الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩ الصفحة 42

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩

أَشْكَل عَلَى السَّامِعِ طَرِيقُ الْوُصُول إِلَى مَا فِيهِ مِنَ الْمَعَانِي، لِدِقَّةِ الْمَعْنَى فِي نَفْسِهِ لاَ بِعَارِضٍ.

فَالْخَفَاءُ فِي الْمُشْكِل إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ ذَاتِ اللَّفْظِ، وَلاَ يُفْهَمُ الْمُرَادُ مِنْهُ ابْتِدَاءً إِلاَّ بِدَلِيلٍ مِنَ الْخَارِجِ، كَاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ وَلاَ مُعَيِّنَ لأَِحَدِهِمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١) فَلَفْظُ ﴿أَنَّى﴾ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ لاِسْتِعْمَالِهِ كَأَيْنَ وَكَيْفَ، لَكِنْ بَعْدَ التَّأَمُّل وَالطَّلَبِ ظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ (كَيْفَ) دُونَ (أَيْنَ) بِقَرِينَةِ الْحَرْثِ، وَدَلاَلَةُ تَحْرِيمِ الْقُرْبَانِ فِي الأَْذَى الْعَارِضِ، وَهُوَ الْحَيْضُ، فَإِنَّهُ فِي الأَْذَى اللاَّزِمِ أَوْلَى.

٦ - الثَّالِثُ: الْمُجْمَل: وَهُوَ مَا خَفِيَ الْمُرَادُ مِنْهُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ خَفَاءً لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بِبَيَانِ الْمُجْمَل كَلَفْظِ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالرِّبَا. فَالسَّبِيل إِلَى مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ مِنْهُ هُوَ بَيَانُ الشَّارِعِ، كَالصَّلاَةِ مَثَلًا فَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ الْمُرَادَ بِهَا فِي قَوْلِهِ ﷺ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (٢) .

٧ - الرَّابِعُ: الْمُتَشَابِهُ: وَهُوَ مَا خَفِيَ بِنَفْسِ اللَّفْظِ وَلاَ يُرْجَى دَرْكُهُ أَصْلًا، كَالْمُقَطَّعَاتِ فِي أَوَائِل السُّوَرِ وَبَعْضِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

_________

(١) سورة البقرة / ٢٢٣.

(٢) حديث: " صلوا كما رأيتموني أصلي ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١١١ - ط السلفية) من حديث مالك بن الحويرث) .

هَذَا، وَالْخَفِيُّ هُوَ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْخَفَاءِ، وَحُكْمُهُ الطَّلَبُ، أَيِ الْفِكْرُ الْقَلِيل لِنَيْل الْمُرَادِ.

وَيَلِيهِ الْمُشْكِل فِي الْخَفَاءِ، وَحُكْمُهُ التَّكَلُّفُ وَالاِجْتِهَادُ فِي الْفِكْرِ.

وَيَلِيهِ الْمُجْمَل، وَحُكْمُهُ الاِسْتِفْسَارُ وَطَلَبُ الْبَيَانِ مِنَ الْمُجْمِل.

وَيَلِي ذَلِكَ الْمُتَشَابِهُ، وَهُوَ أَشَدُّ خَفَاءً وَحُكْمُهُ التَّوَقُّفُ وَالتَّسْلِيمُ وَالتَّفْوِيضُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. هَذَا حَسَبَ تَفْصِيل الْحَنَفِيَّةِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَيَجْعَل ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ قَبِيل الْمُجْمَل (١) .

وَيُنْظَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

ثَانِيًا: عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:

أَثَرُ الْخَفَاءِ فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى:

٨ - يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى عَدَمُ وُقُوعِ التَّنَاقُضِ فِيهَا، لِذَلِكَ لاَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى الَّتِي يَقَعُ فِيهَا التَّنَاقُضُ، إِلاَّ أَنَّ التَّنَاقُضَ يُغْتَفَرُ فِيمَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى الْخَفَاءِ، فَفِي الْمَادَّةِ (١٦٥٥) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: يُعْفَى التَّنَاقُضُ إِذَا ظَهَرَتْ مَعْذِرَةُ الْمُدَّعِي وَكَانَ مَحَل خَفَاءٍ.

وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَا أَفْتَى بِهِ فِي الْحَامِدِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ زَيْدٌ عَنْ وَرَثَةٍ بَالِغِينَ وَخَلَّفَ حِصَّةً مِنْ دَارٍ وَصَدَّقَ الْوَرَثَةُ أَنَّ بَقِيَّةَ الدَّارِ لِفُلاَنٍ وَفُلاَنٍ، ثُمَّ ظَهَرَ وَتَبَيَّنَ أَنَّ مُوَرِّثَهُمْ الْمَذْكُورَ اشْتَرَى بَقِيَّةَ

_________

(١) كشف الأسرار ١ / ٥٢ - ٥٥، والتلويح ١ / ١٢٦ - ١٢٧، والتقرير والتحبير ١ / ١٥٨ - ١٥٩.

الدَّارِ مِنْ وَرَثَةِ فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ فِي حَال صِغَرِ الْمُصَدِّقِينَ وَأَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، تُسْمَعُ دَعْوَاهُمْ؛ لأَِنَّ هَذَا تَنَاقُضٌ فِي مَحَل الْخَفَاءِ فَيَكُونُ عَفْوًا.

وَمِنْ ذَلِكَ دَعْوَى النَّسَبِ، أَوِ الْحُرِّيَّةِ، أَوِ الطَّلاَقِ؛ لأَِنَّ النَّسَبَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَمْرٍ خَفِيٍّ وَهُوَ الْعُلُوقُ مِنَ الْمُدَّعِي، إِذْ هُوَ مِمَّا يَغْلِبُ خَفَاؤُهُ عَلَى النَّاسِ، فَالتَّنَاقُضُ فِي مِثْلِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَالطَّلاَقُ يَنْفَرِدُ بِهِ الزَّوْجُ، وَالْحُرِّيَّةُ يَنْفَرِدُ بِهَا الْمَوْلَى.

وَمِنْ ذَلِكَ: الْمَدِينُ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ لَوْ بَرْهَنَ عَلَى إِبْرَاءِ الدَّائِنِ لَهُ.

وَالْمُخْتَلِعَةُ بَعْدَ أَدَاءِ بَدَل الْخُلْعِ لَوْ بَرْهَنَتْ عَلَى طَلاَقِ الزَّوْجِ قَبْل الْخُلْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَكَذَا كُل مَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى الْخَفَاءِ فَإِنَّهُ يُعْفَى فِيهِ عَنِ التَّنَاقُضِ (١) .

هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ فِي الْحَامِدِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل الأَْكْثَرِينَ مِنْ فُقَهَاءِ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الأُْصُول وَالدَّيْنِ فَتُقْبَل الْبَيِّنَةُ فِي الأُْصُول، وَلاَ تُقْبَل فِي الدَّيْنِ.

وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ تُقْبَل لِلْعُذْرِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ لاَ تُقْبَل لِلْمُنَاقَضَةِ.

_________

(١) المادة (١٦٥٥) من مجلة الأحكام وشرحها للأتاسي ٥ / ١٤٤، ١٤٥، ودرر الحكام ٤ / ٢٢٨، وتنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ٢٩ - ٣٠، ١٧٥ والزيلعي وهامشه ٤ / ٩٩ - ١٠٠، والبدائع ٦ / ٢٢٤.

أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَلاَ تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُمْ بَعْدَ الإِْنْكَارِ. أَمَّا إِنْ قَال: مَا أَعْلَمُ لِي بَيِّنَةً، ثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةٍ، سُمِعَتْ، لأَِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يَعْلَمْهَا ثُمَّ عَلِمَهَا (١) .

وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (دَعْوَى) .

خَفَاءُ النَّجَاسَةِ:

٩ - طَهَارَةُ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ، وَإِذَا أَصَابَتِ النَّجَاسَةُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ إِزَالَتُهَا بِغَسْل الْجُزْءِ الَّذِي أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ، وَهَذَا إِذَا عُلِمَ مَكَانُهُ.

أَمَّا إِذَا خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ وَلَمْ يُعْلَمْ فِي أَيِّ جُزْءٍ هِيَ، فَبِالنِّسْبَةِ لِلثَّوْبِ وَالْبَدَنِ يَجِبُ غَسْل الثَّوْبِ كُلِّهِ أَوِ الْبَدَنِ كُلِّهِ.

وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَلَهُمْ أَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ لِلْمَانِعِ مِنَ الصَّلاَةِ، وَالنَّضْحُ لاَ يُزِيل النَّجَاسَةَ.

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِذَا غَسَل مَوْضِعًا مِنَ الثَّوْبِ يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْبَاقِي، قَال الْكَاسَانِيُّ: وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لأَِنَّ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ، وَهَذَا الْقَوْل (وَهُوَ غَسْل مَوْضِعٍ مِنَ الثَّوْبِ) حَكَاهُ

_________

(١) الحطاب ٥ / ٢٢٣، والفروق للقرافي ٤ / ٣٨، والتبصرة بهامش فتح العلي المالك ٢ / ٥٥ - ٥٦، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٥٠، وقليوبي ٤ / ٣٠٥، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٩٣، والمغني ٩ / ٢٣٦ - ٢٣٧، ٢٦٩.

صَاحِبُ الْبَيَانِ وَجْهًا عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ يَشُكُّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي نَجَاسَتِهِ وَالأَْصْل طَهَارَتُهُ، قَال النَّوَوِيُّ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لأَِنَّهُ تَيَقَّنَ النَّجَاسَةَ فِي هَذَا الثَّوْبِ وَشَكَّ فِي زَوَالِهَا (١) .

وَقَال عَطَاءٌ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ: إِذَا خَفِيَتِ النَّجَاسَةُ فِي الثَّوْبِ، نَضَحَهُ كُلَّهُ، وَقَال ابْنُ شُبْرُمَةَ: يَتَحَرَّى مَكَانَ النَّجَاسَةِ فَيَغْسِلُهُ.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَعَلَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ سَهْل بْنِ حُنَيْفٍ فِي الْمَذْيِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ كَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي مِنْهُ؟ قَال: يَكْفِيكَ أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهِ ثَوْبَكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَ مِنْهُ (٢) . فَأَمَرَهُ بِالتَّحَرِّي وَالنَّضْحِ (٣) .

١٠ - وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَكَانِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ فِي مَكَانٍ صَغِيرٍ كَمُصَلَّى صَغِيرٍ وَبَيْتٍ، وَخَفِيَ مَكَانُهَا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ حَتَّى يَغْسِلَهُ كُلَّهُ، إِذِ الأَْصْل بَقَاءُ النَّجَاسَةِ مَا بَقِيَ جُزْءٌ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ وَاسِعًا كَالْفَضَاءِ الْوَاسِعِ وَالصَّحْرَاءِ لاَ يَجِبُ غَسْلُهُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَيُصَلِّي حَيْثُ

_________

(١) ناقش ابن قدامة هذا الاستدلال في المغني (٢ / ٨٥) .

(٢) حديث سهل بن حنيف: " يكفيك أن تأخذ كفًا من ماء. . " أخرجه الترمذي (١ / ١٩٧ - ١٩٨ ط الحلبي) وقال: " حديث حسن صحيح ".

(٣) البدائع ١ / ٨١، والدسوقي ١ / ٧٨ - ٧٩، والمجموع ٣ / ١٣٧ تحقيق المطيعي.

شَاءَ؛ لأَِنَّهُ لَوْ مُنِعَ مِنَ الصَّلاَةِ أَفْضَى إِلَى أَنْ لاَ يَجِدَ مَوْضِعًا يُصَلِّي فِيهِ، وَلاَ يَجِبُ الاِجْتِهَادُ بَل يُسَنُّ كَمَا قَال الشَّافِعِيَّةُ، قَالُوا: وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ بِلاَ اجْتِهَادٍ (١) .

وَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي الأَْرْضِ الَّتِي أَصَابَتْهَا النَّجَاسَةُ وَلَمْ يُعْلَمْ مَكَانُهَا: قَوْلٌ بِالْغَسْل حَكَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ اتِّفَاقًا، وَقَوْلٌ بِالنَّضْحِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمَكَانِ الضَّيِّقِ وَالأَْرْضِ الْوَاسِعَةِ (٢) .

وَلَمْ نَطَّلِعْ لِلْحَنَفِيَّةِ عَلَى حُكْمٍ فِي ذَلِكَ إِلاَّ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الأَْرْضَ تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ وَتَجُوزُ الصَّلاَةُ عَلَيْهَا، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَكُنْتُ فَتًى شَابًّا عَزَبًا وَكَانَتِ الْكِلاَبُ تَبُول وَتُقْبِل وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (٣) .

قَال ابْنُ الْهُمَامِ: فَلَوْلاَ اعْتِبَارُهَا تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ كَانَ ذَلِكَ تَبْقِيَةً لَهَا بِوَصْفِ النَّجَاسَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ عَلَيْهَا فِي الصَّلاَةِ إِذْ لاَ بُدَّ مِنْهُ مَعَ صِغَرِ الْمَسْجِدِ وَعَدَمِ مَنْ يَتَخَلَّفُ لِلصَّلاَةِ فِي بَيْتِهِ، وَكَوْنِ ذَلِكَ يَكُونُ فِي بِقَاعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ،

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ١٨٩، والمغني ٢ / ٨٦، وكشاف القناع ١ / ١٨٩.

(٢) الدسوقي ١ / ٨٢.

(٣) حديث عبد الله بن عمر: " كنت أبيت في المسجد ". أخرجه أبو داود (١ / ٢٦٥ - ٢٦٦ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وإسناده صحيح.

لاَ فِي بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ، حَيْثُ كَانَتْ تُقْبِل وَتُدْبِرُ وَتَبُول (١) .

وَلَوْ أَصَابَتِ النَّجَاسَةُ أَحَدَ الْكُمَّيْنِ فِي الثَّوْبِ وَلَمْ يُعْلَمْ فِي أَيِّ كُمٍّ هِيَ وَجَبَ غَسْلُهُمَا جَمِيعًا، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ.

وَقَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يَتَحَرَّى مِنَ الْكُمَّيْنِ أَحَدُهُمَا فَيَغْسِلُهُ، كَالثَّوْبَيْنِ إِذَا تَنَجَّسَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَعْلَمْهُ، لَكِنَّ مَحَل الْخِلاَفِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ لِغَسْل الْكُمَّيْنِ وَوُجِدَ مِنَ الْمَاءِ مَا يَغْسِلُهُمَا مَعًا، فَإِنْ لَمْ يَسَعِ الْوَقْتُ إِلاَّ غَسْل وَاحِدٍ، أَوْ لَمْ يَجِدْ مِنَ الْمَاءِ إِلاَّ مَا يَغْسِل وَاحِدًا، تَحَرَّى وَاحِدًا يَغْسِلُهُ فَقَطِ اتِّفَاقًا، ثُمَّ يَغْسِل الثَّانِيَ بَعْدَ الصَّلاَةِ إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، أَوْ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَسَعِ الْوَقْتُ غَسْل وَاحِدٍ أَوْ لَمْ يَسَعِ التَّحَرِّيَ صَلَّى بِدُونِ غَسْلٍ، لأَِنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْوَقْتِ أَوْلَى مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الطَّهَارَةِ مِنَ الْخَبَثِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَتَحَرَّى لأَِنَّهُمَا عَيْنَانِ مُتَمَيِّزَتَانِ فَهُمَا كَالثَّوْبَيْنِ. قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ (٢) .

_________

(١) فتح القدير ١ / ١٧٤ - ١٧٥، ط دار إحياء التراث العربي والزيلعي ١ / ٧٢.

(٢) البدائع ١ / ٨١، والدسوقي ١ / ٨١ - ٨٢، والمهذب ١ / ٣٢ وكشاف القناع ١ / ٤٥.

وَمَا مَضَى مِنَ الْحُكْمِ فِي خَفَاءِ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ أَوِ الْبَدَنِ، أَوِ الْمَكَانِ، هُوَ مَعَ الْعِلْمِ بِوُجُودِ النَّجَاسَةِ وَخَفَاءِ مَوْضِعِهَا مِنَ الثَّوْبِ، أَوِ الْبَدَنِ، أَوِ الْمَكَانِ، فَإِنْ شَكَّ فِي وُجُودِ النَّجَاسَةِ مَعَ تَيَقُّنِ سَبْقِ الطَّهَارَةِ جَازَتِ الصَّلاَةُ دُونَ غَسْلٍ، لأَِنَّ الشَّكَّ لاَ يَرْفَعُ الْيَقِينَ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.

أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ الشَّكِّ فِي نَجَاسَةِ الْبَدَنِ وَنَجَاسَةِ غَيْرِهِ مِنْ ثَوْبٍ، أَوْ حَصِيرٍ مَثَلًا، فَيُوجِبُونَ غَسْل الْبَدَنِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَفْسُدُ بِذَلِكَ وَيُوجِبُونَ نَضْحَ الثَّوْبِ وَالْحَصِيرِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَفْسُدُ بِذَلِكَ، وَإِنْ غَسَل فَقَدْ فَعَل الأَْحْوَطَ. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ (١) .

خَفَاءُ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ:

١١ - مِنَ الْخِيَارَاتِ الْمَعْرُوفَةِ خِيَارُ الْعَيْبِ، أَوْ خِيَارُ النَّقِيصَةِ كَمَا يُسَمِّيهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ خِيَارٌ يُثْبِتُ لِلْمُشْتَرِي حَقَّ الرَّدِّ عِنْدَ ظُهُورِ عَيْبٍ مُعْتَبَرٍ فِي الْمَبِيعِ إِذَا تَوَافَرَتِ الشُّرُوطُ الَّتِي حَدَّدَهَا الْفُقَهَاءُ؛ لأَِنَّ سَلاَمَةَ الْمَبِيعِ شَرْطٌ فِي الْعَقْدِ دَلاَلَةً.

وَمِنَ الْعُيُوبِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ كَالْعَمَى وَالأُْصْبُعِ الزَّائِدَةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ خَفِيٌّ كَوَجَعِ الْكَبِدِ وَالطِّحَال وَالإِْبَاقِ وَالسَّرِقَةِ، وَالْعُيُوبُ الْخَفِيَّةُ

_________

(١) البدائع ١ / ٨١، والدسوقي ١ / ٨١ - ٨٢، والمهذب ١ / ٣٢ وكشاف القناع ١ / ٤٥.

كَالظَّاهِرَةِ فِي إِثْبَاتِ حَقِّ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي بِالشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ، كَجَهْل الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ، وَأَلاَّ يَكُونَ الْبَائِعُ قَدِ اشْتَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنَ الْعَيْبِ وَثُبُوتِ الْعَيْبِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي. إِلَخْ. مَعَ مُرَاعَاةِ تَفْصِيل الْمَذَاهِبِ فِي هَذِهِ الشُّرُوطِ (١) .

وَمِمَّا يُعْتَبَرُ مِنَ الْعُيُوبِ الْخَفِيَّةِ الْعَيْبُ الَّذِي يَكُونُ فِي جَوْفِ الْمَأْكُول كَالْبِطِّيخِ، وَالْجَوْزِ، وَالْبَيْضِ وَلاَ يُعْرَفُ إِلاَّ بِكَسْرِهِ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَكَسَرَهُ فَوَجَدَهُ فَاسِدًا، فَإِنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ، وَلَوْ عَلَفًا لِلدَّوَابِّ، فَلَهُ أَرْشُ الْعَيْبِ، إِلاَّ إِذَا رَضِيَ الْبَائِعُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ أَصْلًا رَجَعَ بِكُل الثَّمَنِ لِبُطْلاَنِ الْبَيْعِ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَإِذَا كَانَ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ كَبَيْضِ النَّعَامِ رَجَعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُرَدُّ الْبَيْعُ بِظُهُورِ عَيْبٍ بَاطِنٍ لاَ يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إِلاَّ بِتَغَيُّرٍ فِي ذَاتِهِ حَيَوَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، كَغِشِّ بَطْنِ الْحَيَوَانِ، وَسُوسِ الْخَشَبِ، وَفَسَادِ بَطْنِ الْجَوْزِ، وَالْبُنْدُقِ، وَالتِّينِ، وَمَرَارَةِ الْخِيَارِ، وَبَيَاضِ الْبِطِّيخِ، وَلاَ قِيمَةَ لِمَا اشْتَرَاهُ،

_________

(١) البدائع ٥ / ٢٧٥ - ٢٧٦، ٢٧٨ - ٢٧٩، وابن عابدين ٤ / ٧٣ - ٧٤، ٨٧ - ٨٨، وفتح القدير والكفاية عليه ٦ / ٤ - ٥، ٢٥، ٢٨، والدسوقي ٣ / ١٠٨، ١١٠، وجواهر الإكليل ٢ / ٣٩ - ٤٠ - ٤١ - ٤٣، وبداية المجتهد ٢ / ١٨٣، ومغني المحتاج ٢ / ٥٠، وما بعدها، والمهذب ١ / ٢٩٣، والمغني ٤ / ١٦٩، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ١٧٥.

وَيُرَدُّ الْبَيْضُ لِظُهُورِ عَيْبِهِ لأَِنَّهُ يُطَّلَعُ عَلَيْهِ بِدُونِ كَسْرِهِ لأَِنَّهُ مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ قَبْل كَسْرِهِ، فَإِنْ كَسَرَهُ الْمُشْتَرِي رَدَّهُ مَكْسُورًا وَرَجَعَ بِجَمِيعِ ثَمَنِهِ، وَهَذَا إِذَا كَسَرَهُ بِحَضْرَةِ بَائِعِهِ، فَإِنْ كَسَرَهُ بَعْدَ أَيَّامٍ فَلاَ يَرُدُّهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَفَسَدَ عِنْدَ الْبَائِعِ أَمْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ فِيمَا لاَ يُرَدُّ كَعَيْبِ وُجُودِ السُّوسِ فِي الْخَشَبِ وَفَسَادِ بَطْنِ الْجَوْزِ: لاَ يُرَدُّ إِنْ كَانَ مِنْ أَصْل الْخِلْقَةِ، وَيُرَدُّ إِنْ كَانَ طَارِئًا.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مَا لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ كَبَيْضِ النَّعَامِ يُرَدُّ وَلاَ أَرْشَ فِي الأَْظْهَرِ، وَالثَّانِي يُرَدُّ وَلَكِنْ يُرَدُّ مَعَهُ الأَْرْشُ، وَالثَّالِثُ لاَ يُرَدُّ أَصْلًا كَمَا فِي سَائِرِ الْعُيُوبِ الْحَادِثَةِ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِأَرْشِ الْعَيْبِ أَوْ يَغْرَمُ أَرْشَ الْحَادِثَةِ، أَمَّا مَا لاَ قِيمَةَ لَهُ فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ فَسَادُ الْبَيْعِ لِوُرُودِهِ عَلَى غَيْرِ مُتَقَوِّمٍ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَسَرَ الْمُشْتَرِي مَا لَيْسَ لِمَكْسُورِهِ قِيمَةٌ، كَبَيْضِ الدَّجَاجِ، رَجَعَ بِثَمَنِهِ لِتَبَيُّنِ فَسَادِ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ، وَإِنْ وَجَدَ الْبَعْضُ فَاسِدًا رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ لِمَكْسُورِهِ قِيمَةٌ، كَبَيْضِ النَّعَامِ وَجَوْزِ الْهِنْدِ، خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ إِمْسَاكِهِ وَأَخْذِ أَرْشِ نَقْصِهِ، وَبَيْنَ رَدِّهِ مَعَ أَرْشِ كَسْرِهِ وَأَخْذِ ثَمَنِهِ (١) .

_________

(١) الاختيار ٢ / ٢٠ - ٢١، وابن عابدين ٤ / ٨٥، وجواهر الإكليل ٢ / ٤١، ومغني المحتاج ٢ / ٥٩ - ٦٠ وشرح منتهى الإرادات ٢ / ١٧٨ - ١٧٩ وكشاف القناع.