الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 46

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

ج - وَفِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا عَبَّرُوا بِالتَّحْلِيل (ر: تَحْلِيلٌ (١» .

د - وَفِي الدَّيْنِ الْمُؤَجَّل إِذَا حَل عَبَّرُوا بِالْحُلُول (ر حُلُولٌ (٢» .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِحَسَبِ اخْتِلاَفِ إِطْلاَقِ لَفْظِ (إِحْلاَلٌ) عَلَى مَا سَبَقَ فِي التَّعْرِيفِ.

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٣ - يُرْجَعُ فِي كُل إِطْلاَقٍ إِلَى مُصْطَلَحِهِ

إِحْمَاءٌ

انْظُرْ: حَمُو

إِحْيَاءُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْحْيَاءُ مَصْدَرُ " أَحْيَا " وَهُوَ جَعْل الشَّيْءِ حَيًّا، أَوْ بَثُّ الْحَيَاةِ فِي الْهَامِدِ (٣)، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: أَحْيَاهُ اللَّهُ إِحْيَاءً، أَيْ جَعَلَهُ حَيًّا، وَأَحْيَا اللَّهُ الأَْرْضَ، أَيْ

_________

(١) القليوبي ٣ / ٢٤٦ ط عيسى الحلبي

(٢) الحطاب ٥ / ٣٧

(٣) معجم مقاييس اللغة، والقاموس المحيط

أَخْصَبَهَا بَعْدَ الْجَدْبِ (١)، جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَل الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (٢) . وَلَمْ يَخْرُجِ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِكَلِمَةِ " إِحْيَاءُ " عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَقَالُوا: " إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ "، وَأَرَادُوا بِذَلِكَ إِنْبَاتَ الأَْرْضِ الْمُجْدِبَةِ، وَقَالُوا: إِحْيَاءُ اللَّيْل، وَإِحْيَاءُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، وَأَرَادُوا بِذَلِكَ شَغْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالذِّكْرِ، وَعَدَمَ تَعْطِيلِهِ وَجَعْلِهِ كَالْمَيِّتِ فِي عُطْلَتِهِ (٣) . وَقَالُوا: إِحْيَاءُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَأَرَادُوا بِذَلِكَ دَوَامَ وَصْلِهِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَعَدَمَ الاِنْقِطَاعِ عَنْهُ كَالاِنْقِطَاعِ عَنِ الْمَيِّتِ، وَهَكَذَا. وَقَالُوا: إِحْيَاءُ السُّنَّةِ وَأَرَادُوا إِعَادَةَ الْعَمَل بِشَعِيرَةٍ مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ بَعْدَ إِهْمَال الْعَمَل بِهَا.

وَيَخْتَلِفُ الإِْحْيَاءُ بِحَسَبِ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ، فَهُنَاكَ:

أ - إِحْيَاءُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ.

ب - إِحْيَاءُ السُّنَّةِ.

ج - إِحْيَاءُ اللَّيْل.

د - وَإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ. وَالْمُرَادُ بِإِحْيَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عِمَارَةُ الْبَيْتِ بِالْحَجِّ، وَبِالْعُمْرَةِ أَيْضًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ، تَشْبِيهًا لِلْمَكَانِ الْمَعْمُورِ بِالْحَيِّ، وَلِغَيْرِ الْمَعْمُورِ بِالْمَيِّتِ (٤) .

_________

(١) محيط المحيط.

(٢) سورة فاطر / ٩

(٣) النهاية لابن الأثير، مادة (حيي) .

(٤) حاشية الشرقاوي على شرح التحرير ٢ / ١٧٨ ط الحلبي، والنهاية لابن الأثير (حيا)، والخرشي ٣ / ١٠٨ ط بولاق، والحطاب ٢ / ٤٦٥

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ إِحْيَاءَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ بِالْحَجِّ فَرْضُ كِفَايَةٍ كُل عَامٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْجُمْلَةِ. وَهَذَا لاَ يَتَعَارَضُ مَعَ كَوْنِهِ فَرْضَ عَيْنٍ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى كُل مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ؛ لأَِنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إِذَا لَمْ يَحُجَّ عَدَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرْضًا وَلاَ تَطَوُّعًا مِمَّنْ يَحْصُل بِهِمُ الشِّعَارُ عُرْفًا فِي كُل عَامٍ، فَإِنَّ الإِْثْمَ يَلْحَقُ الْجَمِيعَ، إِذِ الْمَقْصُودُ الأَْعْظَمُ بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ هُوَ الْحَجُّ، فَكَانَ بِهِ إِحْيَاؤُهَا، وَلِمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: لَوْ تَرَكَ النَّاسُ زِيَارَةَ هَذَا الْبَيْتِ عَامًا وَاحِدًا مَا أُمْطِرُوا. وَمِثْل الْحَجِّ فِي ذَلِكَ الْعُمْرَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالتَّادَلِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.

وَلاَ يُغْنِي عَنْهُمَا الطَّوَافُ وَالاِعْتِكَافُ وَالصَّلاَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الطَّاعَاتُ وَاجِبَةً أَيْضًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وُجُوبًا عَلَى الْكِفَايَةِ، فَإِنَّ التَّعْظِيمَ وَإِحْيَاءَ الْبُقْعَةِ يَحْصُل بِجَمِيعِ ذَلِكَ. وَتَطْبِيقًا عَلَى هَذَا فَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُرْسِل جَمَاعَةً فِي كُل سَنَةٍ لإِقَامَةِ الْمَوْسِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِمَامٌ فَعَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ (١) .

هَذَا وَلَمْ أَجِدْ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ نَصًّا لِلْحَنَفِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ.

_________

(١) الجمل ١ / ١٨٣، وكشاف القناع ٢ / ٣٧٥ ط الرياض، وإعلام الساجد ص ٨٤، والحطاب ٢ / ٤٦٥، والخرشي ٣ / ١٠٨

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٣ - تَنَاوَل الْفُقَهَاءُ حُكْمَ إِحْيَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ بِالتَّفْصِيل فِي أَوَّل كِتَابِ الْجِهَادِ، لِمُنَاسَبَةِ حُكْمِ الْجِهَادِ، وَهُوَ الْوُجُوبُ الْكِفَائِيُّ، حَيْثُ تَعَرَّضُوا لِتَعْرِيفِ الْوَاجِبِ عَلَى الْكِفَايَةِ وَذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ وَأَحْكَامِهَا، كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي أَوَّل كِتَابِ الْحَجِّ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى حُكْمِ الْحَجِّ. وَالَّذِينَ جَمَعُوا أَحْكَامَ الْمَسَاجِدِ فِي تَآلِيفَ خَاصَّةٍ، أَوْ عَقَدُوا فِي كُتُبِهِمْ فَصْلًا خَاصًّا بِأَحْكَامِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، تَعَرَّضُوا لَهُ أَيْضًا كَالْبَدْرِ الزَّرْكَشِيِّ ﵀ فِي كِتَابِهِ: " إِعْلاَمِ السَّاجِدِ بِأَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ ".

إِحْيَاءُ السُّنَّةِ

التَّعْرِيفُ:

١ - السُّنَّةُ: الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ. وَالْمُرَادُ بِإِحْيَاءِ السُّنَّةِ هُنَا: إِعَادَةُ الْعَمَل بِشَعِيرَةٍ مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ بَعْدَ إِهْمَال الْعَمَل بِهَا.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٢ - إِحْيَاءُ السُّنَّةِ الْمُمَاتَةِ مَطْلُوبٌ شَرْعًا إِمَّا عَلَى سَبِيل فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَهُوَ الأَْصْل، وَإِمَّا عَلَى سَبِيل فَرْضِ الْعَيْنِ، وَإِمَّا عَلَى سَبِيل النَّدْبِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ (١) .

_________

(١) كشاف اصلاحات الفنون ٣ / ٧٠٤ ط كلكتة.

إِحْيَاءُ اللَّيْل

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْحْيَاءُ فِي اللُّغَةِ جَعْل الشَّيْءِ حَيًّا (١)، وَيُرِيدُ الْفُقَهَاءُ مِنْ قَوْلِهِمْ: " إِحْيَاءُ اللَّيْل " قَضَاءَ اللَّيْل أَوْ أَكْثَرَهُ بِالْعِبَادَةِ، كَالصَّلاَةِ وَالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (٢) . وَبِذَلِكَ تَكُونُ الْمُدَّةُ هِيَ أَكْثَرُ اللَّيْل، وَيَكُونُ الْعَمَل عَامًّا فِي كُل عِبَادَةٍ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - قِيَامُ اللَّيْل:

٢ - الْمُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْل قَدْ لاَ يَكُونُ مُسْتَغْرِقًا لأَِكْثَرِ اللَّيْل، بَل يَتَحَقَّقُ بِقِيَامِ سَاعَةٍ مِنْهُ (٣) . أَمَّا الْعَمَل فِيهِ فَهُوَ الصَّلاَةُ دُونَ غَيْرِهَا. وَقَدْ يُطْلِقُونَ قِيَامَ اللَّيْل عَلَى إِحْيَاءِ اللَّيْل. فَقَدْ قَال فِي مَرَاقِي الْفَلاَحِ: مَعْنَى الْقِيَامِ أَنْ يَكُونَ مُشْتَغِلًا مُعْظَمَ اللَّيْل بِطَاعَةٍ، وَقِيل سَاعَةً مِنْهُ، يَقْرَأُ الْقُرْآنَ أَوْ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ أَوْ يُسَبِّحُ أَوْ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (٤) .

_________

(١) معجم مقاييس اللغة، والقاموس المحيط

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٦٠ طبعة بولاق الأولى، وشرح المنهاج ٢ / ١٢٧ طبع مصطفى الحلبي ١٣٦٩ هـ.

(٣) ابن عابدين ١ / ٤٦١

(٤) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص ٢١٩ طبع المطبعة العثمانية.

وَكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ يَسْبِقُهُ نَوْمٌ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ وَقَدْ لاَ يَسْبِقُهُ نَوْمٌ.

ب - التَّهَجُّدُ:

٣ - التَّهَجُّدُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ نَوْمٍ (١) . وَلَكِنْ يُطْلِقُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى صَلاَةِ اللَّيْل مُطْلَقًا (٢) .

مَشْرُوعِيَّتُهُ:

٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ إِحْيَاءُ اللَّيَالِي الْفَاضِلَةِ الَّتِي وَرَدَ بِشَأْنِهَا نَصٌّ، كَمَا يُنْدَبُ إِحْيَاءُ أَيِّ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي، لِقَوْل عَائِشَةَ ﵂: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنَامُ أَوَّل اللَّيْل وَيُحْيِي آخِرَهُ (٣)؛ لأَِنَّ التَّطَوُّعَ بِالْعِبَادَةِ فِي اللَّيْل، كَالدُّعَاءِ وَالاِسْتِغْفَارِ فِي سَاعَاتِهِ مُسْتَحَبٌّ اسْتِحْبَابًا مُؤَكَّدًا، وَخَاصَّةً فِي النِّصْفِ الأَْخِيرِ مِنَ اللَّيْل، وَلاَ سِيَّمَا فِي الأَْسْحَارِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَْسْحَارِ﴾ (٤)، وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: إِنَّ فِي اللَّيْل لَسَاعَةً لاَ يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَل اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥)،

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ٢٢٨، والفروع ١ / ٤٣٠ ط الأولى للمنار، وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٥٩، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢١١ طبع دار الفكر.

(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ٢١١

(٣) حديث عائشة " كان رسول الله ينام أول الليل. . . " أخرجه البخاري بلفظ " كان ينام أوله ويقوم آخره فيصلى " وقال ابن حجر: وأخرجه مسلم (فتح الباري ٣ / ٣٢ ط السلفية) .

(٤) سورة آل عمران / ١٧

(٥) حديث جابر " إن في الليل لساعة " أخرجه الإمام أحمد ومسلم في الصلاة عن جابر (فيض القدير ٢ / ٤٧٢)

فَهُوَ مِمَّا يَدْخُل فِي النُّصُوصِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي تَحُضُّ عَلَى الْعِبَادَةِ (١) .

أَنْوَاعُهُ:

٥ - أ - إِحْيَاءُ لَيَالٍ مَخْصُوصَةٍ وَرَدَ نَصٌّ بِإِحْيَائِهَا كَالْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْعَشْرِ الأُْوَل مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.

ب - إِحْيَاءُ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِنْ كُل لَيْلَةٍ، وَهَذَانِ النَّوْعَانِ مَوْضُوعُ الْبَحْثِ.

الاِجْتِمَاعُ لإِحْيَاءِ اللَّيْل:

٦ - كَرِهَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ الاِجْتِمَاعَ لإِحْيَاءِ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي فِي الْمَسَاجِدِ غَيْرِ التَّرَاوِيحِ (٢)، وَيَرَوْنَ أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ إِحْيَاءَ النَّاسِ اللَّيْل فُرَادَى (٣) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَيَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَأَجَازَ الْحَنَابِلَةُ إِحْيَاءَ اللَّيْل بِصَلاَةِ قِيَامِ اللَّيْل جَمَاعَةً، كَمَا أَجَازُوا صَلاَتَهُ مُنْفَرِدًا، لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَعَل الأَْمْرَيْنِ، وَلَكِنْ كَانَ أَكْثَرُ تَطَوُّعِهِ مُنْفَرِدًا، فَصَلَّى بِحُذَيْفَةَ مَرَّةً، وَبِابْنِ عَبَّاسٍ مَرَّةً، وَبِأَنَسٍ وَأُمِّهِ مَرَّةً (٤) .

وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الاِجْتِمَاعِ عَلَى إِحْيَاءِ اللَّيْل بِقِيَامِهِ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ وَالْجَمَاعَةِ الْقَلِيلَةِ، وَبَيْنَ الْمَكَانِ الْمُشْتَهَرِ وَالْمَكَانِ غَيْرِ الْمُشْتَهَرِ، فَأَجَازُوا - بِلاَ

_________

(١) المجموع ٤ / ٤٧ ط الأولى بالمطبعة المنيرية.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٦١، والبحر الزخار ٢ / ٥٦ مطبعة السعادة، والمبسوط ١ / ١٤٤ طبع مطبعة السعادة

(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٦١، وأسنى المطالب شرح روض الطالب ١ / ٢٠٨ نشر المكتبة الإسلامية

(٤) المغني ١ / ٧٧٩ ط الثالثة للمنار

كَرَاهَةٍ - اجْتِمَاعَ الْعَدَدِ الْقَلِيل عَلَيْهِ إِنْ كَانَ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَكَانٍ غَيْرِ مُشْتَهَرٍ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ لإِحْيَائِهَا مِنَ اللَّيَالِي الَّتِي صُرِّحَ بِبِدْعَةِ الْجَمْعِ فِيهَا، كَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَةِ عَاشُورَاءَ، فَيُكْرَهُ (١) .

إِحْيَاءُ اللَّيْل كُلَّهُ:

٧ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ قِيَامِ اللَّيْل كُلِّهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: مَا رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ (٢) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَاسْتَثْنَوْا إِحْيَاءَ لَيَالٍ مَخْصُوصَةٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: كَانَ إِذَا دَخَل الْعَشْرُ الأَْوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ أَحْيَا اللَّيْل كُلَّهُ (٣) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

كَيْفِيَّتُهُ:

٨ - يَكُونُ إِحْيَاءُ اللَّيْل بِكُل عِبَادَةٍ، كَالصَّلاَةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالأَْحَادِيثِ، وَسَمَاعِهَا، وَبِالتَّسْبِيحِ وَالثَّنَاءِ وَالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (٤) . وَيُصَلِّي فِي إِحْيَاءِ اللَّيْل وَلَوْ رَكْعَتَيْنِ. وَالتَّفْصِيل فِي عَدَدِ مَا يُصَلِّي وَكَوْنِهِ مَثْنَى أَوْ

_________

(١) الخرشي ١ / ٣٦٦ ط دار صادر بيروت

(٢) المجموع ٤ / ٤٧، وشرح الروض ١ / ٢٠٨، وكشاف القناع ١ / ٤٣٧ ط الثانية. وحديث عائشة عزاه النووي في المجموع (٤ / ٤٧) بهذا اللفظ إلى صحيح مسلم، ولم نجده به عند مسلم. والذي عنده من حديث طويل " ولا صلى ليلة إلى الصبح. . . الحديث)، (صحيح مسلم ١ / ٥١٤. بتحقيق محمد عبد الباقي) .

(٣) رياض الصالحين ص ٤٣٦

(٤) الدر المختار بهامش حاشية ابن عابدين ١ / ٤٦٠ - ٤٦١

رُبَاعَ، مَوْطِنُهُ " قِيَامُ اللَّيْل (١) ".

وَكَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحْيِيَ اللَّيْل بِالصَّلاَةِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحْيِيَهُ بِالدُّعَاءِ وَالاِسْتِغْفَارِ، فَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَحْيَا اللَّيْل أَنْ يُكْثِرَ مِنَ الدُّعَاءِ وَالاِسْتِغْفَارِ فِي سَاعَاتِ اللَّيْل كُلِّهَا. وَآكَدُهُ النِّصْفُ الأَْخِيرُ، وَأَفْضَلُهُ عِنْدَ الأَْسْحَارِ (٢) .

وَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَقُول: أَمَرَنَا أَنْ نَسْتَغْفِرَ بِالسَّحَرِ سَبْعِينَ مَرَّةً (٣) . وَقَال نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْيِي اللَّيْل، ثُمَّ يَقُول: يَا نَافِعُ، أَسْحَرْنَا؟ فَأَقُول: لاَ، فَيُعَاوِدُ الصَّلاَةَ. ثُمَّ يَسْأَل، فَإِذَا قُلْتُ: نَعَمْ، قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ (٤) . وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ أَبِيهِ قَال: سَمِعْتُ رَجُلًا فِي السَّحَرِ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ يَقُول: يَا رَبِّ أَمَرْتَنِي فَأَطَعْتُكَ، وَهَذَا سَحَرٌ، فَاغْفِرْ لِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ (٥) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٦٠، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٢١٧، والجمل ١ / ٤٨٤ نشر دار إحياء التراث العربي

(٢) المجموع ٤ / ٤٧، ومغني المحتاج ١ / ٢٢٩، طبع مصطفى البابي الحلبي.

(٣) قول أنس: " أمرنا أن نستغفر. . . " ذكره القرطبي ٤ / ٣٩ ط دار الكتب بالقاهرة ولم ينسبه إلى شيء من كتب الحديث. وقد رواه الطبري بسنده في تفسيره ٦ / ٢٦٦، ط دار المعارف.

(٤) أثر ابن عمر ذكره القرطبي (٤ / ٣٩) ط دار الكتب بالقاهرة ولم ينسبه إلى شيء من كتب الحديث، وقد رواه الطبري بسنده في تفسيره (٦ / ٢٦٦) ط دار المعارف ببعض اختلاف.

(٥) الأثر عن ابن مسعود ذكر القرطبي ٤ / ٤٠ والطبري في تفسير ٦ / ٢٦٦ ط دار المعارف وقال محققه: فيه حريث الحناط قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث.

إِحْيَاءُ اللَّيَالِي الْفَاضِلَةِ:

٩ - اللَّيَالِي الْفَاضِلَةُ الَّتِي وَرَدَتِ الآْثَارُ بِفَضْلِهَا هِيَ:

لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ، وَلَيْلَتَا الْعِيدَيْنِ، وَلَيَالِي رَمَضَانَ، وَيُخَصُّ مِنْهَا لَيَالِي الْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ مِنْهُ، وَيُخَصُّ مِنْهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَلَيَالِي الْعَشْرِ الأُْوَل مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَيْلَةُ نِصْفِ شَعْبَانَ، وَاللَّيْلَةُ الأُْولَى مِنْ رَجَبٍ. وَحُكْمُ إِحْيَاءِ هَذِهِ اللَّيَالِي فِيمَا يَلِي:

إِحْيَاءُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ:

١٠ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى كَرَاهَةِ تَخْصِيصِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ بِصَلاَةٍ، لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ قَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي (١) .

أَمَّا إِحْيَاؤُهَا بِغَيْرِ صَلاَةٍ فَلاَ يُكْرَهُ، لاَ سِيَّمَا الصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ فِيهَا.

وَلاَ يُكْرَهُ إِحْيَاؤُهَا مَضْمُومَةً إِلَى مَا قَبْلَهَا، أَوْ إِلَى مَا بَعْدَهَا، أَوْ إِلَيْهِمَا، قِيَاسًا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ فِي الصَّوْمِ (٢) .

وَظَاهِرُ كَلاَمِ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ نَدْبُ إِحْيَائِهَا بِغَيْرِ الصَّلاَةِ؛ لأَِنَّ صَاحِبَ مَرَاقِي الْفَلاَحِ سَاقَ حَدِيثَ: خَمْسُ لَيَالٍ لاَ يُرَدُّ فِيهِنَّ الدُّعَاءُ: لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ، وَأَوَّل لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَتَا

_________

(١) حديث " لا تخصوا ليلة الجمعة. . .)، رواه مسلم من حديث أبي هريرة ولفظه " لا تختصوا "، وله تكملة (الفتح الكبير ٣ / ٣١٨)

(٢) مغني المحتاج ٢ / ٢٢٨