الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩ الصفحة 45

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩

وَالثَّانِي: خُلْطَةُ الأَْوْصَافِ، وَفِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ تَسْمِيَتُهَا خُلْطَةَ الْجِوَارِ أَيْضًا. وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مَال كُلٍّ مِنَ الْخَلِيطَيْنِ مَعْرُوفًا لِصَاحِبِهِ بِعَيْنِهِ فَخَلَطَاهُ فِي الْمَرَافِقِ لأَِجْل الرِّفْقِ فِي الْمَرْعَى، أَوِ الْحَظِيرَةِ، أَوِ الشُّرْبِ. بِحَيْثُ لاَ تَتَمَيَّزُ فِي الْمَرَافِقِ (١) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٢ - الْخُلْطَةُ فِي الأَْمْوَال عَلَى وَجْهٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ مَال كُلٍّ مِنَ الْخَلِيطَيْنِ عَنْ صَاحِبِهِ أَمْرٌ مُبَاحٌ فِي الأَْصْل؛ لأَِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ الْمُبَاحِ فِي الْمَال الْخَاصِّ. وَقَدْ يَحْصُل بِهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الرِّفْقِ بِأَصْحَابِ الأَْمْوَال كَأَنْ يَكُونَ لأَِهْل الْقَرْيَةِ غَنَمٌ لِكُلٍّ مِنْهُمْ عَدَدٌ قَلِيلٌ مِنْهَا فَيَجْمَعُوهَا عِنْدَ رَاعٍ وَاحِدٍ يَرْعَاهَا بِأَجْرٍ أَوْ تَبَرُّعًا، وَيُؤْوِيهَا إِلَى حَظِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَتُجْمَعُ فِي سَقْيِهَا أَوْ حَلْبِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَذَلِكَ أَيْسَرُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يَقُومَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى غَنَمِهِ وَحْدَهُ، وَكَذَا فِي خُلْطَةِ الْمَزَارِعِ الاِرْتِفَاقُ بِاتِّحَادِ النَّاطُورِ، وَالْمَاءِ، وَالْحِرَاثِ، وَالْعَامِل. وَفِي خُلْطَةِ التُّجَّارِ بِاتِّحَادِ الْمِيزَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (٢) .

وَأَمَّا خُلْطَةُ الأَْعْيَانِ فَهِيَ الشَّرِكَةُ بِعَيْنِهَا، وَيُرَاجَعُ حُكْمُهَا تَحْتَ مُصْطَلَحِ: (شَرِكَةٌ)

_________

(١) المغني لابن قدامة ٢ / ٦٠٧ - ط ثالثة، مكتبة المنار، ١٣٦٧هـ، وشرح المنهاج للمحلى مع حاشية القليوبي وعميرة ٢ / ١١ - ١٣ القاهرة، عيسى الحلبي.

(٢) شرح المنهاج ٢ / ١٣، والمغني ٢ / ٦١٩.

وَالأَْصْل فِيهَا أَيْضًا الإِْبَاحَةُ.

وَبِمَا أَنَّ الْخُلْطَةَ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا فِي تَقْلِيل الزَّكَاةِ بِشُرُوطِهَا فَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ إِظْهَارِ صُورَةِ الْخُلْطَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ خُلْطَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ سَعْيًا وَرَاءَ تَقْلِيل الزَّكَاةِ الَّتِي قَدْ وَجَبَتْ فِعْلًا، وَكَذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ إِظْهَارِ صُورَةِ الاِنْفِرَادِ سَعْيًا وَرَاءَ تَقْلِيل الزَّكَاةِ الَّتِي وَجَبَتْ فِعْلًا فِي الأَْمْوَال الْمُخْتَلِطَةِ، وَذَلِكَ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ (١) . وَيَأْتِي مُطَوَّلًا بَيَانُ مَعْنَى ذَلِكَ.

أَحْكَامُ الْخُلْطَةِ:

٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَأْثِيرِ الْخُلْطَةِ فِي الزَّكَاةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الأَْوَّل: أَنَّ لَهَا تَأْثِيرًا فِي الزَّكَاةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُورِ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي بَعْضِ الشُّرُوطِ الَّتِي لاَ بُدَّ مِنْ تَوَافُرِهَا لِيَتَحَقَّقَ ذَلِكَ التَّأْثِيرُ. مَعَ الْخِلاَفِ أَيْضًا فِي الأَْمْوَال الَّتِي تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ فِيهَا عَلَى مَا سَيَأْتِي. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ (٢) .

_________

(١) حديث: " لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين. . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣١٤ - ٣١٥ ط السلفية) .

(٢) حديث: " لا يجمع بين متفرق. . " سبق تخريجه ف / ٢.

قَال الأَْزْهَرِيُّ: جَوَّدَ تَفْسِيرَ هَذَا الْحَدِيثِ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الأَْمْوَال، وَفَسَّرَهُ عَلَى نَحْوِ مَا فَسَّرَهُ الشَّافِعِيُّ. قَال الشَّافِعِيُّ: الَّذِي لاَ أَشُكُّ فِيهِ أَنَّ " الْخَلِيطَيْنِ ": الشَّرِيكَانِ لَمْ يَقْتَسِمَا الْمَاشِيَةَ، " وَتَرَاجُعُهُمَا بِالسَّوِيَّةِ ": أَنْ يَكُونَا خَلِيطَيْنِ فِي الإِْبِل تَجِبُ فِيهَا الْغَنَمُ، فَتُوجَدُ الإِْبِل فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَتَأْخُذُ مِنْهُ صَدَقَتَهَا فَيَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِالسَّوِيَّةِ. قَال الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ يَكُونُ " الْخَلِيطَانِ " الرَّجُلَيْنِ يَتَخَالَطَانِ بِمَاشِيَتِهِمَا، وَإِنْ عَرَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَاشِيَتَهُ، قَال: وَلاَ يَكُونَانِ خَلِيطَيْنِ حَتَّى يُرِيحَا وَيَسْرَحَا مَعًا، وَتَكُونُ فُحُولَتُهُمَا مُخْتَلِطَةً، فَإِذَا كَانَا هَكَذَا صَدَّقَا صَدَقَةَ الْوَاحِدِ بِكُل حَالٍ.

قَال: وَإِنْ تَفَرَّقَا فِي مَرَاحٍ، أَوْ سَقْيٍ، أَوْ فُحُولٍ، صَدَّقَا صَدَقَةَ الاِثْنَيْنِ. ا. هـ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ فَهُوَ نَهْيٌ عَنْ أَنْ يَخْلِطَ الرَّجُل إِبِلَهُ بِإِبِل غَيْرِهِ، أَوْ غَنَمَهُ بِغَنَمِهِ، أَوْ بَقَرَهُ بِبَقَرِهِ، لِيَمْنَعَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى وَيَبْخَسُ الْمُصَدِّقَ (وَهُوَ جَابِي الزَّكَاةِ)، وَذَلِكَ كَأَنْ يَكُونَ ثَلاَثَةَ رِجَالٍ، لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ شَاةً، فَيَكُونَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ فِي غَنَمِهِ شَاةٌ، فَإِذَا أَحَسُّوا بِقُرْبِ وُصُول الْمُصَدِّقِ جَمَعُوهَا لِيَكُونَ عَلَيْهِمْ فِيهَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ.

وَقَوْلُهُ ﵊: وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ مِثْل أَنْ يَكُونَ نِصَابٌ بَيْنَ

اثْنَيْنِ، فَإِذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ أَفْرَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا إِبِلَهُ عَنْ إِبِل صَاحِبِهِ لِئَلاَّ يَكُونَ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ (١) .

وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: ﴿لاَ خِلاَطَ وَلاَ وِرَاطَ (٢) (الْخَدِيعَةَ) " فَالْخِلاَطُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﷺ لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ فَلَوْلاَ أَنَّ لِلْخَلْطِ تَأْثِيرًا فِي الزَّكَاةِ مَا نَهَى عَنْهُ (٣) .

الْقَوْل الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْخُلْطَةَ بِنَوْعَيْهَا لاَ تَأْثِيرَ لَهَا، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَنَسٍ نَفْسِهِ، قَال ابْنُ الْهُمَامِ: لَنَا هَذَا الْحَدِيثُ، إِذِ الْمُرَادُ الْجَمْعُ وَالتَّفْرِيقُ فِي الأَْمْلاَكِ لاَ فِي الأَْمْكِنَةِ، أَلاَ تَرَى أَنَّ النِّصَابَ الْمُفَرَّقَ فِي أَمْكِنَةٍ مَعَ وَحْدَةِ الْمَالِكِ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَمَنْ مَلَكَ ثَمَانِينَ شَاةً فَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَجْعَلَهَا نِصَابَيْنِ بِأَنْ يُفَرِّقَهَا فِي مَكَانَيْنِ. قَال: " فَمَعْنَى لاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ "، أَنْ لاَ يُفَرِّقَ السَّاعِي بَيْنَ الثَّمَانِينَ أَوِ الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ فَيَجْعَلَهَا نِصَابَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً. وَمَعْنَى " وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ " لاَ يَجْمَعُ الأَْرْبَعِينَ الْمُتَفَرِّقَةَ فِي الْمِلْكِ بِأَنْ تَكُونَ مُشْتَرِكَةً لِيَجْعَلَهَا نِصَابًا، وَالْحَال أَنَّ

_________

(١) لسان العرب، والأم للشافعي ٢ / ١٣ القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية.

(٢) حديث: " لا خلاط ولا وراط ". ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث (١ / ٢١٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) ولم يسنده.

(٣) المغني لابن قدامة ٢ / ٦٠٨ ط ثالثة، مطبعة المنار ١٣٦٨هـ.

لِكُلٍّ مِنْهُمَا عِشْرِينَ. قَال: " وَتَرَاجُعُهُمَا بِالسَّوِيَّةِ " أَنْ يَرْجِعَ كُل وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى شَرِيكِهِ بِحِصَّةِ مَا أَخَذَ مِنْهُ (١) .

وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ إِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُل نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ (٢) قَال الْكَاسَانِيُّ: نَفَى الْحَدِيثُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي أَقَل مِنْ أَرْبَعِينَ مُطْلَقًا عَنْ حَال الشَّرِكَةِ وَالاِنْفِرَادِ. فَدَل أَنَّ كَمَال النِّصَابِ فِي حَقِّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَرْطُ الْوُجُوبِ (٣) .

أَوْجُهُ تَأْثِيرِ الْخُلْطَةِ:

٤ - الْخُلْطَةُ تُؤَثِّرُ - عِنْدَ مَنْ قَال بِهَا - فِي الْمَالَيْنِ الْمُخْتَلِطَيْنِ مِنْ أَوْجُهٍ:

الأَْوَّل: تَكْمِيل النِّصَابِ، وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَلَوْ كَانَ لِكُلٍّ مِنَ الْخَلِيطَيْنِ أَقَل مِنْ نِصَابٍ، وَمَجْمُوعُ مَالِهِمَا نِصَابٌ، تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ. وَفِي كِتَابِ الْفُرُوعِ: لَوْ تَخَالَطَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لِكُلٍّ مِنْهُمْ شَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَعَلَيْهِمُ الزَّكَاةُ، شَاةٌ وَاحِدَةٌ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ أَثَرَ لِلْخُلْطَةِ حَتَّى يَكُونَ لِكُلٍّ مِنَ الْخَلِيطَيْنِ نِصَابٌ.

_________

(١) فتح القدير لابن الهمام ١ / ٤٩٦ ط بولاق ١٣١٥هـ.

(٢) حديث: " إذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة. . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣١٨ - ط السلفية) من حديث أنس بن مالك.

(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٨٦٩ القاهرة، نشر زكريا علي يوسف.

الثَّانِي: الْقَدْرُ، فَلَوْ كَانَ ثَلاَثَةٌ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ شَاةً تَخَالَطُوا بِهَا، فَعَلَيْهِمْ شَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْلاَ الْخُلْطَةُ لَكَانَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ شَاةٌ. وَهَذَا تَأْثِيرٌ بِالنَّقْصِ. وَقَدْ يَكُونُ التَّأْثِيرُ بِالزِّيَادَةِ، كَخَلِيطَيْنِ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةُ شَاةٍ وَشَاةٌ وَاحِدَةٌ، عَلَيْهِمَا ثَلاَثُ شِيَاهٍ، وَلَوْلاَ الْخُلْطَةُ لَكَانَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ. وَقَدْ يَكُونُ التَّأْثِيرُ تَخْفِيفًا عَلَى أَحَدِهِمَا وَتَثْقِيلًا عَلَى الآْخَرِ كَخَلِيطَيْنِ لأَِحَدِهِمَا أَرْبَعُونَ وَلِلآْخَرِ عِشْرُونَ.

الثَّالِثُ: السِّنُّ: كَاثْنَيْنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا سِتٌّ وَثَلاَثُونَ مِنَ الإِْبِل فَعَلَيْهِمْ جَذَعَةٌ، عَلَى كُل وَاحِدٍ نِصْفُهَا، وَلَوْلاَ الْخُلْطَةُ لَكَانَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِنْتُ لَبُونٍ، فَحَصَل بِهَا تَغَيُّرٌ فِي السِّنِّ.

الرَّابِعُ: الصِّنْفُ، كَاثْنَيْنِ لأَِحَدِهِمَا أَرْبَعُونَ مِنَ الضَّأْنِ، وَلِلثَّانِي ثَمَانُونَ مِنَ الْمَعْزِ، فَعَلَيْهِمَا شَاةٌ مِنَ الْمَعْزِ، لأَِنَّ الْمَعْزَ أَكْثَرُ، كَالْمَالِكِ الْوَاحِدِ، فَقَدْ تَغَيَّرَ الصِّنْفُ بِالنِّسْبَةِ لِمَالِكِ الضَّأْنِ.

وَقَدْ لاَ تُوجِبُ الْخُلْطَةُ تَغْيِيرًا، كَاثْنَيْنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَشْرُ شِيَاهٍ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِمَا مَعَ الْخُلْطَةِ أَوْ عَدَمِهَا. أَوِ اثْنَيْنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِائَةُ شَاةٍ، فَعَلَيْهِمَا شَاتَانِ سَوَاءٌ اخْتَلَطَا أَمِ انْفَرَدَا (١) .

الْخَامِسُ: أَنَّ الْخُلْطَةَ تُفِيدُ جَوَازَ إِخْرَاجِ الْخَلِيطِ الزَّكَاةَ عَنْ خَلِيطِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ

_________

(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ٤٣٩ والفروع ٢ / ٣٨٣، وحاشية الشبراملسي على النهاية ٣ / ٥٩.

وَالْحَنَابِلَةِ. قَال صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: عَقْدُ الْخُلْطَةِ جَعَل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَالآْذِنِ لِخَلِيطِهِ فِي الإِْخْرَاجِ عَنْهُ. وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: يُجْزِئُ إِخْرَاجُ أَحَدِهِمَا بِلاَ إِذْنِ الآْخَرِ.

وَاخْتَارَ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ: لاَ يُجْزِئُ إِلاَّ بِإِذْنٍ (١) .

أَنْوَاعُ الأَْمْوَال الزَّكَوِيَّةِ الَّتِي يَظْهَرُ فِيهَا

تَأْثِيرُ الْخُلْطَةِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ:

أَوَّلًا: السَّائِمَةُ:

٥ - قَدِ اتَّفَقَ مَنْ عَدَا الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْخُلْطَةَ مُؤَثِّرَةٌ فِيهَا. سَوَاءٌ أَكَانَتْ إِبِلًا مَعَ إِبِلٍ، أَوْ غَنَمًا مَعَ غَنْمٍ، أَوْ بَقَرًا مَعَ بَقَرٍ (٢) .

ثَانِيًا: الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ:

فَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا تُؤَثِّرُ أَيْضًا، فَلَوْ كَانَ نِصَابٌ مِنْهَا مُشْتَرِكًا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَكَذَا إِنْ كَانَ مُخْتَلِطًا خُلْطَةَ جِوَارٍ. وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ الْحَدِيثِ لاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا الآْجُرِّيُّ وَصَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَوَجَّهَهَا الْقَاضِي بِأَنَّ

_________

(١) الفروع ٢ / ٤٠٥ ونهاية المحتاج ٣ / ٦١.

(٢) جواهر الإكليل ١ / ١٢١ والدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤٣٩ ط عيسى الحلبي والمغني ٢ / ٦٠٧ وشرح المنهاج ٢ / ١٢.

الْمَئُونَةَ تَخِفُّ فَالْمُلَقِّحُ وَاحِدٌ، وَالْحِرَاثُ وَاحِدٌ، وَالْجَرِينُ وَاحِدٌ، وَكَذَا الدُّكَّانُ وَاحِدٌ، وَالْمِيزَانُ وَالْمَخْزَنُ وَالْبَائِعُ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ هُوَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ الْخُلْطَةَ فِيهَا لاَ تُؤَثِّرُ مُطْلَقًا، بَل يُزَكِّي مَال كُل شَرِيكٍ أَوْ خَلِيطٍ وَحْدَهُ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ قَال: وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الْخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَا عَلَى الْحَوْضِ وَالرَّاعِي وَالْفَحْل (١) فَدَل عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ خُلْطَةً مُؤَثِّرَةً، وَدَل عَلَى أَنَّ حَدِيثَ لاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَاشِيَةِ.

وَوَجْهُ الْخُصُوصِيَّةِ أَنَّ الزَّكَاةَ تَقِل بِجَمْعِ الْمَاشِيَةِ تَارَةً وَتَزِيدُ أُخْرَى، وَسَائِرُ الأَْمْوَال غَيْرِ الْمَاشِيَةِ تَجِبُ فِيهَا فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ فَلاَ أَثَرَ لِجَمْعِهَا؛ وَلأَِنَّ الْخُلْطَةَ فِي الْمَاشِيَةِ تُؤَثِّرُ لِلْمَالِكِ نَفْعًا تَارَةً وَضَرَرًا تَارَةً أُخْرَى، وَلَوِ اعْتُبِرَتْ فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ أَثَّرَتْ ضَرَرًا مَحْضًا بِرَبِّ الْمَال، أَيْ فِي حَال انْفِرَادِ كُلٍّ مِنَ الْخَلِيطَيْنِ بِأَقَل مِنَ النِّصَابِ، فَلاَ يَجُوزُ اعْتِبَارُهَا (٢) .

_________

(١) حديث: " الخليطان ما اجتمعا على الحوض. . " أخرجه الدارقطني (٢ / ١٠٤ - ط دار المحاسن) من حديث سعد بن أبي وقاص، وقال أبو حاتم الرازي في علل الحديث (١ / ٢١٩ - ط السلفية): " هذا حديث باطل ".

(٢) المغني ٢ / ٦١٩ والفروع ٢ / ٣٩٨.

وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ خُلْطَةِ الاِشْتِرَاكِ، فَتُؤَثِّرُ وَبَيْنَ خُلْطَةِ الْجِوَارِ فَلاَ تُؤَثِّرُ مُطْلَقًا.

وَفِي قَوْلٍ رَابِعٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: تُؤَثِّرُ خُلْطَةُ الْجِوَارِ فِي الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ دُونَ النَّقْدِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ.

وَقَدْ نَقَل هَذَا الْقَوْل ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ الأَْوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ (١) .

شُرُوطُ تَأْثِيرِ الْخُلْطَةِ فِي الزَّكَاةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا:

الَّذِينَ قَالُوا بِتَأْثِيرِ الْخُلْطَةِ فِي الزَّكَاةِ اشْتَرَطُوا لِذَلِكَ شُرُوطًا كَمَا يَلِي:

الشَّرْطُ الأَْوَّل:

٦ - أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنَ الْخَلِيطَيْنِ نِصَابٌ تَامٌّ، وَهَذَا اشْتَرَطَهُ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَسَوَاءٌ خَالَطَ بِنِصَابِهِ التَّامِّ أَوْ بِبَعْضِهِ. فَلَوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُونَ أَوْ أَكْثَرُ مِنَ الْغَنَمِ فَخَالَطَ بِهَا كُلِّهَا مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ أَوْ أَكْثَرُ زُكِّيَ مَا لَهُمَا زَكَاةُ مَالِكٍ وَاحِدٍ. وَلَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا خَالَطَ بِعِشْرِينَ وَلَهُ غَيْرُهَا مِمَّا يَتِمُّ بِهِ مَا لَهُ نِصَابًا فَيَضُمُّ مَا لَمْ يُخَالِطْ بِهِ إِلَى مَال الْخُلْطَةِ وَتُزَكَّى غَنَمُهُمَا كُلُّهَا زَكَاةَ مَالِكٍ وَاحِدٍ إِذَا كَانَ مَا تَخَالَطَا بِهِ نِصَابًا أَوْ أَكْثَرَ (٢) .

_________

(١) المغني ٢ / ٦١٩، وشرح المنهاج ٢ / ١٣.

(٢) الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤٤٠، والمغني ٢ / ٦٠٧.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْمُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ الْمَالَيْنِ لاَ يَقِل عَنْ نِصَابٍ، فَإِنْ كَانَ مَجْمُوعُهُمَا أَقَل مِنْ نِصَابٍ فَلاَ أَثَرَ لِلْخُلْطَةِ مَا لَمْ يَكُنْ لأَِحَدِهِمَا مَالٌ آخَرُ مِنْ جِنْسِ الْمَال الْمُخْتَلَطِ يَكْمُل بِهِ مَعَ مَالِهِ الْمُخْتَلِطِ نِصَابٌ، كَمَا لَوِ اخْتَلَطَا فِي عِشْرِينَ شَاةً لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْهَا عَشْرٌ فَلاَ أَثَرَ لِلْخُلْطَةِ، فَإِنْ كَانَ لأَِحَدِهِمَا ثَلاَثُونَ أُخْرَى زَكَّيَا زَكَاةَ الْخُلْطَةِ (١) .

أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَالْخُلْطَةُ مُؤَثِّرَةٌ وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ مَال كُلٍّ مِنَ الْخَلِيطَيْنِ نِصَابًا (٢) .

الشَّرْطُ الثَّانِي:

٧ - أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْخَلِيطَيْنِ مِنْ أَهْل الزَّكَاةِ، مُسْلِمًا، فَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ تَلْزَمِ الزَّكَاةُ الْكَافِرَ وَيُزَكِّي الْمُسْلِمُ زَكَاةَ مُنْفَرِدٍ. فَإِنْ كَانُوا ثَلاَثَةَ خُلَطَاءِ أَحَدُهُمْ كَافِرٌ زَكَّى الآْخَرَانِ مَالَيْهِمَا زَكَاةَ خُلْطَةٍ.

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اشْتَرَطُوا فِي كِلاَ الْخَلِيطَيْنِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا لأَِنَّ الْعَبْدَ لاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ.

وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ أَنْ لاَ يَكُونَ الْخَلِيطُ غَاصِبًا لِمَا هُوَ مُخَالِطٌ بِهِ (٣) .

_________

(١) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٣ / ٥٩.

(٢) الفروع ٢ / ٣٨١.

(٣) الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤٤٠، والفروع ٢ / ٣٨١.