٤٤٠؛ ومعجم المؤلفين ٨ / ١٨] .

ابن أبي حاتم (٢٤٠ - ٣٢٧ هـ)

هو عبد الرحمن بن محمد بن أبي حاتم بن إدريس، شيخ الإسلام، أبو محمد التميمي الحنظلي الرازي - والحنظلي نسبة إلى درب حنظلة بالري - من كبار حفاظ الحديث.

رحل في طلب الحديث إلى البلاد مع أبيه وبعده، وأدرك الأسانيد العالية. سمع أبا سعيد الأشجّ وابن وارة وأبا زرعة وخلائق بالأقاليم. وروى عنه كثيرون. كان إمامًا في معرفة الرجال. قال أبو الوليد الباجي: ابن أبي حاتم ثقة حافظ.

من تصانيفه: " الجرح والتعديل " وهو كتاب يقضي له بالرتبة المتقنة في الحفظ؛ " والتفسير " عدة مجلدات؛ و" الرد على الجهمية ". كما صنف في الفقه واختلاف الصحابة والتابعين.

[تذكرة الحفاظ ٣ / ٤٦؛ وطبقات الحنابلة ٢ / ٥٥؛ والأعلام للزركلي ٤ / ٩٩] .

ابن أبي شيبة (١٥٩ - ٢٣٥ هـ)

هو عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان، أبو بكر، العبسي، من أهل الكوفة. إمام في الحديث وغيره. كان متقنًا حافظًا مكثرًا. سمع شريف بن عبد الله، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك وطبقتهم. روى عنه البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل وآخرون. ولما قدم بغداد في أيام المتوكل حزروا من حضر مجلسه بثلاثين ألفًا. قال أبو زرعة الرازي: ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة.

من تصانيفه: " المسند " و" الأحكام " و" التفسير ".

[تذكرة الحفاظ ٢ / ١٨؛ وشذرات الذهب ٢ / ٨٥؛ وتاريخ بغداد ١٠ / ٦٦، ومعجم المؤلفين ٦ / ١٠٧] .

ابن أبي عاصم (٢٠٦ - ٢٨٧ وقيل ٢٨٩ هـ)

هو أحمد بن عمرو النبيل أبي عاصم (وعند البعض أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل) أبو بكر، الشيباني البصري. قاضي أصبهان. كان إمامًا حافظًا فقيهًا ظاهريًا صالحًا ورعًا. له رحلة واسعة في طلب الحديث. وكان