الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩
مَأْكَلَةً بِسَبَبِ نِكَاحٍ، فَحُكْمُهُ كَمَهْرٍ فِيمَا يُقَرِّرُهُ وَيُسْقِطُهُ وَيُنَصِّفُهُ، وَيَكُونُ لَهَا وَلاَ يَمْلِكُ الْوَلِيُّ مِنْهُ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ تَهَبَهُ لَهُ بِشَرْطِهِ إِلاَّ الأَْبُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ. . وَمَحَل كَوْنِ حُكْمِ الْمَجْعُول مَأْكَلَةً كَمَهْرٍ حَيْثُ قَبَضَهُ أَوْلِيَاءُ الْمَرْأَةِ، أَمَّا قَبْل الْقَبْضِ فَلِلْخَاطِبِ الرُّجُوعُ بِمَا شَرَطَهُ لَهُمْ؛ لأَِنَّهُ تَبَرُّعٌ لَمْ يُقْبَضْ فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ.
وَلَوِ اتَّفَقَ الْخَاطِبُ مَعَ الْمَرْأَةِ وَوَلِيِّهَا عَلَى النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ فَأَعْطَى الْخَاطِبُ أَبَاهَا لأَِجْل ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ صَدَاقٍ فَمَاتَتْ قَبْل عَقْدٍ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ - قَالَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - لأَِنَّ عَدَمَ التَّمَامِ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِمْ، وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ لَوْ مَاتَ الْخَاطِبُ لاَ رُجُوعَ لِوَرَثَتِهِ.
وَتُرَدُّ الْهَدِيَّةُ عَلَى الزَّوْجِ فِي كُل فُرْقَةٍ اخْتِيَارِيَّةٍ مُسْقِطَةٍ لِلْمَهْرِ كَفَسْخِ الزَّوْجَةِ الْعَقْدَ لِفَقْدِ كَفَاءَةٍ أَوْ لِعَيْبٍ فِي الزَّوْجِ، وَنَحْوِهِ قَبْل الدُّخُول لِدَلاَلَةِ الْحَال أَنَّهُ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْعَقْدِ، فَإِذَا زَال مَلَكَ الرُّجُوعَ، كَهِبَةِ الثَّوَابِ.
قَال صَاحِبُ مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى: وَيُتَّجَهُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ هَدِيَّةٍ أَهْدَاهَا الْخَاطِبُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَهُوَ الَّذِي يُرَدُّ بِحُصُول الْفُرْقَةِ، أَمَّا مَا كَانَ قَدْ أُهْدِيَ قَبْل الْعَقْدِ فَلاَ يُرَدُّ؛ لأَِنَّهُ تَقَرَّرَ بِالْعَقْدِ. وَتَثْبُتُ الْهَدِيَّةُ لِلزَّوْجَةِ مَعَ فَسْخٍ لِلنِّكَاحِ مُقَرِّرٍ الصَّدَاقَ أَوْ لِنِصْفِهِ فَلاَ رُجُوعَ لَهُ؛ لأَِنَّ زَوَال الْعَقْدِ لَيْسَ مِنْ قِبَلِهَا. (١)
_________
(١) مطالب أولي النهى ٢ / ٢١٤ - ٢١٥.
خَطَرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْخَطَرُ بِفَتْحَتَيْنِ فِي اللُّغَةِ، الإِْشْرَافُ عَلَى الْهَلاَكِ وَخَوْفُ التَّلَفِ. وَيُقَال: هَذَا أَمْرٌ خَطَرٌ أَيْ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يُوجَدَ، وَأَنْ لاَ يُوجَدَ، وَيُطْلَقُ عَلَى السَّبَقِ الَّذِي يُتَرَاهَنُ عَلَيْهِ. وَالْمُخَاطَرَةُ، الْمُرَاهَنَةُ، وَخَاطَرْتُهُ عَلَى مَالٍ رَاهَنْتَهُ عَلَيْهِ وَزْنًا وَمَعْنًى. وَخَطَرُ الرَّجُل: قَدْرُهُ، وَمَنْزِلَتُهُ، فَيُقَال: رَجُلٌ خَطِيرٌ أَيْ ذُو شَأْنٍ. وَالْخَاطِرُ: هُوَ اسْمٌ لِمَا يَتَحَرَّكُ فِي الْقَلْبِ مِنْ رَأْيٍ أَوْ مَعْنًى، يُقَال: خَطَرَ بِبَالِي كَذَا، أَيْ وَقَعَ فِيهِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْخَطَرُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ تَعْرِيضَ النَّفْسِ لِخَطَرِ الْهَلاَكِ حَرَامٌ؛ لأَِنَّ حِفْظَهَا مِنْ أَهَمِّ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢) .
_________
(١) تاج العروس والمصباح، والكليات، التعريفات للجرجاني مادة: " خطر ".
(٢) سورة البقرة / ١٩٥.
قَال الْخَازِنُ: كُل شَيْءٍ فِي عَاقِبَتِهِ هَلاَكٌ، فَهُوَ تَهْلُكَةٌ (١) . وَقَال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢)
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَال: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلاَسِل فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلَكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَال: يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ الصُّبْحَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الاِغْتِسَال، وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُول: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فَضَحِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُل شَيْئًا (٣) .
وَيَتَعَلَّقُ بِالْخَطَرِ الرُّخَصُ الشَّرْعِيَّةُ، فَيُبَاحُ بِالْخَطَرِ أَكْل الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَأَكْل سَائِرِ النَّجَاسَاتِ وَالْخَبَائِثِ اضْطِرَارًا، وَإِسَاغَةُ الْغُصَّةِ بِالْخَمْرِ لِدَفْعِ الْخَطَرِ عَنِ النَّفْسِ، وَيَجِبُ قَطْعُ الْعُضْوِ الْمُتَآكِل إِذَا كَانَ فِي تَرْكِهِ خَطَرٌ عَلَى النَّفْسِ (٤) (ر: ضَرَرٌ، مَشَقَّةٌ) .
_________
(١) تفسير الخازن ١ / ١٢٤.
(٢) سورة النساء / ٢٩.
(٣) حديث عمرو بن العاص: " احتلمت في ليلة باردة ". أخرجه أبو داود (١ / ٢٣٨ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وقواه ابن حجر في الفتح (١ / ٤٥٤ - ط السلفية) .
(٤) أسنى المطالب ٤ / ١٩١، كشاف القناع ٣ / ٤٥، البدائع ٧ / ٩٨.
الْخَطَرُ الْمُؤَثِّرُ فِي إِسْقَاطِ الْعِبَادَاتِ أَوْ تَخْفِيفِهَا:
٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ عُمُومًا، وَأَنَّ الْمَشَقَّةَ إِذَا بَلَغَتْ حَدَّ الْخَطَرِ عَلَى النَّفْسِ وَالأَْطْرَافِ وَمَنَافِعُهَا تُوجِبُ التَّرْخِيصَ، وَالتَّخْفِيفَ. وَقَالُوا: إِنَّ حِفْظَ الْمُهَجِ وَالأَْطْرَافِ لإِقَامَةِ مَصَالِحِ الدِّينِ أَوْلَى مِنْ تَعْرِيضِهَا لِلْفَوَاتِ فِي عِبَادَةٍ أَوْ عِبَادَاتٍ، يَفُوتُ بِهَا أَمْثَالُهَا (١) .
فَيَجِبُ التَّيَمُّمُ إِذَا كَانَ فِي اسْتِعْمَال الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَالاِغْتِسَال مِنَ الْجَنَابَةِ خَطَرٌ عَلَى نَفْسٍ، أَوْ عُضْوٍ أَوْ مَنْفَعَتِهِ، أَوْ حَال بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ عَدُوٌّ، أَوْ سَبُعٌ؛ لأَِنَّ إِلْقَاءَ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ حَرَامٌ (٢) . (ر: تَيَمُّمٌ، مَرَضٌ) .
وَيَسْقُطُ وُجُوبُ الْحَجِّ إِذَا كَانَ فِي السَّفَرِ خَطَرٌ عَلَى نَفْسٍ، أَوْ عُضْوٍ، أَوْ عِرْضٍ، أَوْ مَالٍ، كَمَا يَحْرُمُ رُكُوبُ الْبَحْرِ لأَِدَاءِ الْحَجِّ إِنْ غَلَبَ الْهَلاَكُ فِيهِ، أَوْ تَسَاوَى الْهَلاَكُ وَالسَّلاَمَةُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخَطَرِ (ر: حَجٌّ) وَيَسْقُطُ الصَّوْمُ عَنِ الْمُرْضِعِ وَالْحَامِل، وَالْمَرِيضِ، إِذَا كَانَ فِي الصَّوْمِ خَطَرٌ عَلَى الْمُرْضِعِ وَالْحَامِل، أَوْ عَلَى الرَّضِيعِ وَالْجَنِينِ، أَوْ خَافَ الْمَرِيضُ الْمَوْتَ، أَوْ زِيَادَةَ الْمَرَضِ (ر: صَوْمٌ) .
_________
(١) الفروق ١ / ١١٨، الأشباه والنظائر ص٨٠ - ٨١، ط دار الكتب العلمية ١٩٨٣.
(٢) أسنى المطالب ١ / ٧٦ - ٨٠، بدائع الصنائع ١ / ٤٧، حاشية الدسوقي ١ / ١٤٧ - ١٤٨.
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) وَفِي تَعْرِيضِ النَّفْسِ وَالأَْعْضَاءِ لِلْخَطَرِ، حَرَجٌ أَيُّ حَرَجٍ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (٢)، قَال: إِذَا كَانَ بِالرَّجُل الْجِرَاحَةُ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَالْقُرُوحُ، فَيَخَافُ أَنْ يَمُوتَ إِنِ اغْتَسَل تَيَمَّمَ (٣) .
وَعَنْ جَابِرٍ قَال: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَل أَصْحَابَهُ فَقَال: هَل تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ. فَاغْتَسَل فَمَاتَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ، فَقَال: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلاَ سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَال. إِنَّمَا يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ (٤) فَاعْتَبَرَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ قَتْلًا، وَاللَّهُ يَقُول: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٥) .
٤ - وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوَاعِدِ دَرْءِ الْخَطَرِ، الْجِهَادُ، فَيَجُوزُ الْمُخَاطَرَةُ بِالنَّفْسِ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ قُرِّرَ مَعَ
_________
(١) سورة الحج / ٧٨.
(٢) سورة المائدة / ٦.
(٣) سبل السلام ١ / ١٥٣ ط المكتبة التجارية.
(٤) حديث: " قتلوه قتلهم الله ". أخرجه أبو داود (١ / ٢٣٩ - ٢٤٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والدارقطني (١ / ١٩٠ - ط دار المحاسن)، وأعله الدارقطني.
(٥) سورة النساء / ٢٩.
الْمَشَقَّةِ. وَمَا الْجِهَادُ إِلاَّ بَذْل الْوُسْعِ، وَالطَّاقَةِ بِالْقِتَال أَوِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْقِتَال، لِهَذَا حَرُمَ انْهِزَامُ مِائَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مِائَتَيْنِ مِنَ الْكُفَّارِ (١) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٢) وَجَاءَ فِي الأَْثَرِ عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيل اللَّهِ، فَانْهَزَمَ - يَعْنِي أَصْحَابَهُ - فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ، فَرَجَعَ حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُول اللَّهُ تَعَالَى لِمَلاَئِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي، حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ (٣) . (ر: جِهَادٌ) . وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا دَفْعُ الصَّائِل عَلَى النَّفْسِ أَوِ الْمَال أَوِ الْعِرْضِ (ر: صِيَالٌ) .
التَّعَرُّضُ لِلْخَطَرِ بِإِزَالَةِ غُدَّةٍ، أَوْ عُضْوٍ مُتَآكِلٍ:
٥ - يَحْرُمُ عَلَى الشَّخْصِ قَطْعُ غُدَّةٍ أَوْ عُضْوٍ مُتَآكِلٍ، إِذَا كَانَ فِي الْقَطْعِ خَطَرٌ عَلَى النَّفْسِ، وَلَيْسَ فِي بَقَائِهِمَا خَطَرٌ أَوْ زَادَ خَطَرُ الْقَطْعِ، وَإِنْ كَانَتْ تَشِينُهُ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى هَلاَكِ نَفْسِهِ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي إِزَالَتِهَا خَطَرٌ فَلَهُ إِزَالَتُهَا، لإِزَالَةِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٩٨، ١٧٦، الأشباه والنظائر للسيوطي ص٨٢، وأسنى المطالب ٤ / ١٩١، كشاف القناع ٣ / ٤٥.
(٢) سورة الأنفال / ٦٥.
(٣) الأثر: " عجب ربنا من رجل غزا في سبيل الله ". أخرجه أبو داود (٣ / ٤٢ - ٤٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (٢ / ١١٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
الشَّيْنِ. وَإِنْ تَسَاوَى الْخَطَرَانِ، أَوْ زَادَ خَطَرُ التَّرْكِ فَلَهُ قَطْعُهَا
وَإِنْ قَطَعَهُمَا أَجْنَبِيٌّ بِلاَ إِذْنٍ، فَمَاتَ الْمَقْطُوعُ مِنْهُ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، وَكَذَا السُّلْطَانُ لِتَعَدِّي كُلٍّ مِنْهُمَا بِذَلِكَ.
وَلِلأَْبِ وَالْجَدِّ قَطْعُ الْغُدَّةِ وَالْعُضْوِ الْمُتَآكِل، مِنَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مَعَ الْخَطَرِ فِي الْقَطْعِ إِنْ زَادَ خَطَرُ التَّرْكِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُمَا يَلِيَانِ صَوْنَ مَالِهِمَا عَنِ الضَّيَاعِ فَبَدَنُهُمَا أَوْلَى.
فَإِنْ تَسَاوَى الْخَطَرُ وَالسَّلاَمَةُ، أَوْ زَادَ خَطَرُ الْقَطْعِ، ضَمِنَا لِعَدَمِ جَوَازِ الْقَطْعِ (١) .
ر: (ضَمَانٌ، وَإِتْلاَفٌ) .
عُقُودُ الْمُخَاطَرَةِ:
٦ - عُقُودُ الْمُخَاطَرَةِ هِيَ مَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، وَحُصُول الرِّبْحِ أَوْ عَدَمِهِ عَنْ طَرِيقِ ظُهُورِ رَقْمٍ مُعَيَّنٍ مَثَلًا، كَالرِّهَانِ وَالْقِمَارِ. وَنَحْوُهُمَا السَّبْقُ لَكِنَّهُ مَشْرُوعٌ بِشُرُوطٍ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَاتِهِ.
_________
(١) أسنى المطالب ٤ / ١٦٣، قليوبي ٤ / ٢٠٩، ابن عابدين ٥ / ٣٦٤.
خَفَاءٌ
التَّعْرِيفُ
١ - الْخَفَاءُ فِي اللُّغَةِ مِنْ خَفَيْتُ الشَّيْءَ أُخْفِيهِ إِذَا كَتَمْتَهُ أَوْ أَظْهَرْتَهُ، فَهُوَ مِنَ الأَْضْدَادِ، وَشَيْءٌ خَفِيٌّ: خَافٍ، وَيُجْمَعُ عَلَى خَفَايَا، وَخَفِيَ عَلَيْهِ الأَْمْرُ يَخْفَى خَفَاءً، وَخَفِيَ الشَّيْءُ يَخْفَى خَفَاءً بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ.
وَبَعْضُهُمْ يَجْعَل حَرْفَ الصِّلَةِ فَارِقًا فَيَقُول: خَفِيَ عَلَيْهِ: إِذَا اسْتَتَرَ، وَخَفِيَ لَهُ: إِذَا ظَهَرَ (١) .
وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَهُ بِمَعْنَى الاِسْتِتَارِ وَعَدَمِ الظُّهُورِ، وَهُوَ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ، يَكُونُ فِي الأَْلْفَاظِ الَّتِي يَخْفَى الْمُرَادُ مِنْهَا بِسَبَبٍ فِي الصِّيغَةِ أَوْ خَارِجٍ عَنْهَا عَلَى مَا سَيَأْتِي (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِشْتِبَاهُ:
٢ - الاِشْتِبَاهُ: الاِلْتِبَاسُ، وَاشْتَبَهَتِ الأُْمُورُ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير.
(٢) البدائع ١ / ٨١ والجمل ٣ / ٣٠٨، والتلويح والتوضيح ١ / ١٢٦، وكشف الأسرار ١ / ٥٢.
وَتَشَابَهَتْ، الْتَبَسَتْ فَلَمْ تَتَمَيَّزْ وَلَمْ تَظْهَرْ، وَالْمُتَشَابِهَاتُ مِنَ الأُْمُورِ: الْمُشْكِلاَتُ. وَالْخَفَاءُ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الاِشْتِبَاهِ إِمَّا لِتَعَدُّدِ الْمَعَانِي الْمُسْتَعْمَلَةِ لِلَّفْظِ، أَوْ لإِجْمَال اللَّفْظِ وَاحْتِيَاجِهِ إِلَى الْبَيَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (١) .
ب - الْجَهْل وَالْجَهَالَةُ:
٣ - الْجَهْل وَالْجَهَالَةُ: عَدَمُ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ.
قَال الْجُرْجَانِيِّ: الْجَهْل هُوَ اعْتِقَادُ الشَّيْءِ عَلَى خِلاَفِ مَا هُوَ عَلَيْهِ.
وَخَفَاءُ الشَّيْءِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِمَّا الْجَهْل بِوُجُودِهِ أَصْلًا، كَمَنْ يُنْكِرُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ جَهْلًا مِنْهُ لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِ بِالإِْسْلاَمِ، وَإِمَّا الْجَهْل بِمَكَانِ الشَّيْءِ، كَمَنْ عَلِمَ فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً، وَخَفِيَ عَلَيْهِ مَكَانُهَا (٢) .
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْخَفَاءِ مِنْ أَحْكَامٍ:
أَوَّلًا: عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:
٤ - يُقَسِّمُ الأُْصُولِيُّونَ اللَّفْظَ بِاعْتِبَارِ خَفَاءِ الْمَعْنَى وَمَرَاتِبِ الْخَفَاءِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
الأَْوَّل: الْخَفِيُّ، وَهُوَ مَا اشْتَبَهَ مَعْنَاهُ وَخَفِيَ مُرَادُهُ (أَيِ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ) بِعَارِضٍ غَيْرِ الصِّيغَةِ،
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير والتلويح ١ / ١٢٧، وكشف الأسرار ١ / ٥٤.
(٢) لسان العرب والمصباح المنير والتعريفات للجرجاني، والمجموع ٥ / ٣٣٤، والبدائع ١ / ٨١.
فَالْخَفَاءُ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ، وَلَكِنَّهُ بِسَبَبٍ عَارِضٍ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) فَلَفْظُ السَّارِقِ ظَاهِرٌ فِي كُل سَارِقٍ لَمْ يُعْرَفْ بِاسْمٍ آخَرَ، لَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلطَّرَّارِ الَّذِي يَسْرِقُ بِشَقِّ الثَّوْبِ، وَالنَّبَّاشِ فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْخَفَاءِ، لاِخْتِصَاصِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِاسْمِ غَيْرِ السَّارِقِ.
وَإِزَالَةُ الْخَفَاءِ تَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ وَتَأَمُّلٍ، وَبِالتَّأَمُّل يَظْهَرُ أَنَّ الْخَفَاءَ قَدْ يَكُونُ لِزِيَادَةٍ فِي الْمَعْنَى الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ كَمَا فِي الطَّرَّارِ، فَإِنَّهُ سَارِقٌ كَامِلٌ يَأْخُذُ مِنْ حُضُورِ الْمَالِكِ، وَيَقِظَتِهِ فَلَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى السَّارِقِ؛ لأَِنَّ السَّارِقَ يَأْخُذُ عَلَى سَبِيل الْخُفْيَةِ، وَلِذَلِكَ يَأْخُذُ الطَّرَّارُ حُكْمَ السَّارِقِ فَيُقْطَعُ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ.
وَقَدْ يَكُونُ الْخَفَاءُ لِنَقْصٍ فِي الْمَعْنَى الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ كَمَا فِي النَّبَّاشِ الَّذِي يَسْرِقُ أَكْفَانَ الْمَوْتَى، فَفِيهِ شُبْهَةُ نُقْصَانِ الْحِرْزِ، وَعَدَمِ الْحَافِظِ لَهُ، وَلِذَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ فَيُقْطَعُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ)، وَلاَ يُقْطَعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
٥ - الثَّانِي: الْمُشْكِل: وَهُوَ اسْمٌ لَمَّا يَشْتَبِهُ الْمُرَادُ مِنْهُ بِدُخُولِهِ فِي إِشْكَالِهِ عَلَى وَجْهٍ لاَ يُعْرَفُ الْمُرَادُ مِنْهُ إِلاَّ بِدَلِيلٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ سَائِرِ الأَْشْكَال.
وَقَال الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ الدَّبُّوسِيُّ: هُوَ الَّذِي
_________
(١) سورة المائدة / ٣٨.