الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢
فَتَكُونُ هَذِهِ الصُّوَرُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ صُورَةً، يُمْنَعُ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ ثَلاَثٌ فَقَطْ وَهِيَ مَا تَعَجَّل فِيهِ الأَْقَل، وَهِيَ:
(١) مَا إِذَا بَاعَ سِلْعَةً لأَِجَلٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِأَقَل نَقْدًا (بَيْعُ الْعِينَةِ) .
(٢) وَمَا إِذَا بَاعَ سِلْعَةً لأَِجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا لأَِجَلٍ دُونَ الأَْجَل الأَْوَّل.
(٣) وَمَا إِذَا بَاعَ سِلْعَةً لأَِجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا لأَِجَلٍ أَبْعَدَ مِنَ الأَْجَل الأَْوَّل.
وَعِلَّةُ الْمَنْعِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ هِيَ دَفْعُ قَلِيلٍ فِي كَثِيرٍ، وَهُوَ سَلَفٌ بِمَنْفَعَةٍ، إِلاَّ أَنَّهُ فِي الصُّورَتَيْنِ الأُْولَيَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ، وَفِي الأَْخِيرَةِ مِنَ الْمُشْتَرِي.
وَأَمَّا الصُّوَرُ التِّسْعُ الْبَاقِيَةُ فَجَائِزَةٌ. وَالضَّابِطُ أَنَّهُ إِذَا تَسَاوَى الأَْجَلاَنِ أَوِ الثَّمَنَانِ فَالْجَوَازُ، وَإِنِ اخْتَلَفَ الأَْجَلاَنِ وَالثَّمَنَانِ فَيُنْظَرُ إِلَى الْيَدِ السَّابِقَةِ بِالْعَطَاءِ، فَإِنْ دَفَعَتْ قَلِيلًا عَادَ إِلَيْهَا كَثِيرًا فَالْمَنْعُ، وَإِلاَّ فَالْجَوَازُ (١):
٦٢ - فَمِنْ صُوَرِ " بُيُوعِ الآْجَال " بَيْعُ الْعِينَةِ. وَبَيْعُ الْعِينَةِ قَال الرَّافِعِيُّ: هُوَ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِهِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، وَيُسَلِّمَهُ إِلَى الْمُشْتَرِي، ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ قَبْل قَبْضِ الثَّمَنِ بِثَمَنٍ نَقْدٍ أَقَل مِنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ (٢) وَقَال ابْنُ رَسْلاَنَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ: وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْمُبَايَعَةُ عِينَةً لِحُصُول النَّقْدِ لِصَاحِبِ الْعِينَةِ؛ لأَِنَّ الْعَيْنَ هُوَ الْمَال الْحَاضِرُ، وَالْمُشْتَرِي إِنَّمَا يَشْتَرِيهَا لِيَبِيعَهَا بِعَيْنٍ حَاضِرَةٍ
_________
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٧٧
(٢) نيل الأوطار ٥ / ٢٠٧ ط / م العثمانية بمصر سنة ١٣٥٧ هـ نقلا عن الرافعي.
تَصِل إِلَيْهِ مِنْ فَوْرِهِ، لِيَصِل بِهِ إِلَى مَقْصُودِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِ الْعِينَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَإِسْحَاقُ وَأَحْمَدُ. وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيثَ، مِنْهَا: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا ضَنَّ النَّاسُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَتَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ، وَاتَّبَعُوا أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَتَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيل اللَّهِ، أَنْزَل اللَّهُ بِهِمْ بَلاَءً، فَلاَ يَرْفَعُهُ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينَهُمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَلَفْظُهُ: إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ. (١)
وَاسْتَدَل ابْنُ الْقَيِّمِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْعِينَةِ بِمَا رُوِيَ عَنِ الأَْوْزَاعِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَسْتَحِلُّونَ الرِّبَا بِالْبَيْعِ. قَال: وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَإِنَّهُ صَالِحٌ لِلاِعْتِضَادِ بِهِ بِالاِتِّفَاقِ، وَلَهُ مِنَ الْمُسْنَدَاتِ مَا يَشْهَدُ لَهُ، وَهِيَ الأَْحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الْعِينَةِ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْعِينَةَ عِنْدَ مَنْ يَسْتَعْمِلُهَا إِنَّمَا يُسَمِّيهَا بَيْعًا، وَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى حَقِيقَةِ الرِّبَا الصَّرِيحِ قَبْل الْعَقْدِ، ثُمَّ غَيَّرَ اسْمَهَا إِلَى الْمُعَامَلَةِ، وَصُورَتَهَا إِلَى التَّبَايُعِ الَّذِي لاَ قَصْدَ لَهُمَا فِيهِ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا هُوَ حِيلَةٌ وَمَكْرٌ
_________
(١) نيل الأوطار للشوكاني٥ / ٢٠٦، وفيه أن الحديث أخرجه الطبراني وابن القطان وصححه. قال الحافظ في بلوغ المرام: ورجاله ثقات. . (ثم ذكر القدح في الحديث بأنه فيه تدليس أو أنه ضعيف. . أو أنه موقوف. .) . ثم قال: " وهذه الطرق يشد بعضها بعضا ".
وَخَدِيعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى (١) .
وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ هَذَا الْبَيْعَ مُسْتَدِلِّينَ عَلَى الْجَوَازِ بِمَا وَقَعَ مِنْ أَلْفَاظِ الْبَيْعِ، وَلأَِنَّهُ ثَمَنٌ يَجُوزُ بَيْعُهَا بِهِ مِنْ غَيْرِ بَائِعِهَا، فَجَازَ مِنْ بَائِعِهَا، كَمَا لَوْ بَاعَهَا بِثَمَنِ الْمِثْل، وَلَمْ يَأْخُذُوا بِالأَْحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ (٢) .
تَأْقِيتُ الْهِبَةِ:
٦٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لاَ يَجُوزُ تَوْقِيتُهَا لأَِنَّهَا عَقْدُ تَمْلِيكٍ لِعَيْنٍ فِي الْحَال، وَتَمْلِيكُ الأَْعْيَانِ لاَ يَصِحُّ مُؤَقَّتًا، كَالْبَيْعِ. فَلَوْ قَال: وَهَبْتُكَ هَذَا سَنَةً ثُمَّ يَعُودُ إِلَيَّ، لَمْ يَصِحَّ (٣) . وَقَدِ اسْتَثْنَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ فِي مُصْطَلَحَيْهِمَا.
تَأْقِيتُ النِّكَاحِ:
تَأْقِيتُ النِّكَاحِ لَهُ صُوَرٌ نُبَيِّنُهَا وَنُبَيِّنُ آرَاءَ الْفُقَهَاءِ فِي كُل صُورَةٍ مِنْهَا:
أ - نِكَاحُ الْمُتْعَةِ:
٦٤ - وَهُوَ أَنْ يَقُول لاِمْرَأَةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الْمَوَانِعِ: أَتَمَتَّعُ بِكِ مُدَّةَ كَذَا (٤) وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى حُرْمَتِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَكَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ.
_________
(١) نيل الأوطار٥ / ٢٠٧، وكشاف القناع٣ / ١٨٥ ط الرياض، والشرح الكبير المطبوع مع المغني٤ / ٤٥ الطبعة الثانية للمنار.
(٢) الروضة ٣ / ٤١٦، ٤١٧
(٣) البدائع ٦ / ١١٨، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٨، والدسوقي ٤ / ٩٧ ط دار الفكر، والمغني مع الشرح ٦ / ٢٥٦
(٤) فتح القدير٣ / ١٤٩.
وَتَفْصِيلُهُ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ (١)
ب - النِّكَاحُ الْمُؤَقَّتُ أَوِ النِّكَاحُ لأَِجَلٍ:
٦٥ - وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ إِلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ مَثَلًا. وَهَذَا النِّكَاحُ أَيْضًا بَاطِلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (عَدَا زُفَرَ فَإِنَّهُ قَال بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَبُطْلاَنِ الشَّرْطِ) وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُتْعَةِ. وَتَفْصِيل أَحْكَامِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (ر: نِكَاحٌ) . (٢)
ج - النِّكَاحُ الْمُؤَقَّتُ بِمُدَّةِ عُمُرِهِ أَوْ عُمُرِهَا، أَوْ إِلَى مُدَّةٍ لاَ يَعِيشَانِ إِلَيْهَا:
٦٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ (٣) فِي حُكْمِ النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ إِلَى مُدَّةِ عُمُرِ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ أَوْ إِلَى مُدَّةٍ لاَ يَعِيشَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا إِلَيْهَا:
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ غَيْرَ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ وَالْمَالِكِيَّةُ غَيْرَ أَبِي الْحَسَنِ وَالشَّافِعِيَّةُ غَيْرَ الْبُلْقِينِيِّ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ بَاطِلٌ، لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَيَرَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ أَنَّهُمَا إِذَا ذَكَرَا مِنَ الْوَقْتِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُمَا لاَ يَعِيشَانِ إِلَيْهِ، كَمِائَةِ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا؛ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى التَّأْبِيدِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (٤) .
وَيَرَى الْبُلْقِينِيُّ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ بُطْلاَنِ النِّكَاحِ
_________
(١) فتح القدير ٣ / ١٤٩ - ١٥١ ونيل الأوطار٦ / ١٣٧ ومغني المحتاج٣ / ١٤٢، والمغني مع الشرح ٧ / ٥٧١، ٥٧٢ ط الأولى.
(٢) فتح القدير ٣ / ١٤٩، ونيل الأوطار٦ / ١٣٧، والدسوقي ٢ / ٢١٢، ٢١٣، ٢٧٢، ومغني المحتاج ٣ / ١٤٢، والروض المربع ٣ / ١٤١، ٢٧٦.
(٣) نفس المراجع المتقدمة.
(٤) والمبطل هو التوقيت. (العناية هامش فتح القدير ٣ / ١٥٢)
مَا إِذَا نَكَحَهَا مُدَّةَ عُمُرِهِ، أَوْ مُدَّةَ عُمُرِهَا، قَال: فَإِنَّ النِّكَاحَ الْمُطْلَقَ لاَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَالتَّصْرِيحُ بِمُقْتَضَى الإِْطْلاَقِ لاَ يَضُرُّ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ النِّكَاحُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ، قَال: وَفِي نَصِّ الأُْمِّ مَا يَشْهَدُ لَهُ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ (١) . وَجَاءَ فِي حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيِّ (٢) أَنَّ " ظَاهِرَ كَلاَمِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ الأَْجَل الْبَعِيدَ الَّذِي لاَ يَبْلُغُهُ عُمُرُهُمَا لاَ يَضُرُّ بِخِلاَفِ مَا يَبْلُغُهُ عُمُرُ أَحَدِهِمَا فَيَضُرُّ ".
د - إِضْمَارُ الزَّوْجِ تَأْقِيتَ النِّكَاحِ:
٦٧ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ وَفِي نِيَّتِهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ مُدَّةٍ نَوَاهَا صَحَّ زَوَاجُهُ، لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا بِكَرَاهَةِ النِّكَاحِ، إِذْ كُل مَا صُرِّحَ بِهِ أَبْطَل يَكُونُ إِضْمَارُهُ مَكْرُوهًا عِنْدَهُمْ (٣) كَمَا قَال الْمَالِكِيَّةُ إِنَّ الأَْجَل إِذَا لَمْ يَقَعْ فِي الْعَقْدِ، وَلَمْ يُعْلِمْهَا الزَّوْجُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَصَدَهُ فِي نَفْسِهِ، وَفَهِمَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ وَلِيُّهَا الْمُفَارَقَةَ بَعْدَ مُدَّةٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّ (٤) وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَإِنْ كَانَ بَهْرَامٌ صَدَّرَ فِي " شَرْحِهِ " وَفِي " شَامِلِهِ " بِالْفَسَادِ إِذَا فَهِمَتْ مِنْهُ ذَلِكَ الأَْمْرَ الَّذِي قَصَدَهُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ لِلْمَرْأَةِ وَلاَ لِوَلِيِّهَا بِذَلِكَ وَلَمْ تَفْهَمِ الْمَرْأَةُ مَا قَصَدَهُ فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ نِكَاحَ مُتْعَةٍ.
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ الْغَرِيبُ بِنِيَّةِ طَلاَقِهَا إِذَا خَرَجَ، فَإِنَّ النِّكَاحَ يَبْطُل؛ لأَِنَّهُ
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ١٤٢
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٢١٢، ٢١٣
(٣) فتح القدير ٣ / ١٥٢، وإعانة الطالبين ٤ / ٢٥ ط مصطفى الحلبي.
(٤) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير٢ / ٢١٣
نِكَاحُ مُتْعَةٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ (١) . وَلَكِنْ جَاءَ فِي الْمُغْنِي: " وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ إِلاَّ أَنَّ فِي نِيَّتِهِ طَلاَقَهَا بَعْدَ شَهْرٍ، أَوْ إِذَا انْقَضَتْ حَاجَتُهُ فِي هَذَا الْبَلَدِ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ فِي قَوْل عَامَّةِ أَهْل الْعِلْمِ إِلاَّ الأَْوْزَاعِيَّ، قَال: هُوَ نِكَاحُ مُتْعَةٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَلاَ تَضُرُّ نِيَّتُهُ، وَلَيْسَ عَلَى الرَّجُل أَنْ يَنْوِيَ حَبْسَ امْرَأَتِهِ، وَحَسْبُهُ إِنْ وَافَقَتْهُ وَإِلاَّ طَلَّقَهَا (٢) .
هـ - احْتِوَاءُ النِّكَاحِ عَلَى وَقْتٍ يَقَعُ فِيهِ الطَّلاَقُ:
٦٨ - إِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِشَرْطِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا، مِثْل أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ طَلاَقَهَا إِنْ قَدِمَ أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَيَبْطُل الشَّرْطُ، وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، قَالَهُ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ وَقَعَ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ شَرْطًا، وَذَلِكَ لاَ يُؤَثِّرُ فِيهِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَلاَّ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ لاَ يُسَافِرَ بِهَا. وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِالْبُطْلاَنِ بِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مَانِعٌ مِنْ بَقَاءِ النِّكَاحِ فَأَشْبَهَ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ، وَيُفَارِقُ مَا قَاسُوا عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ قَطْعَ النِّكَاحِ (٣) .
تَأْقِيتُ الرَّهْنِ بِأَجَلٍ:
٦٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَأْقِيتُ الرَّهْنِ بِأَجَلٍ، كَأَنْ يَقُول: رَهَنْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ شَهْرًا، فِي
_________
(١) الروض المربع ٢ / ٢٧٦
(٢) المغني ٧ / ٥٧٣
(٣) المغني المطبوع مع الشرح الكبير ٧ / ٥٧٤
الدَّيْنِ الَّذِي لَكَ عَلَيَّ (١) .
تَقْسِيمُ الأَْجَل بِاعْتِبَارِ ضَبْطِهِ وَتَحْدِيدِهِ:
٧٠ - يَنْقَسِمُ الأَْجَل مِنْ حَيْثُ ضَبْطُهُ وَتَحْدِيدُهُ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَأَجَلٍ مَجْهُولٍ. وَمَعْلُومِيَّةُ الأَْجَل وَجَهَالَتُهُ لَهَا أَثَرٌ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَعَدَمِ صِحَّتِهِ، لِمَا تُورِثُهُ الْجَهَالَةُ مِنَ الْغَرَرِ، إِلاَّ أَنَّ مِنَ الْجَهَالَةِ مَا كَانَ مُتَقَارِبًا، وَمِنْهَا مَا كَانَ مُتَفَاوِتًا، وَفِيمَا يَلِي آرَاءُ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ.
الْمَبْحَثُ الأَْوَّل
الأَْجَل الْمَعْلُومُ
٧١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ الأَْجَل (فِيمَا يَقْبَل التَّأْجِيل) إِذَا كَانَ الأَْجَل مَعْلُومًا (٢) فَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْعِلْمِ بِهِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى أَنْ يَعْلَمَ بِزَمَانٍ بِعَيْنِهِ لاَ يَخْتَلِفُ مِنْ شَخْصٍ إِلَى شَخْصٍ وَمِنْ جَمَاعَةٍ إِلَى جَمَاعَةٍ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ مُحَدَّدًا بِالْيَوْمِ وَالشَّهْرِ وَالسَّنَةِ.
وَالدَّلِيل عَلَى اشْتِرَاطِ مَعْلُومِيَّةِ الأَْجَل: قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ .
وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال فِي مَوْضِعِ شَرْطِ الأَْجَل: مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ
_________
(١) المغني المطبوع مع الشرح الكبير ٤ / ٤٢٩ والاختيار ٢ / ٢٣٦، والخرشي ٤ / ١٥٣، ومغني المحتاج ٢ / ١٣٢ وكشاف القناع ٣ / ٣٥٠ ط الرياض.
(٢) فتح القدير ٥ / ٨٣، ٨٤ والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٥٧ ومغني المحتاج ٢ / ١٠٥، والمغني مع الشرح الكبير ٤ / ٣٢٨
وَقَدِ انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى صِحَّةِ التَّأْجِيل إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ.
وَلأَِنَّ جَهَالَةَ الأَْجَل تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ فِي التَّسَلُّمِ وَالتَّسْلِيمِ، فَهَذَا يُطَالِبُهُ فِي قَرِيبِ الْمُدَّةِ، وَذَاكَ فِي بِعِيدِهَا، وَكُل مَا يُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ يَجِبُ إِغْلاَقُ بَابِهِ. وَلأَِنَّهُ. سَيُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ الْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْوَفَاءِ بِهَا.
٧٢ - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِيقَةِ الْعِلْمِ بِالأَْجَل، أَوْ مَعْلُومِيَّةِ الأَْجَل: فَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الأَْجَل الْمَعْلُومَ هُوَ مَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ، كَشُهُورِ الْعَرَبِ (١) . وَبَعْضُهُمْ جَعَلَهُ " مَا يَكُونُ مَعْلُومًا لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ وَلَوْ حُكْمًا، وَأَنَّ الأَْيَّامَ الْمَعْلُومَةَ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ كَالْمَنْصُوصَةِ، وَأَنَّ التَّأْجِيل بِالْفِعْل الَّذِي يُفْعَل فِي الأَْيَّامِ الْمُعْتَادَةِ كَالتَّأْجِيل بِالأَْيَّامِ (٢) ". وَإِزَاءَ هَذَيْنِ الاِتِّجَاهَيْنِ لاَ بُدَّ مِنْ بَيَانِ آرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِي التَّأْجِيل إِلَى أَزْمِنَةٍ مَعْلُومَةٍ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، أَوْ إِلَى فُصُولٍ أَوْ مُنَاسَبَاتٍ، أَوْ إِلَى فِعْلٍ يَقَعُ فِي أَزْمِنَةٍ مُعْتَادَةٍ.
التَّأْجِيل إِلَى أَزْمِنَةٍ مَنْصُوصَةٍ
٧٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ التَّأْجِيل إِلَى أَزْمِنَةٍ مَنْصُوصَةٍ، كَمَا لَوْ قَال " خُذْ هَذَا الدِّينَارَ سَلَمًا فِي إِرْدَبِّ قَمْحٍ إِلَى أَوَّل شَهْرِ رَجَبٍ مِنْ هَذَا الْعَامِ، أَوْ آخُذُهُ مِنْكَ بَعْدَ عِشْرِينَ يَوْمًا (٣) ".
_________
(١) المهذب للشيرازي ١ / ٢٩٩
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٢٠٥
(٣) نفس المرجع السابق، وبدائع الصنائع ٤ / ١٨١، ومغني المحتاج ٢ / ١٠٥، ١٠٦، ٣٤٩، والمغني والشرح الكبير ٤ / ٣٢٨، وكشاف القناع ٣ / ١٨٩
وَالأَْصْل فِي التَّأْجِيل إِلَى الشُّهُورِ وَالسِّنِينَ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ أَنْ تَكُونَ هِلاَلِيَّةً، فَإِذَا ضَرَبَ أَجَلًا مُدَّتُهُ شَهْرٌ أَوْ شَهْرَانِ، أَوْ سَنَةٌ أَوْ سَنَتَانِ، مَثَلًا، انْصَرَفَ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ إِلَى الأَْشْهُرِ وَالسِّنِينَ الْهِلاَلِيَّةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ عُرْفُ الشَّرْعِ، قَال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَْهِلَّةِ قُل هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (١) وَقَال تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (٢) وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٣) .
التَّأْجِيل بِغَيْرِ الشُّهُورِ الْعَرَبِيَّةِ:
٧٤ - إِذَا جَعَل الأَْجَل مُقَدَّرًا بِغَيْرِ الشُّهُورِ الْهِلاَلِيَّةِ فَذَلِكَ قِسْمَانِ:
الْقِسْمُ الأَْوَّل: مَا يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَهُوَ بَيْنَهُمْ مَشْهُورٌ، كَكَانُونَ وَشُبَاطَ. فَقَدْ جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) لأَِنَّهُ أَجَلٌ مَعْلُومٌ لاَ يَخْتَلِفُ، فَصَارَ كَالتَّأْجِيل بِالشُّهُورِ الْهِلاَلِيَّةِ (٤) .
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا قَدْ لاَ يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ
_________
(١) سورة البقرة / ١٨٩
(٢) سورة التوبة / ٣٦
(٣) بدائع الصنائع ٤ / ٨١، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٠٦، والمهذب للشيرازي١ / ٢٩٩، والمغني مع الشرح الكبير ٤ / ٣٢٨
(٤) المغني والشرح الكبير ٤ / ٣٢٨، ومغني المحتاج ٢ / ١٠٥، ١٠٦، ورد المحتار ٤ / ١٢٥، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٠٥
كَالتَّأْجِيل إِلَى النَّيْرُوزِ (١) وَالْمِهْرَجَانِ (٢) وَنَحْوِهِمَا فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ التَّأْجِيل إِلَيْهِ. (٣)
التَّأْجِيل بِالأَْشْهُرِ بِإِطْلاَقٍ:
٧٥ - إِذَا جَعَل التَّأْجِيل بِالأَْشْهُرِ، دُونَ النَّصِّ عَلَى أَنَّهَا هِلاَلِيَّةٌ أَوْ رُومِيَّةٌ أَوْ فَارِسِيَّةٌ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ (الْحَنَفِيَّةَ وَالْمَالِكِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ) قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ التَّأْجِيل بِالأَْشْهُرِ بِإِطْلاَقٍ تَنْصَرِفُ إِلَى الْهِلاَلِيَّةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الشُّهُورَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ شُهُورُ الأَْهِلَّةِ، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (٤) وَأَرَادَ الْهِلاَلِيَّةَ (٥)، فَعِنْدَ الإِْطْلاَقِ يُحْمَل الْعَقْدُ عَلَيْهَا، وَاحْتِسَابُ هَذِهِ الْمُدَّةِ إِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ فِي أَوَّل الشَّهْرِ مِنْ أَوَّلِهِ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَقَعْ فِي أَوَّلِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِشَهْرٍ أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ سَنَةٍ. فَإِنْ كَانَ لِشَهْرٍ، فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِي غُرَّةِ الشَّهْرِ، يَقَعُ عَلَى الأَْهِلَّةِ بِلاَ خِلاَفٍ، حَتَّى لَوْ نَقَصَ الشَّهْرُ يَوْمًا كَانَ عَلَيْهِ كَمَال الأُْجْرَةِ؛ لأَِنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِلْهِلاَل، وَإِنْ وَقَعَ بَعْدَمَا مَضَى بَعْضُ الشَّهْرِ، فَفِي إِجَارَةِ
_________
(١) هو أول يوم من أيام الربيع تحل فيه الشمس برج الحمل. ونيروز المجوس يوم تحل في الحوت (وهذا أول فصل الشتاء) .
(٢) المهرجان هو أول يوم من الخريف تحل فيه الشمس برج الميزان.
(٣) المغني المطبوع مع الشرح الكبير ٤ / ٣٢٨، ورد المحتار ٤ / ١٢٤، والدسوقي ٣ / ٢٠٥، ومغني المحتاج ٢ / ١٠٥
(٤) سورة التوبة / ٣٦
(٥) المغني المطبوع مع الشرح الكبير ٤ / ٣٢٨، وبدائع الصنائع ٤ / ١٨١، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٠٦، والمهذب ١ / ٢٩٩